الحياة المسيحية

الفصل 7

القسم: مجموعة تالوس القصصية.

في الصباح التالي كان تالوس وإرِك يشعلان ناراً في المطبخ ليعدّا طعام الفطور وإذا برجلين يندفعان داخلين إلى الغرفة. كانا لابسين ثياباً حربية بما فيها سيفان وخوذتان معدنيتان!

"هلم معنا أيها الروماني" قال أحد الكاهنين بغضب رافعاً سيفه في وجهه تهديداً ولكن بسرعة البرق استلّ إرِك سيفه من منضدة قريبة منه وكاد يتورط معه في عراك لو لم يقل له تالوس:

"لا, لا يا إرِك. لا تقاومه. أعيدا سيفكما إلى غمديهما أيها الكاهنان, فأنا آت معكما".

بقي تالوس أياماً عدة مخفياً عن الأنظار وأعتقد الكهنة أن الناس ينسون هذا الغريب سريعاً. ولكن ما كان أبعدهم عن الحقيقة. فالذين تأثروا بكلام تالوس ورجعوا إلى المسيح أصرّوا على ضرورة إطلاقه فوراً. وكثيرون منهم رفضوا مغادرة الحصن الذي كان مكبلاً فيه معلنين صيامهم عن الأكل والنوم مما اضطر الكهنة إلى تعيين موعد للمحاكمة.

وفي فجر يوم المحاكمة جاء أهل البلدة كلها ليَشهدوا سير المحكمة واجتمعوا في ساحة مكشوفة عند ضفة النهر. وما أن أطلّت أول شعاعة شمس فوق الأفق حتى دعا الكهنة الثلاثة الشعب إلى الإصغاء. فخاطبهم رئيس الكهنة ثم طلب إحضار تالوس ليَمْثُلَ بين يديه.

قال : "هاتوا لي المتهم". ثم التفت إلى الجمع مرة أخرى قائلاً لهم: "إن كان أحدكم يشهد بصدق قَسَمِهِ فليتكلَّم الآن".

كان السلتيون شديدي الإيمان بمهابة القسم حتى أن المتهم الذي يعتبر صادقاً في قسمه, كان يُطلق سراحه بمجرد أن يحلف بأنه يقول الحق. وكان يكفي أن يشهد آخرون أن إنساناً كهذا هو مواطن مخلص فيُعتبر صادقاً في شهادته. وفي هذه المناسبة بالذات حلف العديدين من السلتيين بصدق قَسم تالوس وطالبوا بإطلاق سراحه.بيد أن الدرويديين لم يكونوا ينوون إطلاقه بهذه السهولة ولذلك تابعوا مزاعمهم وادعاءاتهم الشريرة.

فأعلن رئيس الكهنة أن عدد الشهود الذين تكلموا لصالح تالوس غير كاف وطلب أن يتقرر ما إذا كان تالوس مذنباً أو بريئاً, إما بمحاكمته عن طريق المبارزة وإما عن طريق التعذيب. وكان على تالوس أن يختار..

في تلك اللحظة هبّ إرِك- لما رأى ما رأى من أسلوب رئيس الكهنة- وتقدَّم إلى الأمام رافعاً قبضته في الهواء متحدياً ومعلناً أنه سيبارز في سبيل تالوس. وصاح قائلاً: "فلتكن المحاكمة عن طريق المبارزة. أنا سأكون نصيره".

ولكن تالوس كان قد سبق فاتخذ قراره ولم يكن ليسمح لإرك بأن يقف مكانه الآن. كان عليه أن يضع نفسه بين يدي الله الآمنتين مهما كانت النتائج, وكان واثقاً من أن الله سوف يعلن قدرته لأولئك الناس بطريقة عجيبة.

"لا يا إرِك. لن أسمح لك بالمخاطرة بحياتك بهذه الطريقة". قال تالوس هذا آخذاً بذراع إرِك كما لو أنه يريد إسكات صوت تحدياته.

ثم التفت إلى رئيس الكهنة وقال بهدوء وجدّ: "اطلب محاكمتي بالتعذيب".

ولما قال هذا اتسعت عيون الجمهور وأفواههم رعباً وتحول المكان إلى ما يشبه برج بابل وهم يفكرون بالمصير الذي اختاره تالوس لنفسه, لاسيما وأن أحداً لم يسبق له أن بقي حياً بعد التعذيب!

فأعلن رئيس الكهنة وهو يسكت الجمهور بقوله: "لقد اختار هو لنفسه. فأعدّوا له وسيلة التعذيب". ولما قال هذا عَلَت وجهه الصلب بسمة مصطنعة.

كان إرِك يغلي من الغيظ وكاد يهجم على رئيس الكهنة ويطرحه أرضاً لو لم يمنعه تالوس بتطمينه:"لا تبدأ العراك يا إرِك, بل اتكل على الله الذي سوف يحميني"..

وقضى حدّاد القرية باقي النهار وهو يعدّ وسيلة التعذيب لتالوس في حين كان كاهنان يراقبان عمله. فكنت ترى على الكير كرة حديدية كبيرة محمّاة والحداد يزيد النار إضراماً. غير أن عمله لم يكن من القلب لأنه كان مقتنعاً بصدق معتقدات تالوس وقريباً من الإيمان بإله تالوس بصفته الإله الواحد الحق.

وأخيراً انفرجت شفتاه بعد صمت فقال: "لا ليس الامتحان عادلاً. لا يستطيع إنسان أن يحمل كرة حديدية خاصة بهذا المقدار لا يفصل بينها وبين يديه إلا بضع أوراق شجر".

أجابه أحد الكهنة: "كفى.. هذا ما اختاره المسيحي لنفسه, وما على إلهه إلاّ أن يتدخل لإنقاذه. أما أنت فاهتم بتحمية الكرة كما يجب".

وعند الغروب استدعى المبوقون كل أهل القرية ليشهدوا المحاكمة. فاجتمعوا ثانية في الساحة القريبة من الماء. وأخلى الكهنة أرضاً جرداء من الناس وضربوا حولها نطاقاً. وفي وسطها رسم رئيس الكهنة بعصاه دائرة كبيرة في التراب, ثم وقف وخاطب الجمع:

"سيلّف المتهم يديه بأوراق الشجر ثم يحمل الكرة الحديدية ويدور بها حول الدائرة السحرية. فإذا احترقت يداه, ولو قليلاً, فهو مذنب ويستحق الموت". ثم تابع فقدم خطاباً طويلاً وهو يندد بتالوس ويتكلم لصالح آلهة الغابة كما لو أنها حقيقة. ولما انتهى أعلن المبوقون بدء التعذيب. وما إن ارتفع البدر فوق التلال الشرقية وصل اثنان من الدَرويديين حاملين مجمرة ملآنة بالجمر ووضعاها أمام الكهنة الدَرويديين على مرأى من الجمهور المتوتر المنتظر. ومرة أخرى امتلأ الجو بتأوهات الخوف.

في وسط الجمرات رقدت الكرة الحديدية المخيفة وقد لونتها الحرارة. فانصبت جميع العيون على المجمرة وما فيها في حين سيق تالوس إلى قلب الدائرة. كان إرِك بجانبه فيما وقف بقرب الكهنة ليسمع رئيس الكهنة مخاطباً إياه بصراحة وحزم:

"أيها الروماني, أنت اخترت العذاب بمحض إرادتك. وأنت ملّم بالشروط. فاستعدّ للامتحان".

وهنا سكت وراح يتأمل إرِك وهو يساعد تالوس بطريقة خرقاء في ربط الأوراق في كفَّيه.

في هذا الوقت بالذات كان صبيَّان يجلسان منفرجي السيقان على حافة سطح من قش مطلّ على المشهد كله. على أن أحداً لم يلاحظهما لأن الناس كانوا مسمَّري الأنظار على ما يجري أمامهم, فضلاً عن أنهم كانوا مطمئنين إلى أنه ليس ثمة ما يتهددهم من أخطار. ولكن أحد الصبييَّن رأى الخطر مقبلاً وسرعان ما أطلق الإنذار ولو أن الوقت لإنقاذ القرية كان قد فات. بقي مشدوهاً للحظة غير قادر على النطق, وبعد ذلك أطلق صرخة مخيفة هزّت سكون الليل وأدخلت الرعب في قلب الجمهور المتوتر الأعصاب. صرخ قائلاً: "سفينة قراصنة, سفينة قراصنة".

وما إن مزقت كلماته السكون حتى كانت سفينة قرصنة اسكندينافية تقترب من الشاطئ وتقفز منها جماعة من الغزاة على مسافة مئتي متر من الموقع الذي كانت تجري فيه الأحداث الرهيبة. فلقد تسللوا إلى الميناء دون أن يحس بهم السلتيون الذين انهمكوا بمشاهدة محاكمة تالوس. فوقعت صرخة الغلام منهم موقع الصدمة الكهربائية مما جعلهم يجمدون للحظة فيما كان القراصنة يسرعون صاعدين على الشاطئ إلى القرية. وهذا ما جعلهم يحسون بالخطر يحيق بهم.

وما إن تغلبوا على صدمتهم الأولى حتى تفرق السلتيون من الساحة شذر مذر والرعب آخذ منهم كل مأخذ, بعضهم ليحمل السلاح دفاعاً عن القرية وبعضهم الآخر بقصد الاختفاء من وجه هؤلاء الغزاة المتوحشين.

وبأسرع من البرق أخليت ساحة المحاكمة- ولم يبق فيها سوى تالوس ورفيقه المنذهلين.

"ثمة باب واحد لإنقاذ القرية يا إرِك. فمتى رأوا النار تندلع في سفينتهم أوقفوا الهجوم. فامسك معي الجانب الآخر من المجمرة بسرعة".

"حسناً. ولكني آمل أن نَصِل إلى السفينة دون أن يتمكن أحد من إمساكنا".

واندفع الاثنان معاً بأسرع ما يمكن نحو السفينة المتروكة عند الشاطئ- دون ان يتمكن الغزاة حتى تلك اللحظة من رؤيتهما. كانت أمامهما أمتار قليلة بعد ولم تظهر أية بادرة تدخُّل من القراصنة. وما هي حتى وصل كلاهما إلى جانب السفينة.

ولما نـزلا في الماء حتى الرُكَب, قذفا بالمجمرة من فوق جانب السفينة فتتطاير الشرر في الهواء فيما سقط الجمر على متنها. ثم أدارا ظهريهما وانطلقا يعدوان على الشاطئ لا يلتفتان إلى الوراء إلا لينظرا ألسنة اللهيب تلتهم الخشب الجاف.

في تلك اللحظة نظر زعيم القراصنة إلى الوراء وارتاع لدى رؤيته المركب يحترق بالنار.

فصاح برجاله: "السفينة تحترق. شكلوا ساقة من الجند وعودوا إلى الشاطئ. إذا خسرنا السفينة خسرنا كل شيء".

وسرعان ما نكص ذئاب البحر على أعقابهم إلى السفينة المشتعلة وشكّل عشرون منهم حاجزاً لحماية العاملين على إطفاء النار. وإذا كانوا واقفين هناك جنباً إلى جنب منفرجي السيقان طرحوا ظلاً مخيفاً كان نور النيران يتراقص على خوَذهم التي بدت- ومن خلفها السماء قاتمة- وكأنها صورة ظليّة.

ولكنهم لم يُتْرَكوا وشأنهم لوقت طويل, لاسيما وأن خمسين من أشجع القرويين كانوا قد بدأوا مسيرتهم بجرأة نحو الجماعة الشريرة. توقفوا للحظة على مسافة قريبة منهم ليدرسوا الوضع على حقيقته ولما أصبحوا بمواجهة العدو لم يكن يُسمع سوى صوت قرقعة النيران. عندها أصدر القائد أمره فهجمت جماعة السلتيين كلها إلى الأمام.

ولكن في تلك اللحظة- ومن حيث لم يدروا- ظهر تالوس بين القوتين رافعاً كلتا يديه في الهواء.

ودعاهما بلجاجة شديدة: "كفا, باسم يسوع المسيح أدعوكما لتلقيا السلاح".

ولم يكن السلتيون أو الاسكندينافيون قد سمعوا أمراً كهذا من قبل. فتوقفوا فوراً وأخذوا ينظرون إلى تالوس مشدوهين فيما تابع يقول:

"إن التعذيب الذي قُصد به قتلي قد أنقذ القرية لأن الله الواحد الحقيقي أراد ذلك. ولا يجوز تحويل رحمته إلى إراقة للدماء. إن اقتتالكم الآن لن يجدي نفعاً. لذلك اطلب إلى كل منكما أن يختار ناطقاً يتكلم باسمه معي.

فوقع إخلاص تالوس موقعاً حسناً في نفس زعيم القرية حتى أنه ألقى سلاحه في الرمل وسار نحو تالوس. كذلك تهيّب زعيم القراصنة الموقف فحذا حذو السلتي وتقدم واقفاً بجانب تالوس.

تكلم الاسكندينافي أولاً, بجرأة وبصراحة تامة, باللغة السلتية: "سأصغي إليك أيها الغريب, ولكن ليس لأني ورجالي نخاف الموت!".

وبعده تكلم السلتي, فقال: "سأصغي لأني سمعتك تتكلم عن إلهك وأظنك صادقاً ومنصفاً".

عندئذ شرح تالوس مخططه الذي أمِلَ أن تتم على أساسه المصالحة بين الفريقين. وبعد نقاش طويل أثمرت جهوده الجريئة. فتصافح الزعيمان بحرارة وهما يعلنان وقف القتال مما يؤّمِّن سلامة الطرفين.

وختم الاسكندينافي في قوله: "إذاً اتفقنا. نقطع عهداً على أنفسنا بعدم مهاجمة هذه الناحية أو قراها مرة أخرى".

فردّ عليه السلتي بحرارة: "في وسعكم البقاء بأمان عندنا ريثما تصلحون السفينة. وعسانا جميعاً لا نحنث بما أقسمنا عليه".

فسرّ القرويون والقراصنة معاً بالاتفاق السلمي الذي توصل إليه الطرفان. وتمكن القراصنة من الاختلاط بالشعب في أثناء إصلاحهم للسفينة.

وسُمع أحدهم يقول : "في جميع سفراتي لم أرَ فتاة جميلة مثلك".

فردّت عليه الفتاة: "أنا واثقة من أنك تقول الشيء عينه لكل فتاة تراها". وهكذا كانت تنشأ الصداقات- الواحدة تلو الأخرى- بين الاسكندينافيين والسلتيين. وسرعان ما ترسخت الثقة والاحترام المتبادلين في حين كان تالوس يشجّع الفريقين بكلام يسوع المسيح. وتعهّد الكثيرون بتسليم حياتهم- المليئة بالشهوة والاقتتال- وبالخضوع لمطالب المسيح المخلّص. وعندما كان تالوس يعقد اجتماعاً منتظماً للصلاة كان عدد الحضور يزداد بإطراد! في كل اجتماع كان تالوس يعلِّمهم المزيد عن يسوع المسيح. وذات يوم أخبرهم كيف أُمسك يسوع واُقتيد إلى الصلب. ومع أن أعداءه قصدوا به شراً- قال تالوس- فقد حول الله عملهم للخير بحيث أنه صار موتاً بديلياًً لكل من يؤمن به.

طبعاً انـزعج الدرويديون كثيراً مما قاله تالوس ومن التجاوب الذي لقيه, ولكنهم لم يجسروا على فعل شيء الآن, فالشعب كله كان يهجر "أرواح الغابة" القديمة.

وقال أحدهم وهو سابح في التفكير: "إن عدد أتباعنا يتناقص باستمرار".

"أجل, فإن إله هذا الروماني قد هزم أرواح الغابة. لقد فقدنا السيطرة على الشعب".

ولما أقلعت سفينة القراصنة التي تمّ إصلاحها. تخلّف العديد من بحّارتها في القرية التي اختاروا منها لأنفسهم زوجات سلتيات أثناء إقامتهم هناك. وبذلك تخلوا عن حياة القرصنة ليصبحوا قرويين مسالمين. قال هؤلاء: "تعرّفنا إلى حياة أفضل مما عرفنا من قبل".

وفيما كان الجميع ينظرون إلى سفينة القراصنة وهي تبتعد, قال إرِك: "تصوّر يا تالوس. لو لم تنقذني من الخنـزير البري لما كنت قد تعرّفت بيسوع المسيح".

"يسوع هو المنقذ يا إرِك. كل ما نستطيعه, نحن المؤمنين به, هو أن نرشد الناس إلى طريق الخلاص".

وعاد كلاهما إلى القرية فرحين بكل ما قصده الرب بهما ولهما.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

عبر مخاضة يبّوق

"ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبّوق" (تكوين 22:32). هناك عبر الوادي الكبير كان يعقوب ماشيا يتأمل في حياته منذ أن تصارع مع أخيه على البكورية وإلى ذهابه لبيت خاله وحيث لمس إختبارات الله اليومية معه، رغم أنه لم يكن أمينا وطائعا ومنسحقا، فبدأت الأفكار تجول حول كيفية تصحيح العلاقة الحميمة مع الله، وهناك وعبر مخاضة يبوق قدّم لنا أروع مثال بالعودة الحقيقية لأنه:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة