الحياة المسيحية

جلوس يسوع "تجاه"

القسم: أين تجلس؟.

القراءة: مرقس 41:12-44

التاريخ: 26/1/1975

"وجلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقي الجمع نحاساً في الخزانة" (مرقس 41:12). جلس يسوع جلسة المعلّم والمبشّر وها هو اليوم يجلس جلسة الاهتمام بالعابدين. فالمسيح لم يُغفل ناحية من نواحي حياة الإيمان لكي يهتم بناحية أخرى. كما أن يسوع لا يحسب أن النجاح في ناحية معيّنة يغطّي على الفشل والضعف في نواحٍ أخرى، إذ كان يعلّم: "ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك" (متى 23:23).

جلس يسوع تجاه الخزانة، حيث يُلقي العابدون قرابينهم وتقدماتهم، جلس لكي يلاحظ هؤلاء العابدين. جلس يسوع وسط الشعب ليراقب الأفراد الذين يمارسون نوعاً من التحركات الدينية والروحية، وليهتمّ بكل عابد بمفرده. يراقب ويقيس لكي يعطي النتائج. ولكن مقاييس المسيح تختلف عن مقاييسنا لأنها روحية وسماوية، "ولأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب" (1صموئيل 7:16). جلس المسيح تجاه الخزانة ليقيس العابدين ثم دعا تلاميذه ورفع إليهم تقريراً فيه الكثير من التعاليم. ويتطرق المسيح إلى النواحي المادية والتي لها علاقة كبيرة بالنواحي الروحية. فالطريقة التي نتصرف فيها مادياً قد تعبّر كثيراً عن مكوّنات حياتنا الروحية وأبعادها.

يقدّم المسيح تقريره ويأتي على الشكل التالي: "إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة" (مرقس 43:12).

نجد في هذا التقرير ما يلي:

1- إن يسوع يتحدّث عن كمية العطاء. وعندما يتحدّث يسوع عن العطاء لا يقصد العطاء المادي فحسب، بل العطاء بشكل عام. ذلك لأن العطاء لا يتجزأ، فمن يُعطي من ماله يعطي من وقته ومن طاقاته ومن إمكاناته. فعندما جلس المسيح ليراقب العطاء ، كان يراقب الشخصية والتصرف والمواقف، وكان يراقب الحاضر والمستقبل وحالة العابدين حاضراً ومستقبلاً نتيجةً لهذا العطاء.

أتى تقرير المسيح على النحو التالي: "هذه الأرملة الفقيرة ألقت (كمّية) أكثر من الجميع". على أية أسس اعتمد المسيح في حساباته حتى توصّل إلى هذه النتيجة؟ يقول المسيح إن هذه الأرملة قدّمت من إعوازها، أما أولئك فقدّموا من فُضالتهم. هذه قدّمت مالاً ادّخرته من معيشتها، أما أولئك فممّا فاض عنهم. قدّموا لنفوسهم ولسدّ حاجاتهم وشراء كمالياتهم وما تقتضيه حياة البذخ والبطر؛ ومن جملة ما قدموا، شيئاً في الخزانة. اذاً، هي قدمت الكل وهم قدّموا الجزء.

هل نقدم نضارة الحياة وزهرة الشباب ورَيَعان الصِّبا للمسيح؟ هل نستخدم حياتنا وأجسادنا وقوانا في العالم، وما بقي من فضالة نقدمه للرب؟ أن نُكرم الرب من مالنا ومن باكورات غلّتنا شيء، وأن نقدّم للرب ما تيسّر بدافع الخجل والحياء شيء آخر. أن نبدأ صباحاً بإعطاء نفوسنا للرب وتكريسها له من جديد شيء، وأن نصلّي في آخر النهار بضع كلمات هي مزيج من الشكر والطلبات والواجبات شيء آخر.

فكمية العطاء التي يطلبها الرب هي أن نقدّم كل ما عندنا ولا نبخل على الرب بشيء، ولا نُبقي لأنفسنا شيئاً. فعندما يريد المسيح أن يرفع تقريراً عن عطائنا لا يجمع ما قدّمنا، بل ما بقي عندنا. وهذه الحسابات لا يعرفها إلا الرب، إذ هو عالم بما قدّمنا وبما كنا نستطيع أن نقدمه بعد.

ألقى الجميع في الخزانة، ودخلت الحسابات في سرّية المصارف. ويسوع يكشف الحسابات ويقول: إن هذه الأرملة ألقت كل رصيدها حتى وصلت إلى درجة الإفلاس، لذا فإنها ألقت أكثر من الجميع.

هل نسمع نحن هذا الكلام من يسوع، لو جلس تجاه الخزانة التي نُلقي فيها خدماتنا وأموالنا وأوقاتنا ومجهوداتنا وعلومنا، هل يقول، إن هذا ألقى كل ما عنده، ألقى من إعوازه، وصل الى درجة الإفلاس؟

2- إن يسوع يتحدّث عن أسلوب العطاء وليس فقط عن الكمية. "جلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقي الجمع" (مرقس 41:12). وهذا الأسلوب لا يراه إلا يسوع. وفي تقرير المسيح نجد أن الأسلوب كان أولاً، بإيمان. هذه الأرملة ألقت كل ما عندها بإيمان لا يهتمّ للغد. والرب يغبّط الإيمان كثيراً، إذ "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عبرانيين 6:11)، "وأما البار فبالإيمان يحيا" (رومية 17:1).

ويهمّ المسيح كثيراً أن نتجرد من كل سند يُضعف حياة الإيمان فينا. فهذه المرأة كانت أرملة وفقيرة ومسكينة لا سند لها، ولا رصيد، ولا تأمل بدخل للغد، ومع هذا كله لم تهتم للغد لأنها صدّقت كلام المسيح حين قال: "فلا تهتموا للغد لأن الغد يهتم بما لنفسه" (متى 34:6). تأملت زنابق الحقل، وطيور السماء كيف أنها لا تزرع ولا تحصد والآب السماوي يقوتها، وآمنت بقول المسيح: "وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (متى 30:10). فألقت كل ما عندها بإيمان ومن دون تردد.

كثيراً ما يمنعنا التحفظ من العطاء، وننسى قول المسيح: "من وجـد حياته يضيعها. ومن أضاع حياته من أجلي يجـدها" (متى39:10)، وهذا يقتضي إيماناً.

وهذا الأسلوب كان ثانياً، بسرور . قدّمت بسرور ولكن بغصّة، شعوراً منها بأن ما تقدّمه ضئيل وضئيل جداً. أمّا ما يعزّيها فهو أنها
قدمت كل ما عندها، وبسرور، "لأن المعطي المسرور يحبه الله"
(2كورنثوس 7:9).

لا نخدم كالعبد الذي يتمّم واجباته المفروضة عليه فرضاً. فإن كنا نقدّم أي مجهود أو نشاط أو صدقات، ولا نقدّمها بسرور، فهي غير مقبولة أمام الرب. فإن كنا نعظ أو نعلّم أو ندبّر أو نوزع النشرات، فهل نقوم بكل هذه الخدمات بكل سرور؟ هل نشعر بالغصّة ونتمنى لو أننا نستطيع أن نقدّم المزيد؟

وهذا الأسلوب كان ثالثاً، بشكل طوعي ومن القلب. أعطت بحماسة ومن دون ندامة. وعندما نقدّم للرب بشكل طوعي ومن القلب، نحسّ بنوع من الاكتفاء الروحي والشبع الروحي. وهذا النوع من العطاء هو الذي يدوم ويستمر في حياتنا، فنحن لا نصطنعه بل يأتي بشكل اختياري ومن دون تردد.

أخال هذه الأرملة المسكينة تتردّد بين حين والآخر إلى الخزانة، وهي تحسّ بدافع شديد ورغبة ملحّة لكي تعبّر عن محبتها للرب ولكي تقدّم ما جمعت من فلس أو فلسين، من القلب وبشكل طوعي.

3- إن يسوع يتحدّث عن دوافع العطاء. والدوافع هي التي تقرر الكمية والطريقة. أعطت هذه المرأة أولاً، لكي تشارك في خدمة الرب، وكان لديها هذا الشعور بأنها من خلال هذه التقدمة البسيطة المقدّمة بإيمان وسرور ومن كل القلب تساهم مساهمة فعّالة في الخدمة. وهذا أعظم امتياز يُعطى لأي إنسان أن يكون له حق المشاركة في خدمة الرب. إذاً، فالاشتراك في الخدمة يقتضي تقديم الامكانات المتوافرة لدينا.

ثانياً، أعطت لكي يكون لها كنـز في السماء . أعطت لأنها كانت تؤمن بأن الكنـز الحقيقي لا يُكنـز في هذا العالم بل في السماء. لذلك فإن كل مجهود نضعه في هذا العالم ولا يكون له أي تأثير روحي أو أبدي، سيفقد قيمته في الأبديـة. إصلاح المجتمـع، تربية الأولاد، تعليم الناشئة، الاهتمام بالفقراء والمرضى… كل هذه ما لم يكن لها الطابع الروحي وتبغي النتائج الروحية، فلا قيمة لها.

ثم نجد أن هذه الأرملة كانت تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي والتفرد في شخصيتها. فهي لم تقارن تقدمتها بجسامة الخدمة والحاجة الملحّة المادية، بل أحست بمعاملة خاصة بينها وبين الرب فأعطت وقدّمت. لا نحتقر إمكاناتنا مهما كانت محدودة أو بسيطة بل لنقدّم الفلسين. كما أنها لم تقارن عطاءها بعطاء الآخرين. قد نَفشل أحياناً إن كنا نقارن خدمتنا وعطاءنا بخدمة رجال عظام في التاريخ المسيحي. لكنها أحسّت بأنها ما دامت تقدّم كل ما عندها، فما تقدمه له قيمته ومكانته في عمل الرب.

وثالثاً، أعطت لأنها تحب الرب. الأغنياء قدموا للهيكل أما هي فقدّمت للرب. إنها تعطي كل ما عندها للرب لأنها أعطت نفسها أولاً للرب.إنها تعبّر بشكل عملي عن أنّ ما تملكه هو للرب. لا نقدر أن نفصل نفوسنا عن عطائنا، نحن للرب وما نعطيه يجب أن يكون للرب.

لا نتطلع إلى ما يقدّمة الآخرون من عطاء وتضحيات ومجهودات، "وأما أنا فأقل شيء عندي أن يُحكَم فيَّ منكم أو من يوم بشر … ولكن الذي يَحكُم فيَّ هو الرب" (1كورنثوس 3:4و4). سيأتي اليوم الذي سيُصدِر فيه الرب حكمه على دوافعنا وسيكون الحُكم على أساس المحبة، وإلا كان العطاء "نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ" (1كورنثوس 1:13).

وأخيراً، لا بد من التوضيح، أن الرب عندما وضع ترتيب العطاء المادي، وضعه لكي يساعدنا حتى تبقى حياتنا روحية بعيدة كل البعد عن تجارب محبة المـال. فالعطـاء يقتلـع منـا جـذور محبة المال التي هي "أصل لكل الشرور" (1تيموثاوس 10:6) والتي "تغرق الناس في العطب والهلاك"(1تيموثاوس 9:6).

هل نعبّر في عطائنا عن اتحاد كامل بالمسيح وأن ما يخصه يخصنا، وما عطاؤنا سوى مساهمة ومشاركة تؤكد هذا الاتحاد؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الخالقُ في هيئةِ مخلوق

وصارَ اللهُ في المِذْودِ طفلاً

نعطيه المجدَ والكرامةَ اهلاً

كلُّ خليقتِهِ تتوقّف، مَهلاً

احبَّ اللهُ الخاطئَ فضلاً

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة