الحياة المسيحية

الفصل الرابع عشر: قصد الله والوسائل البشرية

القسم: قصد الله والحياة المسيحية.

الله لا يتجاهل الوسائل البشرية عند إنجاز قصده بل بالأحرى يستخدم تلك الوسائل. أنه من جوهر تعليم العهد الجديد أن الله يستخدم الأداة البشرية في إتمام خطته في العالم، فنراه يختار أدوات خاصة للقيام بمهمات خاصة. إن هذا ليشجعنا على المضي في جهادنا ضد العدو، إبليس. وكما في موضوع الخلاص، استخدام الله هذا لا يخرق حرية المؤمن. بل، على العكس، إن أساس حريته هو أن ينجز شيئاً لله في العمل الذي يقوم به. هناك مسائل مختلفة تستحق أن ننتبه إليها ونحن نفكر بقصد الله وبعلاقته بالوسائل البشرية. إن أولى هذه المسائل هي تثبيت حقيقة أن الله يفعل ذلك دائماً ولا أنه مضطر لذلك، بل نقول أن ذلك ما يفعله عادة، وأنه أسلوبه المعتاد في عمله في العالم.

إننا نجد أمثلة كثيرة في أسفار العهد الجديد توضح لنا كيف استخدم الله خدامه لينجز قصده في العالم. فعندما ندرس حياة المسيح ربنا كما عاشها على الأرض يبرز أمامنا كيف أنه أعد تلاميذه لكي يتمموا إرادة الله في حياتهم. ونجد التشديد في كل موضع في العهد الجديد على أن المسيح دعا أولئك التلاميذ لا لكي يحصلوا على بركة بل لكي يصيروا بركة. يبدأ مرقس كتابة إنجيله بدعوة التلاميذ الأربعة الأولين ليصبحوا أتباعاً ليسوع، وبكلمة يسوع لأثنين منهم: "هلمّ ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس" (مرقس17:1). لاحظوا أن دعوة يسوع هذه لتلاميذه كانت دعوة نبوية. لقد أنبا أن تلاميذه سيصيرون شيئاً لم يكونوا قد صاروه بعد، أي صيادي الناس. فكأنه كان يقول لهم بذلك أنه سيدربهم ليعملوا عمل الله. وإذا تتبعنا خطى المعلم وراقبنا الجهود التي بذلها ليصيّر تلاميذه صيادي الناس يتضح لنا تماماً ما كان يسعى إليه. نجده يعلمهم مبادئ ملكوت الله الأساسية، ويرسلهم في رحلات تدريبية ليبشروا، ويدعوهم ليستخدموا قوة الله ويعلنوا قرب الملكوت، ويحذرهم من الأخطار التي تنطوي عليها التلمذة، محاولاً تعليمهم المعنى الصحيح للتتلمذ له. إن تلميح يسوع إلى تلك الأخطار واضح في إحدى عباراته حيث يتكلّم عن حمل الصليب (متى 24:16-25). لقد انتزع منهم اعترافاً بأنه مسيح الله، ثم فسر معنى رسالته مشيراً بذلك إلى موته القريب الحدوث على الصليب. وعندما انتهره بطرس مستبعداً ومستنكراً موت المعلم رد يسوع ذلك الانتهار، وفسّر معنى التلمذة فقال أنها تتضمن حمل الصليب. وقصد يسوع بهذا التفسير إلى القول أن مهمتهم في العالم هي كمهمته، أي عمل إرادة الله ولو كلف ذلك التضحية بالنفس. إن إتمام الحياة أو تحقيق أهدافها لا يكون إلا بأن ينسى الإنسان نفسه ويبذلها من أجل الآخرين. وكان عسيراً على التلاميذ فهم هذا التفسير أو القبول به، وذلك لسببين. السبب الأول هو أنهم لم يقبلوا بالصليب كهدف يسير إليه المسيح. والسبب الثاني هو أنهم كانوا ينظرون إلى التلمذة من حيث هي امتياز ومركز في الملكوت القادم. ونجد يسوع يشدد، ويعود إلى التشديد مرة، وأكثر من مرة، على هذا التعليم العظيم المتعلق بمعنى التلمذة، ونراه باستمرار يربط بين تلك التلمذة ومهمته هو وأسلوب إنجازها في العالم. كما نراه بعد موته وقيامته يعود من جديد إلى هذا التعليم المركزي المتعلق بمعنى حياة التلميذ.

أمامنا فيما يتعلق بهذا البحث ثلاث آيات تستحق الملاحظة. الآية الأولى في يوحنا16:15 وهي تتعلق بموضوع التلمذة ولو أنها جاءت قبيل موت يسوع. يقول يسوع: "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم." إن هذه الآية مليئة بالمعنى. إنها تصرّح بأن المبادرة في الدعوة إلى التلمذة جاءت من المسيح لا من التلاميذ أنفسهم وإن الغاية من دعوتهم لم تكن لكي يستمتعوا بعلاقتهم بالله بل ليخدموا في ملكوت الله فيأتوا بثمر. ثم لهم الوعد أن يصلوا فينالوا العون من الله لكي يستطيعوا الإتيان بذلك الثمر. فهذه هي كلمات يسوع (يوحنا 23:16) : "إن كل ما طلبتم من الأب باسمي يعطيكم." وبالمناسبة تجدر الملاحظة أن معنى الصلاة وقوتها يجب أن يفهما دائماً بعلاقتهما الجوهرية بالخدمة في ملكوت الله. هناك آية أخرى في الكتاب المقدس ترد حيث يجري ذكر ظهورات المسيح بعد القيامة، والآية هي:"جاء يسوع...وقال لهم: سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يوحنا 21:20). يصرح يسوع بهذا بأن علاقة تلاميذه به ستكون كعلاقته بالآب. ولو أننا جئنا بآية أخرى مع هذه الآية فإنها توضح لنا كنه هذه العلاقة. "فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل." (يوحنا 17:5). الفكرة هي أن عمل يسوع كان عمل الآب، وأنه كان موجهاً بإرادة الآب ومدعوماً بحضوره في حياته. وأننا إذا ما تأملنا في هذه الحقيقة وفي كلمات يسوع بعد القيامة نتعلم أن مهمة التلاميذ في العالم هي أن يعملوا عمل الله بتوجيه من الله وبدعم من قوته. وكلمات يسوع المذكورة، إذ تجيء بعد آلامه على الصليب في الجلجثة، تبين أن طريق الخدمة هي طريق الآلام المنتصرة. ثم نجد آية أخرى تبين أن خدمة التلاميذ كان لا بد من أن تكون جزءاً لا يتجزأ من حركة الفداء الإلهية، تلك الحركة التي بلغت ذروتها في الصليب و التي انتشرت في كل العالم بواسطة كرازة التلاميذ. ترد هذه الآية في لوقا 44:24 – 49 . كان يسوع بهذه الكلمات يفسّر آيات العهد القديم مبيناً علاقتها بموته في الجلجثة، ويظهر أن موته ذاك كان ذروة حركة فداء الله في العالم. ثم يقول بعد ذلك أن موته جعل بالإمكان "أن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأً من أورشليم." ثم نجده يصف مركز التلاميذ في حركة الفداء هذه بقوله: "وأنتم شهود لذلك." لكنه يحذرهم من أن يحاولوا القيام بهذا العمل بقوّتهم، ويدعوهم لينتظروا في أورشليم" إلى أن تلبسوا قوّة من الأعالي."

إننا نرى ، إذا، أن جانباً من جهد يسوع كان أن يدعو إليه جماعة من التلاميذ و يدربهم لكي يصبحوا في العالم الباب للحركة الجديدة التي ندعوها باسم ملكوت الله. لقد أعدهم عن طريق تعليمه وعن طريق قدوته لكي يدركوا بأنهم كانوا الأدوات التي يستخدمها الله في إتمام عمله الفدائي في العالم. إننا نفهم أن أولئك التلاميذ الأولين كانوا أمثلة لكل التلاميذ في ملكوت الله في المستقبل، و إن قصد الله هو أن ينجز عمله مستخدماً خدّامه أولئك كأدوات، الذين كانوا سيجدون الإرشاد و القوة بواسطة حضور الله في حياتهم.

لقد أفلح التّلاميذ في تعلمهم الدرس فذلك واضح في سجل العهد الجديد الذي يروي قصة نشاطهم الذي قاموا به. لقد كتب لنا لوقا أوفى قصة لانتشار الإنجيل من أورشليم إلى رومية مستهلاً كتابه بالقول "الكلام الأول أنشأته، يا ثاوفليس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلّم به" (أعمال1:1). إن هذه العبارة لتوحي بأن إنجيل لوقا يتضمن سجلاً لأقوال يسوع وأعماله الأولى، وإن سفر أعمال الرسل يتضمن بقية أقوال يسوع وأعماله، بل الاستمرار لتلك الأقوال والأعمال. حقاً لقد صار يسوع، بعد قيامته، يتكلم بأفواه أتباعه وحياتهم بدلاً من حضوره عياناً في الجسد، وإذا كانوا يحيون ويتكلمون كان، في الحقيقة، هو الذي يحيا ويتكلم فيهم ويعمل بواسطتهم. وإذا تتبعنا السجل الذي كتبه لوقا شارحاً فيه تاريخ الحركة المسيحية، نلاحظ بعين الإيمان أن بطل تلك القصة هو الله وليس الرسل. فإن الذي عمله أولئك الرسل كان عمل الله منفذاً بواسطة الناس.

وأننا نلاحظ في أول قرار اتّخذه التلاميذ ككنيسة ما يدل على شعورهم بقيادة الله لهم. كان يهوذا قد خان سيده، فوجد التّلاميذ أنه لا بد من انتخاب تلميذ آخر ليحل محلّه. تكلّم بطرس في هذا الاجتماع الكنسي الأول من نوعه وبيّن الحاجة لانتخاب شخص يخلف يهوذا، وذكر الصفات التي يجب أن يتحلّى بها ذلك الشخص. عند ذلك سمت الكنيسة اثنين كانت تجتمع بهما الصفات المطلوبة. ثم "صلّوا قائلين: أيها الرب العارف قلوب الجميع عيّن أنت من هذين الاثنين أيّاً اخترته ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة التي تعداها يهوذا ليذهب إلى مكانه" (أعمال 24:1،25). تبيّن هذه الصلاة بوضوح أن التلاميذ كانوا يقومون بذلك العمل الكنسي ولديهم الشعور بأن عملهم كان عمل الله، وأن الله كان مهتماً بالكيفية التي بها يعلمون، وأنه اختار الوسائل لإنجاز ذلك العمل، وأنه سيقدم للتلاميذ القوة التي يحتاجون إليها، إن التلاميذ، في طلبهم إرشاد الله وإتباعهم ذلك الإرشاد في كل ما كانوا يفعلونه، وضعوا المثال الذي سار التلاميذ بموجبه في كل الأعمال التي ورد ذكرها في كل سفر الأعمال.

كان يوم الخمسين نقطة بداية جديدة في عمل الله الذي عمله بواسطة شعبه. في ذلك اليوم صار حضور الله ظاهراً ظهوراً تاماً في حياة البشر لأول مرة في التاريخ. إن القصة مألوفة ويعرفها كل قارئ، لكن مغزاها يغيب أحياناً عن الذهن بسبب التشديد الزائد على النواحي المنظورة الخارجية- على صوت هبوب الريح العاصفة والألسنة المنقسمة كأنها من نار. لكن المهم هو أن الجميع "امتلئوا من الروح القدس وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (اعمال4:2). لاحظ أن القوة حلّت على جميعهم، لا على بطرس وحده، وأنهم جميعاً اشتركوا في تقديم الشهادة بلغات أخرى غير تلك التي كانوا يعرفونها، وأنهم جميعاً شعروا بقيادة الروح القدس لهم في تكلمهم. أما هذه الظواهر كانت تحتاج إلى تفسير ما، فتقدم البعض بتفسير أرضي –قالوا أن التلاميذ كانوا سكارى. لكن بطرس أعلن التفسير السماوي الصحيح عندما قال أن الذي جرى كان إتماماً لنبوة يوئيل النبي التي تقول بأن الله في الأيام الأخيرة سيسكب روحه على الناس حتى أن الكل يستطيع الاشتراك في عمل ملكوته (اعمال17:2-21). وإذا كان بطرس قد اجتذب إصغاء الجميع، راح يلقي بوعظة إنجيلية تبشيرية، وهي الموعظة التي أصبحت مثالاً للشهادة المسيحية في تلك الحقبة. لقد كانت نتيجة تلك الموعظة أن السامعين جميعاً نخسوا في قلوبهم (تعمال37:2) – ويبين سفر الأعمال أن هذا كان بفضل الروح القدس الذي أيد إلقاء الموعظة بقوة- وإذا سألوا عما يجب أن يفعلوه لكي يخلصوا أخبرهم بطرس عن طريق الحياة. كانت هذه الموعظة فاتحة لفترة نمو ونشاط في الكنيسة في أورشليم، تلك الفترة التي اتّسمت بالنشاط البشري، والتي فسّرت في الوقت ذاته بهذه العبارة: "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (اعمال47:2). ليس من شك أن هذه العبارة تشير إلى أن نشاط الكنيسة كان عمل الله وأن القوة الفعّالة كانت بين يدي الله.

لا نجد ضرورة للبحث بالتفصيل في كل سفر الأعمال. ولكن تكفي الإشارة إلى أن هذا السفر يعبق بالحضور السماوي، حضور الله في الآنية الأرضية التي هي البشر. شفى بطرس ويوحنا رجلاً أعرج، وفسّر بطرس تلك المعجزة بقوله: "أيها الرجال الإسرائيليون، ما بالكم تتعجبون من هذا ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو بتقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟ إن إله إبراهيم واسحق ويعقوب إله آبائنا مجّد فتاه يسوع... وبالإيمان باسمه شدّد اسمه هذا الذي تنظرونه" (أعمال 12:3 ،16،13 ). وعندما طلب الرؤساء والشيوخ منهما الكف عن التكلّم للناس عن يسوع رفضا ذلك. رجعا إلى الكنيسة وأخبراها بما جرى وبتهديد الرؤساء والشيوخ، فرفعت الكنيسة إلى الله صلاة كان يغمرها الشعور بسلطان الله المهيمن على التاريخ وبحضوره الحي في وسط شعبه. لقد طلب أولئك المؤمنون في صلاتهم أن يعطوا قوة وشجاعة ليواصلوا تقديم الشهادة، وأن يؤيد الله جهودهم بقوته (اعمال23:4-30). ونجد سجل ذلك الزمن الغابر، زمن الكنيسة الناشئة، محاطاً بجو حضور الله وقوته في العمل الذي قام به أولئك المؤمنون.

يمكن إيراد حادثتين أو ثلاث حوادث بارزة في تلك الفترة الغابرة، فنبين فيها كيف استخدم الله خدّامه لينجز قصده في العالم. الحادثة الأولى هي قصة فيلبس، أحد الشمامسة الأولين، الذي اختارته الكنيسة لأنه كان والذين معه "مملوئين من الروح القدس وحكمة" (اعمال3:6). بعد موت استيفانوس شهيداً ذهب فيلبس إلى نواحي السامرة ليكرز بالبشارة. وبواسطته افتقد الله تلك المنطقة وعمل بقوته فآمن كثيرون بالمسيح. وبدا لفيلبس كأن السامرة هي مكان خدمته لكن الرب وضع على قلبه أن يذهب إلى الجنوب إلى الطريق النازلة غزة. كانت تلك الطريق تسير في أرض مقفرة لا ساكن فيها، وكان من الصعب على المرء أن يرى الحكمة في الانتقال إلى هناك، ولكن كان لله قصد في ذلك. وصل فيليبس إلى الطريق المذكورة وإذ به يلتقي برجل حبشي عائد من أورشليم إلى بلده إثيوبيا، وكان الرجل وزير المال في تلك المملكة. دعا الروح القدس فيلبس إلى مرافقة ذلك الوزير الأثيوبي، وكان الوزير يقرأ في سفر أشعيا النبي، ففسر له فيلبس معنى الفصل الذي كان يقرأه وبشره بيسوع الذي هو المسيح المنتظر. وإذ آمن الوزير ورغب في أن يعتمد عمّده فيلبس (أعمال26:8-40). تبين هذه القصة الطريقة التي يجمع الله بها بين شهوده وأولئك المستعدين لقبول شهادتهم.

هناك حادثة أخرى مشابهة لهذه ولكنها أعظم أهمية لأن بها وصلت الشهادة لأول مرة من الكنيسة إلى العالم الوثني وتلك هي قصة بطرس وكرنيليوس التي ترد في سفر الأعمال الإصحاح العاشر. كان كرنيليوس رجلاً تقيّاً، أي أنه كان يؤمن بتعاليم العهد القديم، ولكنه لم يعتنق الديانة اليهودية اعتناقاً تاماً. كان حسب ما يظهر، متشوقاً لمعرفة الحق، فتدخل الله ودبر أن يوصل إليه معرفة طريق الخلاص. لقد أرسل الله إليه ملاكاً فكلمه وقال له أن يرسل إلى بطرس في يافا ويستدعيه إلى بيته. وبين ما كان رجال كرنيليوس سائرين من قيصرية إلى يافا تعامل الله مع بطرس لإعداده للذهاب إلى كرنيليوس. كان كرنيليوس أممياً (من غير أمة اليهود) وكان من الضروري إقناع بطرس بأنه ليس هناك في نظر الله أمة نجسة وأخرى طاهرة. لذلك أظهر الله لبطرس، وهو يصلي، رؤيا خاصة. وإنك لتلاحظ كيف أن الصلاة تربط بشكل محدد بين الذي يصلّي والتحركات الإلهية. وكانت النتيجة أن بطرس رضي بأن يذهب إلى بيت كرنيليوس، وهناك بلّغه رسالة الإنجيل، فآمن كرنيليوس والذين كانوا في بيته فظهرت عليهم علائم اختبار الخلاص، وهي تلك التي صاحبت حلول الروح القدس في يوم الخمسين. بعد هذا عمد بطرس أولئك الذين آمنوا. وهكذا نرى مرة أخرى كيف يأخذ الله بزمام المبادرة فيجمع بين خادمه الذي يشهد له وبين من هم على استعداد لقبول الشهادة والبشارة.إن التأمل في هاتين القصتين قد يزيح عن كاهل البعض شيئاً من الهم والتساؤل عن مصير الأمم التي لم تسمع البشارة ولم يبلغها الإنجيل إننا نشعر أنه عندما يكون الإنسان الوثني مستعداً لقبول الإنجيل، سواء في البلد الذي نحن فيه أم في أي بلد آخر، فإن الله سبحانه وتعالى يتدخل فيدبر إيصال الإنجيل إلى ذلك الإنسان.

إن حادث تجديد شاول الطرسوسي يبدو للبعض خروجاً استثنائياً على القاعدة القائلة بأن الله مضطر لاستخدام الوسائل البشرية دون سواها وأنه دائماً يستخدم تلك الوسائل، وإنما نقول أن ذلك ما يفعله الله عادةً. لكن يجب ألا نظن أن تجديد بولس كان خروجاً على القاعدة. تذكر أن هذا المعلم اليهودي الشاب كان قد شاهد استفانوس وسمع شهادته للإنجيل. ولا شك في أنه كان قد حضر بعض مباحثات استفانوس مع اليهود في مختلف المجامع في أورشليم، وكان بكل تأكيد حاضراً عندما قدم استفانوس دفاعه العظيم أمام مجمع السنهدريم، وكان حاضراً أيضاً عندما مات استفانوس شهيداً، وقد رآه وهو يرقد بعد أن أعلن أنه كان يرى يسوع واقفاً في مجده. بعد هذه الخلفية من الشهادة الشخصية نجد شاول يسير إلى دمشق مدفوعاً إلى أشد حالات التطرف بدافع من ضمير مضطرب. وبينما كان شاول في الطريق أراه الله نوراً سماوياً فتغير وأصبح حاملاً لرسالة جديدة. فإن سفر الأعمال يقول أن الله أعلن لدى تجديد شاول أنه سيكون إناء مختاراً للرب ليحمل اسمه أمام أمم وملوك بني إسرائيل (أعمال 9: 15).

وشاول، الذي صار يدعى بولس، لم يفارقه قط ذلك الشعور بأنه حقاً كان إناءً مختاراً، وأن حياته يجب أن تبقى خاضعة للرب الذي كان بولس يعمل عمله. وبفضل وجود السجل الوافي في أسفار العهد الجديد لاختبارات بولس، الخارجية والداخلية، فإننا نستطيع أن نقرأ بوضوح عن كيفية عمل الله في حياته وبواسطتها أكثر مما يمكننا أن نقرأه عن سواه من المسيحيين، ولكن يجب ألا نظن أن اختباراته كانت مختلفة في نوعها عن اختباراتنا. ويشهد العهد الجديد أن اختبارات بولس، وإن كانت غير عادية من حيث مقدار هيمنة الله عليها، فهي تتفق مع اختبارات المسيحيين الآخرين من حيث الجوهر. ولا حاجة لنا هنا لأن نسرد قصة حياة بولس كلها، ولكن يكفي أن نشير إلى بعض الأحداث البارزة فيها والتي تؤكد على الحقيقة التي نحن بصدد البحث فيها، ألا وهي أن الله يستخدم وسائل بشرية كي ينجز قصده الإلهي.

إننا قد نمر بحياة بولس ولا نذكر شيئاً عن اختباراته في دمشق، وفي أورشليم، وخلال السنوات السبع التي قضاها في طرسوس بمنطقة كيليكية، مع أننا نفترض أن الرب كان يقوده بكل وضوح طوال كل تلك السنين، وعلى الأخص إذا كان الاختبار المذكور في رسالة كورنثوس الثانية 12: 1-10 (حيث يقول أنه اختطف إلى الفردوس)، قد جرى معه في أورشليم خلال تلك الفترة. لكننا نريد أن نركز على اختبار بولس في أنطاكية وفي رحلاته التبشيرية. لقد بذل برنابا جهوداً طيبة فأتى ببولس من كيليكية إلى أنطاكية، إذ كان يشعر أن بولس هو رجل الساعة الذي سيستخدمه الله، وهكذا عمل الاثنان معاً، بولس وبرنابا، في أنطاكية فترة من الزمن. ثم نجد في أعمال 13 كيف دعا الرب بولس وبرنابا ليخرجا كمرسلين من أنطاكية إلى العالم. إذ كان بعض الشيوخ في أنطاكية يصلون "قال الروح القدس، افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أعمال 13: 2). أثار البعض السؤال عما إذا كان الله قد كلم تلك الجماعة من الوعاظ في أنطاكية مباشرة، أو أنه كلمهم بواسطة أحدهم الذي نطق آنذاك لكلام الله. الحقيقة أنه ليس مهماً الإسلوب الذي به بين الله مشيئته، فلا فرق إن كان ذلك جرى بصوت مسموع من السماء، أو بحلم أو رؤية، أو بكلام ملهم نطق به أنبيائه. المهم أن أولئك الرجال عرفوا صوت الله فقبلوا أمر الله بلا تردد وأرسلوا الرجلين ليعملا عمل الله. وكانت الرحلة ناجحة جداً وأدت إلى إيصال الإيمان المسيحي وتأسيسه في مواقع هامة متعددة في آسيا الصغرى. عاد بولس وبرنابا وصعدا إلى أورشليم، وهناك شرحاً أمام الكنيسة ما جرى في رحلتهما، أما أفراد الكنيسة فاهتموا بذلك "وكانوا يسمعون برنابا وبولس يحدّثان بجميع ما صنع الله من الآيات والعجائب في الأمم بواستطهم" (اعمال12:15).

لقد جرى في هذا المجمع الكنسي ذاته الذي انعقد في أورشليم، والذي فيه بذلت الجهود للوصول إلى اتفاق بالنسبة للمؤمنين الآتين إلى الإيمان من الأمم وعلاقتهم بالنّاموس اليهودي، أو ربما جرى في وقت سابق في هذا المجمع، أن الكنيسة قررت أنّ الله أناط ببطرس مهمة تبشير اليهود وأناط ببولس مهمة تبشير الأمم (غلاطية7:2). النقطة الهامة في هذه الأمور جميعها هي أن الكنائس آنذاك كانت تسعى لتعرف قيادة الله وإرشاده في جميع شؤونها وتلتزم بتلك القيادة. لقد كانوا على استعداد لتناسي التعصّب والتحامل، وللنهوض حالاً للعمل بموجب ما يجدون أنه إرشاد الرب وقيادته. لقد كانوا يشعرون أنهم كانوا يعملون عمل الله بقيادته وقوته.

ولا بد لنا من أن نلاحظ أيضاً أن قيادة الله لم تنحصر في القضايا العامة لعمل الكنيسة بل كانت أيضاً في قضايا الفرد الخاصة والتصميمات الفردية التي يقوم بها. نجد مثالاً بارزاً على هذا في ما جاء في العهد الجديد عن الرحلة التبشيرية الثانية. بعد أن عاد بولس فزار الكنائس التي تأسست في رحلته الأولى جاءه إرشاد من الله للدخول إلى أوروبا بالإنجيل. "وبعد ما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة في أسيا. فلما أتوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بثينية فلم يدعهم الروح. فمرّوا على ميسيا وانحدروا إلى ترواس. وظهرت لبولس رؤيا في الليل، رجل مكدوني قائم يطلب إليه ويقول: اعبر إلى مكدونية وأعنّا. فلما رأى الرؤيا طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين أن الرب قد دعانا لنبشرهم" (اعمال6:16-10). يتبين من هذه الآيات أن بولس ورفقاءه شعروا في ثلاث مناسبات أن الرب كان يقودهم ويعين لهم المكان الذي يخدمونه فيه. فإنهم قد منعوا من دخول آسيا وبيثينيا في رحلتهم هذه وقادهم الله للتوجه إلى مكدونية. ولا يهم هنا كيف جاءهم صوت الله، أجاءهم عن طريق أناس ملهمين أو مباشرة (كما جرى مرة عندما أرى الله بولس رؤيا في الليل)، فالأمر المهم هو أنهم عرفوا صوت الله وعملوا بإرشاده لهم.

لقد استعرضنا هذه الحقيقة وهي أن الله يستخدم وسائل بشرية لينجز قصده في العالم، ونستطيع الاستمرار في ذلك إلى ما شاء الله، إذ أن فصول الكتاب المقدس التي تتحدث عن تقدم المسيحية مملوءة بهذه الفكرة، لكننا لسنا في حاجة للمزيد من البحث في القضية. لكن علينا أن نلاحظ أن هذا المبدأ يصدق في كل قرن. وإن كان المرء لا يريد أن يكون متزمتاً وهو يستشهد بقصص القادة العظام في تاريخ الإيمان المسيحي عبر القرون العديدة لكنه لا يقدر إلا أن يرى كيف كانت يد الله عاملة في تأييد رجال أمثال لوثر، وكلفين، ووسلي وغيرهم الذين تلمع أسماؤهم بمجد في قصة انتشار الإنجيل. وعندما يقرأ أحدنا أسفار العهد الجديد يحس بأن ما فيه من قصص لم تكن فريدة في نوعها بقدر ما هي المثال لما يستطيع الله أن يفعله باستمرار في العالم. وإن من يقرأ تاريخ تقدم المسيحية في العالم لا بدّ له من أن يحس أيضاً أن الله مواصل عمله بالأسلوب ذاته. صحيح أنه ليس كل ما عمل باسم المسيحي هو مسيحي، فقد قام أناس هم مسيحيون بالاسم فقط فعملوا أعمالاً لا تمت إلى المسيحية بصلة. لكن هذه الحقيقة المؤسفة لا يمكن أن تنفي حقيقة أن الله واصل عمله عن طريق شعبه المؤمن بالمسيح لكي يتمم إرادته وينفذ مقاصده تعالى. قد يقول قائل أن الله يواصل عمل ذلك، متبعاً أسلوبه في العهد القديم، عن طريق قادة بارزين سربلهم بشكل خاص بقوة من لدنه. إلا أن قولاً كهذا يتنافى مع روح العهد الجديد ومع اختبار ربوات المسيحيين الذين كانوا يقومون بأعمالهم الصغيرة وهم يشعرون بأن الله كان يقودهم في عمل إرادته. من الجائز أن مسيحيي العصر الحديث لا يحسّون بقيادة الله لهم كما كان يحس بتلك القيادة المسيحيون الأولون بعزم القلب ووحدة القصد. قد يكون في هذه الحقيقة تفسير لسبب الضعف والعجز النسبيين اللذين ابتليت بهما الحركة المسيحية المعاصرة إذا قارنّاها بالحركة المسيحية في القرن الأول للميلاد. إن ما نقصد إلى قوله هو أن الإرشاد والقوة الإلهيين ذاتهما لا يزالان في متناول البشر في أيامنا. كما أننا نقول أيضاً أنه حينما يعمل عمل الله في أية لحظة فهو يعمل بالطريقة ذاتها، سواء في ذلك أشعرنا بقيادة الله أم لم نشعر بها.

بقي علينا الآن أن نأتي بتلك الحقائق التي تعلّمناها خلال عرضنا لمسيحية القرن الأول الميلادي فنقارنها بما نجده من عمل الله في أماكن مختلفة في العالم هذه الأيام. وفي ما قلناه الكفاية لإثبات الحقيقة أن من يوم الخمسين إلى الآن كان انتشار الإنجيل في العالم يسير بموجب المثال ذاته، وهو : إذ تحلّ قوة الله على إنسان ينقاد ذلك الإنسان ليعمل إرادة الله، وبينما يقوم بذلك يؤيّده الله بقوته. ولم يظن أحد من كتاب العهد الجديد إن العمل كان عملهم، بل اعتبروا أنهم إنما يعملون عمل الله. لقد كان عمل الله ولكنه كان يجري بالأداة البشرية لا بمعزل عنها.

يعلّم العهد الجديد أن استخدام الله للوسائل البشرية يتفق تماماً مع اختياره الإلهي. وهذا الاختيار، مثل الاختيار للخلاص، يبدأ من الأزل، وهو مؤسس على محبة الله ومعلن في الاختبار البشري خلال حقب التاريخ. يجب ألا نظن أن الله، وهو يعزم أن يقوم بمهمة، يجد أنه لم يهيئ الأداة التي سينجز بها تلك المهمة. يظن البعض أن اختيار الله الإنسان للخدمة يجري بأن يتفحص الله الإمكانات الموجودة فيختار منها شخصاً معيناً ليقوم بالمهمة التي يريد منه إنجازها. لكن ما نفهمه من الكتاب المقدس هو أن الله في تخطيطه لخلاص البشر وفدائهم يرتب سلفاً استخدام الأداة البشرية الأزمة لإنجاز قصده- أي أنه حسب علمه السابق يعد الأداة التي اختارها حتى أن خادمه يكون مستعداً في الوقت المطلوب ليعمل إرادته. إن هذا ظاهر في تعليم بولس إذ يقول: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أفسس 2: 10). في هذه الآية يعلم بولس ثلاث حقائق وهي: (1) أن خلاصنا هو عمل الله، (2) إن القصد من خلاصنا هو القيام بأعمال صالحة، (3) هذه الأعمال الصالحة معدة لنا من قبل لكي نعملها.

السؤال الآن هو: هل هذه التهيئة السابقة للأعمال ومن يعملها تهيئة عامة أم خاصة؟ يقول البعض أن الله أعد مجالاً عاماً للأعمال الصالحة ويريد منّا أن نحتل مكاننا فيه، وهذا يعني أن التعيين السابق تعيين عام. إن الآية السابق ذكرها والتي كتبها بولس في رسالته إلى أفسس لتدل على أن تعيين الله السابق هو تعيين للقيام بأعمال صالحة من قبل أفراد معيّنين. على المؤمن بالمسيح أن يعلم أنّ الله أعد له أعمالاً صالحة ليعملها، وأن عليه أن يسعى لكي يجد إرادة الله في حياته.ويسأل سائل :"ما الذي يحدث إذا رفض إنسان أن يسلك أو يعمل الأعمال الصالحة التي أعدها الله له؟" ليس من حاجة لمثل هذا السؤال، إذ أن السائل يتجاهل الحقيقة أن الله باختياره الحر للوسائل البشرية التي يستخدمها يعمل بموجب علمه السابق للأشخاص والأشياء وأنه لا يقع في أية أخطاء. أنّه، بكل تأكيد، لا يختار شخصاً ليقوم معين إذا كان ذلك الشخص سيرفض ذلك العمل. لقد سبق أن بحثنا في مسألة حرية الإنسان وعلاقتها بعلم الله السابق، وأن المبادئ التي تنطبق على قبول الخلاص هي ذاتها تنطبق على عمل المؤمن المسيحي. إن الآية الآنفة الذكر تدل على أن الله عين سابقاً تلك الأعمال التي سيجربها أناس هم أدوات اختارها الله لتلك الأعمال. بهذه الطريقة يعمل الله ويتمم خطته في الحياة البشرية.

هناك مقطع آخر في رسالة بولس إلى غلاطية يعلّم فيها هذه الحقيقة ذاتها. يقول بولس وهو يذكر شهادته الشخصية:" ولكن لما سرّ الله، الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته، أن يعلن ابنه فيّ لأبشّر به بين الأمم، للوقت لم استشر لحماً ودماً"(غلاطية1: 15-16). إن هذا المقطع هو شهادة بولس الشخصية للمبادرة التي قام بها الله في أمر خلاصه وخدمته. أنه يعلم (1) أن إعلان المسيح له كان بقصد مرتّب من الله وهو أن بولس هذا إذ يؤمن بالمسيح يكرز به بين الأمم. ويعلّم المقطع (2) أن هذا الإعلان جرى في الوقت الذي اختاره الله ورغب في أن يجري فيه، و(3) إنّ هذا كان مؤسّساً على تعيين الله السّابق، التعيين الذي كان قبل ولادة بولس. إذن، يقول بولس في رسالته هذه ليس فقط أن خلاصه كان بموجب تعيين سابق بل أن توجيه خدمته أيضاً كان بحسب ذلك القصد المعين سابقاً. ليس قول بولس هذا بياناً عاماً عن قصد الله في خلاص كل إنسان، بل هو بيان لقصد الله الخاص في خلاصه هو. لقد شاء له الله أن يكون رسول الأمم بينما شاء لآخرين أن يكونوا رسلاً يعملون في اتجاهات أخرى. لكن،كان لا بدّ أن يكون الجميع كما اختار لهم الله أن يكونوا. لم يكن الله، بدعوته بولس إلى خدمة خاصة، يعامله بطريقة مختلفة عن تلك التي يعامل بها جميع الناس. إن الذي حدث في أمر بولس هو أن دعوة الله له والتعيين السابق لتلك الدعوة تسجّلا في الرسالة لنقرأ ونفهم، ولكن هذا لا يمنع الحقيقة أن الله دائماً يخلص الناس (مثلما خلص بولس) ويعدهم لأعمال خاصة حسب قصده. لقد سبق أن رأينا كيف انفرز بولس وبرنابا ليقوما بالعمل التبشيري في المناطق البعيدة (أعمال الرسل 13: 1-2). يتضح من هاتين الآيتين أن انفراز الرسولين لعملهما الجديد لم يكن نتيجة لعظم تقدير أصحابهما لهما من حيث استحقاقهما الرفيع أو مقدرتهما، بل كان نتيجة لتصريح من الله بأن تلك كانت إرادته تعالى لهما. صحيح أن الآيتين لا تقولان ما يفهم منه أن اختيار الله الإنسان للخدمة يحدث في الأزل ولكنهما تبينان بكل تأكيد أن الاختيار يحدث قبل أن يعلن الله الدعوة. لكن الذي سبق أن قلناه في أمر طبيعة الله وعلمه السابق الأزليين ليدل على أن اختيار الله يحدث في الأزل.

قد يقول البعض: ما هذا إلا تعليم بولس الخاص، وأنه لا يمثل أبداً فكرة الكتاب المقدس على النطاق الأوسع. لكننا نجد تعليم العهد القديم منسجماً مع هذه الفكرة التي يعبر عنها بولس في كتاباته بشكل أوضح من تعبير سواه. فهذا النبي أرميا يفسر كيف دعاه الله ليكون نبياً ويقول بلسان الله: "قبلما صوّرتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدّستك، جعلتك نبياً للشعوب" (أرميا 1: 5) لقد كان أرميا يحسب، بلا شك، مثلما كان يحسب بولس، أن مكانه في خدمة الله جاء نتيجة للمبادرة الإلهية، وصرّح بأن دعوته ابتدأت قبل ولادته. ويسوع يبيّن أيضاً في تعليمه ما يدلّ على أن دعوة الرسل كانت ناتجة عن اختيار الله وعلمه السابق ولم تكن متأثرة بالظروف الخاصة التي كانت تحيط بحياة أولئك الرسل حينذاك. إذا كانت هذه الفكرة المتعلّقة باختيار الله في سيادته للوسائل البشرية التي ينجز بها قصده في العالم ليست فكرة تصرّح بها تعاليم الكتاب المقدس تصريحاً واضحاً، فهي، على كل حال، مضمرة في كل تلك التعاليم. إننا نجد كتّاب الكتاب المقدس كله، من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، عندما يتكلّمون في هذا الموضوع يعلّمون أن سنن اختياره، مع سائر الذين خدموا الله خدمة ناجحة، لم يكن لشيء حسن فيهم بل لأنها كانت إرادة الله في سلطانه. لقد كانوا يعملون، ولهم الشعور بأنهم كانوا يؤدون الرسالة، ويقومون بمهمة، وكان لهم الإيمان بأن عملهم كان العمل الذي أعطاهم إياه الله ليعملوه.

إن هذا بالطبع يأتي بنا إلى مسألة العلاقة بين الجهود البشرية والكفاءة الإلهية. لنقل، بادئ ذي بدء، أنه من غير الممكن التفريق بشكل واضح في فكرنا بين الأمرين. فليس من طريقة يمكن بها القول أن هذا الدور أو ذاك من عمل الفداء الإلهي هو ما نؤديه نحن، أي أنه دورنا وليس لله أية يد أو فضل فيه. يعلّم العهد الجديد أن كل ما نعمله لله هو عمل الله، مع أنه يتم عن طريق إرادتنا وتعاوننا الطوعي. والشخصية البشرية في هذه العلاقة لا تعطى مكاناً خلفياً حيث لا تحل ولا تربط، بل على العكس تعطى ما يجعلها تحقق ذاتها. إن أحد المقاطع البارزة في العهد الجديد التي تعالج هذه المشكلة يرد في الإصحاح الثالث من رسالة بولس إلى كورنثوس. يسجل بولس في هذا الإصحاح قمة دعوته الملحة إلى الكنيسة ليكون أفرادها متحدين اتحاداً حقيقياً في خدمتهم لله. ويبدو أن أفراد تلك الكنيسة كانوا قد انقسموا فيما بينهم بروح الطائفية فتحزب كل فريق منهم لأفراد مختلفين من الرسل وخدام الإنجيل دون أي علم أو موافقة من أولئك الرسل على ذلك التحزب. كان البعض يقول: "نحن من أتباع بولس"، ويقول البعض الآخر "نحن من أتباع أبلّوس"، ويقول آخرون: "نحن نتبع صفا". لقد كان هؤلاء الرسل ذوي فكر واحد في خدمتهم الله، لكن الشعب كان منقسماً في تعلقه بصفات أحد الرسل أو ميزانه البارزة دون غيره فأدى ذلك الانقسام إلى نزاع وخصام على الأسماء بين أولئك الأفراد المنقسمين المتحزبين.

كان رد بولس على هذه الحالة المؤسفة أنه يجب ألا يحسب ما يجرى من أعمال أنه عمل الناس بل عمل الله. وإذا كان أكثر النزاع في كورنثوس يدور حول اسمي بولس وأبلّوس نجد الرسالة تبحث فيهما دون سواهما، وما تقوله ينطبق على جميع العلاقات البشرية– الإلهية في الخدمة. يستخدم بولس تشبيه الزرع فيقول: "فمن هو بولس ومن هو أبلّوس؟ بل خادمان آمنتم بواسطتهما وكما أعطى الرب لكل واحد. أنا غرست وأبلّوس سقى لكن الله كان ينمي. إذن، ليس الغارس شيئاً ولا الساقي شيئاً بل الله الذي ينمي" (1 كورنثوس 5:3-7). إذا أخفق الإنسان في فهم هذه الحقيقة وفي تقديم المجد لله لأجل خدمة الذين يخدمون باسمه فإن ذلك يدل على أنه إنسان جسدي (1كورنثوس 3:3)، أي أن موقف ذلك الإنسان موقف جسدي ويعمل بروح العالم ولذلك ليس له الفهم الروحي. الحقيقة أن جميع خدام الله هم ملك لله ويعملون معاً في ملكوته كزملاء وشركاء في العمل (1كورنثوس 9:3). يبين هذا المقطع من الرسالة بوضوح أن القوة الفعالة في أي عمل روحي هي قوة الله. لا سبيل لإنكار ما لجهد الإنسان من دور في هذه الخدمة، بل إن المقطع المذكور ليدل ضمناً على أن عملي الغرس والسقي ضروريان للإتيان بالثمر وجمع الحصاد. إنما التشديد، على أي حال، هو على قوة الله التي تعمل من الداخل لإنجاح الجهود التي يبذلها البشر. النقطة الهامة هي أن يكون هناك توازن بين الجهد البشري والفعالية الإلهية فيعطى لكل من الاثنين مكانه الصحيح. هناك أربعة تعاليم في العهد الجديد تتناول علاقة الله بالخدمة البشرية وإنها لتساعدنا للحصول على فهم أعمق لهذه الحقيقة.

التعليم الأول هو أن الله هو الذي يجهزنا للخدمة التي سنقوم بها. إن الفصل البارز في العهد الجديد والمتعلق بالإعداد للخدمة هو الإصحاح الثاني عشر من رسالة كورنثوس الأولى، حيث يبحث بولس في موضوع المواهب الروحية والقوات، ويخلص إلى القول أن جميع طاقاتنا وإمكاناتنا في الخدمة هي عطية الروح القدس. فالإمكانات الطبيعية (كما يسمونها) هي نفسها من الله. لقد أعطينا منذ ولادتنا طاقات معينة، طاقات فكرية وجسدية كثيراً ما نكتشف أننا في حاجةٍ إليها في خدمتنا لله. إن هذه المواهب الطبيعية يجب أن تُحسَبَ عطايا من الله. ربما يصر البعض على القول بأننا إنما نصل بموضوعنا إلى أبعد مما يجب، وإن حصولنا على هذه المزايا الطبيعية التي نحتاج إليها ما هو إلا صدفة، ويرجّح هذا البعض أن الله يتطلع نحو خلائقه التي في الوجود فينتقي منها أولئك الأشخاص الذين لهم الصفات والمزايا الضرورية لإتمام العمل. على أن تعليم الكتاب المقدس يبين أن هذه المزايا أو القدرات قد أُعطِيَت لنا قبل الوقت بتدبير الله للخدمة التي يحتفظ الله بها في فكره لنا لنقوم بها. لم ينتظر الله حتى ولادتنا ليرى إن كنا أهلاً لنقوم بالعمل فدعانا بعد ذلك، بل قد كان عاملاً في ولادتنا وفي تكوين كياننا بأكمله وقد جهّزنا سلفاً بالطاقات التي نحتاج إليها في خدمته تعالى.

والتعليم الثاني هو أنه ما دام النجاح في الخدمة غير معتمد كلياً، ولا رئيسياً، على القدرات والطاقات الطبيعية التي لنا، فإن ما يدور حوله البحث في لإصحاح 12 من كورنثوس الأولى هو المواهب الروحية؟. ويبدو أن أفراد كنيسة كورنثوس كان لهم، آنذاك، مجموعة متنوعة من المواهب. ومن المحتمل أن بولس لم يسجّل في رسالته جميع المواهب، ولكنه ذكر منها مواهب الحكمة، والعلم، والإيمان، والشفاء، والقوات، والنبوة، وتمييز الأرواح، وأنواع ألسنة، وترجمة ألسنة (1 كورنثوس 12: 8- 10). ويصر بولس على القول أن جميع هذه المواهب تُعطى من الروح القدس: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل... ولكن هذه كلها يعملها لروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 4- 6، 11).

إن هذا البحث في موضوع المواهب الروحية كله يقدم لنا أربع حقائق وهي: (1) الشيء المهم هو أن هذه المواهب تجئ من الله حسب إرادته واختياره. فنحن من جهتنا لم نفعل ما يجعلنا مستحقين للحصول عليها، وليس في استطاعتنا أن نقرر ما هي المواهب التي تكون لنا. (2) المواهب ذاتها نوعان: دائم ووقتي. فإنه ليبدو أن بعض المواهب في المجموعة التي ذكرها بولس هي من النوع الدائم نسبياً في حياة الفرد، أي أن من يحصل عليها يظل حاصلاً عليها وليس من المحتمل أن يخسرها. مثال هذا النوع من المواهب الحكمة والمعرفة والقدرة على التكلم بالكلمة. بينما يظهر أن بعض المواهب هي من تلك التي يمنحها الله لمواجهة أوضاع خاصة وحل مشكلات في خدمة الكنيسة، مثل التكلم بألسنة وترجمة الألسنة وشفاء الأمراض واجتراح المعجزات. ليس هناك ما يؤكد على أن من يحصل على مواهب كهذه يظل يمارسها طوال حياته. (3) إن جميع لمواهب تُعطى لا لخير الفرد الذي يحصل عليها ويمارسها بل لعمل الكنيسة وبنيانها وتقدمها بشكل عام. يجب ألا يظن أحد أنه حاصل على موهبة روحية من أجل استمتاعه الشخصي أو تقدمه وتحقيق طموحه الشخصي. (4) إن على الذين يحصلون على هذه المواهب أن يتخذوا موقف التواضع وألا يحملوا في نفوسهم أي فكر بالتفوق أو الترفع. وكما أن هناك حاجة لجميع الأعضاء لتكوين وحدة الجسم البشري الكاملة هكذا هناك حاجة لجميع أنواع المواهب الروحية لتكوين وحدة الكنيسة في جهدها الذي تبذله في خدمة الله. إن موضوع البحث كله الذي بحثه بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس هو مسألة وحدة الكنيسة في قيامها بالخدمة، أما بالنسبة لنا فنقطة التشديد هي على الحقيقة القائلة بأن الله هو الذي يجهز خدامه للعمل الذي سيقومون به. إنها حقيقة ذات قيمة عظيمة وأهمية دائمة في عمل الله. إنها تردد صدى تعليم الكتاب المقدس كله وهو أنه عندما يطلب منا الله أن نعمل شيئاً فإنه يعطينا القدرة على عمله. فكما أعطى الله ذلك الإنسان المقعد قوة لينهض من فراشه بكلمة المسيح الذي شفاه هكذا يعطي الله خدامَه القوة ليتمموا مشيئته. يستطيع كل واحد من خدام الله أن يواجه مهمته في الحياة بلا خوف إذا كان على يقين من أنه يعيش ويعمل ضمن إطار إرادة الله، ذلك أن الله سيجهزه بالقدرة اللازمة لتلك المهمة.

من عادة الله ألا يكتفي بتجهيز خدامه للخدمة بل أن يدعوهم أيضاً إلى ذلك العمل المعد لهم. إن استعراضنا لبدايات المسيحية أظهر صحة هذا القول في أمر كل منا بولس، فيلبس، وبطرس، برنابا. ولاحظنا أن دعوة الله لا تتناول فقط نوع الخدمة بشكل عام بل أيضاً مكان تلك الخدمة (أعمال 16: 10). يتفق هذا تمام الاتفاق مع أسفار العهد القديم التي تروي كيف دعا الله بعض الأشخاص للخدمة. وبالطبع تحضرنا دعوة الله لإبراهيم ليترك مدينة أور الكلدانية ويذهب إلى الأرض التي كان الله سيريه إياها، وكذلك دعوة موسى عند العليقة المشتعلة بالنار، ودعوة صموئيل وهو صبي صغير عندما ظن، وهو يسمع صوت الله، أنه كان يسمع صوتاً عالياً، ولكن تبين فيما بعد أن الله هو الذي دعاه، ودعوة إرميا المسجلة في الإصحاحات القليلة الأولى من سفره. إن الفكرة التي تفصح عنها الآيات المتعلقة بهذه الدعوات هي أن الله يوجه حياة خدامه في طريق الخدمة التي عيّنها لها. لقد عبر بولس عن دعوة الله له والقوة الدافعة التي فيها بقوله "الضرورة موضوعة عليَّ" (1 كو 9: 16). لقد شعر أن دعوة الله له ليكرز بالإنجيل كانت دعوة واضحة وصريحة حتى أصبحت ملزمة له في الحياة.

إن هذه الفكرة، فكرة دعوة الله التي بها يضع حياة شعبه في طرق الخدمة الصحيحة ليست فقط من تعليم الكتاب المقدس بل إنها مؤيدة أيضاً بشهادة خدام الله في كل التاريخ المسيحي. طبعاً إن دعوة الله، ولا شك، تجئ بطرق مختلفة إلى أناس مختلفين وعلى درجات متنوعة من الوضوح والدوام، لكن دعوته، على كل حال، تجيء لمن يصغي إليها. قد تجئ دعوة الله إلى شخصٍ عن طريق آخرين، فقد دُعيَ بولس وبرنابا للخدمة بواسطة شيوخ الكنيسة في أنطاكية (أع 13: 1- 2). قد نسمع دعوة الله لنا من خلال الظروف المحيطة بنا، وبهذا المعنى قال بولس: "حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع" (غلاطية 6: 10). وقد تجيء الدعوة كشيء دائم يوجّه حياتنا كلها، كالدعوة لمواجهة ظرف خاص في الحياة، كما جرى مع فيلبس عندما دُعيَ ليذهبَ فيبشّر الوزير الحبشي. يتبين من كل هذا أن دعوة الله تصل قلوب الذين يصغون فيسمعونها.

أما بحثنا فيما يختص بالعلاقة بين الجهود البشرية والكفاءة الإلهية فهو أن الله يكون شخصياً مع خدامه الذين يدعوهم ويعطيهم القوة في عملهم له. إذا تأملْنا نصَّ المهمة العظمى، كما وردت في متى 28 : 18- 20، نجد أنها تشدد على ثلاثة أشياء هي: (1) أن المسيح، وهو يرسل تلاميذه، كان في يده كل سلطان وقوة. و (2) كان عمل التلاميذ أن يتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم ويعلموهم أن يطبقوا في الحياة كل ما علم به يسوع. و (3) أن المسيح سيكون معهم لإتمام تلك المهمة، فقد قال: "ها أنا معكم كل الأيام". أما كيف يكون معهم شخصياً فواضحٌ في قول يسوع: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق... لا أترككم يتامى، إني آتي إليكم ... إن أحبني أحدٌ يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14: 16- 18، 23). إن هذه الآيات تهدف إلى تعليم التلاميذ (1) بأنهم سيحظون بحضور الله الشخصي الدائم في حياتهم في أثناء قيامهم بخدمته، و (2) أن حضور الله سيكون بواسطة شخص الروح القدس، و(3) أن حضور الروح القدس هو حضور الله بكل ملئه في حياتنا.

نرى، إذن، أن الله، عادةً، إذا لم يكن دائماً، يستخدم الوسائل البشرية في إنجاز قصده في العالم. ويعمل الله هذا عن طريق اختياره أناساً، ليكونوا أدوات برٍّ، وتهيئة أولئك المختارين، وتقويتهم، ومرافقتهم في أثناء قيامهم بالعمل. والإنسان الذي يختاره الله ليكون أداة للقيام بالعمل يكون حراً في عمله ولكنه يشعر بحضور الله الدائم في حياته ويشكر الله ويسبحه على نتائج ما يعمله لله. فإن ما يفعله، هو في الواقع، عمل الله فيه.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

إيمان و رجاء ومحبة

"أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكنّ أعظمهنّ المحبة" (1 كونثوس 13:13). إن الحياة المسيحية تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمحبة فصلب المسيح على تلة الجلجثة لهو أكبر برهان عن محبة المسيح لنا وأعطانا نحن أن نؤمن به بالإيمان لكي ننال غفران الخطايا ومن ثم ليكون لنا رجاء في الحياة الأبدية لكيما نحيا معه وجها لوجه حيث هناك ينتهي الإيمان والرجاء لتبقى المحبة وهذه الرحلة مع المسيح لها ثلاث ركائز:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة