الحياة المسيحية

الفصل الثاني: دعاوي المسيح

القسم: المسيحية الأصيلة.

1-مدار تعليم المسيح عن نفسه (مغزى كلمة "أنا" في تعليم المسيح)

إنّ أبرز ظاهرة في تعليم يسوع، هي أنّه كان يتكلم عن نفسه مراراً، ومع أنّه تكلم كثيراً عن أبوّة الله، لكنه كان يعبّر على أنّه هو "الابن" لهذا الآب وأنّه لم يحسب خلسةً أن يكون معادلاً له.. كما أنّه كان يجول ويبشر بملكوت الله (لوقا 4: 43) ولكنه اعتبر نفسه، صاحب المكان الفريد في الملكوت، الذي شرفه بمجيئه، ووسعه بأعماله وقدرته، والذي لا سبيل إلى الدخول إليه إلا بطاعة الناس له، وإنّ بين البركات التي منحها لتلاميذه، بركات: "أن يرثوا الحياة الأبدية" و"أن يخلصوا" و"أن يدخلوا ملكوت الله" فليس من الغريب، إذاً، أن نقرأ أحياناً أنَّ ملكوت الله، هو "ملكوت المسيح".. وأنَّه دعا نفسَه "الملك" (مثلاً متّى 13: 14، 16: 28، 20: 21، 25: 31، 34-40، لوقا 23: 42، انظر يوحنا 17: 33-38) ولا شكَّ إنّ أعجب إعلان قدّمه يسوع، هو إعلانه عن نفسه، لأنّ هذا يمّيزه عن بقيةِ المعلمين الدينيين الآخرين في العالم، ممن يسعون لإخفاء وستر شخصياتهم، أمّا هو فقد أبرز شخصيته، وهم يشيرون بعيداً عن أنفسهم ويقولون: "ذاك هو الحق الذي نعرفه" أمّا هو فيقول: "أنا هو الحق. اتبعوني"– ولم يتجاسر غيرهُ، أن يقول مثل هذا القول. ومما يلفت النظر، كثرة استخدامه لضمير المتكلم "أنا" فمثلاً قال: "أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً" (يوحنا 6: 35) "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حيَّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد (يوحنا 11: 5، 26) "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي" (يوحنا 14: 6) "أنا هو نور العالم" (يوحنا 8: 12).

وعسانا نلاحظ أنَّ الجزء الأول من تعليمه، يقودنا إلى هذا السؤال الخطير العظيم: "وأنتم من تقولون أني أنا؟" (مرقس 8: 29) ولقد أكدَّ دعواه بقوله: "إنَّ إبراهيم رأي يومه وفرح" (يوحنا 8: 56) "وإنَّ موسى كتب عنه" (يوحنا 5: 46) "وإنَّ الكتب تشهد له" (يوحنا 5: 39)– وإنَّ الثلاثة أقسام العظمى في العهد القديم– أي الناموس والأنبياء والمزامير –كتبت عنه (لوقا 24: 27، 44) وها نحن نرى لوقا يصف بإسهاب، الزيارة التي قام بها يسوع إلى الناصرة وطنه، حيث كان قد تربَّى، ولمَّا دخل المجمع، دُفِعَ إليه الدَرَج، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه: "روح الرب عليّ لأنّه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرّز بسنّة الرب المقبولة" (لوقا 4: 18-19، أشعياء 61: 1-2) ثمَّ طوى السفر وسلّمه إلى الخادم وجلس، وكانت عيون جميع الذين في المجمع شاخصةً إليه، وصمت الجميع كأنَّ على رؤوسهم الطير "فابتدأ يقول لهم إنّه اليوم قد تمَّ هذا الكتاب في مسامعكم" أو بعبارة أخرى كأنّه يقول: "إنّ أشعياء كان يتكلم عني" .

وليس بالغريب على شخص، له هذه الثقة والعقيدة في نفسه، أن يدعو الناس إليه... وحقيقة الأمر، لم تكن مجرد دعوة، لكنه أمر أصدره في قوله: "تعالوا إليّ" و "اتبعني" وقد وعد الذين يأتون إليه بالراحة "وأنا أريحكم" وذلك برفع أثقالهم وأتعابهم عنهم (متى 11: 28-30) وبإشباع الجياع (يوحنا 6: 35) وبإرواء الظمأ (يوحنا 6: 35، 7: 37) وأكثر من ذلك، كان على أتباعه أن يطيعوه وأن يعترفوا به قدّام الناس، وقد بلغ التلاميذ من الإدراك ما جعلهم يعترفون ويقرون بحق المسيح الكامل، في دعاويه الجامعة، حتى أنّ بولس وبطرس ويعقوب ويهوذا، سُرُّوا أن يلقبُّوا أنفسهم في رسائلهم "بعبيده"، وزد على ذلك، فقد جعل يسوع نفسه، الموضوع المناسب لإيمان الإنسان ومحبته، وقد دعا الناس لكي يؤمنوا به وقال: "هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله" (يوحنا 6: 29) "الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية" (يوحنا 3: 36) فإذا اعتبرنا الإيمان به، الواجب الأول على الإنسان، لاعتبرنا عدم الإيمان به، خطية الإنسان الرئيسية (يوحنا 8: 24، 16: 8، 9) ومع أنَّ الوصية الأولى والعظمى هي "أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك" إلاّ أننا نرى يسوع يطالب بكل ثقة بمحبة الإنسان له ويقول: "كل من أحب أباً أو أماً أو ابناً أكثر مني فلا يستحقني" (متى 10: 37) كما قال في لوقا 14: 26 "إن كان أحد يأتي إليِّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وأخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً" ... حاسباً أنّه والآب واحد.

وقد بلغ الأمر بيسوع من حيث ثقته واقتناعه من مكانه الرئيسي في قصد الله، بلغ به حدّاً جعله يأخذ على عاتقه، أن يرسل شخصاً ليحل محله بعد صعوده إلى السماء، إلاّ وهو الروح القدس وقد دعاه "المعزّي" (باراكليتParaclete ) وهي تسمية مشروعة، ومعناها المحامي، أو مستشار الدفاع، وبذلك يكون عمل الروح القدس، الدفاع عن قضية يسوع أمام العالم، وقال يسوع عنه: "هو يشهد لي" (يوحنا 15: 26) ثمَّ "ذاك يمجدني لأنّه مما لي ويخبركم" (يوحنا 16: 14) وتختص شهادة الروح القدس بيسوع المسيح، كما أنَّ إعلان الروح القدس للكنيسة يختص بيسوع المسيح أيضاًَ هذا الذي تنبأ قائلاً: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض، أجذب إليّ الجميع" (يوحنا 12: 32) فقد عرف أنّ للصليب تأثيراً مغناطيسياً أدبياً على البشر، نساءً ورجالاً، ولم يقصد باجتذابهم أن يجذبهم إلى الكنيسة أو إلى الحق أو إلى البر بل إلى نفسه أولاً... وبه يأتون إلى الكنيسة وإلى الله.

ولعلّ أبرز حقيقة في هذا التعليم، الذي يدور حول شخص الناطق به، هي أنه صدر عن "الواحد" الذي أوصى الآخرين مشدداً على التواضع... وقد وبّخ تلاميذه لأنهم يطلبون نفوسهم ويحبّون ذواتهم، واضطرب إذ رآهم يتشاجرون في من يكون عظيماً، أفلا يمارس عملياً ما يكّرز به؟ لقد أخذ ولداً وأقامه في وسطهم مثالاً لهم، فهل كان له مقياس خاص به يختلف عن غيره؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الفصل الثالث: شهود ضد المسيح

عرّف المسيح نفسه وعرّفه الوحي كما وعرّفه أيضاً المسيحيّون بأنّه الله الذي ظهر في الجسد. وقد تمسّكت الكنيسة في كلّ جيل وقرن بهذا الحقّ وتعبّدت للمسيح فاديها معلنة ذلك في

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة