الحياة المسيحية

الفصل العاشر: الإيمان

القسم: سلام مع الله.

"إنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد". (أفسس 2: 8- 9)

كان موسى في الأربعين من عمره عندما اتخذ قراره الخطير وأيقن أن الإيمان والحق - مع الصعوبات والآلام - أفضل من الغنى والشهرة بدون محبة الله. قليلون هم الذين- على مر العصور - دُعوا لاتخاذ مثل هذا القرار العسير.

كان موسى رجلاً ذا ثقافة وعلم، فضلاً عما كان له من ثراء ورفعة الجانب. ولكونه ابناً لابنة فرعون فقد كان محفوفاً بالكرامة، محاطاً بالأبهة، متمتعاً بالامتيازات. وكان عرش مصر- أول العروش في ذلك الوقت من حيث الغنى والسلطان- في متناول يده. ومع ذلك يسجل الكتاب المقدس إنه "بالإيمان لما موسى كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون. مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية حاسباً عار المسيح غنىً أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة. بالإيمان ترك مصر غير خائف من غضب الملك لأنه تشدد كأنه يرى من لا يُرى"[1].

لنلاحظ كلمتي أبى(رفض) وترك. هذه هي التوبة الحقيقية. ثم يقول أنه فعل ذلك بالإيمان! وهذه هي الخطوة الثانية. إن موسى لم يتخذ قراره في نزوة من العاطفية التي ينادي بعض علماء النفس بضرورة وجودها في الاختبار الديني، ولا اتخذه أثر فشل أصيب به. لم يكن يشكو الفقر أو العوز. لم يختر طريق الله كأنه يستعيض بها عما حرمته منه الحياة، ولا اختار حياة التقوى عن ملل أو بلادة، ولا سعى من وراء ذلك إلى المنفعة أو التسلية أو اللهو. لم يكن ثمة ما يجبر موسى على الابتعاد عن الجسد وعن الشيطان، وإنما فعل ذلك بمحض اختيار. من المؤكد أن موسى لم يكن ضعيف العقل أو الإرادة، ولم يكن شاباً طموحاً يسعى إلى تأمين رتبة مرموقة أو شخصاً مغموراً يسعى إلى مكانة رفيعة أو شهرة واسعة. لم يكن له شيء من المطامع التي يتحلى بها- على زعم المستهزئين بالدين- أولئك الذين يدركون حاجتهم إلى الخلاص. كان موسى يمتلك أكثر مما يحلم بامتلاكه كثيرون، ومع ذلك فإنه أدار في مقتبل العمر ظهره للغنى والمقام والاعتبار. واختار، بدلاً عنها، الإيمان بالله.

كلما سمعت امرءاً يتشدق بأن العجزة والقانطين وغير الأسوياء هم الذين يبحثون عن التعزية في الدين أتذكر موسى. لقد تيسّر لي التحدث إلي مئات الألوف من الرجال والنساء عن مشاكلهم الروحية. وقد لاحظت أن ذوي الذكاء من الرجال والنساء، عندما يرفضون قبول المسيح سيداً لهم ورباً ومخلصاً، فليس ذلك عن نفور من التعاليم المسيحية ولكن هرباً من المسؤوليات والالتزامات التي تتطلبها الحياة المسيحية. ليست عقولهم النيرة هي التي تقف حائلاً بينهم وبين المسيح، ولكن قلوبهم الضعيفة الخائرة، فهم لا يريدون أن يخضعوا ويسلموا كل شيء للمسيح.

لقد نظر موسى بعين الاعتبار إلى مطالب الدين والتزاماته، وتحق أن التمسك بالله لا يمكن أن يتم إلا على حسب تضحيته بالأشياء التي يسعى الناس جهدهم في أثرها. كان يعلم يقيناً أن القرار الذي يتحتم اتخاذه جد خطير، فاتخذ قراره، قراراً حازماً لا متردداً، نهائياً لا موقتاً، يقيناً لا تجيبياً، راسخاً لا متقلقلاً. لقد حرص على تحطيم الجسور حتى لم يعد في قلبه أمل بالرجوع إلى موقفه السابق والتراجع عن موقفه الجديد! مر موسى بهذه اللحظة الحرجة وهو في سن الأربعين، وسلّم ذاته لله تسليماً تاماً شاملاً.

يا للبون الشاسع بين موسى الكليم وغمالائيل برادفورد مثلاً، الكاتب، الذي قال عندما أزفت ساعة موته "إنني لا أجرؤ على قراءة العهد الجديد خشية أن تستيقظ في نفسي عاصفة من القلق والشك والخوف فانتبه إلى ضلالي".

لم يعرف موسى مثل هذا الخوف، ولن تعرف أنت هذا الخوف إذا ما اتجهت بإيمانك إلى المسيح اتجاهاً قلبياً نهائياً. لا تحاول أن تلتفت إلى المسيح كأنها على سبيل التجربة كأن تقول "سأجرب المسيحية لفترة من الزمن؛ فإذا وافقتني سرتُ قدماً في طريقها وإلا فأمامي مجال لاختيار طريق آخر الحياة". عندما تأتي إلى المسيح عليك أن تحرق من ورائك كل جسر وتتخلص حتى من فكرة الرجوع.

عندما نشر النسر الروماني جناحيه فأظل بهما بقاعاً شاسعة من العالم، أبحر جنود الرومان الأشاوس بقيادة القيصر ليغزوا بريطانيا. وما إن بدت سفن الغزاة في عرض البحر حتى تجمع الألوف من البريطانيين الأبطال ليدافعوا عن وطنهم الحبيب. ولشد ما دهشوا حين رأوا أن الرومان قد أشعلوا النار في سفنهم حتى لا يبقى لهم أمل بالتراجع! فهل كان يعقل أن يفشل هؤلاء المغاوير؟ وهل بعد ذلك من عجب في أن روما، القرية الهادئة الصغيرة الممتدة على شاطئ التيبر، قد بسطت سيطرتها على العالم!

والمسيح أيضاً يطلب استسلاماً مطلقاً. "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله"[2].

كان موسى في مفترق طرق الحياة عندما اتخذ قراره الخطير. لقد راز عقله جميع الحقائق المترتبة على قراره، وفكر بدقة فيما تؤدي إليه الطرق الممتدة أمامه، كما فكر في ما له وما عليه. وبعدئذٍ فحسب، قرر أن يضع ثقته بالله.

لقد تطلع أولاً إلى الطريق الرحبة البراقة، الملأى بالورود والمباهج والأطايب وكل ما يعتبره العالم لذة ومسرة. كانت هذه الطريق مألوفة لديه وقد سلكها أربعين عاماً؛ ولكنه كان يعلم أنها تؤدي إلى الدمار والجحيم.

ثم تطلع إلى الطريق الأخرى، الطريق الضيقة الحافلة بالمشقات فرأى الآلام والضيق والذل والخيبة. ورأى التجارب والصعوبات والآلام والأحزان، ولكنه نظر إليها بعين الإيمان. ورأى أيضاً الانتصارات والمجازاة التي هي الحياة الأبدية.

كما يمكن لرجل أقل خبرة وأضعف عقلاً من موسى أن تغويه الطريق الأولى. فقد كانت مصر تشكل أعظم قوة في العالم: لها واديها الخصيب الزاخر بالغلال، ولها جيوش جرارة قهّارة، ولها معاهد وجامعات طائرة الصيت...

قليلون هم الذين يطلب منهم الله ما طلب من موسى، قليلون المتعرّضون لمثل ما تعرّض له موسى من إغواء وتجارب، وأقل منهم أيضاً الذين يمتلكون كل هذه المسرات والمباهج الأرضية. تعترف الأسفار المقدسة أن في الخطيئة لذة، ولكنها لذة وقتية. لأن المسرات التي تجلبها الخطيئة تفر بسرعة، وتختفي مخلّفة وراءها الحزن والكآبة.

كانت الثروات في زمن موسى نادرة. وكانت الفرصة التي سنحت له ليصبح أغنى رجل في العالم فرصة لا يحظى بها إلا القليلون. لقد بذل موسى تضحية كبيرة باختياره الله، ولكنه ربح أيضاً مكافأة عظيمة جداً.

في عام 1923- يوم كان جمع الثروات الشاغل الرئيسي لأذهان الناس في الولايات المتحدة- اجتمع فريق من كبار رجال المال والأعمال في فندق شهير في شيكاغو. وجلس إلى نفس المائدة ثمانية من أقطاب الرجال: مدير أعظم شركة مستقلة للفولاذ، ومدير أعظم شركة للخدمات العامة، وأحد أعظم شركة للخدمات العامة، وأحد أعاظم تجار القمح، ومدير بورصة نيويورك، ومدير ديوان رئاسة الجمهورية في الولايات المتحدة، ومدير أحد أعاظم المصارف العالمية، وكبير التجّار في سوق نيويورك التجارية، وأخيراً رئيس إحدى أعظم شركات الاحتكار العالمية. كانت ثروة هؤلاء المجتمعين الثمانية تربو على خزينة الدولة. شهرتهم كانت لهج الألسنة، وقصص نجاحهم يتناقلها طلاب المدارس. وكانوا بمثابة نماذج يحاول الآخرون أن ينسجوا على منوالها. والخلاصة أنهم كانوا عمالقة أعمالٍ وجبابرة صناعة.

في ذلك الحين، كان كل من هؤلاء الرجال المجتمعين، في نفس الحالة التي كان فيها موسى عندما اتخذ قراره: كانوا عند مفترق الطرق وكانت أمامهم طريقان. ربما لم يميزوا هذين الطريقين بل لم يكترثوا إليهما. ولكن من المؤكد أنهم لم يقوموا بالاختيار الناجح. ومرت الأيام... وبلغت قصص حياتهم نهايتها. ونحن نعرف اليوم الفصول النهائية من تلك القصص، ونستطيع أن نستعرض حياتهم كما استعرضنا حياة موسى لنقرر أي الفريقين كان أكثر حكمة، وأحسن ختاماً.

نعلم أن الواحد منهم كان في أواخر أيامه يستدين ليشتري ما يسد به رمقه ومات معدماً، وقضى الآخر نحبه في الخارج مديوناً، وقضى غيره فترة من عمره في "إصلاحية"، وغيره في السجن، والباقون ماتوا انتحاراً...

لقد حاز كل من أولئك الرجال المال والقوة والشهرة والمقام والذكاء والثقافة، لكنهم جميعاً بلا استثناء كانوا يفتقرون إلى المزية الوحيدة التي تستطيع أن تسبغ على حياتهم معناها الحقيقي، الميزة التي تجعل التحول ممكناً والتجديد حقيقة واقعة، وهذه الميزة هي الإيمان. ولو قبلنا جدلاً أنه كان لديهم إيمان، لكنهم لم يتصرفوا بما يمليه عليهم هذا الإيمان. وكم كانت الفصول الختامية من حياتهم ستختلف وتبدو مشرقة لو أنهم جعلوا الإيمان بالمسيح في مقدمة ثرواتهم التي بها يفخرون!

وما ينبغي ملاحظته أن موسى، بالإيمان، استطاع أن يرفض غنى مصر، وأن يعرف أنه وإن قضى بقية أيامه على الأرض في ذل وحرمان، فسوف ينال في النهاية الحياة الأبدية.

إن الإيمان هو الطريق الوحيدة للتقرب إلى الله "لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود وأنه يحازي الذين يطلبونه"[3]. ونعلم أن الله يسر بالإيمان "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه"[4].

في شتى أنحاء المعمورة يحاول الناس أن يعذبوا أنفسهم فيرتدون الثياب الخشنة، ويهشّمون أجسادهم، وينكرون على أنفسهم ضروريات الحياة، ويقضون الأوقات الطويلة في الصلاة والتضحية بالذات، وكل ذلك في سبيل إرضاء الله. ويفوتهم أن أكثر ما يرضي الله هو الإيمان به.

بوسعي أن أذهب إلى صديقي وأطنب في مديحه. ولكن لو ختمت هذا المديح بقولي: إنني لا أؤمن بك فسيكون كل ما قلته سابقاً لغواً فارغاً، إذ إنني بكلمة واحدة هدمت كل ما بنيته.

إن أعظم طريق يمكن أن نسلكها لنرضي الله هي أن نؤمن بكلمته. وكأن يسوع كان يناشد مستمعيه إذ قال لهم "صدقوني إني في الآب والآب فيّ. وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها"[5].

يؤكد الكتاب المقدس أن الإيمان ضروري مطلقاً. ولكن ما هو الإيمان؟ ماذا تعني بالإيمان؟ ما هو تعريفه؟ وكيف أعرف إذا كان إيماني حقاً؟ وما هو القدر الذي ينبغي أن أملكه من الإيمان؟

مهلاً فأجيب على أسئلتك واحداً واحداً. الكتاب يردد تكراراً أننا لن ننال الخلاص إلا بالإيمان: "آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت أهل بيتك"[6].

"وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه"[7].

"بهذا (أي بيسوع) يتبرر كل من يؤمن من كل ما لم تقدروا أن تتبرروا منه بناموس موسى"[8].

"وأما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له براً"[9].

"فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح[10].

" أما نحن فلسنا من الارتداد للهلاك بل من الإيمان لاقتناء النفس"[11].

"لأنكم بالنعمة مخلّصون بالإيمان وذلك ليس منكم. هو عطية الله"[12].

فهل الإيمان هو الذي يخلّص؟ كلا وإنما نحن مخلصون بالنعمة بالإيمان (عن طريق الإيمان). فالإيمان مجرد قناة نتلقى بها نعمة الله الموهوبة لنا، أو اليد التي تمتد لتقبل هبة محبة الله. وفي الرسالة إلى العبرانيين (11: 1) نقرأ: " أما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والاتقان بأمور لا ترى". وتعني كلمة إيمان حرفياً: التسليم، الاستسلام، الائتمان.. فالإيمان ثقة متناهية مطلقة.

أنا لم أذهب قط إلى القطب الشمالي، ومع ذلك أومن أنه موجود فعلاً. وكيف أعرف ذلك؟- سمعت عنه في كتب التاريخ، ورأيته في خرائط الجغرافية. وأنا أصدق الرجال الذين كتبوا تلك الكتب ورسموا تلك الخرائط. أقبل وجود القطب بالإيمان

يقول الكتاب: "الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله"[13] (أي أن الإيمان يأتي عن طريق السماع، سماع بشرى الخلاص). فنحن نصدق ما يقوله الله عن الخلاص ونقبله دون مناقشة. وقد ترجم مارتن لوثر العدد 27 من الفصل 11 من الرسالة إلى العبرانيين كما يلي: "لأنه تمسك بمن لا يراه كأنه يراه".

يحثنا يسوع أن نرجع ونصير مثل الأولاد. فكما يثق الأولاد بوالديهم، هكذا ينبغي أن نثق نحن بالله.

هبْ أنني أقود سيارتي بسرعة خمسين ميلاً في الساعة في طريق صاعد على تل، فهل أوقف سيارتي وأسير مترجلاً إلى ذروة الهضبة لأستطلع جزء الطريق المختفي عن الرؤية؟ كلا بل أنني، في مثل هذه الحال، سأثق بوزارة المواصلات وأتابع سيري بسرعة مناسبة استناداً إلى معرفتي بأن الطريق ستنحدر بعد الذروة، بالرغم من كوني عاجزاً عن رؤيتها. إنني أقبل ذلك بالإيمان. وهكذا الأمر في مسألة الإيمان الذي يمنحني الخلاص.

والإيمان هنا- مثل التوبة- يتضمن ثلاثة أشياء:

أولاً: يجب أن تتوفر المعرفة بما يقوله الله. ولذلك فمن المهم جداً أن تقرأ الكتاب المقدس لتعرف ما يعلمك بشأن خلاص نفسك. ويكفي أن تعرف أنك خاطئ وأن المسيح قد مات من أجلك. وقد تبلغ إلى الخلاص بآية واحدة تجدها مثلاً في إنجيل يوحنا لضروري (3: 16). ولكن من الضروري أن تتزود بمعرفة كافية عن هذه المسألة الحيوية الخطيرة. ولن تحصل على ذلك إلا بالكتاب المقدس.

كثيرون يقولون "نحن لا نفهم من الكتاب المقدس إلا الشيء القليل، ولذلك لا نحاول قراءته". لكن ليس هذا الموقف من الحكمة في شيء. أنا أيضاً لا أفهم أشياء كثيرة، وأعلم أن ذهني المحدود لن يستطيع أن يستوعب غير المحدود. لا أفهم كل شيء عن التلفزيون ولكن ذلك لا يمنعني من استعماله، فأنا أقبله بالإيمان.

ثم إن الله لا يطلب منا المستحيل. وهو في "التحول" لا يطلب منك أن تقوم بقفزة في الفضاء على عمى. فالإيمان بالمسيح يرتكز على أعظم اثبات في العالم وهو الكتاب المقدس. وإن كنت لا تفهم الكتاب بكليته فيمكنك أن تؤمن به لأنه كلمة الله. إن أولى الهجمات التي شنها الشيطان على الإنسان كانت حمل آدم على الشك في كلمة الله. فإذا ابتدأت بالشك في كلمة الله، فما أكثر ما تواجهه من مصاعب ومشاكل! إن أول ما يتوجب عليك أن تعرف هو أنك خاطئ، وأن المسيح مات لأجل خطاياك، وأنه قام أيضاً لأجل تبريرك. فموت يسوع المسيح، ودفنه وقيامته هي رسالة الإنجيل وجوهره. وهذا هو الحد الأدنى الذي ينبغي قبوله والإيمان به لكي يمكن حدوث التحول.

ثانياً: يتناول الإيمان العواطف والشعور. يقول الكتاب المقدس "مخافة الرب رأس المعرفة"[14]. ويقول الرسول بولس "محبة المسيح تحضرنا"[15]. فالرغبة والحب والخوف جميعها ضروب من الشعور والعواطف. وهل يمكن إقصاء العواطف عن الحياة؟

ولن يقول أي إنسان ذكي "دعونا نحيا بلا عاطفة ". ويستحيل أن نقصي الشخصية عن الشعور العميق، كما لا نستطيع أن نتصور الحياة خالية من حرارة العاطفة. هل يعقل أن أعلن عن محبة الله واستعداده لمنح الغفران والعفو الشامل وأحظر على مستمعيّ الإفصاح عن اغتباطهم بسماع هذه البشرى؟! كلا. إذاً فلا بد أت تحدث في القلب عاطفة. قد تتنوع، ولكن لا بد منها. قد تتنوع حسب الظروف والأشخاص، فهذا سريع التأثر وذاك بطيئة، هذا كتوم وذاك- وإن كتم- فأساريره تتكلم.

ثالثاً: الإرادة وهي أهم ما في الأمر. فالإرادة هي التي تتخذ القرار النهائي الذي يدوم ويبقى. ويمكن أن يحصل الاقتناع العقلي والشعور العاطفي، ومع ذلك لا يحدث التحول إلى المسيح. "الإيمان بدون أعمال ميت"[16].

سمعت عن بهلوان كان يقطع، مشياً على الأقدام، حبلاً ممدوداً فوق نهر نياجرا، وكان يسير فوق الحبل ويدفع أمامه عربة يد صغيرة، جيئة وذهاباً. وتجمهر من حوله ألوف المشاهدين يصفقون له بإعجاب ودهشة. ولم يكتف البهلوان بذلك بل وضع في العربة كيساً يزن ثمانين كيلو غراماً، ومضى يدفع العربة بخفة ومهارة، والتفت إلى الجمهور وصاح به: كم هو عدد الذين يؤمنون بينكم بأنني أستطيع أن أضع في هذه العربة رجلاً وأعبر به إلى الضفة الأخرى. فتحمس الجميع وهتفوا. والتفت البهلوان إلى أحد المتحمسين في الصف الأمامي، وقال له "إذن تعال".

وسرعان ما اختفى الرجل! فهو لم يعتقد ذلك حقاً. صحيح أنه قال إنه يعتقد بذلك. وظن أنه يعتقد، ولكنه لم يشأ أن يضع نفسه في العربة.

وهكذا الأمر مع المسيح. فهناك كثيرون يقولون إنهم يؤمنون به، ويقولون إنهم يتبعونه. لكنهم لم "يجلسوا قط في العربة"، ولم يأتمنوه على أنفسهم، ولم يسلموا ذواتهم له كلياً مئة بالمئة.

كثيرون يسألون: كم هو مقدار الإيمان الذي يحتاج إليه الأمر؟ ويجيبهم يسوع: يكفي من الإيمان مقدار "حبة الخردل".

ويسأل آخرون " ما هو نوع هذا الإيمان؟" - ليس ثمة سوى نوع واحد من الإيمان. وليست المسألة: ما هو نوع الإيمان، وإنما المسألة: ما هو موضوع الإيمان؟ فما هو موضوع إيمانك؟

ينبغي أن يكون المسيح هو موضوع إيمانك وغايته. المسيح ولا شيء آخر. فلا الطقوس، ولا الذبائح، ولا الأخلاق، ولا الذات أيضاً تصلح أن تكون موضوعاً لإيمانك.

يبين لنا الكتاب المقدس أن الإيمان يظهر نفسه بطرق ثلاث: فهو يظهر بالعقيدة، أي ما تؤمن به. وبالعبادة، أي الشركة مع الله ومع المؤمنين. وأخيراً يظهر الإيمان بالحياة التي تحياها والسلوك الذي تسلكه.

ويعلمنا الكتاب المقدس أيضاً أن الإيمان لا ينتهي بالثقة في المسيح لأجل الخلاص فحسب، بل يستمر وينمو. ربما كان إيمانك ضعيفاً في بدايته، ولكنه يقوى ويزدهر إذا ما واظبت على قراءة الكتاب المقدس والصلاة والاجتماع بأخوتك المؤمنين ومواظبة الشركة معهم.

فإذا ما تبت عن خطاياك وقبلت المسيح بالإيمان، ينبغي أن تثق بأنه سيحفظك، ويقويك ويمكّنك ويثبتك. وسوف تتعلم أكثر فأكثر كيف تركن إلى المسيح لقضاء كل حاجة لك، ومواجهة كل ظرف، والتغلب على كل تجربة. وتتعلم أن تقول مع بولس "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي"[17].

فإذا ما آمنت بيسوع المسيح تكون قد خطوت خطوة إلى الأمام لإحراز السلام مع الله.

[1]- عبرانيين 11: 24-27

[2]- لوقا 9: 62

[3]- عبرانيين 11: 6

[4]- عبرانيين 11: 6

[5]- يوحنا 14: 11

[6]- أعمال 16: 31

[7]- يوحنا 1: 12

[8]- أعمال 13: 39

[9]- رومية 4: 5

[10]- رومية 5: 1

[11]- عبرانيين 10: 39

[12]- أفسس 2: 8

[13]- رومية 10: 17

[14]- أمثال 1: 7

[15]- كورنثوس 5: 14

[16]- يعقوب 2: 20

[17]- غلاطية 2: 20

قرأت لك

الكلام والقلب

"اِجعلوا الشجرة جيدةً وثمرها جيداً، أو اجعلوا الشجرة رديَّةً وثمرها رديَّاً، لأن من الثمر تُعرف الشجرةُ. يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن  تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة