الحياة المسيحية

الفصل الحادي عشر: مع كبير العشارين

القسم: الباحث عن الله.

قابلتُ في اليهودية طوائف عدة. كانت كل طائفة تعيش في شبه عزلة عن الطوائف الأخرى. كان رئيس الكهنة وعدد من ذوي الشأن ينتسبون إلى طائفة تُدعى "الصدوقيين" قيل إنهم أتباع زعيم كبير يُدعى صادوق، وكانت الطائفة مثقفة متحررة تنتسب للدين ولكنها لا تتمسك بالكثير مما يعتبره غيرهم أساسياً في الدين. كانوا يتمسكون بكتب موسى ولكنهم ينكرون الجانب الأكبر من باقي الكتب. لا يؤمنون بالبعث أو الحياة الأخرى أو الملائكة. إن الحياة لهم هي الأيام التي يعيشونها، والخلود يقوم ببقاء الاسم في أبنائهم وأحفادهم وهكذا.

أما الطائفة الكبرى الثانية فهي الفريسية، وهي الطائفة المحافظة المتمسِّكة بكل الكتب المقدسة وكتب التقاليد. وكانت تحتقر الشعب الجاهل، وتقاوم الاستعمار في كل صورة. وقد برز منهم رجال عظماء كان لهم اسم في تاريخ الأمة!

والطائفتان كانتا تناوئان يسوع الناصري لأنه كان يهتم بالشعب ويقدم التعاليم السامية، وقد كشف نفاق ورياء الطائفتين كما وبخ كبرياءهما.

والطائفة الثالثة العشارون، وهم طبقة منبوذة تعاونت مع الأجنبي وانحدرت في أخلاقياتها حتى لم تجد من يقبل التعاون معها إلا أحط طبقات الشعب. وقد سمعتُ أن المعلم الناصري اهتم بهذه الطبقة اهتماماً خاصاً، وأعلن أن الله يهتم بهؤلاء، وأن الآب السماوي لم يرسله للأبرار بل للخطاة ليخلّصهم ويأتي بهم إلى التوبة. لذلك كان المعلم الناصري يجلس مع هؤلاء العشارين الخطاة الذين نبذهم المجتمع، وكان يرفع من معنوياتهم ويؤكد أن الله أبوهم السماوي وهو يحبهم. ربما كان يحبهم أكثر من غيرهم، فهم الخروف الضال الذي يترك الراعي التسعة والتسعين في البرية ليفتش عنه. وهم الدرهم المفقود الذي تقلب المرأة كل البيت من أجله. وهم الابن الراجع الذي يفرح أبوه بعودته أكثر من أي شخص آخر.

لم يكن من الصعب عليّ أن أصل إلى أفرادٍ من هذه الطبقة. كان بعضهم من كبار الأغنياء لكنهم برغم ثرائهم لم يُقابلوا حتى من عامة الشعب إلا بالاحتقار. وقد انتهز الرومان هذه الفرصة فشغَّلوا هؤلاء العشارين في جباية الجزية، إذ لم يقبل أحد المواطنين الأحرار أن يفعل ذلك!

وقد قابلت من هذه الطائفة رجلاً يُدعى لاوي بن حلفى. كان جابياً، ولكن المعلم الناصري دعاه فترك الجباية وتبعه، وصار أحد تلاميذه الخصوصيين.

كان للناصري تلاميذ كثيرون، لكن سبعين منهم كانوا من خاصة التلاميذ، واثنا عشر كانوا من خاصة الخاصة، وكان لاوي أحد هؤلاء الاثني عشر. وقد أردتُ أن أتحدث إليه، لكنه أخبرني أنه مكلَّف بمهمة عاجلة، وقال لي: "سأرسلك إلى صديق حبيب كان زميلاً لي في العمل. اذهب إلى مدينة أريحا واسأل هناك عن رئيس العشارين زكا". وذهبت للتوّ إلى أريحا، وقد عجبت أن كل السكان يعرفونه، بل لاحظت أنهم لا يتكلمون عنه باحتقار أو بكراهة كما تعوَّدت أن ألاحظ ذلك من الناس وهم يتكلمون عن العشارين!

وصلت إلى بيت زكا وطرقت الباب، ففتحت شابة صغيرة اسمها حنة، قالت إن أمها راحيل في البيت، أما أبوها فسيأتي بعد قليل. ونادت أمها فجاءت امرأة حلوة لا تزال تحمل جانباً من الشباب، وقالت إن زوجها لن يتأخر. فإذا قبل ضيفنا أن يستريح قليلاً لأقدم له شيئاً من شراب الليمون يُنيلنا بركة الهنا. وقد علَّمنا سيدنا أن من يقدم كأس ماء بارد لعطشان لن يضيع أجره!

قلت إني أشكر للسيدة تفضُّلها، وأخبرتها أني أتيت لأسمع شيئاً أكثر عن هذا السيد، بعد أن قضيت سنين طويلة أبحث عنه!

قالت: "كنت أود لو أنك جئتَ من عشرة أيام، فقد كان هنا في أريحا، وقضى ليلة كاملة في بيتنا المتواضع هذا". وثبت في مكاني وقلت: "قضى ليلة كاملة هنا؟ ماذا أقول في حظي التعس؟ أصل متأخراً عدة أيام. على أنه يعزيني أن أسمع قصته من زوجك الفاضل زكا"!.

وقبل أن أكمل حديثي دخل رجل قصير القامة لكنه مهيب الطلعة، وقال: "مرحباً بالضيف الكريم. أي ريح طيبة جاءت بك إلى بيت العشار المسكين؟".

قلت: "شكراً لله وللسيد لاوي بن حلفى، فقد أرسلني للسيد زكا كبير الجباة في أريحا لأسمع منه عن المعجزة التي أجراها الناصري فيه. بل قال لي ليته يتحدث عن حياته السابقة...". وقال زكا: "لماذا لا تكمل فتقول كعشَّار؟" ثم مضى يقول: "لكن الحديث سيطول يا صديقي، فإذا قبلتَ أن تبيت الليلة في بيت العشار فسأخبرك بالمعجزة التي لا يمكن أن يجريها إلا الله نفسه. نعم لقد آمنتُ أن الناصري هو الله الذي ظهر في الجسد".

جلسنا إلى مائدةٍ، قدموا لنا فيها أفخر الطعام وأطيب الشراب... أكلنا وشربنا وشكرنا الله....

وجلسنا- جلس زكا على مقعده الذي اعتاد أن يجلس عليه، وجلستُ مقابله، وجلست راحيل الزوجة وحنة الابنة الوحيدة إلى يمين زكا. وبدأ حديثه فقال:

" أنا زكا بن عميهود، وقد كان أبي من كبار رجال الحاشية في قصر كبير الأحبار. كنت شاباً مدللاً. وقد صادقتُ عدداً من الشباب العابث، فلهَونا وعبثنا وأتينا المنكرات. ولا داعي أن أذكر لك ما جعلني أترك بيت أبي... إنها تذكارات مؤلمة... وأنا أذكر تلك الليلة المروّعة في شهر كانون الثاني عندما تركتُ بيت أبي. لم يكن معي درهم واحد. بِتُّ الليلة في العراء. طلبتُ كسرة خبز فكشرّوا في وجهي. طرحوا الخبز للكلاب ولم يعطوني. تركوني أبيت في الطل. لا أزال أذكر تلك الليلة التي تقابلتُ فيها مع ياشيب وألناثان ومتوشالح في ركن الأقذار. كان كلٌ منّا يبحث عن شيء يمكن أن يُؤكل. يومها لم نجد إلا جثة حمار، فنهشناها. قصدنا بيت الله نرجو أن نجد عوناً عند بعض أبناء الله الذين يقولون انه أبو الرحمة، ولكنهم طردونا كما لو كنّا وحوشاً. يومها وقفنا وعاهدنا السماء- كلا. فإننا يومها لم نكن نؤمن بالسماء، تعاهدنا على أن ننتقم ممن يُدعون بشراً شرّ انتقام- وقد انتقمنا. ما أكثر البيوت العالية العُمُد التي دككناها، وما أكثر الأغنياء المُترفين الذين "لحَّسناهم" التراب.

ما أكثر الأبناء المنعَّمين الذين جعلناهم يطوفون الشوارع كالكلاب الضالة. ما أكثر الأنوف التي كانت شامخة فجعلناها تنخفض إلى الوحل. أيها الصديق لم أشبع من الانتقام. ظلَّت نفسي عطشى. كنت أتمنى أن أُعطَى السلطان أن اقبض على رؤوس سكان أريحا كلهم، وخصوصاً أولئك الفريسيين المنتفخين، وأضعها في الطين، وأضع قدمي على أعناقهم. أوه كم كنت أبغضهم. كانت رؤية آلام الناس أقصى رغائبي، كان قلبي يمتلئ غبطة وأنا أرى الجوع والعري والضرب والزجَّ في السجون والقتل نصيب تلك المخلوقات الكريهة التي تُدعى الناس. لم أكن أقبل بين من يعملون تحت إرادتي إلا ذوي القلوب الحجرية. وعندما كنت أسمع أن أحد العاملين معي قد شرّد العائلات ومزقهم شرّ ممزق، أهنّئه وأزيد له دائرة عمله......

كم حاولت زوجتي أن تليّن من قلبي هي وابنتي حنة. حاولت الاثنتان أن توجِّهاني إلى الله والى الدين. كنت أحب زوجتي وابنتي كل الحب. كانت كل حياتي، ولذلك كنت أطيل أناتي عليهما وهما تنقدان تصرفاتي. قلت لزوجتي: لا تذكري الله ولا تذكري الدين- أما الإنسانية فأنا أجحدها. هل تُوجد إنسانية؟ لقد وقفتُ أنا وأصدقائي أمام زعماء الإنسانية وأمام رجال الله، وقفنا نطلب كسرة خبز نتبلَّغ بها وخرقة تستر عورتنا فطرودنا طرد الكلاب... لا. فقد عاملوا الكلاب بالرحمة. قدموا لها ما لم يقدموه لنا. قلت لها إنهم هكذا إلى اليوم، أي بعد أن أصبحنا في غنى عن مساعدتهم التي يقدمونها". فقالت لي: "ماذا يقول الناس عنا؟". أجبتُها: "إنهم إلى اليوم عندما يرون زوجك يبصقون على الأرض، ويلتفتون إلى جهة أخرى ويتحدثون بعضهم مع بعض عن "العشار" الملعون. ولولا أنهم في حاجة إلينا لما سمحوا لنا أن نبقى في المكان. إنهم يستكثرون علينا استنشاق الهواء الذي يملأ الأرض- وفي الهيكل حيث يقولون إنهم يعبدون الله هل يسمحون لنا أن نعبد معهم إذا ما أُصبنا بالغباء وعبدنا.

نحن كلاب بالنسبة لهم. هل تسمعين يا ناصرة الإنسانية، يا أم حنة؟ هل تسمعين؟".

وقد حاولت راحيل معي أن تفتح عيني إلى قوة أقوى من الانتقام. حاولت أن تفتح قلبي للحب... حاولت أن تكشف لي قوة الحب... علمتُ فيما بعد أنها سمعت بعض تعاليم الناصري، وقد ذكرت لي أن المعلم الناصري، يكرز برسالة الحب. هو نفسه أحب العشارين والمنبوذين وقال إن الناموس يُلخَّص في كلمتين: تحب الرب وتحب الإنسان. ردّدت لي كلمات، قالت إن المعلم الجديد ألقاها لتلاميذه وآخرين وهو جالس على قمة من قمم جبل الشيخ، فنهرتُها بشدة ودفعتُها بعيداً عني بعنف. لا شك أن المعلم الناصري لا يمكن أن يصبح زعيماً مصلحاً. ستفشل رسالته. لن يصلِح العالم إلا القوة، فالدنيا للأقوياء، والنجاح للأقوياء، ولا مكان لضعيف.

هذا ما كنت يا صديقي قبل أن أرى الناصري- وهذا ما ختمتُ به سهرتي بعد حديث زوجتي.

ذهبت إلى فراشي وجاء الصباح يا صديقي، وكان صباحاً مكفهراً بدَت آثاره على وجهي. كان صدري طوال الليل مسرحاً لصراع جبار بين كلمات زوجتي وعهدي، بين المحبة والبغضة، بين الصفح والانتقام. كنتُ قد لطمتُ امرأتي بالأمس ولطمت معها المحبة الضعيفة، ولكني لم أستطع أن أتخلص من آثارها، فقد غرست جذورها في قلبي وعمَّقتها. حاولتُ بعزيمة جبارة أن أمزق صدري لأقتطع هذه الجذور اللعينة.

سال دمي من صدري ومن وجهي في هذا الصراع المرير. ولقد غضبتُ على نفسي حتى تمنيت لها الموت. كنت عنيفاً في صراعي. ناديت: "أيها الناصري، هلم إليَّ وأنا أريك القوة الساحقة". قلتُ ذلك وهززت يدي مهدداً.

يا للسخرية!

جاء يسوع إلى أريحا. رأيت الجماهير تركض لتلاقيه في الطريق. كنت أظن أني لا أهتم به. بل كنت أظن أني سألاقيه كما يُلاقَى الخصم الكريه... ولكني لا أعلم ماذا أقول لك يا صديقي. أحسست أن قلبي يضطرب كجبل يهتز من زلزال. أين هو ذلك الذي قلبت تعاليمه جبال التقاليد؟ ورأيتني يا صديقي أدفع نفسي وسط الجمهور وأقف على أطراف أصابعي لعلي أراه. ولكني لم أبصر شيئاً. فلما أعيتني الحيل أبصرتُ على مبعدة إلى جانب الطريق الذي سيمرُّ منه شجرة مرتفعة، ولكني أحسست أني لن أصل إليها إلا بعد أن يكون الموكب قد مرَّ. فركضتُ... ولما أبصرني الجمهور اركض سخروا مني سخرية لا حدَّ لها. انهالت التعليقات اللاذعة وسمعتُ بين ما سمعت: "انظروا العشار الملعون. لقد أُصيب بلوثة حادة... هذا هو الجنون بعينه. يا ضيعة وقار العمامة! ليس للعشار إلا هذا المصير!".

ولكني لم أهتم لذلك يا صديقي، بل أن بعض الأولاد جعلوا يرشقون الحجارة نحوي وهم يصرخون: العشار... العشار.

ووصلت إلى الجميزة مقطوع الأنفاس وصعدت اليها. وبعد قليل أقبل الموكب ورفع الجمهور وجهه نحوي. فأبصرتُ عيوناً محمرة تمثَّلت فيها الكراهية وتجسم فيها الحقد. ابتسم البعض باحتقار. وخرجت شتائم من البعض الآخر، وبصق بعضهم على الأرض. على أن عينيَّ لم تتجه إلى الجمهور، ولم يشغل بالي شيء سوى النظر إلى ذلك الرجل الذي زلزل وجوده مدينة أريحا. فماذا رأيت؟ رأيت رجلاً مهيب الطلعة جميل التقاطيع دقيق الأنف مطبق الشفتين، وقد امتدَّ شعره الجميل خلف رأسه. وكانت لحيته الشقراء تزيده بهاء. على أني رأيته محني الرأس، وقد نزلت قطرات من الدموع على وجهه. وأحسستُ أني أرى شخصاً يحمل آلام الكون على عاتقه، فأشفقت عليه. ونبض قلبي نبضات العطف التي لم يسبق أن اختبرتُ شيئاً منها!

ووصل يسوع إلى شجرة الجميز. ورفع وجهه نحوي فأبصرت في عينيه عالماً من الحب لم أدرك حدوده، وبحراً من الحنان لم أصل إلى عمق أغواره. أبصرت في عينيه نيراناً أرسلت لهيبها إلى قلبي. ومع أنها كانت نيراناً قاسية إلا أني استشعرتُ لها لذَّة وحلاوة لم أذُق نظيرها في كل حياتي!

وحدثت المعجزة. أذابت تلك النار كل كراهية وحقد في نفسي، بل أذابت كل ما استقرَّ في نفسي من شر. فلم أعد أرى أمامي أعداء أبغضهم، أو أتمنى لهم الشر، وإنما أبصرتُ إخوة مساكين أحببتُهم وأشفقت عليهم. أما هو فلم أستطع إلا أن أعبده. وبينما أنا في عالمي العلوي هذا ما سمعته يقول: "يا زكا". يا للآية! هل يدعوني أحد باسمي؟ لقد فقدت ذلك الاسم منذ أزيد من ثلاثين عاماً- حتى أهلي توقّفوا عن أن يدعوني به... ما عدتُ أُنادى إلا بالعشار الخاطئ الملعون. ولكن هوذا هو يناديني يا زكا. وقد كرر النداء: "يا زكا أسرع وانزل، فانه ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك"!

وثبتُ من الشجرة إلى الأرض وأنا أهتف: "لقد آمنتُ بالحب. لقد آمنتُ بالحب". كنت أظن أني أصرخ، ولكن صوتي لم يخرج إلا همساً. وركضت إلى البيت ودفعتُ الباب بعنف وصرختُ في زوجتي: "أسرعي أسرعي، إن يسوع قادم إلى هذا المكان". وارتاعت امرأتي وظنَّت أني سأقتل الرجل. فقلتُ لها: "أسرعي وأعدِّي طعاماً لأكبر عدد. أسرعي". وأسرعت زوجتي وأمرت الخدم بإعداد طعام كافٍ. وفيما هم يجهّزون الموائد دخل المعلم الناصري بيتي. وقد تذمر "الأبرار" وقالوا: كيف يدخل المعلم ليأكل عند رجل خاطئ؟ ولكني لم أسمع شيئاً. كنت أتطلع اليه. وكان كلما نظر إليّ خرجت مني الشياطين التي طالما عشَِّشت في صدري. خرج البغض والحقد والطمع ومحبة الذات والخبث ومحبة المال. وحل محل الشياطين ملائكة الحب والصفح وإنكار الذات والقناعة ومحبة الله والاخلاص. بل حلَّ نفسُ السيد في قلبي. تلاشى العالم كله من أمامي، وأصبحتُ لا أبصر شيئاً إلا هو.

كان هو لي كل شيء. ونظرتُ حولي إلى الفقراء والمساكين فذاب قلبي لبؤسهم، وقلت: "يا سيد، أنا أعطي نصف أموالي للمساكين". وتأملت في حياتي الآثمة، وأبصرت المظالم التي أتيتُها، فقلت: "وان كنتُ قد ظلمت أحداً فاني أردُّ له أربعة أضعاف".

نظر إليّ البعض غير مصدقين. ظنوا أنها فورة عاطفة مؤقَّتة، ولكني أعطيت الوثائق اللازمة وأصدرت الأمر ممهوراً بخاتمي لوكيل أعمالي، وحينئذ زاد انذهال القوم حتى بلغ أقصاه. ولكن السيد التفت إلى القوم وقال: "ما بالكم مندهشين؟ ليس هذا زكا القديم محب المال القاسي، بل هذا زكا آخر يخلص من خطاياه، فصار زكا الجديد، زكا المنكر للذات محب الله الرقيق القلب. نعم فاليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً ابن إبراهيم"!

كنت قد نلت الخلاص يا صديقي قبل أن أنطق بكلامي، ولكن إعلان السيد ثبَّت إيماني وملأني بفرح لا يُنطق به مجيد. نعم إني فقدت الجانب الأكبر من أموالي. لكن ما هي الأموال، بل ما هي الحياة بإزاء اللؤلؤة الواحدة الكثيرة الثمن التي نلتها. أنا الآن يا صديقي أسعد إنسان في الوجود أحببتُ كل شخص وكل شيء. ورأيت أني أعيش في نعيم لا يفوقه نعيم. ونسيت الإساءات التي أصابتني، ولم أرها إلا أوسمة. لقد وجدتُ الله... بل وجدني الله. شكراً له. نعم شكراً لله".

ونظر زكا إليّ وقال:

"هذه هي قصتي يا صديقي... كان السيد طول الوقت يبحث عني ويناديني، ولكني كنت لا أسمع. كان قلبي منغلقاً... والآن أنا سعيد، فقد وجدت الله الذي كله قلب".

ونظرت إلى زكا، وأبصرتُ السعادة تتجلى بوضوح في وجهه فهنأتُه وقلت له: "أما أنا يا صديقي فقد كنتُ أظن أني خرجت أبحث عن الله، ولكني علمت أنه كان طول الوقت يبحث عني وقد وجدني، وآمنتُ به، ولكني مشتاق كل الشوق أن أراه بعيني كما قد رأيتُه بقلبي. أرجو أن تصلي معي أني أصل إليه قبل أن تنتهي حياتي على الأرض "!

أضف تعليق


قرأت لك

لن ترى الأصباغ فيما بعد

تجددت في شهر يونيو 1951 إحدى السيدات، وكانت قبل تجديدها معتادة أن تضع المساحيق على وجهها وأن تلون أظافرها "بالأكلادور"، ولكنها بعد تجديدها جاءت لزيارتنا مع زوجها الفاضل، واقتربت

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة