الحياة المسيحية

الفصل 5

القسم: مجموعة تالوس القصصية.

كانت القوارب المندفعة تقترب بعضها من بعض دون أن يحسّ أحدها بالآخر تقريباً- باستثناء واحد منها, جلس عليه ثلاثة وقد لزموا الصمت كغيرهم. ولما انطلقت الصرخة من القارب الأمامي التفت هؤلاء الثلاثة بعضهم إلى بعض وهزّوا رؤوسهم تعبيراً عن موافقتهم. أما الآن فقد كانت الجماعة كلها في حالة تأهب ويقظة, وقُواد الدفَّة راحوا يناورون بمراكبهم نازلين بها في ممرات أمينة في المنحدر ومفسحين مكاناً لكل منها. إرِك وحده لاحظ الفنون التي استخدمها الرمث الذي وراءهم ولكن الوقت كان قد فات لإنذار تالوس. فلقد اندفع المركب الخلفي نحو تالوس وإرِك بحيث بدا وكأنه سيصطدم بقاربهما إن لم يحيدا عنه. ولو فعلا لارتطما بالصخور القاسية أمامها وتحطّما هما والمركب أشر تحطم لاسيما وإن التيار كان يجرفهما بقوة لا تسمح لهما بإيجاد طريق متوسطة. كان عليهما أن يبقيا في هذا الممر الواحد.

وقبل أن يقوم إرِك بحركة لمنع الاصطدام سمع صوتاً أشبه بصوت الجرش فترنّح تالوس للحظة وهو واقف عند المجذاف الأمامي وكاد يسقط على رأسه إلى قلب السيل الجارف قرب مركبه المتقلِّب. لكنه وازن نفسه ثم طفق يعمل بمشقة لتقويم المركب المتمايل. وعند نقطة الاصطدام أخذ إرِك- رغم قوته وشجاعته- يدبّ فوق الحزمة التي في منتصف القارب, ثم استجمع نفسه واستدار وشرع يلِّح بيده بغضب إلى رجال المركب الخلفي حتى أصبح على وشك أن يفقد توازنه مرة أخرى. ولحظتئذ تحوّل غضبه إلى رعب. فالمركب الذي اصطدم بهم جنح عن طريقه مما جعله يسير وسط النهر في اتجاه الصخور المسنّنة وقد حاول الرجال أن ينحرفوا بقاربهم مبتعدين عما يلوح لهم في الأفق, ولكن على غير جدوى. فصرخ تالوس: "اللهم أعنهم!".

أجاب إرِك الذي كانت عينه بصيرة ويده قصيرة: "لقد اصطدموا بنا عن قصد يا تالوس. كانوا يريدون قتلنا".

تلا ذلك الاصطدام المهلك عندما ارتطم رمثهم بالصخور فتقطّعت الحبال المتينة كما لو أنها خيطان واهية. فسقط رجلان من على جانبي الرمث إلى السيل الفوار الذي كان يدوّم بعنف حول الصخور البارزة التي اصطدموا بها. وسقط الثالث بقوة من مؤخرة الرمث المتفكك وغاص في أعماق النهر المهلك.

أما بقية المركب فقد كانت الآن تجري بسرعة مثيرة في المنحدر النهري ولا مجال للتساؤل في ما إن كانت قادرة على التوقف لمدّ يد المساعدة إليها أو حتى لافتراض وجود ناجين.. غير أن رمث تالوس, وهو الذي يسير في المؤخرة, كان لم يزل يجري بأكثر بطء من الباقين وقد وطد تالوس العزم على انتشال الرجال الذين سقطوا في الماء, فقال:

"لا يمكن أن نتركهم يغرقون يا إرِك. سِر مقترباً من الضفة قدر المستطاع فلديّ فكرة...".

"حسناً يا تالوس, سأحاول. صلّ كي لا ننتهي إلى مل انتهوا هم إليه". هذا ما أجاب به إرِك وهو يبذل جهده ليغيِّر اتجاه المركب السريع نحو الضفة, وفي الوقت ذاته يبقى محافظاً على توازنه!

فنادى تالوس إرِك ثانية وقال: "تلك هي البقعة التي يجب أن نصل إليها. أترى ذلك الغصن العالي؟ ضعه نصب عينيك إن استطعت". قال هذا وهو يشير إلى شجرة عتيقة كثيرة العقد تقع على بعد مئة متر أمامهم. وعلى علوّ ثلاثة أمتار عن الأرض تفرّع غصن كبير عن الجذع ممتداً فوق النهر. فإذا تمكن تالوس من الوصول إلى ذلك المكان توفرّت له فرصة إيجاد الرجال الغرقى في الوقت المناسب. وإن لم يتمكن فسيكون هو أيضاً ضحية المياه الصاخبة. ومع أن الأمل ضئيل فلقد عزم تالوس أن يقوم بمحاولته تلك.

بعد ثوان معدودات كان كلاهما تحت الشجرة, وبقفزة واحدة جبارة تعلّق تالوس بالغصن. فأمسك به بشدة وبدا للحظة أنه في أمان تام. ولكنه فوجئ إذ أفلتت قشرة الشجرة التي تحت يده اليسرى وتركته معلقاً بيد واحدة مُعَرِّضة حياته للخطر. فشدّ قبضته حتى اتزن جسمه وعاد فأمسك بالغصن وأخذ يتقدّم شيئاً فشيئاً إلى جذع الشجرة ومن هناك قفز إلى أرض الأمان.

راح يعدو صاعداً بعكس مجرى النهر حتى وجد الرجال الثلاثة نصف غرقى وهم يصارعون في سبيل بقائهم عائمين فوق الألواح المتبقية من الرمث المحطم. فقد حدث أنهم انجرفوا إلى طرف المياه الخلفية حيث كان النهر قد أحدث فجوة في الضفة وقد كانوا الآن وسط دوامة لا يستطيعون معها شيئاً. ولولا الألواح التي تمسكوا بها مذعورين لكانت الدوامة جذبتهم إلى القعر.

للحظة لم يدرِ تالوس ماذا يفعل, ولكن ما إن اقترب من الضفة حتى شاهد على الأرض غصناً طويلاً رفيعاً بالقرب منه. ولما خلع ثيابه ربطها معاً بعضها ببعض وعلّقها بطرف الغصن. ولما نـزل في المياه الساكنة- قدر ما ساعدته شجاعته- مدّ الغصن إلى الرجال كما لو أنه قصبة صيد.فمدّ أحدهم يديه وامسك بالثياب, وعلى الأثر جذبه تالوس وأنقذه. وبالطريقة عينها جذب رفيقه إلى شاطئ الأمان على الرغم من أن الغصن كاد ينكسر حين اندفع بقوة من الماء ليمسك به. غير أن تالوس استبق الأمر وأرخى الغصن قليلاً تحت الضغط المفاجئ.

في هذا الوقت كان إرِك قد شّطط بمركبه وحضر إلى المكان نفسه. وسرعان ما أوقد ناراً جفف عليها الثياب. كانت الشمس قريبة من المغيب فجلس الرجال حول النار بصمت من شدة الإنهاك والتعب.

وعندها تكلم إرِك بحزم وغضب فقال: "لولا هذا المسيحي الذي حاولتم قتله لكنتم الآن في عداد الموتى. أما أن تعرفوا ذلك".

ولكن تالوس قاطعه قائلاً: "انسَ الماضي يا إرِك. دعنا نشكر الله لأن جميعنا أحياء".

وفي صباح اليوم التالي- بعد أن ارتاح إرِك وجفت ثيابه, اقتاد الجميع نحو المركب المشطط. وفي الطريق انتحى بتالوس ليكلمه.

قال: "أنا قلق من جهة هؤلاء الرجال. فليس ما يدل على أنهم ممتنّون على نجاتهم".

فطمأنه تالوس: "ربما لم يَزَلوا تحت وطأة الصدمة". ولكن إرِك لم يكن ليقتنع بسهولة. ولذلك أجاب بجد: "يبدو أنك لا تفهم السلتيين يا تالوس. يبطشوا بك. أرى أن نتركهم هنا ونمضي إلى بيتنا لوحدنا".

أجابه تالوس دون تردد: "لا نستطيع أن نفعل ذلك يا إرِك". وتابع قوله: "علينا أن نتبع تعاليم المسيح. ما دمنا نفعل الحق فلا حاجة بنا إلى الخوف. إياك والشك في قدرة الله على قهر الشر. وعلى أية حال, نحن مسؤولون أمام الله أن نفعل الحق مهما كانت النتائج".

ولدى وصولهم إلى الرمث وزّع إرِك قليلاً من الطعام على جميعهم قبل الإقلاع من جديد والسير في النهر. ولكون المنحدر خلفهم فقد تمكنوا من السير بثبات لبضع ساعات ولو أن المركب انخفض في الماء بسبب الحمولة الزائدة. ولما انطلقوا حذّر إرِك الرجال, الذين تم انتشالهم, مرة ثانية بقوله لهم:

"إن زيادة الحمولة تشكل خطراً علينا, وليس لدينا متسع. فإن كنتم لا زلتم تفكرون بقتل تالوس وإياي فاقلعوا عن ذلك"! وتابع يقول: "كان بودي أن أترككم تغرقون بالنظر إلى ما قصدتموه بنا. ولكن هذا الروماني يعبد إلهاً يحرّم عليه الانتقام وقد أصر على أخذكم معنا. فأنتم مدينون له بحياتكم".

على أن الرجال الثلاثة لم يعودوا إلى مضايقتهما بل أخذ كل منهم دوره وراء عمود القيادة. وفيما كان المركب يسير ببطء أخذ تالوس يتكلم لبعض الوقت عن يسوع المسيح وقدرته على إنقاذ الناس من الخطية التي تستأسرهم. وفي عصر ذلك النهار أشار إرِك بيده إلى الأمام بكثير من السرور وهتف قائلاً: "ها هو يا تالوس! لقد وصلنا إلى موطننا".

فأجابه تالوس مبتهجاً: "لم أكن أتصوره كبيراً بهذا المقدار. إنها مدينة ليست قرية".

قال إرِك: "أجل, وآمل أن يصل الجميع إلى بيوتهم سالمين".

وما هو إلا وقت قصير حتى سحبوا الرمث إلى رصيف النهر وسط هتافات وزغاريد أهل القرية. وقد تجمّع على ضفة الأصدقاء والأنسباء الفرحون الذين رحبوا بهم ترحيباً قلبياً حاراً. وفي وسطهم استطاع إرِك أن يشاهد والديه يلوحان له بابتهاج وما إن وطئت قدماه الشاطئ حتى أسرع لملاقاتهما. فطوقته أمه بذراعيها وهي تشعر كما لو أن ابنها الوحيد قام من الموت!

قال أبوه: "بكيناك ظناً منا أنك هلكت. حين كنا في المنحدر النهري لم يكن في استطاعتنا انتظاركم وكنا نظن أنكم في أمان. ولم نفتقدكم إلا عندما تبادر لنا أنكم جميعاً غرقتم. فشكراً للآلهة على نجاتكم".

فاندفع إرِك يقول له أخيراً: "لا تشكر الآلهة على سلامتنا, فهي أعجز من أن تنقذنا. علينا بالحري أن نشكر الإله الواحد الحقيقي الذي يُنَجِّي بيسوع المسيح". فهزّ تالوس القريب منه رأسه موافقاً على كلامه.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

كيف قبلت رفقة اسحق؟!

إن قصة زواج اسحق ورفقة، تشبه من عدة نواحي، التصاق المؤمن بفاديه، فقد ذهب عبد إبراهيم لكي يبحث عن زوجة لإسحق من أهل إبراهيم وعشيرته، ووجد في طريقه رفقة، ولم تكن رفقة قد

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة