الحياة المسيحية

سر التألم-5

القسم: تأملات في الحياة المعاصرة - الجزء الثاني.

سنبدأ الآن ببحث موضوع علاقة الشيطان بما يحدث للإنسان من آلام وعذابات لكي نصل إلى المفهوم الكتابي (أي المبني على وحي الله المدون في الكتاب المقدس لسر بالتألم)..

طبعا، علينا ألا ننسى مسؤولية الإنسان نفسه في جلب الشقاء والتعاسة والآلام على رأسه وعلى غيره. الإنسان هو مسؤول عن أعماله وتصرفاته وكثيراً ما تجلب أعماله الشقاء والتعاسة والآلام على الحياة. وهكذا عندما نشرع بالبحث في علاقة الشيطان بالآلام التي تنصب على البشرية لا نود مطلقا أن نقول بأنه لا يبقى للإنسان أية علاقة بموضوع التألم.

أعطانا الله تعالى اسمه كتابا خاصا من الأسفار المقدسة وهو سفر أيوب حيث يعالج فيه هذا الموضوع بطريقة واقعية للغاية. ومع أنه يتعذر علينا معرفة تاريخ هذا السفر بصورة أكيدة الا أنه من المرجح قديم جدا يرجع ربما إلى أيام موسى النبي. وهذا يعني أن الله عالج هذا الموضع الخطير منذ العصور القديمة، لان هذا الموضوع يهم الناس جميعا في شتى العصور والبلاد. وسوف نقتبس بعض الآيات الكتابية المتعلقة بموضوعنا هذا من سفر كتاب أيوب " 1كَانَ رَجُلٌ فِي أرض عُوصَ اسمهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيماً يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. 2وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. 3وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدّاً. فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. 4وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. 5وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أيام الْوَلِيمَةِ أن أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ : [رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ]. هَكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأيام. 6وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُواللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أيضاً فِي وَسَطِهِمْ. 7فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ : [مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟] فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ : [مِنْ الجو لاَنِ فِي الأرض وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا]. 8فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ : [هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأنه لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأرض. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ]. 9فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ : [هَلْ مَجَّاناً يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ 10أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أعمال يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأرض! 11وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ فإنه فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ]. 12فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ : [هوذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ]. ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ "

نلاحظ من هذا النص الكتابي أن الآلام والعذابات التي كانت ستنصب على أيوب لم تكن قصاصا لشر قد عمله ولكن بسبب اشتكاء أو شكاية الشيطان عليه. وقد سمح الله حسب حكمته الفائقة بأن يجرب عبده أيوب. ومن المهم أن نتذكر أن أيوب لم يكن ملما بما جرى في السماء أمام عرش الله. الوحي الإلهي يفتح لنا نافذة إلى السماء نظل بواسطتها على ذلك المشهد لكي نكون نحن ملمين بما كان وراء المآسي والفواجع التي كانت ستنهمر على أيوب الصديق وقد شاء الله بأن يمنحنا هذه المعرفة لنستفيد منها نحن الذين نتعرض لفواجع الحياة وان كانت لا تقاس بما جرى لايوب.

" وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَابناؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْراً فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ 14أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إلى أَيُّوبَ وَقَالَ : [الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا 15فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ]. 16وَبَيْنَمَا هو يَتَكَلَّمُ إذ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ : [نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ]. 17وَبَيْنَمَا هو يَتَكَلَّمُ إذ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ : [الْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَقٍ فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ]. 18وَبَيْنَمَا هو يَتَكَلَّمُ إذ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ : [بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْراً فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ 19وَإذا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ]. 20فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ وَخَرَّ عَلَى الأرض وَسَجَدَ 21وَقَالَ : [عُرْيَاناً خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَاناً أَعُودُ إلى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ اسم الرَّبِّ مُبَارَكاً]. 22فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ وَلَمْ يَنْسِبْ لِلَّهِ جَهَالَةً "

لن نعلق الآن على جميع الدروس المنبثقة عن هذا النص الكتابي بل نكتفي بهذه الملاحظات : ادعى الشيطان بأن أيوب الصديق كان بارا وتقيا ومستقيما نظرا للخيرات العديدة التي كان الله قد أغدقها عليه. وبعبارة أخرى، كان الشيطان يعتقد أو يظن بأن تقوى أيوب وحياته المثالية لم تكن مدفوعة من دافع المحبة لله بل بسبب الخيرات التي استلمها أيوب من الله. وقد سمح الله للشيطان بأن يجلب على عبده أيوب كل هذه الشرور لكي يظهر لسائر الناس في مجرى التاريخ بأن المؤمن الحقيقي لا يخدم الله ويتقيه حبا بالخيرات التي يستلمها من الله، بل لان المؤمن يحب الله محبة حقيقية، محبة تعكس محبة الله له.

ونتعلم أيضاً من سيرة أيوب بأنه لا يمكننا مطلقا القول في سائر المناسبات بأن آلام وعذابات هذه الحياة تأتي على الإنسان بالنسبة إلى الشرور التي ارتكبها. على العكس، ها أن هذه الأمور المحزنة للغاية والتي انصبت على رأس أيوب من خسرانه لامواله ولأولاًده، ها أنها أتت عليه لا لأنه ارتكب خطيئة معينة ضد الله بل لأنه كان تقيا وخائفا وعابدا له عبادة حقيقة. وقد جابه أيوب سرا عظيما ولم يفهم لمدة طويلة لماذا سمح الله لكل هذه الفواجع بأن تأتي عليه. ولم يعلم بأن الشيطان كان واقفا له بالمرصاد وأن الرجيم كان قد اشتكى عليه أمام العرش الإلهي. كان أيوب يجهل أمورا عديدة نعرفها نحن الآن لاننا نستطيع أن نقرأ عنها في الوحي الإلهي. ولكنه من المهم بأن نلاحظ أيضاً كيف أن أيوب كان مؤمناً جبارا يتمسك بالله بالرغم من كل ما حدث له. ولذلك شهد الصديق هذه الشهادة العظمى قائلاً " عُرْيَاناً خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي وَعُرْيَاناً أَعُودُ إلى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ اسم الرَّبِّ مُبَارَكاً "

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

ماذا أفعل بأخطائي؟

يسقط كثيرون منا في أخطاء متعددة في الحياة. منها الصغيرة ومنها الكبيرة الفادحة. أودّ في هذا المقال، أن أجيب عن هذا السؤال: ماذا أفعل بأخطائي؟

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة