الحياة المسيحية

عودة إلى البدء

القسم: تأملات في الحياة المعاصرة - الجزء الأول.

كان أحد أساتذة الجامعات يتأمل في ماضيه فقال : " عندما كنت فتيا كنت أظن أنه من السهل فهم ماهية الشمعة. فقد كنت قد طالعت في الكتب كيف أن الشمعة تصنع نورها وتنشره في الجو المحيط بها. أما الان فان السهولة التي كانت تحيط بموضوع الشمعة ونورها قد ولت. أمامي الان لغز لا أستطيع حله. تقوم الشمعة بنشر نورها بكل سهولة ولكن من هو الإنسان الذي يستطيع أن يفسر كيفية حدوث ذلك؟ يا ليت كانت الشمعة تتكلم وتخبرنا عن سرها فإذ ذاك لتوافد اليها العلماء من كل حدب وصوب ليستمعوا إلى أجوبتها "

وتمادى الأستاذ في التأمل في موضوع الشمعة ونورها وأخذ يفكر بأحفاده الذين سيشاهدون الشمعة وهي تضيء بنورها الجميل فقال " أرفع دعائي إلى الله ليمنحهم أدمغة كبيرة إلى درجة أنهم يندهشون من ظاهرة الشمعة ونورها "

وقد نندهش لدى قرائتنا لهذه الكلمات التي تفوه بها الأستاذ الجامعي فنقول : هل كان جادا عندما تكلم عن الشمعة وكيف أضحت بالنسبة اليه لغزا معقدا؟ ولكننا هل نقدر الادعاء بأن موضوع الشمعة ليس بمستحق أن ننتبه اليه أو نندهش منه؟ ها هو عالمنا وقد صار مليئا بالناس الذين لم يعودوا يندهشون لا بشمعة مضيئة ولا بأي شيء يجري حولهم في هذا الكون البديع. لقد أعتادوا رؤية الحوادث البيعية تتم بكل هدوء ونظام ولم يرغبوا بأن يفكروا من الناحية المبدئية في ماهية هذه الحوادث.

وجميعنا معرضون للوقوع في الخطأ الذي يقع فيه كل إنسان لم يعد يندهش من العالم المحيط به والأمور الباهرة التي تجري حوله. ولكننا ما أن نشاهد اختراعا حديث حتى يملأ العجب قلوبنا وعقولنا ولكننا لم نعد نتعجب إذا تأملنا في الإنسان العجيب الذي يعيش على سطح نجم صغير جدا – أي الكرة الأرضية التي نعيش على سطحها. ولسنا نندهش بأن أرضنا تدور حول نجم كبير – أي الشمس – تبلغ حرارته درجة عالية جدا.

ألسنا جميعا ميالين إلى النظر إلى جميع مظاهر الطبيعة وكأنها بسيطة للغاية وسهلة الفهم؟ ولكن العلماء الذين يتأملون في هذه المظاهر البيعية لا يقفون هذا الموقف بل يعلمون كل العلم ويصرحون بأن أمور الكون هي معقدة للغاية. نحن مهما كنا مخلوقات عاقلة ولا نكون عائشين كما يجب أن لم نستعمل عقولنا ونمرنها لتفكر في المواضيع الاساسية. ومن البديهي أننا نعيش في عالم عجيب فلابد لنا من التساؤل كيف جاء عالمنا هذا إلى حيز الوجود وما هي غايته في الوجود ولماذا نجد أنفسنا على هذه الأرض؟

لنبدأ إذن بجميع الحقائق ولنفحصها كما يجب. هناك في الفضاء الخارجي مجموعة من النجوم تدور في الفضاء وشمسنا هي نجم واحد من ملايين النجوم السابحة في الفضاء الشاسع. يلزم للنور المنبثق من نجم واحد نحو مئة ألف سنة للوصول إلى الطرف الآخر من مجموعة هذه النجوم. وإذا خرجنا خارج هذه المجموعة من النجوم لا نجد – لمسافة هائلة – سوى بعض الذرات التائهة في الفضاء العظيم. وعلى بعد نحو مليون سنة ضوئية من هذه المجموعة توجد ملايين من المجموعات النجمية التي تشابه مجموعتنا النجمية. وكلما نجحنا في بناء تلسكوبات كبيرة كلما سهل علينا مشاهدة هذه المجموعات النجمية التي توجد في كوننا الهائل. والشيء الذي يدهشنا جدا هو أن جميع هذه المجموعات النجمية تتسارع مبتعدة عنا، القريبة منا بسرعة أقل من تلك التي بعيدة عنا. وإذا ما أخذنا أبعد مجموعة نجمية نعرفها فان النور الذي يشع منها يتطلب نحو مليار سنة للوصول الينا.

يا ترى ما هو القصد أو ما هي غاية وجود هذه المجموعات النجمية ومن أين أتت؟

مثلا، كان الاغريق القدماء يظنون بأن النجوم كانت موجودة منذ الازل. ولكننا نعلم اليوم أن ذلك الاعتقاد هو خاطىء للغاية. فهناك دلائل عديدة تشير إلى أن النجوم جاءت إلى حيز الوجود في نقطة معينة من الزمن. فهناك مجموعات نجمية لو لبية تدور حول نفسها وقد دارت مرات قليلة منذ نشأتها. فإذا كانت المجموعات النجمية تسير متباعدة عن نفسها فان هذا يدل على أنها كانت أقرب إلى بعضها البعض في الماضي. والكون يظهر في حالة الانفجار وهذا الأمر لا يمكن أن يكون قد جرى منذ الازل. لابد للنجوم من أن تكون قد أتت إلى الوجود في الماضي وفي نقطة زمنية من الماضي أي لدى الخليقة.

وقد أشار العالم الشهير اسحق نيوتن إلى ظاهرة تجري بصورة دائمة في عالمنا. إذا أخذنا جسمين ووضعناهما الواحد جنب الآخر وان كان احدهما حارا والآخر باردا، لابد من أن يصلا إلى درجة حرارية متوسطة بينهما. مثلا، لنأخذ لترا من الماء الساخن ولترا من الماء البارد ونمزجهما معا. يصبح لدينا ليتران من الماء الفاتر. من المستحيل لنا بعد ذلك استرجاع اللتر الحار واللتر البارد من الليترين الفاترين. مثلاً نجد الطبيعة الاجسام الحارة كالشمس تعطي بصورة دائمة حرارتها للاجسام الباردة كالأرض والقمر. نستنتج من ذلك بأنه من المستحيل لهكذا ظاهرة بأن تكون قد حدثت منذ الازل أو أنها ستدوم إلى الابد. ففي النهاية – أي من الناحية النظرية – تصل جميع الاجسام في هذا الكون إلى درجة حرارية واحدة. إذن لابد لعالمنا ولكوننا من أن يكون قد صار أو حدث في نقطة زمنية واحدة أي لدى الخليقة كما يعلمنا الوحي الإلهي، والا لما كان هناك أي تفاوت في الحرارة بين الشمس من جهة والأرض والقمر من جهة ثانية.

ونجد في جميع المجموعات النجمية تأثير النجوم على بعضها البعض ولولا وجود تباين واختلاف في الحرارة لما كان هناك أي تأثير لنجم على نجم آخر. ولوكان هذا الكون المادي أزليا أما كان كل شيء في الوجود على نفس الحرارة وأما انعدمت آنئذ تفعالات الاجرام السماوية مع بعضها البعض؟ إذن لابد لنا من الاستنتاج أن الكون لم يكن منذ الازل.

تأملنا في بحثنا هذا في الدلائل العديدة التي تشير إلى أن الكون الذي نعيش فيه هو غير أزلي. وهكذا أظهرنا اختلافنا الجذري مع تعاليم بعض فلاسفة الاغريق الذين نادوا بأزلية الكون المادي. لنبحث مثلاً في موضوع ولادة وموت النجوم. لقد وجد علماء الفلك بأن نجمة كبيرة تشع بضوئها بشكل كبير وأنها تتقلص أيضاً بسرعة. وهذا يدل على أنه هناك حد لعمر أي نجم في الفضاء الشاسع. إذ أنه لابد لك نجم من أن يضمحل في يوم ما. وسنجد أنفسنا أمام أمر غير معقول – وذلك أن لم نأخذ عقيدة الخليقة بعين الاعتبار – إذا فكرنا كما يلي :

بما أن كل نجم يتضاءل ويتقلص فإذا ما رجعنا إلى الماضي السحيق لكان حجم كل نجم كبيرا وهائلا، وان تمادينا في الرجوع تاريخيا إلى الوراء لكان حجم كل نجم هائلا إلى هكذا درجة لملأ الفضاء بمفرده ولكن هذا امر غير معقول وغير ممكن لاننا نعلم بأن فضاءنا مليء بالنجوم العديدة. ألا تشير جميع هذه الدلائل إلى أن عالمنا هذا كانت له بداية؟ وأليس من المنطقي لنا بأن نأخذ موضوع الخليقة بعين الاعتبار في حياتنا الفكرية والعلمية؟

لنأخذ أيضاً العناصر المشعة كالأورانيوم والثوريوم. نجد هذه العناصر على أرضنا بشكل فلزات أي أنها توجد كمزيج يحتوى على هذا المعدن المعين. وهذه العناصر المشعة توجد لزمن محدود فقط. وهنا لابد لنا من مجابهة هذه المسألة : بما أن هذه العناصر تنحل وتتفكك بصورة تدريجية غير باقية على حالتها كالعناصر الأخرى غير المشعة، لابد لنا من معرفة مصدرها. من أين أتت هذه العناصر كالأورانيوم والثوريوم والبلوتونيوم وغيرها؟ فان كانت أرضنا قد انفصلت عن الشمس في نقطة معينة من الزمن لابد لهذه العناصر النادرة من أن تكون موجودة في الشمس أيضاً. ولكننا إذا ما تمادينا في الرجوع إلى الماضي السحيق فان حجم هذه العناصر المشعة يزداد بصورة كبيرة للغاية – وهذا يضعنا أيضاً أمام أمر غير معقول. وفوق ذلك تشير الدلائل العلمية الحديثة إلى أن الشمس ليست هي صانعة للعناصر المشعة لان الشمس تصنع فقط العناصر البسيطة وذلك مبتدئة من الهيدروجين أي مولد الماء. وهذا يقودنا إلى القول بأن العناصر الذرية/ الإشعاعية لابد من أن تكون قد خلقت في البدء عندما حدث أمر عظيم جدا ليس لنا أي اختبار مماثل له في أيامنا هذه.

وهناك دلائل أخرى كثيرة تقودنا إلى الاستنتاج بأن القوانين والمبادىء العلمية التي نعرفها الان هي غير كافية لاعطائنا فكرة مقنعة عن كيفية بدء هذا الكون. فلابد لنا من القول بأنه في زمن مضى حدث أمر فريد عجيب وهذا الأمر العجيب هو عمل الله الذي ندعوه بالخليقة.

وقد شرح هذا الموضوع أحد العلماء قائلاً لنفرض أن عالما جاء إلى غرفة وشاهد فيها رقاص ساعة كبيرة وهو في حركته الدائمة، من طرف إلى طرف آخر. يبدأ العالم بدراسة هذا المظهر الذي يشاهده وبعد مدة من الزمن يأتي العالم بمعادلات رياضية تتعلق بحركات رقاص الساعة. يقول هذا العالم بناء على المعادلة الرياضية التي كان قد وصل اليها بأن الرقاص هو في حركة متباطئة نظرا لاحتكاكه الدائم بالهواء. ولا يمكننا أن نختلف مع العالم وهو يفسر لنا الأمور التي تجري في الحاضر ولا في تكهنه بخصوص مستقبل حركة رقاص الساعة الكبيرة. ولكننا لابد من أن نقع في مأزق حرج للغاية إذا حاولنا – كما حاول هذا العالم – تعليل حركة الرقاص قبل دخوله إلى الغرفة. وإذا لجأ العالم إلى معادلته الرياضية وابتدأ يطبقها على الماضي لو صول إلى القول بأن ذبذبة الرقاص كانت عظيمة للغاية. ويظهر استنتاج هذا العالم منطقيا في باديء الأمر، ولكننا إذا عدنا إلى الماضي السحيق ألا نصل إلى القول – وذلك فيما إذا تمادينا في تطبيقنا للمعادلة الرياضية – بأن الرقاص كان يصطدم بجدران الغرفة؟ وربما أيضاً ابتدأ بأن يصطدم بسقف الغرفة في مدة ما من الماضي السحيق؟

ونحن نعلم أن هكذا أفكار هي سخيفة وغير معقولة، إذ أن ما حدث هو أن رقاص الساعة ابتدأ يتحرك عندما أدار إنسان ما زنبرك الساعة. وهكذا أيضاً في أمور هذا الكون : أن القوانين الرياضية والعلمية والتي نقبلها لانها تفسر وتشرح لنا كيفية حدوث الأمور في الحاضر، هذه القوانين غير قادرة على اعطائنا فكرة معقولة عن كيفية نشأة الكون. ألسنا إذن أمام الواقع الذي يخبرنا عنه بكل وضوح وبكل بساطة الوحي الإلهي في افتتاحية الكتاب المقدس : " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السماوات وَالأرض " ؟

ونحن لن نحاول بناء أساس علمي / طبيعي لإيماننا بالله وبوحيه وببرنامجه للكون إذ أن النظريات العلمية تأتي وتذهب مثلما تتغير الازياء من جيل إلى آخر ومن سنة إلى أخرى. أما كلمة الله فإنها تثبت إلى الابد. وما نود اظهاره هو أن إيماننا بالله وبوحيه المقدس لا يجعلنا من مظلمي العقول والافكار. نحن متفتحون لكل ما يجرى حولنا ونرحب بكل ما تصل اليه العلوم الحديثة من ابتكارات واكتشافات. لكنه يجدر بنا أن نلاحظ هذا الواقع الاليم كثيرون من العلماء العاصرين قبلوا فلسفة مادية / حتمية لتفسير أمور هذا الكون وهكذا فان أراءهم تطغوعلى جميع تفاسيرهم العلمية التي تحاول شرح كيفية بدء الكون. لسنا ضد العلم المعاصر ولا من منكري جميع الفوائد التي حصلنا عليها من التقنية في حياتنا اليومية ولكن هذا لا يعني أنه من واجبنا قبول الفسلفة المادية / الدهرية التي تشبع آراء العديدن من علماء اليوم.

وسنبقى مهتمين كل الاهتمام بمسيرة العلم المعاصر وكذلك لن نخفي سرورنا عندما يصل بعض العلماء إلى القول بأن الدلائل العديدة التي تتراكم عليهم في هذه الأيام تشير إلى بطلان النظرية التي كانت مقبولة منذ سنوات أي نظرية أزلية الكون فنظرا لتطبيقهم لسائر اكتشافات العصر الحاضر ولاسيما فيما قد توصلوا اليه في حقل التلسكوب الإذاعي، أخذوا يميلون كل الميل إلى القول بأن الكون جاء إلى حيز الوجود نظرا لانفجار هائل حدث في نقطة زمنية واحدة في التاريخ. وما يصفه العلماء في أيامنا بلغة علمية معقدة لا نستطيع فهمها نحن عامة الشعب، وصفها لنا كليم الله موسى النبـي في فاتحة التـوراة " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السماوات وَالأرض" 

أضف تعليق


قرأت لك

الإستسلام للمسيح

"إحفظني يا الله لأني عليك توكلت. قلت للرب أنت سيدي": هل جربت يوم ما الاتكال على إنسان؟ هل وجدت أحدا يّركن عليه في هذا العالم، هل تشعر بحمل كبير، هل مشاكلك تجدها لا حلّ لها، عندما سؤل بطرس لمن يذهب قال "يا رب إلى من نذهب. كلام الحياة الأبدية عندك"(يوحنا 6- 68). 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة