الحياة المسيحية

أيوب بار في عيني نفسه

القسم: أيوب.

لماذا كل هذا!!!

رأى الشيطان ايوب كاملاً وبارّاً ومستقيماً وليس مثله بين الناس فاستشاط غضباً ولم يهدأ لأن إنسان من تراب أضعف منه، يقبله الله ويُسرّ قلب الله. وأزعج الشيطان أيضاً أن إنساناً غير غائص في الشر بل في انسجام مع الله القدير... ووظيفة إبليس الأساسية هي هدْم عمَل الله وفصْل الانسان عن الله وتخريب وإزالة كل ما يُرضي الله، والشيطان يجول كأسد لبتلع كل فريسة ما زالت حيّة لله وغير ميّته بالذنوب والخطايا.
ووجد الشرير شكوى ضد أيوب، وأسرع الى الله العادل المُحبّ للانسان الذي حتى الآن بنعمته وعدله وكماله، لم يسحق إبليس وأعوانه، بل ما زال يسمع شكواه السامّة ضد. وقال " ايها الاله العادل، إن أيوب يتّقيك ويؤمن بك ويحيد عن الشر ويرضيك لانه غنيّ ولا يحتاج الى شيء، فلو كان بدون أملاك ونزعت منه ثروته، لرفض الايمان وكفر وفعل الشرّ وابتعد عنك.

ما العجيب اذا كان الذي ينجح بالحياة ويتمتّع بالصحة والثروة، أن يؤمن بك ويتّقيك!. انزع منه هذه، فيجدّف عليك في وجهك"..
وظنّ الشيطان أن الله العادل البار سيجيب على هذه القضية وظنّ الخصم أنّه سينجح في استغلال عدل الله ليضرب عبيد الرب. واعتقد أنه إن جرّد ايوب من أملاكه وجاهه، سيجعله ذلك حتماً يرفض الله ولا يؤمن به، وادّعى ان الانسان يؤمن بالله عندما يكون عنده كل شيء واتّهم الله ان ايمان البشر به ليس حقيقياً ولا أصيلاً..

وهنا أراد الله أن يُسكت العدوّ والخصم لا بإبادته بنفخة فمه بل بالاقناع والبرهان العملي. وأعطت شكوى ابليس الله المجال ليُثبت أن ايوب بالذات وأن أيّ إنسان آخر يمكن أن يؤمن بالله ويتّقيه حتى ولو جُرّد من الاملاك والبيت والصحة ولم يبقَ له شيء!.. وكأن الله يقول "سأُثبِت لك ايها الشرير وسترى أن الانسان يؤمن بي حتى ولو نزعتَ منه كل سند، وهاك أمثلة: ايوب، الانسان يسوع وبولس وداود ويوسف ودانيال وآخرون كثيرون. ونتساءل مندهشين، كيف يقبل الله القدير أن يحتمل الشيطان ويصغي الى شكواه؟!!.

ما أعجب رحمة الله وعدله واستقامة أفكاره!...
ولكن أليسَ ظُلماً أن تتحوّل المعركة بين الشيطان والله الى داخل حياة أيوب!؟، أ ليسَ ظُلماً أن يكون أيوب المتّقي الله، ضحية أفكار الشرير؟، وكيف يسمح الله المُحب بذالك؟ لماذا لا يمنع الله المصائب ولا يرفض شكوى العدو ويدافع عن عبده البار؟، لماذا تقاسي الابرار وتعاني بينما تزهو الاشرار وتزدهر؟..

إن الله ليس ظالماً ولا مُجحفاً وليس عاجزاً بل هو قدير ومُحبّ لأولاده وعادل وحكيم، فيسمع شكوى الشرير على عبيده ويرفضها ويدافع عنهم ولا يتخلّى عنهم، لكنّ الله رأى أيوب رغم تقواه وبرّه وحيَدانه عن الشر، رآه بارّاًَ في عينيّ نفسه ومملوءاً ومشبَعاً بذاته ومتشبّثاً بصلاحه هو ظاناً أن الله مثله، مما أبعده عن الله. فقلبه كان بعيداً عن الرب بسبب إنشغاله بذاته، لذلك أراد الرب أن يُخرِج من الجافي حلاوة، وقصد رغم خُبث ابليس، أن يَخرج أيوب أكثر قرباً لله... وسيُزكّي أيوب أكثر أمام الجميع...

كان أيوب بارّاً عملياً أمام الناس وشهد الله عن ذلك، فحاد عن الشر والظُلم، لكن إنشغاله ببرّه الذّاتي أبعده عن الرب وأعطى ثغرة لشكوى العدو وأعطى مكاناً لإبليس... وأراد الله سدّ هذه الثغرة وسدّ فم ابليس في هذا المجال الى الابد .. فقد إعتاد أيوب أن يقدّم الذبائح عن أولاده قائلاً لعلّهم أخطأوا (١: ٥)، لكنه لم يفطن أبداً أن يقدّم عن نفسه أيّة ذبيحة لانه بارّ في عينيّ نفسه. وليس أمر سهل إقناع أيوب بمشكلته، المشكلة لم تكن ما فعله أيوب بل ما هو بطبيعته وقلبه، لذا احتاج الرب الى تكسير الذات وتحطيم الارادة الذاتية، فضرب أيوب في ثلاثة مجالات:
١- أملاكه وأمواله، لكن أيوب لم يتزعزع بل قبلها وتحمّل.
٢- أولاده وعائلته، لكنه بقي صلب الذات وصابر
٣- صحته وجسده مما شعر بشبح الموت، لكنه لم ينكسر .
لكن إساءة فهم أصحابه له كسرت قلبه، واتّهاماتهم له وجهلهم، أتعباه جداً، فاجتاز أيوب تجربة نفسيّة أليمة، رافقتها الحيرة واليأس والتساؤلات والتعجّب، والله القدير لا يحرّك ساكناً!، ليس لانه لا يبالي بآلام عبده او أنه لا يقدر أن يتفهّم تجربة عبده بل تركه الله الى حين، الى أن يُخضع أيوب إرادته ويكتشف أنه حتى السموات ليست بطاهرة في عينيّ الله القدوس(١٥: ١٥)، هوذا عبيده لا يأتمنهم والى ملائكته ينسب حماقة (٤: ١٨) وأن الانسان فاسد ومكروه ويشرب الاثم كالماء (١٥: ١٦)، وأن قلب الانسان نجس وأخدع من كل شيء (ار ١٧: ٩) يوهمنا، رغم نجاسته، أنه طاهر، وقصده طيّب متكّلاً على الادّعاء بالاعمال صالحة... ولم يتدخّل الله الا عندما تمّت أقوال أيوب (٣١: ٤٠) وكفّ أصحابه عن الكلام، حين كفّ الجميع عن الانسان لانه مَن هو الانسان (اش ٢: ٢٢/ مز ٤٥: ١٠).

واجه الله ايوب متجرّداً من كل شيء، وفحص أيوب نفسه في نور الله، فعرف قلبه وذاته، ومن خلال كربته ومصيبته العظيمة، ذاب قلبه المنتفخ وانكسرت إرادته وضاع برّه أمام قداسة الله وعرف حقارته لانه انسان مخلوق، ما أصغره! حتى أمام المخلوقات (اي٤١)، فكيف أمام الله القدير!!.
سحقه الله، لكنه حاول أن يحتمل ويتجلّد فلم يستطع، لان الله أجازه في التنور ورفع درجة الحرّ والضغط حتى ذاب الذهب وانصهر (ملا ٣: ٣/ مز ٦٦: ١١)، فظهر الزغل وصفّاه الخزّاف الأعظم (ار ١٨)...
مَن هو الانسان حتى يجلس الرب بصبر ويصفّيه من كل ذات (ملا ٣: ٣) ويمتحنه كل لحظة!. طلب أيوب من الله أن يتركه ويدعه وشأنه أو يميته أو يناقشه، لكن الرب علم ما هو فاعل، عرف الداء والدواء والعلاج لقلب أيوب وقالبه والمدة الكافية لأصاغة وصقل عبده الذي أحبّه وافتخر به، أدخل أيوب الى التنّور وأخرجه في اللحظة المناسبة...
لكن ايوب انشغل باعماله الصالحة وعدّدها كل يوم، واتّهم الله بانه يستذنبه، ثم تذكّر ماضيه الباهر ومضغ كرامته قبل مصيبته وقال: " يا ليتني كما في الشهور السالفة!" (اي ٢٩)، وتفكّر في كيف احترمه الجميع وأكرمه الكل وطوّبه الشيوخ والغلمان، وكم مِن صلاح عمل! حين أنقذ المسكين وأعان الاعمى والاعرج والفقير، حتى قال لبست البِرّ فكساني (٢٩) لكنه سرعان ما تذكّر انه قد فقد كل هذا ! (٣٠) فرثى نفسه وبكى حالته وندب لأن صار أغنية للاخرين وعار، يحتقره حتى العبيد والإماء... ولم يصدّق كيف هوى في لحظة من المجد والكرامة الى الهوان والحضيض، ولم يجد مَن يعزّيه ومّن يبكي لحاله بل تعِب وضجر حتى مِن أصحابه!...

ثم توجّه الى أعماق قلبه وناجى وفحص ذاته (٣١) وغربل أفعاله، محاولاً دائماً أن يُثبت أن أعماله كاملة، كلها خير. لكنه رفض ان يفكّر لحظة، ليس بما فعل، بل بما يوجد في قلبه من كبرياء واعتداد بالنفس وشعور انه مثل الله العظيم!. لم يعرف أن الله أعظم ممّا نفكّر به وأقدس مما نستطيع ان نتصوّره...
غضب الرب على اصحاب ايوب لأنهم ضيّقو الفكر وقساة القلب، وبسبب جهلهم، حكموا ظُلماً أن ايوب لا بدّ أنه مخطىء في امر ما، ومذنب في جهة ما ويحاول أن يخفي ذنبه فأدّبه الرب (٤: ٨- ١٥: ٩) ولم يريدوا أن يفكّروا بعُمْق للحظة، ورفضوا ان يصغوا لكي يعرفوا ما يجري او يعترفوا انهم امام حالة لا يعرفون تشخيصها لانهم لم يكونوا صادقين أمام الرب. أما ايوب فمع أنه نطقَ بما لم يفهم وتمادى في حكمه وحكَمَ بما هو اعظم منه، الا أنه كان صادقاً شفافا ينطق بما يرى ويشعر ويعتقد، ورفض التملّق والادّعاء، مما جعل الرب يدعوه "عبدي" ستّ مرّات(١: ٨/ ٢: ٣/٨، ٤٢: ٧).
بعدما فشلَ أصحابه ورفضوا أن يغيّروا رؤيتهم للأمور ويرونها من زاوية أخرى، تدخّل اليهو الشاب وتحدّث في ستّة اصحاحات عن كبرياء مَن يدّعي أنه بري بلا ذنب ولا اثم (٣٣: ٩)، وتكلّم ووضّح بنعمة أن الله يتكلّم مع الانسان، والانسان لا ينتبه ولا يُلاحظ ان الله هو الذي يتكلّم مع الانسان من خلال كلمته ومن خلال الوجع والالم والضيق والوحدة حتى يحوّل الانسان عن عمله ويكتم الكبرياء عنه(ص٣٣) حتى تكره نفسه حياته وتعيا روحه فيه، وعندما تنسحق ذات الانسان، يترأف الرب عليه ويطلقه وينجّيه من العذاب الابدي أوّلاً، ومِن حياة التعب والشقاء والبُعد عن الله.
ثم تحدّث اليهو عن الانسان الذي يشرب الهزء كالماء، وكله ذنوب، وعن الله الذي لا يظلم أحداً ولا يعوّج القضاء أبداً (٣٤: ١٠) وانه عادل؟، فالاشرار لن ينجحوا في الشر حتى ولو نجحوا قليلاً (٣٤: ٢٠)، ثم شرح لايوب مدى موقفه الذي أخطأ الرؤية والتحليل وكأنّ الله ينتفع من أعمال الانسان، وأخيراً كشف أليهو عن تسامي وعظمة الله في الحكم، وعن حكمته التي لا تستقصى ولا يدركها بشَرٌ بل علينا مخافته ورهبته.
نُخِس أيوب في قلبه عندما أنصت الى كلام اليهو المُقنِع، مما اصبح مستعداً لسماع كلام الرب نفسه الذي تكلّم مع ايوب بجلال عظيم.... كان ايوب قد تساءل حوالي خمسين سؤالاً في عشرين اصحاح، وهنا يسأله
الرب ايضاً خمسين سؤالاً في أربعة اصحاحات. سأله عن الطبيعة والحيوان والنبات أسئلة جعلت ايوب يشعر بعجزه ومحدوديته وخِزْي حكمته. سأله الرب عن ألغاز البحر والصُبح والموت والنور والطلمة والمطر والفضاء والحيوان، فرأى ايوب حقارته أمام الطبيعة وكأن الله يقول لأيوب اذا كنت حقيراً امام خليقتي، فكم تكون أمامي، واذا كنت لا تجيب بعض الاسئلة عن جزء من الخليقة، فهل تقدر أن تدرك الخالق العظيم؟!.. واذا كنت لا تعرف اسرار الطبيعة المحدودة، فكيف تفهم طرق الله القدير...؟!! أقنع الرب ايوب بكلام قليل فيما عجز عن ذلك اصحابه في كلام كثير وجدال مطوّل في تسعة اصحاحات! ... لكن الرب أجابه بكل نعمة وتنازُل، عندها اجاب ايوب لأوّل مرّة : " ها أنا حقير فماذا اجاوبك ؟" (٤٠: ٤). لكن الرب تابع وقال لأيوب: " خُذْ انت مكاني، والبِسْ الجلال وذلِّلْ كل متعظّم" (٤٠: ١٠)، هل يستطيع ايوب الذي نطق بكلام كثير، أن يحكم الكون لحظات؟ وهل يقدر ان يدين بالعدل؟، أدرك ايوب انه لم يقدر ايوب ان يتسلّط حتى على الحيوان يوماً واحداً!..

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

من على رأس الجبل

"ولما رأى الجموع صعد الى الجبل. فلمّا جلس تقدّم إليه تلاميذه. ففتح وعلمهم قائلا" (متى 1:5). ما من أحد استطاع ان ينطق بهذا الكلام الرفيع وما من أحد في التاريخ غير في القلوب كما غيّرت هذه العظة الشهيرة التي ألقيت من الرب يسوع من على رأس الجبل، فطرح أمور مدهشة هزّت الضمائر لكي ترجع إلى الله منسحقة وتائبة فهو:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة