الحياة المسيحية

سر التألم -1

القسم: تأملات في الحياة المعاصرة - الجزء الثاني.

يمكن النظر إلى حياتنا المعاصرة كحياة رفاهة وتنعم بالنسبة إلى الماضي. فما أكثر الأشياء التي نستعملها في حياتنا اليومية والتي لم يعرفها الآباء والاجداد! فبينما كان الناس في القرون الماضية يسافرون مثلاً بطرق بطيئة للغاية، نتنقل الآن بطرق مريحة وسريعة من قارة إلى أخرى وكأننا على بساط الريح. وما ذكرناه بخصوص السفر وتقدم وسائله المعاصرة على ما كانت في العصور الماضية يمكن ذكره بالنسبة إلى نواح عديدة من الحياة. ولكنه يجدر بنا عدم الاسترسال في هذا الطراز من التفكير لئلا نخدع أنفسنا. فالنعيم ليس هنا على هذه الأرض، ونحن لازلنا نحيا محياة مليئة بالمصاعب والمشاكل والمعضلات على الصعيد الفردى والاجتماعي والدولي.

فمع اختلاف الحياة المعاصرة عن الماضي في مناطق أو نطاقات متعددة الا أنه لا يزال هناك عامل ملازم للحياة أن كان ذلك في الماضي السحيق أو في هذا اليوم وهذا هو عامل الألم والتألم والعذاب. فكما أن الكثيرين من الآباء والاجداد تألموا من هذا الشيء أو ذاك هكذا نحن أيضاً، اننا معرضون للآلام وللعذابات إذ أننا لسنا من جبلة فوق بشرية. نحن نتألم أو نشاهد آخرين يتألمون. وموضوع الألم والتألم والعذاب هو موضوع ملازم للبشرية من فجر تاريخها إلى يومنا هذا وحتى اليوم الأخير. وهذا الذي يدفعنا للبحث في هذا الموضوع بصورة ملية. ولن نقوم بهذه التأملات في موضوع حساس كموضوع التألم من زاوية مجردة أو نظرية وكأننا نبحث في موضوع علمي/ طبيعي. بل سنبحث في هذا الموضوع من وجهة نظر أو من زاوية حياتية راغبين مساعدة سائر القراء الاعزاء اما الوصول إلى موقف حميد من هذا الموضوع بالنسبة لأنفسهم أو بالنسبة لغيرهم من الذين يعيشون في محيطهم العائلي أو المجتمعي. وبعبارة أخرى نبدأ هذه البحوث والتأملات وغايتنا هي بناءة وايجابية وروحية مبتعدين كل الابتعاد عن مجابهة هكذا موضوع من زاوية فلسفية جامدة أو متحجرة.

قبل كل شيء يجدر بنا الاعتراف بأنه من الصعب لأي ما البحث في هذا الموضوع أن لم يكن قد اختبر التألم بشكل شخصي. لنفرض مثلاً اننا نود مواساة أو تعزية إنسان مصاب بمرض خطير جدا، بمرض جعل حياة هذا الشخص عبارة عن سلسلة آلام متتالية. نجاحنا في مواساته غير متوقف على قراءتنا للعديد من الكتب التي تبحث في هذا الموضوع ولا على تحضيرنا لموعظة قصيرة نلقيها عليه حالما ندخل غرفته. أن تعزية أو مواساة متألم هي قبل كل شيء مقدرتنا على أن نتألم مع الشخص، أي أن نتألم معه نفسيا وروحيا – إذ يتعذر علينا التألم عنه ماديا أو جسديا. وبالفعل نجد أن بعض الشعوب لديهم كلمة تعزية مركبة من جذئين متى وضعا معا شكلا كلمة واحدة تعني :التألم معا أو سوية. فهذا هو معنى كلمة " sympathie " سمياثي الفرنسية والمشتقة من اليونانية : التأم معا أو سوية.

هل نحن على استعداد بأن ننـزل من منصتنا العالية أو أن نترك برجنا العاجي عندما نبحث في موضوع الآلام والتألم؟ أن لم نكن مستعدين بأن ندفع هذا الثمن فمن العبث لنا الاسترسال في البحث في هذا الموضوع. نحن لا نتكلم هنا عن أمور تتعلق بالعلوم التي تدعى عادة بالعلوم الطبيعية ولسنا نبحث في أمور الجمادات. اننا متكلمون عن أمور تتعلق بالبشرية وبالبشر وعن أصعب وأعسر موضوع يقض مضجع بني آدم. فلنلقي جانبا كل غاية فلسفية مجردة وليكن شعارنا البحث في هذا الموضوع الحساس بطريقة تساعدنا جميعا – من متألمين ومن معزين – على اتخإذ الموقف الصائب من هذا الموضوع.

ومما يساعدنا في الوصول إلى هذا الهدف هو أن الوحي الإلهي لم يهمل البحث في سر الألم والتألم. فهناك العديد من المزامير (وهي أشعار مقدسة). تبحث في آلام المؤمنين وعذاباتهم واتكالهم على الله وانتظارهم للعون والنجاة. وقد أعطانا الله كتابا أو سفرا مقدسا من أسفار الوحي يبحث بصورة خاصة في موضوع تألم المؤمن، وهذا هو سفر أيوب الصديق. وهذا الرجل الجبار لم يستصعب أي شيء مثلما استصعب توقف زوجته عن تعزيته تعزية روحية سمباتية وكذلك انقلاب أصدقائه الذين كانوا قد وفدوا بغية تعزيته فانقلبوا إلى محاضرين في فلفسة الآلام وإلى مشتكين وطاعنين في بر واستقامة صديقهم المعذب. فلنحذر إذن من اتخإذ أي موقف يشابه موقف أصدقاء أيوب ولنعلم جيدا بان المعذب والمتألم ينتظر من أقرانه ومن أصدقائه ومن أقربائه أن يشعروا معه أو يتألموا معه وأن يصبروا معه وهو يرفع قضيته إلى الله العادل والقادر على كل شيء. وهذا يعني بصورة عملية عدم تكثير الكلام أو كما نقول باللغة العامية أو الدارجة : " بدون فلسفة "

ولابد لنا من أن نذكر في هذا البحث التمهيدى لموضوع سر التألم بأننا نقوم به من زاوية إيماننا التام والكامل بالله القادر على كل شيء والمتسلط على جميع مقدرات العالم. فمع أننا نتكلم عن سر التألم أو الآلام فأن هذا هو سر بالنسبة الينا نحن البشر لا بالنسبة لخالقنا والمهيمن على جميع مقدرات حياتنا. وهذا يعني أيضاً أننا ننبذ أية فكرة أو رأي ينظر بواسطته إلى الحياة هذه وكأنها تحت رحمة أقدار عمياء أو قوة حتمية ميكانيكية جدلية تتحكم بمصير الإنسان.

وكما كنا قد بحثنا في موضوع الطلاق بين أمور العلم والدين وبين حياة الإنسان الفكرية والدينية، فإنه يجدر بنا هنا أيضاً الاشارة بأن الكثيرين من المفكرين الذين يبحثون بصوة جدية في موضوع الآلام والعذابات التي تحيق بإنسان القرن العشرين، لا يأخذون بعين الاعتبار عقيدة الله ولا تعاليم وحيه المقدس. وأما نحن فسنقوم بعون الله بالبحث في هذا الموضوع وغايتنا أن نكون أمناء لتعليم الوحي وأن نساعد سائر الناس المتألمين والمعذبين. ولسنا نعد بأية أعجوبة ولن نتطرق إلى هذا البحث وكأننا من جبلة فوبشرية. سنسعى بمعونة الله تعالى بأن تكون دراساتنا هذه دراسة يشعر بواسطتها كل متألم ومتألمة بأننا معكم نفسيا وروحيا وأن الحلول التي سنأتي على ذكرها ليست من مصدر بشرى بل من كلمة الله. ومن البديهي أن هذه الدراسات لن تنفع غير المؤمنين، بمعنى أن الذي لا يؤمن بالله الحي لابد له من مواجهة موضوع التألم كلغز مستعص، إذ أن الذي لا يؤمن بالله لا يجد حلا لا لسر الآلام ولا لمعنى الحياة بأسرها.

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع كلمة الحياة.

 

أضف تعليق


قرأت لك

طيور لا تطير

"وأما منتظروا الرب فيجدّدون قوّة يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون" (أشعياء 31:40). مع أن أول شيء يفكر فيه الناس لدى سماع كلمة طائر هو أنه يطير في الجو إلا انهم سيتفاجأون لمعرفة أن عددا كبيرا من الطيور لا تطير، وهناك النوع الآخر من الطيور الذي يحلق بجناحيه عاليا فوق الجبال والبحار دون ملل أو تعب، والله يريد منا أن نكون:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة