أين تجلِس؟
11- جلوس يسوع "على"
القراءة:
إشعياء 1:6-9
التاريخ: 9/2/1975
في
تأملاتنا في جلسات يسوع نصل إلى الجسلة الأخيرة التي رآها إشعياء النبي. يتكلم
إشعياء في هذه الجلسة التي رآها بشكل رؤيا. كشف الرب النقاب فتكشفت لإشعياء حقائق
جديدة. فمع كونه نبيّاً ويعلم الكثير الكثير ومرّات ومرّات دخل إلى المقادس
الإلهية، إنما يبدو أن حياة الإيمان لا تتوقف عند نقطة معيّنة لكنها سلسلة من
النمو المطَّرد. فبناءً على ما ورد في تقرير إشعياء، شاهدِ العِيان وصاحبِ
الاختبار، فقد وضع إشعياء التقرير بهذا الأسلوب: حصلت الرؤيا في سنة وفاة عزّيا
الملك، أي في سنة إزالة النجاسة. فنحن لا يمكننا أن نحصل على إعلانات إلهية أو
نتمتع بنقلات روحية جديدة مهما صلّينا ومهما تمنّينا ورغبنا، ما دام هنالك برص
ونجاسة.
ما أبشع حياة الإيمان الرتيبة والتي تسير على وتيرة واحدة مهما بلغت من الرّفعة
والشأن. حياة الإيمان هي لمسات متعاقبة، وهي وثبات جديدة إن لم تكن يومياً
فأسبوعياً وسنوياً. فما نأخذه من لمسات ورؤى وبركات ليس سوى تمهيد لعطايا إلهية
أكثر وأشمل.
كانت هذه الرؤيا بالنسبة إلى إشعياء ضرورية كما أنها ضرورية لكل مؤمن. والبركة
كلُّها تحصل عندما يكشف لنا الرب محاسنه وألطافه وكُنْهه وشخصيته ومعاملاته،
وبِئْس حياةٌ يصمت فيها الله ويحتجب.
"في سنة وفاة عزّيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عالٍ ومرتفع وأذياله تملأ
الهيكل" (إشعياء 1:6). وهذا السيد هو يسوع المسيح إبن الله، كما يوضح لنا الوحي
في إنجيل يوحنا الإصحاح الثاني عشر من العدد التاسع والثلاثين حتى العدد الحادي
والأربعين. "قال إشعياء هذا حين رأى مجده وتكلّم عنه" (يوحنا 41:12).
في هذه الجلسة نجد أن إشعياء رأى السيد جالساً
1- جلوس الرفعة والجلال. "في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي
عالٍ ومرتفع" (إشعياء 1:6)؛ لذلك لا نستغرب عندما صلى يسوع صلاته الشهيرة: "والآن
مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يوحنا
5:17).
ويرى إشعياء السيد في هذه الجلسة، ويبدأ الآن ينظر بمنظار جديد. ربما اختبر مثل
هذا الاختبار سابقاً ولكن السنين محت هذا الاختبار. كثيراً ما تمحو السنون
اختبارات كانت لامعة في حياتنا فتضعف الرؤية أو حتى تغيب وإذا نحن اليوم غير ما
كنا بالأمس. كنا نحسّ بقرب الرب منا، كنا نحسّ بدفئه وبحنانه وبمحبته، أما اليوم
فإننا نتلمّس هذا الشعور ونكاد نفقده. ونعزو ذلك إلى النضج والنموّ في الإيمان
والسير الإرادي، ولكنه في الواقع دليل غياب الرؤية الصحيحة التي كانت وستبقى بركة
للمؤمن.
يعبّر إشعياء عن هذه الرؤيا المباركة فيقول: "لأن عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود"
(إشعياء 5:6). أيعني هذا أن إشعياء وصل إلى وقت استقلّ فيه إلى حدِّ ما عن مصدر
البركة وعن مصدر التعزية. أنتناسى مِن حينٍ إلى آخر أن يسوع ما زال الملك وأن رب
الجنود ما زال رب الكنيسة وسيد الكنيسة؟ أنعترف بهذا شفاهاً فيما نتصرف عمليّاً
بطريقة مغايرة؟
في سنة وفاة عزّيا الملك ظهر الملك الحقيقي. وما دامت الذات متربعة على العرش،
وما دمنا حكماء في أعين أنفسنا ونتمسك بآرائنا وأفكارنا فلن نرى السيد جالساً
علىكرسي عالٍ، مهما صلّينا وبكينا. يا ليت يسوع يكون بالفعل رباً وسيداً على
الحياة، فيكون كرسيّه عالياً في حياتنا وله مجلس الرفعة والمجد والجلال. نطلب
إليه إرشاداً وتوجيهاً ونصائح، فلا نسير إلا بما توحي كلمته ولا نتصرف إلا بما
يرضيه.
نحتاج بين الحين والآخر إلى رؤى وإعلانات كهذه، لتكون بمثابة تذكير جديد لنا
بهوية الرب. فعندما اقترب موسى من العليقة المشتعلة ولم تكن تحترق، وأراد أن يرى
هذا المنظر العظيم، اقترب بكل بساطة وسذاجة. فأتاه الصوت من السماء: "لا تقترب
إلى ههنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خروج
5:3). كم مرةٍ يكشف لنا الرب عن نفسه بهذا الشكل، فنشعر ونحن في أجواء الصلاة
بنوع من الرهبة والخوف، لدرجة أننا لا نستطيع إلا أن ننحني أمام الرب ونغطّي
وجوهنا إجلالاً واحتراماً.
وعندما اقترب الرب من دانيال وحاول أن يكلّمه، رفع دانيال عينيه ونظر شبه مجد
الرب فارتعد قائلاً: "رأيت هذه الرؤيا العظيمة ولم تبقَ فيّ قوة ونضارتي تحوّلت
فيّ إلى فساد ولم أضبط قوة. وسمعت صوت كلامه ولما سمعت صوت كلامه كنت مسّبخاً على
وجهي ووجهي إلى الأرض"
(دانيال 8:10و9). وماذا نقول عن يسوع الممسك السبعة الكواكب في يمينه الماشي في
وسط السبع المناير الذهبية، لما رآه يوحنا بكامل جلاله وعظمته خاف خوفاً عظيماً
فسقط عند رجليه كميت. يا ليت الرب يساعدنا حتى نرى هذه الرؤيا من جديد فنعطي يسوع
المكان اللائق في حياتنا وفي كنائسنا.
ثم نجد أن إشعياء رأى السيد جالساً
2- لتقبّل العبادة، "وأذياله تملأ الهيكل". إنه إله يُعبد، "مجده ملء كل الأرض" (إشعياء
1:6و3). "أمّا الرب ففي هيكل قدسه. فاسكتي قدامه يا كل الأرض" (حبقوق 20:2).
ما أجمل ما يدوّنه سفر الرؤيا عن عبادة الأربعة الحيوانات التي تمثّل الخليقة
كلّها، وعن عبادة الأربعة والعشرين شيخاً، أي كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد
الجديد الواحدة، "وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح
ختومه لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمّة" (رؤيا 9:5).
ما أكثر مراحم الرب وعطاياه لنا. أعطانا حياة أبدية، أعطانا نجاة من الغضب الآتي،
يسير معنا، يعتني بنا في كل ظروف الحياة، يذلّل أمامنا الصعاب ويؤمّن لنا
التعزية.
هل نعبد يسوع كما يجب؟ هل نشكره، أم أن عبادتنا غالباً ما تأتي بصيغة الطلب؟ هل
نرنم لاسمه؟ هل نمجده ونعطيه الكرامة؟
العبادة قوّة للمؤمن ومصدر للفرح والتعزية. فعندما نعبد الرب ونشكر ونسبّح ونهلّل
ونُعِيد إليه المجد والكرامة نحسّ بقرب الرب منا، فتنتعش حياتنا ونتمتع بقوة
جديدة وبزخم جديد وبعزم جديد.
ثم نجد أن إشعياء رأى السيد جالساً
3- لإظهار قداسته. وهل نسي إشعياء أن الله قدوس؟ هل غابت هذه الرؤيا عن ناظريه؟
قد يتبلّد الذهن من كثرة الخطية المحيطة بنا بسهولة، وما نعتاد عليه يفقد قيمته
فلا نعود نحسّ بوزنه وبأهميته، لذلك نحتاج مرة أخرى الى تلميعه وإعادة تقويمه من
جديد في حياتنا.
قد نتناسى أحياناً مركزنا في المسيح ونتناسى علاقتنا بالرب، ونعيش في مجتمعنا
بِصِلَة حميمة بالعالم وصِلَةٍ حميمة بالرب. لا نعرف ما مدى تورّط إشعياء بنجاسة
عزّيا الملك، ولكن يظهر أنّ هنالك علاقة حميمة بين الاثنين. ويريد الرب من جديد
أن يوجِّه أبصار إشعياء إلى السيد الحقيقي ويحوّل أذنه إلى سماع صوت الحقيقة،
ويسمع إشعياء من جديد ما تناديه السرافيم باستمرار: "قدوس قدوس قدوس رب الجنود
مجده ملء كل الأرض"
(إشعياء 3:6).
نحتاج إلى أن نذكّر نفوسنا بما ورد على لسان المسيح: "فكونوا أنتم كاملين كما أن
أباكم الذي في السموات هو كامل" (متى 48:5)، وبما كتبه الرسول بطرس: "بل نظير
القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين في كل سيرة. لأنه مكتوب كونوا قديسين
لأني أنا قدوس"
(1بطرس 15:1و16).
ما هو مقياس القداسة بالنسبة إلينا؟ كيف ننظر إلى العالم في هذه الأيام؟ لماذا
عدنا إلى ما رفضناه في الماضي؟ هل تغيّر العالم وما فيه؟ نعم لقد تغيّر لكن نحو
الأسوأ والأردأ. فما بالنا نصادق العالم الذي رفض سيِّدَنا ولسان حالنا يقول: "لا
نريد أن هذا يملك علينا" (لوقا 14:19).
لا علاقة لكنيسة المسيح بِكلَ ما يقدمّه العالم من برامج، وسياسات وأفراح ومخططات
مستقبلية. فالعالم نجس وكل ما فيه نجاسة. ونحن أحببنا يسوع لأنه خلّصنا من نجاسات
العالم. أحببناه لأنه قدوس وسيبقى قدوساً. أحببناه لأننا أحببنا البر والطهارة
ويجب أن نستمر في محبتنا له.
"قدوس قدوس قدوس رب الجنود"، وعلى هذا الأساس يجب أن تُبنى علاقتنا الروحية
بالرب. وعلى هذا الأساس نصلّي ونقرأ كلمة الرب ونتصرف ونسلك. هنالك فرق شاسع بين
البر والقداسة. نحن أخذنا بر المسيح ونسعى لكي نكون قديسين كما هو قدوس. القداسة
مطلب الأبطال الروحيين الذين يدركون معنى قداسة المسيح. فما دمنا نتساءل حول ما
هو خطية وما ليس خطية، وما دامت الشكوك تساور أفكارنا حول المفاهيم والقناعات
الكتابية فنحن بعيدون كل البعد عن مفهوم القداسة.
لا يمكن أن نكون في المسار الصحيح ما دمنا بعيدين عن حياة القداسة. حياة القداسة
هي حياة الالتصاق بالمسيح والانفصال عن العالم. إنها الحياة الغالبة والمؤثّرة
والمثمرة. إنها الحياة التي يملأها الروح القدس ويستريح إلى مستوى القداسة فيها.
فهو يريد أن يكون معزّياً وداعماً وليس آنّاً فينا. ونحن في أحيان كثيرة لسنا
نعلم من هو يسوع ولا نعلم ما نصلّي لأجله كما يجب، لكنّ الروح القدس يشفع فينا
بأنّات لا يُنطق بها، لكي يغطّي ضعفنا وعجزنا وجهلنا ولكي يرفعنا إلى المستوى
اللائق بإلهنا القدوس.
ثم نجد أن إشعياء رأى السيد جالساً
4- لكي يرى الكل. إنه يرى ما لا يُرى. إنه يرى كل الناس على اختلاف طبقاتهم
ونزعاتهم وميولهم وأجناسهم. رأى إشعياء كما هو، من دون أن يؤخذ بالمظاهر
والألقاب. فتسمية إشعياء بن آموص بالنبي لم تتمكّن من تغطية واقعه، وكوني مؤمناً
لن يكون تغطية لواقع أعيشه. فيسوع لا يرى الوجوه ولا يأبه لجمالها ولا لقبحها،
لكنه يتطلع إلى الداخل وينظر إلى القلب.
جلس يسوع هناك على الكرسي قاضياً وقاضياً عادلاً، "وابتداء القضاء من بيت الله"
(1بطرس 17:4). فأوّل شخص وقعت عينا المسيح عليه كان إشعياء، فهو مهتم بحالة
المقربين والخاصّة. وعندما يحضر يسوع في الوسط في اجتماعنا يحضر أولاً لكي يرى
ويلاحظ أولاده ويكوّن شركة مباركة معهم. يحضر لكي يفتخر بهم ويتمجد فيهم ويتقدس
فيهم. واذا كان لا بدّ من اللوم، فإنه يوجهّه إلى الذين يُفشِّلونه في هذه
النواحي. لهذا السبب لام قديماً موسى وهرون بقوله: "لم تُؤْمنا بي حتى تقدّساني
أمام أعين بني إسرائيل" (عدد 12:20). وعندما قدّم ابنا هرون ناراً غريبة، "خرجت
نار من عند الرب وأكلتهما فماتا أمام الرب. فقال موسى لهرون هذا ما تكلم
به الرب قائلاً في القريبين مني أتقدس وأمام جميع الشعب أتمجّد"
(لاويين 2:10و3).
الله يراقب، مع أنّ الإنسان يكره الرقابة. والله يراقب من عيّنهم رقباء. ويراقبهم
عن كثب، ويتفحّصهم فحصاً دقيقاً حتى يصل إلى أعماق دواخلهم. قد يكون الاسم "أنك
حي"، وقد تكون النشاطات ممتازة وقد يكون العطاء بسخاء وقد يكون الانضباط مثالياً،
أما الدوافع فقد تكون غير مقدّسة.
نحتاج بين الحين والآخر إلى رؤى كهذه تعكس حقيقة ما في قلوبنا. ولو سألْنا إشعياء
قبل الرؤيا عن أوضاعه بشكل عام لأجاب: ممتازة، علاقة ممتازة بالملك وعلاقة ممتازة
بالرب، لي امتيازات النبي وأكلّم الشعب بكلام الله وأنا أصلّي لأجل الآخرين من
حولي.
لكن ما هي أحوالك يا إشعياء بعد الرؤيا؟ ويصرخ إشعياء مستغيثاً: "ويل لي إني
هلكت" (إشعياء 5:6). كم يصارع الرب معنا حتى يصل بنا إلى هذه المرحلة، مرحلة
الانكسار أمامه. فالرب لا يستطيع أن يبارك انساناً ليس منكسراً، ولو توافرت فيه
جميع الشروط الأخرى. قد نكون أناساً ذوي علم ومعرفة وبيان وحكمة وخبرة، ولكن من
دون المسحة الإلهية والختم الإلهي. فلا بركة من دون يد الله وتدخل الله وموافقة
السماء؛ وهذا يقتضي قلباً منكسراً ومنسحقاً.
طالَبَ يعقوبُ الرب قديماً بالبركة، وطالب بإلحاح قائلاً: "لا أُطلقك إن لم
تباركني" (تكوين 26:32). وكأن الرب يجيبه بالقول: أنا أريد أن أباركك يا يعقوب،
هذا شوق قلبي، وهذه هي خطتي من نحوك، ولكن إن كنت تعني ما تقول فسأريك طريق
البركة، فخلعَ الرب حُقّ فخذه، "وباركه هناك" (تكوين 29:32).
البركة التي نُعطاها كما نحن قد تشكّل خطراً جسيماً على حياتنا من جهة الافتخار
وتمجيد الذات. لذلك نحتاج أن نتعلم درس الانسحاق والتواضع والانكسار أولاً. وقد
يستخدم الرب المصائب والأزمات والمشاكل حتى يصل بنا إلى هذه الحالة التي فيها
يستطيع أن يباركنا.
جلس الرب على كرسي عالٍ لكي يُري إشعياء حالة نفسه ولكي يريه أيضاً حالة الشعب.
فنحن لا نستطيع أن نرى الآخرين بوضوح ما لم نُخرج أولاً الخشبة التي في عيوننا.
ونحن لا نستطيع أن نرى النجاسة في العالم ما لم نتطهّر أولاً. لذلك نحن في كثير
من الأحيان لا نرى العالم قَذِراً بمقدار ما يصوّره الكتاب المقدس، أو بمقدار ما
يصفه بعض القديسين وذلك لأننا لا نُحسن الرؤية.
كان إشعياء في حاجة الى معاملة جديدة خاصّة لكي يرى ما لا بد أن يراه. كان في
حاجة إلى وسيلةِ إيضاحٍ بَصَريّة سمعيّة، ذلك لأنه سار في نهج معيّن لوقت طويل،
لم يعد الكلام معه مفيداً.
العبادة مع القديسين أمر مهم جدّاً ولكن الأهم منه هو العبادة الفردية. الصلوات
الجمهورية ممتازة وضرورية ولكنها لا تُغني عن الصلاة الفردية. المذبح العائلي مهم
أيضاً ولكنه لا يُغني عن العلاقة الفردية بيننا وبين الرب. نحتاج وبإلحاح إلى
معاملات خاصّة ولمسات خاصّة ورؤى جديدة فيها يهزُّنا الرب من جديد ويوجّه حياتنا.
هل نفهم معاملات الرب معنا؟ هل تشعر أحياناً بأنك موجود وحدك في الاجتماع، وتنسى
كلّ من حولك، وتشعر بأن الكلام موجَّه إليك وحدك؟
كان إشعياء في حاجة إلى أسلوب جديد في الإنذار والتعليم- إلى أسلوب البرهان
الحسّي. فلو قلنا له، على مدى أيام طويلة، يا إشعياء أنت نجس الشفتين وساكن بين
شعب نجس الشفتين، لأجابنا ببساطة أنه قديس من القديسين إذا ما قيس بنجاسة هذا
الشعب. كيف بإمكاننا أن نُقنع إشعياء أنه يوجد شيء أفضل ومستوى أرفع وبركة جديدة
من عند الرب؟
إن كنا لا ندخل بيت الخمر والمقادس الإلهية إلا عَرَضاً فلا نتوقع بركات إلهية.
إنّ مشكلة المؤمنين العصريين من قادة ومعلمين هي اكتفاؤهم بما جمعوه وقرأوه من
تفاسير ومعلومات لاهوتية. وقلّما يَقضون وقتاً في الصوم والصلاة لفهم كلمة الله
كما قصدها الله وللتعرف أكثر بطبيعة الله وقداسته.
الحياة الرتيبة هي عقم وقحط وموت روحي مهما كانت مجيدة وسامية. فلا نعش على بركات
الماضي وأمجاده، بل لننتظر رؤى جديدة ومعاملات جديدة. وغالباً ما يرافق هذه
المعاملة مظهر من مظاهر قداسة الله.
وعَد الله إبراهيم بالبركة فكانت حياته سلسلة من الدروس والإعلانات الجديدة. وهذه
الإعلانات كانت بدايةً لبركات جديدة وغالباً ما كان يرافقها مظهر من مظاهر قداسة
الله. "أنا الله القدير. ِسرْ أمامي وكن كاملاً" (تكوين 1:17).
وإزاء هذه الرؤيا التي رآها إشعياء نراه في وضع جديد وموقف جديد. موقف شخص منكسر،
متذلّل، خائر القوى، نجس الشفتين، والنجاسة هنا نسبية، أمام قداسة الله
المطْلَقة. الله يريد أن يبارك إشعياء ويستخدمه، لكن الرحلة طويلة والخدمة جسيمة
والضغط شديد، فالحاجة إذاً إلى فحص دقيق وعام لكشف الخفايا وسدّ الثغرات. ويخرج
إشعياء من هناك وإذا هو إنسان آخر بكل ما في الكلمة من معنى.
ثم نجد أن إشعياء رأى السيد جالساً
5- لكي يقدّم العلاج. فالسكوت عن المرض لا يصل بنا إلى نتيجة. والكتمان غالباً ما
يجرُّنا إلى المراوغة والتمثيل حفاظاً على حسن السيرة والسمعة الطيبة. لكن الكتاب
المقدس يقول بكل صراحة: "من يكتمُ خطاياه لا ينجحُ ومن يُقِرُّ بها ويتركها
يُرحمُ" (أمثال 13:28). لذلك نحتاج إلى جلسات سرّية بيننا وبين الرب نصارح الرب
بها ونكشف له عن ضربة القلب: يا رب يقولون إنّ لي اسماً أني حيّ لكني ميت. يقولون
إني قديس ولكني أعرف نجاسة قلبي. يقولون إني أحبّك كثيراً ولكني أعلم أن محبتي
ضعيفة وضئيلة ودوافعي غير مقدسة. أعرف كسلي وتقاعسي وكبريائي في أحيان كثيرة.
التغطية لا تفيد في أحوال كهذه، لا تغطية العطاء ولا الصلاة ولا الخدمة، لأن الله
فاحص القلوب. لذلك بادر إشعياء إلى الاعتراف بالحقيقة. اعترف بأنه نجس الشفتين
(أي نجس القلب)، "لأنه من فضلة القلب يتكلم الفم" (متى 34:12). "ويل لي إني هلكت
لأني إنسان نجس الشفتين". ويندب حظه، ويبكي حاضره ومستقبله. خاب الأمل وانقطع
الرجاء، ووصلتُ إلى حالة ميؤوس منها. وهنا تظهر قدرة الله على العلاج وعلى تغيير
الأوضاع. لكن عندما نكتم خطايانا تبقى إمكانات الله مكتومة. فلا نَخَف من
الاعتراف بالخطية بل لنخف من الكتمان والتغطية.
الله لا يطلب الينا أن نُصلح نفوسنا بل أن نُقرّ بعجزنا عن الإصلاح وهو يتكفّل
بالأمر. "فطار إليّ واحد من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح
ومسّ بها فمي وقال إن هذه قد مست شفتيك فانتُزع إثمك وكُفّر عن خطيتك" (إشعياء
6:6و7).
يشير المذبح إلى ذبيحة الصليب، والنار تتّقد على المذبح نهاراً وليلاً، وفيها ما
يكفي لارضاء الله وقداسته. ومن هذا المذبح تؤخذ جمرة تُحرق الخطية وتطهّر الخاطي.
ثم يرى إشعياء السيد جالساً
6- يطلب رجلاً يقف في الثغر أمامه. جلس على كرسي عالٍ وألقى نظرة عامة وفاحصة ثم
عاد إلى المشاورة والمداولة: "من أُرسل ومن يذهب من أجلنا" (إشعياء 8:6). هل وصل
الرب إلى وقت يحار فيه؟ هل ثمّة أزمة رجال، أزمة مبشرين، أزمة خدام، أزمة قديسين،
أزمة أنبياء؟ هل تحتاج كنيسة القرن العشرين إلى أنبياء ينقلون فكر الرب كما هو،
ولو كان بخلاف الواقع؟
كان في تلك الأيام أنبياء كثيرون، لكن الرب كان يطلب اناساً من صنف مميَّز؛
أناساً يعملون من أجله، أناساً مخلِصين أمناء غير نفعيين، أناساً يحبّون الرب لا
أنفسهم، محبةً تحفظ الخادم في المسار الروحي السليم وتَحمِلُه فوق صعوبات الخدمة،
محبةً تحلّى بها سمعان بن يونا فاستحق أن يرعى رعية الله.
يصرخ الرسول بولس بحسرة قائلاً: "ليس لي أحد آخر نظير نفسي يهتمّ بأحوالكم
بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو ليسوع المسيح" (فيلبي 20:2و21).
وما زال الصوت يدوّي: "من أُرسل ومن يذهب من أجلنا"، "من هو كفؤ لهذه
الأمور"(2كورنثوس 16:2)، من امتلأ قلبه بالغيرة والمحبة النقية الصافية؟
أما حان الوقت لكي نسمع هذا النداء؟ أما حان الوقت لكي يأخذ كلّ واحد منا
مسؤوليته الفردية أمام الرب، فنعبد الرب بشكل فردي ونخدم الرب بشكل فردي ونعبّر
عن شخصيتنا بقرار فردي أمام الرب؟
ما لم يجد الله قادة يعملون لأجله فسيزحف الموت الروحي إلى حياة المؤمنين وإلى
الكنائس. فالكنائس لا يمكن أن ترتفع فوق مستوى القادة والمعلمين والمرشدين
والرعاة وأصحاب المواهب فيها.
هل يكون كل واحد منا هذا الشخص ؟
وأخيراً يرى إشعياء السيد جالساً
7- لكي يسمع الصلاة. جلس على العرش لكي يسمع صلوات القديسين، الصلوات المستوفية
الشروط. "إن طلبنا شيئاً حسب مشيئته يسمع لنا" (1يوحنا 14:5). ويرفع إشعياء صلاة
قصيرة: "فقلت هأنذا أرسلني" (إشعياء 8:6). صلاة قصيرة لكنها مستجابة. لم تكن
نتيجة حماسةٍ أو تسرّع. لكن سبقتها مراحل تمهيدية مهمّة . لم يذهب إلى الخدمة
بأمر عام، لكن بناءً على رؤيا خاصّة ودعوة شخصية واضحة. لم يذهب كما هو، لكن بعد
أن مسّت جمرة المذبح قلبه وحياته وشفتيه. لم يذهب من تلقاء نفسه، لكن ذهب مزوّداً
بسلطان إلهي.
إن لم يرسلنا الرب فالفشل ينتظرنا لا محالة. صعد الشعب في أيام يشوع لمحاربة عاي،
المدينة الصغيرة، لكنهم انكسروا أمام أهل عاي. لماذا؟ لأن الرب لم يكن في الوسط.
"إن راعيت إثماً في قلبي لا يستمع لي الرب" (مزمور 18:66).
المأمورية عظيمة، والحقول واسعة، والشعب نجس الشفتين، والبلاد مليئة بالخطية
والخطاة؛ فهل نجرؤ على أن ندخل معترك الخدمة من دون أن نسمع الاستجابة لصلاتنا
ونأخذ الموافقة السماوية؟
والله يسمع صلاة إشعياء، ويرسل إشعياء بسلطان إلهي ويسمع إشعياء صوت السيد
قائلاً: "اذهب" (إشعياء 9:6). هل تدخل صلواتنا إلى أُذن السيد وتنتزع منه
الاستجابة؟
ليساعدنا الرب لكي نرى السيد على حقيقته واذ ذاك نستطيع أن نعرف نفوسنا على
حقيقتها.