كنسيات

الفصل الأول: ما هي كنيسة الله الحي؟

القسم: كنيسة الله الحي.

نقول في بداية حديثنا أن الكلمة المترجمة "كنيسة" في الكتاب المقدس هي في الأصل اليوناني "إكليسيا". وتعني "جماعة مدعوة" أو "جماعة مدعوين". وهذه الكلمة "إكليسيا" وكذلك مدلولها في العبرية لم ترد إطلاقاً ف أسفار العهد القديم، وهذا يرينا على التو أن الكنيسة أو جماعة المدعوين المؤمنين لم توجد حينذاك.

لم تكن الكنيسة قبل يوم الخمسين

ففي العهد القديم كان لله شعب – كانت له أمّة بين الأمم – كان له إسرائيل بين الشعوب. وكان هذا الشعب في علاقة ينظمها عهد مع الله. لكن هذا الشعب لم يكن هو الكنيسة التي لها مع المسيح علاقة أكثر قرباً وأوفر بركة مما كان لإسرائيل. إن الأمة الإسرائيلية وصفت مرة واحدة فقط في العهد القديم بوصف "الكنيسة في البرية" (أع7: 38) حيث كانت تلك الأمة يمكن أن توصف بحق أنها "جماعة مدعوين" من أرض مصر. لكن ما أكبر التباين بين تلك الجماعة في البرية وبين كنيسة العهد الجديد الكنيسة الحقيقية.

وفي العهد القديم نجد ظلالاً ورموزاً للكنيسة. فزوجة يوسف، وزوجة موسى، والخيمة نفسها التي كانت مسكناً لله، كلها كانت رموزاً لها. أما كنيسة الله نفسها فلم توجد في ذلك الوقت.

على أن كنيسة الله كانت دوماً في فكر الله وموضوع مقاصده من قبل تأسيس العالم. كانت هي "السر المكتوم منذ الدهور في الله" (أفسس 3: 9) وكانت سراً مكتوماً في الأزمنة الدهرية ولكن ظهر الآن وأُعلم به جميع الأمم" (رو16: 25 و26).

ونجد كلمة كنيسة "إكليسيا" لأول مرة في العهد الجديد في إنجيل متى ص 16: 18. لما قال الرب لبطرس "أنت بطرس (وكلمة بطرس في اليونانية Petros ومعناها صخيرة أو صخرة صغيرة أو حجر) وعلى هذه الصخرة (في اليونانية Petra ومعناها صخرة) أبني كنيستي".

وهنا نرى الكنيسة أمراً مستقبلاً ولم تكن قد بنيت بعد لأن الرب قال: وعلى هذه الصخرة "سأبني " أي مستقبلاً وليس "بنيت"، والنسخ الأصلية وكذلك أغلب الترجمات والدارسون يتفقون في كونها وردت "سأبني" بخلاف ما يعلّم به البعض.

والإشارة التالية عن الكنيسة نجدها في مت 18: 17 حيث نقرأ تعليم الرب من جهة الخطاء الشخصية والتأديب الكنسي وهذا أيضاً كان تعليماً يقصد به زمان مستقبل لأنه واضح أنه إذا كانت هناك مشكلة أخ أخطأ ضد أخيه في أيام وجود الرب مع تلاميذه فمثل هذه المشكلة كانت تعرض عليه هو.

ولا نجد بخلاف ما تقدم أية فصول كتابية عن الكنيسة حتى نأتي إلى يوم الخمسين في أعمال 2 الذي هو تاريخ ميلاد الكنيسة. ولما كان الرب على الأرض لم يكن يجمع أو يكوّن كنيسة بل هو قدّم نفسه لإسرائيل كالمسيح الملك الحقيقي، وجمع لنفسه من المؤمنين الحقيقيين والتلاميذ، بينما رفضه رؤساء اسرائيل وأمعنوا في رفضه.

هؤلاء المؤمنون الأمناء كانوا أتباعاً للمسيح أفراداً ومنهم تكونت نواة الكنيسة عند تأسيسها في يوم الخمسين. في ذلك اليوم اعتمدوا جميعاً بالروح النازل من السماء إلى جسد واحد للمسيح وصاروا متحدين بمخلصهم الممجد في الأعالي كما هو مكتوب: "لأننا جميعنا بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد يهوداً كنا أم يونانيين عبيداً أم أحراراً وجميعنا سقينا روحاً واحداً" 1 كو 12: 13. هؤلاء المؤمنون لم يبقوا بعد مؤمنين أفراداً بل صاروا جسداً مترابطاً، جسداً للمسيح وأعضاء بعضهم لبعض، مرتبطين معاً بروح الله الذي يسكن الآن فيهم. كانت هذه هي بداية كنيسة الله الحي.

وهذه هي الكنيسة – جسد يجمع المؤمنين الحقيقيين بالمسيح والمعتمدين بروح الله إلى جسد للمسيح والمرتبطين بالرب وببعضهم البعض بنفس الروح. وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل.

ومن هذا يتبين أن ما يعلم به البعض من أن الكنيسة بدأت بيوحنا المعمدان هو تعليم خاطىء تماماً وغير كتابي.

كذلك خطأ ما جرت به الألسن من تسمية المنشآت الدينية وأماكن ممارسة الشعائر الدينية بالكنائس. لأن الكنيسة بحسب الكتاب ليست بناء مادياً. بل هو جسد يجمع جماعة من المؤمنين الذين فيهم حياة الله – وهم حجارة حية، يكونون هيكلاً مقدساً في الرب كما هو مكتوب "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء، مركباً معاً، ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً، مسكناً لله بالروح". وأيضاً "كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية، بيتاً روحياً، كهنوتاً مقدساً، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (أف 2: 19 – 22، 1 بط 2: 5). وهذا الحق سنتكلم عنه بأكثر إفاضة فيما بعد. واجتماع المؤمنين معاً في أي مكان معيّن يشكّل كنيسة حقيقية. والمكان الذي يضمهم معاً ما هو إلا مكان الاجتماع سواء كان منزلاً أو قاعة أو معبداً أو أي مبني مطبوع بطابع ديني خاص.

الآن وقد تكلمنا كثيراً عن ما ليس هو الكنيسة، نريد أن نتقدم لنتكلم عن الوجهة الإيجابية – عن ما يقوله الكتاب عن ماهية الكنيسة.

"المدعوون خارجاً"

إذا نحن عدنا إلى معنى كلمة "إكليسيا" نلاحظ أن كنيسة الله الحي هي جماعة مدعوين – جماعة مدعوّة من العالم – دعاهم الله لنفسه بإنجيل نعمته، وهم قبلوا هذا الإنجيل والمخلّص الذي يقدمه. فهم إذن منفصلون عن العالم، والكتاب يصفهم بالقول "المقدسين في المسيح يسوع" (1كو 1: 2) أي المُفرزين في المسيح.

يتفق مع هذا ما قاله يعقوب في أعمال 15: 14 "سمعان قد أخبر كيف افتقد الله أولاً الأمم ليأخذ منهم شعباً على أسمه". هذا هو عين ما تعنيه كلمة كنيسة – فهي شعب مأخوذ من الأمم لأجل اسمه بواسطة عمل روح الله القدوس. ولو أن الكنيسة تحققت ذلك لما وطًنت نفسها في العالم، ولما صارت عالمية في التفكير، ولظلت كما ينبغي أن تكون حقاً مفترزة عن العالم، محتفظة بصفتها السماوية كجماعة مدعوة للمسيح المرفوض من العالم وهو الآن في المجد.

ونظرة إلى أعمال 2 ترينا المؤمنين جماعة منفصلة انفصالاً حقيقياً. فإن المائة والعشرين نفساً كانوا مجتمعين معاً في العلية، بعيداً عن العالم الذي صلب مخلصهم، مواظبين على الصلاة بنفس واحدة. وحينئذٍ نزل الروح القدس من السماء وملأهم جميعاً وطفقوا يخبرون بألسنة جديدة عن عظائم الله. ووقف بطرس يومئذ يكرز للجموع بيسوع المسيح وينادي لهم أن يتوبوا وأن يعتمد كل واحد منهم على إسم يسوع المسيح ليخلصوا من ذلك الجيل الملوي، بأن يؤمنوا بالمسيح وينفصلوا عن الأمة التي رفضته. والذين قبلوا كلامه اعتمدوا وكانوا نحو ثلاثة آلاف نفس ثم انضموا إلى الجماعة المنفصلة.. وهكذا بدأت كنيسة الله_ الكنيسة المدعوة خارجاً.

تعليم غير صحيح*

غير أننا نسمع اليوم ونقرأ عن جماعة يقولون أن الكنيسة الحقيقية لم تبدأ في يوم الخمسين كما يصوِّر ذلك الإصحاح الثاني من سفر الأعمال بل يعلِّمون بأنها تكونت في ختام سفر الأعمال عند سجن بولس. وعن هؤلاء نريد أن نقول إن العدد السابع والأربعين من الإصحاح الثاني من سفر الأعمال يقول "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة· الذين يخلصون" وهذه عبارة صريحة تدل على أن الكنيسة قد تكونت فعلاً يومئذٍ وأنها كانت "تبني" كلما ضمَّ إليها الرب نفوساً يوماً بعد يوم. هؤلاء المعلمون يقولون إن هذه لم تكن هي "الكنيسة التي هي جسده" التي يتكلم عنها الإصحاح الأول من رسالة أفسس عدد 22، 23. وللرد عل مثل هذا القول نقول إن الرب له كنيسة واحدة فقط وإن الكنيسة التي ذكرت في (أ ع 2) هي جسد المسيح تماماً كالكنيسة التي ذكرت في أفسس 1: 22. ولا توجد كنيسة يهودية وأخرى أممية أو كنيسة من اليهود وأخرى من الأمم.

لقد بدأت الكنيسة في يوم الخمسين بمؤمنين من اليهود ثم انضم إليها مؤمنون من الأمم (أ ع 10)، وصولح الاثنان معاً مع الله في جسد واحد بالصليب، وخلق الاثنان في المسيح إنساناً واحداً جديداً (أف 2: 14 – 16). صحيح إن كل هذا لم يعلن دفعة واحدة، وصحيح أن الحقائق المميزة للكنيسة قد فصَّلت فيما بعد بواسطة بولس الرسول – رسول الكنيسة الخاص – في رسائله التي كتبها إبّان سجنه. لكن هذا ليس معناه أن كنيسة الله الحي لم تبدأ في يوم الخمسين. إن سفر الأعمال هو فترة انتقالية من اليهودية على الحرية المسيحية والكمال المسيحي. ولم يكن ممكناً أن ينقل هؤلاء المؤمنون اليهود دفعة واحدة من اليهودية على كمال التعليم المسيحي عن الكنيسة أُعلنت تدريجياً وفصِّلت تماماً في الوقت المناسب إبان سجن الرسول بولس.

ضمهم الرب

إذا رجعنا إلى سفر الأعمال ص 2: 47 نلاحظ القول "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون"، فالناس لم يضموا أنفسهم إلى الكنيسة كما يفعل أناس في يومنا الحاضر. كان الضم يجريه الرب بنفسه. فالذين يخلصون كان بروحه القدوس يضمهم. "وأما الآخرون فلم يكن أحد منهم يجسر أن يلتصق بهم لكن كان الشعب يعظمهم. وكان مؤمنون ينضمون للرب أكثر" (أ ع 5: 13). هكذا كانت قوة وقداسة الكنيسة الأولى حتى أن الخطاة – غير المخلصين –لم يجسروا أن يضموا أنفسهم غليها. كانوا يشعرون أنهم محرومون من شيء يمتلكه هؤلاء المؤمنون المولودون ثانية، لكن بمجرد أن يخلص أحد منهم فإنه ينضم للرب. لم يكونوا ينضمون لأناس أو لجماعة أو لهيئة. وكانوا يجدون أنفسهم واحداً مع المؤمنين تضمهم جميعاً كنيسة الله.

هذا المبدأ صحيح وينبغي أن يظل صحيحاً في وقتنا الحاضر. أن غير المخلص لا يستطيع أن يضم نفسه إلى كنيسة الله الحقيقية. وقد يستطيع أن يضم نفسه إلى كنيسة من الكنائس، لكن ولا واحد يمكنه أن ينتمي إلى كنيسة الله الحقيقية لا المولود من الله. وينبغي أن يظل هذا المبدأ قائماً حتى لا يجسر شخص غير مخلص على الانضمام إلى الكنيسة المحلية. ولكن بكل أسف فقدت الكنيسة في هذه الأيام قوتها ولم تعد كما كانت من قبل.

كم فح ويتعزى كل مؤمن بالمسيح في هذه الأيام. أيام التشويش والارتباك والارتداد في الكنيسة المعترفة، إذا هو أدرك أنه من يوم إيمانه وتجديده قد ضمه الرب لكنيسة الله الحقيقية – كنيسة الله التي تتكون من مؤمنين مخلّصين فقط. إنه جزء من كنيسة الأبكار المكتوبين في السماوات (عب 12: 23) وله الحق في أن يفرح لأن اسمه قد كتب في السماوات في سفر الحياة ولا يقدر أحد أن يمحوه (لو 10: 20، رؤ 3: 5).

هذه هي الكنيسة الوحيدة التي يمكن للمؤمن أن يرتبط بها كتابياً لأننا لا نقرأ عن سجلات عضوية في الكنيسة ل نقرأ عن مجرد مؤمنين يرتبطون بالرب وينضمون بواسطته إلى الكنيسة. والعضوية الوحيدة التي نعرفها من الكتاب هي العضوية في جسد المسيح.

وعلينا أن نطبق هذه الحقائق على حالتنا في الأيام الحاضرة. فإن كان أحد قد ضمه الرب إلى كنيسته الحقيقية. فلماذا يرتبط بكنيسة أو جماعة أخرى مادام قد ارتبط فعلاً بالكنيسة الحقيقية الوحيدة التي يعترف بها الرب؟

وينبغي على المؤمن أن تقوم الشركة بينهم، الواحد منهم بالآخر ليبدوا الرب وليخدموه معاً. وينبغي عليهم أن يبنوا كل واحد منهم الآخر، وأن يصلي أحدهم مع الآخر باعتبار أنهم ارتبطوا معاً في الرب "أعضاءٌ بعضاً لبعض كل واحد للآخر" (رو 12: 5).

أما الكتاب فلا يحرضنا إطلاقاً على تكوين كنيسة أو طائفة على الانضمام إلى هيئة من صنع الناس، فهي وحدانية (وحدة) مؤمنين من صنع الروح القدس. إنها ليست وحدة أفكار أو تعاليم نسعى إلى الاحتفاظ بها. هي وحدة المؤمنين الحقيقيين التي صانعها الله، وهي التي يجب أن نعترف بها ونحفظ عليها، بل ولا نعترف بغيرها أو نحتفظ بسواها. هذه هي بعض المبادئ العملية التي نبع من حقيقة انضمامنا إلى كنيسة الله الحي بواسطة الرب نفسه.

عن كنيسة الله الحي تُستعرض أمامنا في الكتاب في صور ثلاث (1) في صورة جسد (2) في صورة عروس (3) في صورة بناء.

وقد أشرنا فيما سبق بإيجاز إلى صورتين من هذه الصور الثلاث والآن نريد أن نتوسع قليلاً في الكلام عنها ولنتأمل أولاً الكنيسة كجسد.


* ultra – dispensational error إنها مغالاة البعض وإسرافهم في فهم التدابير فقالوا إن الكنيسة بدأت بعد سجن بولس في ختام سفر الأعمال (الناشر)

· مع أن الكلمة "إلى الكنيسة" غير موجودة في أقدم النسخ، لكن العبارة تشير إلى حقيقة وودها ضمناً، فكان الرب يضم المخلصين إلى هذا الكيان الجديد وهو الكنيسة. كما ذكرت أيضاً في ص 5: 11 (الناشر).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

سلّم فتتعلم

"لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد" (يوحنا 7:13). من علية أورشليم، حيث اجتمع الرب يسوع مع تلاميذه، قبل أن يذهب إلى صليب الجلجثة، بدأت أحداث وأحاديث الرحيل، هناك جلس يسوع مع تلاميذه بجلسة دافئة وفتح قلبه وتحدث معهم وعبّر عن مكنونات حبه، وأشواق روحه، هناك فاضت المشاعر العميقة، وتجلّت العواطف، لتكشف للتلاميذ ولنا من بعدهم أعماق جديدة عن قلب المسيح الرائع، فكان حبه يلهب العواطف ويحرك الإرادة ويغمر الكيان، ويسبق الأزل ويتعدى الأبد وينتصر على كل الشدائد والمعوّقات، فلا يفتر ولا يضعف بل هو الكمال بعينه هو حب لا مثيل له.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة