الحياة المسيحية

الباب الأول: في مصر - الفصل الأول: الكاهن المصري

القسم: الباحث عن الله.

كان الرجل كاهناً بسيطاً في هيكل "الإله أوزيريس"، أحد آلهة مصر كما أخبرني. وقد علمتُ أنه كان قبل زواجه يخدم في هياكل مصر. وقد أُتيحت له الفرصة أن يفتقد العدد الكبير من هذه الهياكل. وهي هياكل كثيرة منتشرة في كل أنحاء البلاد... وكانت الكلمات "آلهة" و "هياكل" و "كاهن" غريبة على أذني. لم أفهم المقصود منها، ولكني لم أسأل عما يقصده، منتظراً إتمام حديثه!!

على أنه انتقل كما خُيّل لي إلى موضوع آخر. قال بعد أن ابتسم ابتسامة عريضة: "شكراً "لأوزيريس" أنك جئت في الوقت المناسب. انك لست أول من جاء إلى هذا المكان. لقد سبقك آخرون، ولكنهم كانوا يبحثون عن أشياء أخرى توجد على... على "مبعدة قريبة" من هذا المكان إذا صح التعبير: مناجم للذهب والفضة.

وقد علمتُ مؤخراً أنهم اكتشفوا مناجم لمعادن أخرى. ومنذ أُعلنت تلك الاكتشافات جاء كثيرون ينشدون المعدن النفيس. وقد عثرتُ في البقعة التي وجدتُك فيها على جثث عديدة. ربما يجدر أن أقول على بقايا جثث. هلك البعض جوعاً وعطشاً. افترست الوحوش البعض. وبعضهم قتلهم اللصوص المنتشرون في المكان. أقول شكراً "لأوزيريس" أني وجدتك. اعتقد أن الآلهة حرستك لأنك خرجت تبحث عن الله لا عن المادة!!

وأنا كما قلت لك كاهن بسيط في هيكل "الإله أوزيريس". وقد اعتدتُ أن أترك بيتي مرة كل ثلاثة أسابيع لأقضي في الكهف القريب ثلاثة أيام أتأمل في الروحيات، لا أتناول إلا أقل القليل من الخبز الجاف وأقل القليل من الماء الذي علَّمني رجال الصحراء كيف أحصل عليه. ووجدتك مطروحاً على الأرض لا أثر للحياة فيك إلا بعض التنفس الضعيف. ويسرُّني أني استطعت أن أعيدك إلى الحياة. ويسرُّني أن أكون ذا نفع لك. نعم فقد وصلت إلى نهاية رحلتك. سآخذ بيدك إلى "الله" الذي تبحث عنه!!

الله... الله الواحد

وتكلم الكاهن طويلاً. ومع أني فهمت مفردات كلماته إلا أني لم أستطع أن أفهم معنى هذه الكلمات، فقد شرح كلمة "الله" وكلمة "هيكل" وكلمة "كاهن". شرحه بما هو مفهوم عنده. علمت فيما بعد أن للديانة فلسفة عميقة. لكني استطعت أن أفهم أن الإله كائن عظيم وُجدَ من أقدم الأيام. قال انه "اله سرمدي أو أزلي... وأبدي". وقد حاول أن يفهمني معنى هذه الكلمات. وأنا اكتفيت بأن أفهم انه إله ظهر في أيام قديمة، أقدم من أيام أبي وجدّي، وأنه سيظل عائشاً غالى ما بعد أن أنتهي أنا وأولادي وأحفادي.

وقال لي إن هذا الإله في مكان، لا نستطيع أن نصل اليه. بل إننا إذا فرضنا المستحيل ووصلنا إليه، فأننا لا نستطيع أن نراه بعيوننا....

لم أستطع أن أحتفظ بفمي مغلقاً بعد أن حفظته طويلاً. قلت "لئن كان ذلك الكائن العظيم القديم الأيام الذي لم يره آباؤك وأجدادك- وأنت بالطبع لم تره- فكيف عرفت أنت بوجوده وهو يقيم على بُعدٍ خياليّ؟ ومن أنت حتى تعرف هذه الحقائق عنه؟ لقد خرجتُ من بلادي أبحث عن هذا الإله، وقلت لك إني أريد أن أراه وأعرف شخصيته وماذا يستطيع أن يعطيني وماذا يطلب مني أن أقدمه له. وأنت تقول لي كلمات غريبة "سرمدي" "أزلي" "أبدي" يقيم في أماكن بعيدة لا يمكنك الوصول إليها- بل بفرض وصولك إليها فانك لا تستطيع أن تراه. أوه... الحق يا سيدي أنك زدتَ بلبلتي بلبلة". وقد أحسستُ أني لم أكن مهذباً مع الرجل، وهو كان كريماً معي!!

على أن الرجل لم يغضب بل تبسَّم. وإذ رآني أهمُّ أن أعتذر، أشار عليّ أن لا أفعل ذلك. قال: "لا عليك. لقد جزتُ أنا في نفس طريقك، وسألتُ نفسي أسئلتك. هناك أشياء كثيرة لا زلتُ أجهلها. أنا... نسيتُ أن أقول لك إن الكاهن وهو خادم من خدام ذلك الإله. انه. يتلقَّى أوامره ويحملها الناس، ويحمل مطالب الناس ويرفعها إليه. ويوجد كهنة كبار يدخلون إلى المداخل الداخلية لهياكل الله، البيوت التي يحلُّ فيها. هؤلاء يعرفون أكثر مما نعرف نحن وعندهم الكتب المقدسة.

وهم لا يخبروننا كل شيء عن الله. على أني مستعد أن أخبرك أنت كل ما أعرف. وأعتقد أنك بعد أن تسمع مني كل شيء ستكتفي... أؤكد لك أنك ستكتفي. سترى الله وان تكن رؤية بالقلب لا بالعين. بالروح لا بالجسد...

الله موجود

أما أن الله موجود فأمر لا يحتاج إلى برهان حسي أو عقلي. فأنت تراه بعينك وبأذنك وبقدمك وبيدك، وتراه بفكرك وعقلك. تراه في الحجر والمدر، تراه في السهل والتل والجبل. تراه في النهر والبحر، تراه في الزهرة والشجرة، تراه في الحشرة الصغيرة وفي الحشرة الكبيرة، في الدودة والخنفساء والعنكبوت. في الطير الضعيف وفي النسر وفي الصقر. أنت تراه، الله فيك أنت، لقد ترك الله بصمته على كل هذه الأشياء. انك إذا رأيت آثار قدمٍ على التراب خارج بيتك عرفت أن إنساناً ما مرَّ بالمكان.

وكذلك مع الله لا تحتاج إلى أن يخبرك أحد أن الله موجود. أو أغمض عينيك وانظر بذهنك إلى داخلك، وإذ ذاك تبصر الله يملأ الأكوان كلها.

"وأنا لم أتعلم هذا الدرس من أحد، لقد تعلمتُه من نفسي. أما ما علَّمه لي الكهنة الكبار الذين يقيمون في هياكل الله فهو أن الله واحد وأنه نور لا يُدنى منه. علَّموني هذا من كتبهم. قال لي الكاهن الكبير إن الله نور لا تستطيع العين أن تقابله.... وعندما أراد أن يعلن نفسه للبشر تجلّى لهم في صور محسوسة، ترى نوره في الشمس والقمر والنجوم ترى عظمته في الجبال والبحار والصحاري. ترى بركاته وخيراته في الأنهار والأشجار. وهكذا.... على أن الناس أخطئوا فأخذوا التجلّيات كأنها الأصل... ولما كانوا ضعيفي الإحساس فقد عبدوا المحسوس. وهكذا عبدوا بدلاً من الله الواحد، آلهة كثيرين، وبدلاً من أن يكون لهم هيكل لإله واحد بنوا هياكل متعددة لآلهة كثيرين. ولما طال الزمن علينا ونحن نفكر هذا التفكير نسينا أن لنا إلهاً واحداً، وعبدنا آلهة متعددة. على أني أعتقد أن الله الواحد يتجاوز عن هذا الخطأ، لأننا ونحن نعبد هذه الآلهة إنما نعبده هو، فانه قد تجلى فيها وهو الذي ولدها".

كان كلام الكاهن يحوي شيئاً مما تستريح إليه النفس وشيئاً مما تمجُّه. لا أعلم لماذا نفرتُ من تعدُّد الآلهة... نعم نفرتُ!!

تعدد الآلهة

قلت للكاهن: "لقد خرجتُ من بيتي أبحث عن الله وأطلب أن أراه. وقد أطمأنَّت نفسي وأنت تحدثني عن حقيقة وجود الله، وأمّلَّتُ عن قريب. ولكن قولك الأخير يزعجني. إلى أي إله أتوجه وأنت تحدثني عن آلهة كثيرين، آلهة تمتد هياكلهم من شمال الوادي إلى جنوبه؟". قال: "لا عليك، إننا نكرم كل آلهة مصر... بل يجب أن نكرم كل آلهة البلاد الأخرى، ولكننا لسنا مدينين بالتعبُّد إلا لإلهٍ واحد منهم"....

زيارة الهياكل

وبعد أن صمت قليلاً قال: "لماذا لا نبدأ رحلة نزور فيها هياكل الآلهة المختلفة. ثم نختم زيارتنا بزيارة هيكل "أوزيريس"، الهي الخاص؟ ويمكننا أن نقدم قرابيننا لتلك الآلهة حتى ترضى علينا. ثم... ثم نختص "الإله أوزيريس "بعبادتنا الكاملة "!!

وسألته: "فهل سنجد الله في الهياكل التي سنزورها؟"أجاب: "لقد سبق أن قلتُ لك إننا سنجد الله أكمل إله في هيكل أوزيريس. على أن من الحكمة أن نُرضي كل الآلهة. إن كل إله في هيكل أوزيريس. على أن من الحكمة أن نُرضي كل الآلهة. إن كل إله جزء من الله".

قلت: "هلاّ أوضحت لي أكثر عن الله، وهلاّ شرحت لي شيئاً عن تجلياته أو أولاده كما تقول؟" أجاب: "إن الله كما سبقتُ وقلت لك، بعيد جداً وقريب جداً.

لا يمكنك أن تراه، وفي نفس الوقت تراه، كبير جداً وصغير جداً". قلت: "انك تبلبل ذهني، انك تنطق بكلمات أعلى من مستوى ذهني". فقال موضحاً: "سأقول لك ما قاله لي الكاهن الكبير يوم ذهبت لأكون تلميذاً صغيراً لأحد الكهان، أو على الأصحّ يوم دخلت الهيكل لأتدرَّب على خدمة الهيكل. قال: تخيلوا بحيرة من النار، كبيرة أكبر من مدينة تانيس أو تحفنيس العامرة وأعلى من المسافة بين الأرض والشمس الغامرة، وتصوروا أن شرارة واحدة منها طارت لتصل إلينا ومرَّت على ألف بحر نظير أكبر بحر عرفناه، فجففت كل هذه البحار... وتصوروا أن هذه الشرارة صارت بعد ذلك الشُعلة التي نوقد بها نار المذبح... فهل يمكنكم أن تحيطوا بمعرفة هذه النار العظيمة؟ هل تستطيعون أن تفتحوا عيونكم لتبصروا؟ وهل تستطيعون أن تقتربوا منها؟ ألا فاعلموا أن هذه النار هي الله. نور أعظم من أن تراه، وأعظم من أن نقترب إليه، وأعظم من أن نفهمه!!

"ولكن هذا الله العظيم أراد أن يكشف نفسه لنا، فوضع بصمته على أشياء على الأرض. رأته بعض بلادنا في الحياة الحيوانية، لأنه حياة. فهذه "تنيس وأبيدوس "رأياه في "ابن آوى". وهذه "الفيوم" رأته في "التمساح". و "طيبة" رأته في "الكبش" الذي دعته "أمون". وهذه "منف" وهي تعبد "اللبؤة "و "العجل أبيس". و "دندرة" تعبد الآلهة "هاتور البقرة". و "ادفو "تعبد "الصقر"... وجهات أخرى عبدت القرد أو فرس البحر أو الحية أو القط أو الضفدعة....".

قلت: "ولكن ألا ترى معي أنه أمر لا يتفق مع العقل أن الإنسان الكائن الكريم سيد المخلوقات يصير عبداً للحيوان أو للحشرة؟".

أجاب: "انه لا يتعبَّد لنفس الحيوان أو لنفس الحشرة... مع أنه يلزم أن أقول إن القوم عبدوا فعلاً الحيوان والحشرة وغيرهما. لكن الحقيقة الأصلية التي نسيها الناس هي أن الآلهة كانت تتقمَّص أجسام الحيوانات المختلفة وتجول بين الناس وترصد حركاتهم وأعمالهم. ذلك إن في هذه الحيوانات المختلفة التي تتفق مع خواص الآلهة. وفي التواريخ القديمة جداً قرأنا أن ملاكاً كبيراً فقد رئاسته، فحلّ في الحية التي كانت أحيل جميع حيوانات البرية "!!

ثم قال لي: "إن الله" فقاطعته وقلت: "هل هو الله أو الآلهة؟ لقد اختلط الأمر عليّ من جراء كلامك". أجاب: "إن الأعداد لا تتصل بالله. انه واحد. لكنه في نفس الوقت أكثر من واحد. انه ألوف وملايين. حيثما حلّ كان هو الله. هو إله واحد وفي نفس الوقت آلهة كثيرون... وأنت قد رأيته في الحيوانات، وستراه في حيوانات لها رؤوس بشرية، لأن في الإنسان أيضاً خواصاً تتفق مع خواص الآلهة. فهذا الإله "أنوبيس" حارس المدافن والمقابر ودليل الموتى هو إنسان له رأس ابن آوى. "توت" إله العلم إنسان له رأس عجل.

قلت: "في الحق أنا لا أعرف ماذا أقول لك. أنا خرجت أبحث عن اله. عن كائن عظيم كبير. عن شخص ألوذ به وأطلب حمايته، وأنت تقدّم لي حيوانات تحتاج إلى حمايتي حتى لأحسُّ

أنني أنا إلهها وليست هي الهي". قال: "انك لتشتط في كلامك وتأتي الخطأ كله. لقد ذكرتُ لك أن الآلهة رأت في سامي حكمتها أن تحل في الكائنات التي قلتُ لك عنها، وهي كائنات تتميز بخاصيات تتفق مع ما أرادت الآلهة أن تبرزها لبني البشر. والآن بنا نزور بعض هياكل هذه الآلهة، ونقدم القرابين اللازمة، علّها ترضى علينا وتمهد سبيلنا وتكشف الطريق أمامنا". ولم ينتظر جواباً، بل مدّ يده وجذبني وسار بي!!

وظللنا نسير ونسير أياماً وليالي، ووقفنا أمام هيكل قرأت النقوش المرسومة على واجهته، وهي نشيد حمد للإله "رع" إله الشمس... الشمس مصدر النور وواهب الدفء، وأقام الناس هياكل عدة ل "رع" بل أن أتباع "أمون" جمعوا ما بينه وبين "رع" فعبدوا "أمون رع". على أن إلهاً آخر كان ذا سطوة هو "حورس" ابن "أوزيريس" و "ايزيس" نازع رع، إله الشمس... وكان رع يطل على مصر من المشرق ويظل يسير مراقباً وفاحصاً ومحارباً قوات الظلام!!

ونظر إليّ الكاهن وقال: "ألست ترى مدى قوة هذا الإله العظيم؟" قلت: "ولكني رأيت هذا الإله في القرية في الوادي حيث كنت أقيم"... وأجاب: "نعم، ولكنه خصَّنا نحن بالجانب الأكبر من نوره".

وسألته: "لقد ذكرت "أمون" فأي إله هو هذا؟" فأجاب: "انه إله عظيم، ولكنه غامض وقد رأيناه في طيبة، ولكنه كان إلهاً مسالماً، فقد اختلف كما سبق أن قلت لك مع الإله "رع" وعبدنا "أمون رع".

وتركنا هيكل "رع" ووصلنا إلى هيكل الإله "تحوت" إله الحكمة وحارس القانون، وعند قدميه عرفنا الحروف وتعلمنا القراءة والكتابة... يجدر بك أن تقدم له ولاءً كاملاً، لأن حكمة المصريين كانت من فيض عطاياه. وقد برز أعظم الحكماء في مصر وتحدث الناس عن حكمتنا التي فاقت حكمة أعظم الحكماء....

هياكل صغيرة

أما هذه الهياكل المبعثرة هنا وهناك فلا بأس أن تمر بها مروراً سريعاً... فهذا هيكل الإله "بتاح" معبود "ممفيس" هو الإله الخالق وقد خلق العالم من الطين. ونحن لا نعرف له بداية. لا أقول ذلك لأننا نعرف بداية الآلهة الأخرى، ولكننا نعرف بداية إعلانها لنا. أما "بتاح" فلا يذكر أحدٌ متى عرف الناس بدايته. وهذه "إلهة الحق" الالاهة "مات" التي تقف عند باب قاعة الدينونة حينما يُوزن قلب الإنسان.

وهذا هيكل الإله "هو" إله الذوق. وهيكل "أنوبيس" حارس المقابر...

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

هو واقف على الباب يقرع

إذا وقف أحد الأشخاص عند باب منزلك يقرع من أجل أن يدخل بيتك، وأنت لم تفتح له سيظل يقرع إلى حين وبعد هذا سيغادر عالما أنك لا تريد أن تستقبله، أو أنك غير مستعد لكي تستقبل أي

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة