الحياة المسيحية

لغة الإيمان

القسم: تأملات في الحياة المعاصرة - الجزء الأول.

عندما تغنى النبي داود قائلاً في المزمور التاسع عشر "1اَلسماوات تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ " كان يستعمل لغة الإيمان. لم يكن داود يتكلم بلغة الفلاسفة القدماء الذين كانوا يقومون بدراسة لا شخصية للطبيعة. فعندما يتمعن الإنسان في أمور الطبيعة – بدون معونة الوحي الإلهي – يصل إلى القول بأنه هناك عالم غيبي، عالم ما وراء أو ما فوق الطبيعة، شيء عجيب وعظيم والذي نجد أنفسنا غير قادرين على السيطرة عليه. وقد دعاه أهل الاغريق بالقدر.

ولكننا عندما ننظر إلى الكون من وجهة نظر إيماننا بالله وبوحيه المقدس نبدأ حالا بالتفكير بالله وبتعظيم جلاله وحكمته. يذكرنا العالم المحيط بنا بالله تعالى – لاننا نكون ناظرين اليه آنئذ من وجهة نظر الإيمان القويم. وعندما تقودنا تأملاتنا بالطبيعة إلى التفكير بالله فان هذا لا يعني أننا نبرهن وجوده تعالى فالحق المتعلق بالله هو موضوع وحي نستلمه من الله بواسطة الإيمان، لا شيء يكتشفه الإنسان بمجهوداته الخاصة. وعندما نقوم بدراسة تاريخ البشرية نجد أن الناس لم يصلوا إلى الاعتراف بالله الواحد وهم يتبعون فلاسفتهم. فقد انتشرت الوثنية في شتى أنحاء العالم القديم ولم يكن هناك سوى إبراهيم والذين انحدروا منه من عابدي الله. وكان إبراهيم الخليل قد وصل إلى معرفة الله لأنه تعالى كان قد كشف عن ذاته لعبده الامين. وقد مالت البشرية إلى الاعتقاد بآلهة متعددة ولم تصل إلى معرفة الله باتكالها على حكمتها.

ومن واجب المؤمنين أن يشهدوا عن الحق وعلى شهادتهم أن تكون قوية. ومن شهد بطريقة غير متلائمة مع تعاليم الوحي – أي أن الذي لا يستعمل لغة الإيمان بتعقل ورزانة – لا يكون داعما للحق ولا ناصرا له. وعلينا أن نتذكر أنه لا يتطلب منا عمل المستحيل. فان لجأنا مثلاً إلى الاساليب المستعملة في العلوم الطبيعية لاثبات وجود الله فاننا سنمنى بالفشل الذريع. ليس الله على مستوى الاشياء أو المخلوقات لنلجأ إلى طرق طبيعية لبرهان وجوده. وما يسمى بحقائق علمية ليست بحقائق ثابتة أو نهائية أو مطلقة، بل انها متقلبة ومتغيرة. ألم تعدل أمور عديدة في الكيمياء مثلاً نظرا للاكتشافات العديدة التي جرت في هذا الحقل؟ أية نظرية يمكن القول عنها بأنها الكلمة الأخيرة في أي فرع من فروع العلوم الطبيعية؟

نجد الإنسان المعاصر يجاهد بكل طاقته للحصول على معرفة شاملة لهذا الكون، ولكنه لا يأتينا بنظرة واحدة بل بعدة نظريات تسمى بعلمية وكل واحدة منها تحاول بأن تعطينا تفسيرا معقولا ومنطقيا للكون. فان كانت هذه التفاسير التي يأتي بها الإنسان المعاصر متضاربة أفليس إذن من العقيم أن نحاول الاستنتاج من الحوادث الطبيعية التي نشاهدها حقائقا عليا عن الله؟ طبعا لا يقف المؤمن مكتوف اليدين وهو يشاهد الاكتشافات العديدة التي تجري في مضمار العلوم الطبيعية. وهو يشهد بأن كل ما يجري في عالمنا وفي الكون الشاسع المحيط بنا انما يشير إلى وجود الله القدير. وشهادة المؤمن معقولة بمعنى أنها لا تأتي بمشاكل أكثر تعقيدا مما تأتي بها شهادة المنكر لله ولسيطرته على الكون. وبكلمة مختصرة يرى المؤمن في كل ما يجري حوله دلائل قوية ومقنعة تتفق كل الاتفاق مع إيمانه بالله ذلك الإيمان المنبعث من وحي الله. لكن المؤمن لا يستطيع أن يستعمل الحوادث الطبيعية لاقناع من لا يود قبول ما أو حى به الله من تعاليم منعشة ومحررة.

ويجدر بنا أن نتأمل في أسرار الكون مثلاً اكتشف الفلاسفة منذ القديم أن الحوادث التي هي أكثر قربا الينا والمتعلقة بما نختبره في حياتنا اليومية هي في نفس الوقت غامضة وخفية. ولكنها نظر لكونها حوادثا أو أمورا مألوفة فإنها تظهر اعتيادية وطبيعية – ولذلك نقول عنها أنها معقولة. وهكذا نخدع أنفسنا بسهولة عندما نظن بأننا نفهم هذه المواضيع بصورة تامة. لنأخذ مثلاً الضوء أو الزمن أو الفضاء أو المعرفة. هذه مواضيع تجابهنا كل يوم وهي مألوفة للغاية ولكنه هل يجوز لنا أن ندعي أننا قد وصلنا إلى استقصاء جميع الأسرار التي تحيط بها؟

وإلى أن نتوصل إلى حل جميع الغوامض المحيطة بهذه المواضيع فإنها تبقى وتظل أسرارا. إذن نخلص إلى القول : هناك نوعان من الغوامض أو الأسرار : 1. الأسرار المألوفة أي التي تعودنا عليها، 2. تلك التي لم نتعود عليها أي غير المألوفة. والأسرار التي نعدها غير مألوفة ندعوها بأسرار وننظر اليها كأمور غامضة وذلك لاننا لم نقدر بأن نرجعها إلى مصاف الأمور المألوفة في هذه الحياة.

ما هو مغزى ما أتينا على ذكره؟ بما أننا نعيش وسط كون مليء بالغوامض لماذا ينتقد المؤمنون أن كانوا يؤمنون بأسرار فوق ما يؤمن به غير المؤمنين؟ وهذه الأسرار الخاصة التي يؤمن بها المؤمن – والتي هي بالحقيقة موحى بها من الله – متى فهمت أو قبلت، أعطتنا مفتاحا لمعرفة جميع أسرار الكون.

وهناك موضوع آخر هام وهو أن هذا الكون هو موطن لذوات أو كائنات فوق طبيعية ألا وهي العقول أو الارواح البشرية وهذه الكائنات لها طبيعة أخلاقية وعقلية وهي تفقه بأنها تتمتع بهذه الصفات. متى أخذنا هذه الأمور بعين الاعتبار ألا يجوز لنا أن نعتقد بأن هذا الكون المحيط بنا هو معقد وغامض كهذه الكائنات المتمتعة بصفات فوق طبيعية؟ وبعبارة أخرى، نجد أن هذا الكون الذي نكون قسما منه هو متمتع بصفات مشتركة معنا أكثر بكثير مما نظن. هناك نظام رائع وبديع في الكون مما يدعم معتقدنا بأن الله هو الذي خلق الكون ووضعنا فيه. وهكذا لابد لنا من الاستنتاج بأن ما يسمى بقوانين الطبيعة – كما تعرف في العلوم الطبيعية عاجزة عن اعطائنا وصفا كاملا لكل ما يجري ضمن الطبيعة.

ان إيماننا بالله وبجوده وبعظمته لا يعني أننا نصبح أعداء للعلوم الطبيعية ولكننا لا ولن نقبل أية نظريات تسمى علمية أن كانت لا تعترف بالإيمان القويم وان لم تتكلم بلغة الإيمان. وكما تغنى النبي داود " اَلسماوات تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. 2يَوْمٌ إلى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَماً وَلَيْلٌ إلى لَيْلٍ يُبْدِي عِلْماً " (من المزمور 19).. اننا نؤمن بالله، ولذلك نتكلم بلغة الإيمان.

يمكننا تلخيص ما ذكرناه في هذا الفصل كما يلي :

1. عندما يتأمل الإنسان في العالم فإنه اما يتكلم بلغة الإيمان أو بلغة عدم الإيمان أو الإلحاد. هناك وجهتا نظر في دنيانا هذه : وجهة نظر تعترف بالله الواحد الحقيقي وتنظر إلى كل شيء من منظار الوحي الإلهي، ووجهة نظر أخرى لا تعترف بالله وتنظر إلى كل شيء من منظار آراء وأفكار بشرية منكرة لله ومنادية باستقلالية الكون وأزليته.
2. عندما نستعرض تاريخ العالم في أيام ما قبل الميلاد نجد أن سائر الشعوب كانت تعبد آلهة متعددة – ما عدا إبراهيم الخليل وذريته. وقد نجا إبراهيم من عبادة الأوثان نظرا لدعوة الله له ولاستلامه الوحي الإلهي الذي بدونه لا نقدر أن نصل إلى معرفة حقيقية لله.
3. وجهة نظر الإيمان هي معقولة أي أننا عندما نأخذ بعين الاعتبار حقائق الوحي الإلهي فان ذلك لا يتطلب أكثر تصديقا مما تتطلبه سائر النظريات السائدة لدى غير المؤمنين من علماء الطبيعة.
4. عالمنا هذا مليء بالغوامض والأسرار، وحتى الأمور التي نراها يوميا لا نستطيع أن نفهمها كليا. ولكننا لا ننظر إلى الغوامض المألوفة كغوامض. ندعوعادة بعض الأمور بأسرار عندما لا نقدر ارجاعها إلى مصاف الأمور الاعتيادية. إذن يعتقد المؤمن بأسرار تفوق ما يعتقد به غير المؤمن. هل موقف المؤمن هذا هو غير معقول لأنه يؤمن بأسرار أو غوامض تفوق ما يؤمن به الملحد؟
5. هناك في كوننا كائنات عاقلة وأخلاقية تفقه تماماً بأنها تتمتع بهذه الصفات فوق الطبيعية. وهذا يدعم إيمان المؤمن الذي يعتقد من صميم قلبه بأن الله هو خالق كل ما في الوجود.
وعندما نريد بأن نعطي تفسيرا كافيا للإنسان وللكون يتوجب علينا أن لا نكتفي بالكلام عن الذرات والالكترونات عالما بما فيه الإنسان هو أكثر تعقيدا من أن يوصف كمجرد عوالم صغيرة تتسارع فيها البروتونات والالكترونات والنيوترون وغيرها من دقائق الذرة. وراء هذه وفوقها هناك اله واحد حقيقي قدير ومسيطر على الكل. ولكننا ما أن نصرح بهذه الكلمات حتى نقول أنه من المستحيل لنا اللجوء إلى الطرق المتبعة في العلوم الطبيعية لاثبات وجود الله.

لنفرض مثلاً أن أحد العلماء نجح في اختبار أجراه في اثبات وجود اله – ألا يكون هكذا اله تحت سلطة وتصرف العالم؟ هكذا اله ليس بالله الواحد الذي نعبده والذي نتكل عليه. الاله الذي يكتشف وجوده في مخبر العلماء ليس باله. الله – تعالى اسمه – هو أكبر بكثير وأعظم بكثير من أن يبرهن وجوده أو عدم وجوده ضمن مختبر علمي.

كمؤمنين بالله وبوحيه – الذي هو مدون الان في الأسفار المقدسة والتي ندعوها بالكتاب المقدس – نقول : أن إيماننا الذي نشهد به، هذا الإيمان هو أكثر بكثير من معتقد بوجود صانع للكون. فعندما نصرح بأن الله هو خالق الكون نعني أن العالم بأسره هو مرتبط بالله بطريقة تامة ليس لدينا نحن البشر معرفة شخصية لحادثة الخليقة في البدء – فالطريقة الوحيدة التي نقف بها على الخليقة انما هي بالوحي الإلهي.

ويمكننا تشبيه العالم إلى لو حة فنية عظيمة. فمن ناحية يمكننا النظر إلى هكذا لو حة من وجهة نظر علمية طبيعية بحتة. وإذ ذاك ينظر إلى التركيب الكيماوي للالوان والزيوت والصفات الهندسية للخطوط أو طول الموجات الضوئية التي تعكسها اللوحة الفنية، الخ. وهكذا تحليل قد يروق لبعض الناس أي أولئك الذين صمموا بأن يحصروا اهتمامهم فيما يمكن برهانه من الناحية العلمية. لكن أكثرية الناس لا يرضون بهكذا موقف. أنهم يرغبون بأن يطرحوا بعض الأسئلة عن الفنان وعن شخصيته وعن غايته وقصده في رسم لو حته الرائعة. وقد لا يعد هكذا موقف علميا لأنه من الواضح أن الفنان وحده قادر بأن يجيب على هذه الأسئلة. ومتى سئل الفنان عن السبب الذي دفعه على رسم هذه الصورة أو هذه اللوحة لا غيرها فإنه يجيب بأنه شعر في قرارة نفسه بدافع يدفعه للقيام بعمله الفني هذا.

وقياسا يمكننا القول بأن سر الكون هو بيد الله تعالى وهو الذي يخبرنا عن الخليقة وغايتها ونهايتها. فإذا ما سألنا قائلين : لماذا خلق الله هذا الكون بعينه لا كونا آخر، فان الجو اب هو جو اب الوحـي الإلهي : " حسب رضى مشيئته " وخلاصة القول تبدأ وتنتهي فلسفة المؤمن في هذه الشهادة المتواضعة والمعقولة " أو من باله واحد آب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل ما يرى وما لا يرى " (قانون الإيمان النيقوي).. وينضم المؤمن إلى النبي داود وإلى سائر المؤمنين والمؤمناًت الذين يتكلمون بلغة الإيمان قائلاً وشاهدا " السموات تحدث بمجد الله " 

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة