أين تجلِس؟
10- جلوس يسوع "عن"
القراءة:
عبرانيين 1:10-14
التاريخ: 2/2/1975
"وأما
هذا فبعدما قدّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله" (عبرانيين
12:10). "قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (متى
44:22). "الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته بعدما
صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي" (عبرانيين 3:1).
ولا يذكر الكتاب أن يسوع تخلّى عن هذه الجلسة إلا مرتين. المرة الأولى، عندما
شهد استفانوس بالقول: "ها أنا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان قائماً عن يمين
الله" (أعمال الرسل 56:7). وهنا يجدر بنا أن نتذكر أن يسوع قام لكي يعبّر عن
أسلوب الاحترام والتقدير الذي به استقبل شهيد الكنيسة الأولى، استفانوس، الذي
شهد للحق ولم يخجل بإيمانه ولم يحبّ نفسه حتى الموت. والمرة الثانية، وردت في
سفر الرؤيا حيث يقول يوحنا الرائي: "ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات
الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤيا 6:5). قام يسوع لكي يأخذ
السفر ويفك ختومه. وهذا العمل "لم يستطع أحد في السماء ولا على الأرض ولا تحت
الأرض أن يفتح السفر ولا أن ينظر إليه" (رؤيا 3:5)، سوى يسوع، الأسد الغالب
الخارج من سبط يهوذا.
في جلسة يسوع عن يمين الله، نرى الأمور التالية:
1- جلس مكتفياً، "بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا". "فإن
المسيح أيضاً تألم مرّة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة"
(1بطرس 18:3).
قدّم ذبيحة واحدة كاملة وجلس إلى الأبد. من هو هذا الذي جلس الآن مكتفياً. قيل
عنه الكثير الكثير، ولكن ما يقوله الكتاب المقدس هو الصواب عينه وهو الجواب
الكافي والشافي. "ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن
ومن أراد الابن أن يعلن له"
(لوقا 22:10). نشكر الله لأجل ما أعلنه لنا بروحه. "أحمدك أيها الآب رب السماء
والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (متى 25:11).
والكتاب المقدس يُظهر لنا بوضوح شخصية المسيح فيقول: "الذي إذ كان في صورة الله
لم يحسِب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في
شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب"
(فيلبي 6:2-8)؛ "والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا" (يوحنا 14:1)؛ أخلى نفسه وتجسد
وسفك دمه ثم جلس عن يمين الله.
ثمة نزعة قوية في هذه الأيام إلى النيل من شخصية المسيح ومن قوة الدم. وهذه
نزعة شيطانية يتبناها الكثيرون، ولا غرابة إذ إنّ الكتاب المقدس يتكلم عن هذا
الصنف من الناس فيقول: "ولكن الروح يقول صريحاً إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد
قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مُضلّة وتعاليم شياطين"
(1تيموثاوس 1:4).
كلمة الدم في الكتاب المقدس هي علامة العطاء والتضحية والمحبة والتواضع. الدم
هو المادة الوحيدة للتطهير والتنقية والتقديس. "ومن يسوع المسيح الشاهد الأمين
البكر من الأموات ورئيس ملوك الأرض، الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه"
(رؤيا 5:1).
جلس مكتفياً بعدما قدّم ذبيحة واحدة مكمِّلة. "كل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدّم
مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنـزع الخطية"
(عبرانيين 11:10). والتي "فيها كل سنة ذِكْر خطايا" (عبرانيين 3:10). ويقف كاهن
بعد كاهن وتُقدّم دماء بعد دماء والخطية لا تزال موجودة، "لأنه لا يمكن أن دم
ثيران وتيوس يرفع خطايا، لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقرباناً لم
تُرد ولكن هيّأت لي جسداًَ" (عبرانيين 4:10و5)؛ "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية
العالم"
(يوحنا 29:1).
أكمل المسيح عمل الفداء على الصليب. أرضى قلب الآب وتممَّ مشيئته، فاكتفى الله
بهذه الذبيحة. "ثم قال هانذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله... فبهذه المشيئة نحن
مقدسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة" (عبرانيين9:10و10). الله لا يرضى عن
الخطية وعن تكفير مؤقّت عنها لنعود إليها مرة أخرى، لكن مسرة الله أن يَنـزع
الخطية من حياتنا؛ وهذا ما حققه المسيح بموته على الصليب وبإقامة عهد جديد
ممهور بدمه: "هذا هو العهد الذي أعهده معهم بعد تلك الأيام يقول الرب أجعل
نواميسي في قلوبهم وأكتبها في أذهانهم ولن أذكر خطاياهم وتعدياتهم في ما بعد"
(عبرانيين 16:10). فالعهد القديم مؤسس على الناموس، أي على مجهودات الإنسان وما
يعمله ويقدّمه ويقوم به. أما العهد الجديد فمؤسّس على ما يعمله الله. الخلاص في
العهد القديم كان بعمل مجهود بشري فاشل، لكن الخلاص في العهد الجديد هو عمل
مجهود إلهي نافع بوساطة يسوع المسيح.
كم يحاول الإنسان أن يخلّص نفسه ويغيّر أوضاعه بمجهوده الشخصي ولا يستطيع، ولكن
عندما يأتي إلى المسيح بالإيمان يعلن له الروح القدس عن موت المسيح البديلي،
فيُقرّ الإنسان بضعفه وبعجزه وبعدم وجود الإمكانية لديه لخلاص نفسه من الخطية،
اذ ذاك يعمل الروح القدس عملية التغيير في حياته.
كم من أشخاص يُعَدّون بالملايين عَمِلَ الصليب في حياتهم، وعَمِلَ الدم في
حياتهم فغيّرهم وبدّل طبيعتهم وأعطاهم قلباً جديداً وحياةً جديدة ورجاءً أكيداً
بالحياة الأبدية.
جلس يسوع مكتفياً بعمل الصليب ومطمئناً إلى نتائج هذا العمل؛ وما أمجدها من
نتائج. "أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك"
(لوقا 42:23). كلام يخرج من فم لِصّ أثيم ومجرم حكمت عليه عدالة الأرض بالموت،
لكن نتائج عمل الصليب عظيمة ومجيدة: "فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون
معي في الفردوس" (لوقا 43:23). لو أَوكَلْنا إمر خلاص هذا الإنسان على الناموس
أو على مجهودات الناس أو على الديانات المختلفة، كيف سيكون العلاج؟ وماذا ستكون
النتائج؟ مجرم، بلا استحقاق، أعماله تشهد عليه، لا تقوى لديه، لكن نشكر الله
أنه عندما تُغلق جميع الأبواب يفتح الصليب باب النعمة، باب المراحم الأبدية.
جلس يسوع مستريحاً إلى نتائج عمل الصليب ومستقراً لأن باب السماء الذي أغلقته
الخطية فُتح بذبيحة الصليب. "من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون
وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا 51:1).
2- جلس وسيطاً وشفيعاً. "أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على
رتبة ملكي صادق" (عبرانيين 21:7). "ولكنه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما
هو وسيط أيضاً لعهد أعظم" (عبرانيين 6:8). "الذي يريد أن جميع الناس يخلصون
وإلى معرفة الحق يقبلون؛ لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس
الإنسان يسوع المسيـح الذي بذل نفسـه فديـة لأجل الجميع" (1تيموثاوس 4:2-6).
"فإذ لنا رئيس كهنة عظيـم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله... فلنتقدم بثقة إلى
عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عوناً في حينه" (عبرانيين 14:4و16). وسيط
يُقرّبنا من الله ويصالحنا معه، وشفيع يرثي لعجزنا وضعفنا وإهمالنا وابتعادنا.
لا دينونة على المؤمن في العهد الجديد، فالدينونة محصورة بالابن. "من هو الذي
يدين، المسيح هو الذي مات بل بالحري قام أيضاً الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي
أيضاً يشفع فينا" (رومية 34:8).
يسوع أحبنا ويحبنا وسيستمر يحبنا ولا شيء يستيطع أن يفصلنا عن محبة الله. الله
راضٍ علينا من خلال يسوع وشفاعته الدائمة والمقبولة والتي لا تُرد.
3- جلس منتظراً، "منتظراً بعد ذلك حتى توضع أعداؤه موطئاً لقدميه" (عبرانيين
13:10). لقد اشترى لنا يسوع في الصليب الفداء والسماء والحياة الأبدية. بمعنى
أن المسيح على الصليب أعاد إلينا حقوقنا المسلوبة التي ادّعى الشيطان حق
الملكية لها. لا نزال "نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضاً نئن في
أنفسنا متوقعين التبنّي فداء أجسادنا"
(رومية 23:8). لا نزال ننتظر تحقيقاً كاملاً للامتيازات التي استردّها لنا
المسيح على الصليب.
لا تزال الأرواح الشريرة تعمل في العالم، ولا يزال الشيطان يَعيث فساداً في كل
الأرض. ويسوع يجلس منتظراً الوقت الذي فيه يتسلّم مقاليد الحكم. يجلس منتظراً
صوت البوق، الذي فيه ستعلن السماء بصوت عظيم قائلة: "قد صارت ممالك العالم
لربنا ومسيحه فسيملك إلى أبد الآبدين" (رؤيا 15:11).
أقامه الله، "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يسمّى ليس في هذا الدهر
فقط بل في المستقبل أيضاً. وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء
للكنيسة" (أفسس 21:1و22).