كنسيات

3- الظروف التي أحاطت بتأسيس العشاء الرباني

القسم: العشاء الرباني.

إذا تأملنا سيرة المسيح له المجد, وجدنا أنه كان يضع الصليب نصب عينيه في كل حين, ولذلك كان يتحدث عنه من وقت إلى آخر لكي يوجه أنظار الناس إليه وإلى قيمته الثمينة (اقرأ مثلاً: يوحنا 3: 16, متى 20: 28). وكان كل يوم يمر به يقرّب إليه آلام الصليب, ومن الناحية الأخرى يقرب إليه اليوم السعيد الذي كان عتيداً أن يقدّم فيه للبشرية الخاطئة بركات الفداء الثمينة. لكن في نبل يسمو فوق كل نبل, لم يحصر نظره في الصليب وما كان سيلاقيه عليه من آلام, بل تطلع إلى البركات التي كان عتيداً أن يقدمها للبشرية من ورائه, ولذلك تقم إلى الصليب بخطوات راسخة ثابتة (لوقا 59: 51 و إشعياء 50: 5-6).

وإن كانت ساعة الصلب ساعة مرعبة مخيفة, إن واجهها إنسان نسي ما عداها وانحصرت أفكاره فيها وحدها, لكن المسيح عندما اجتاز فيها لم ينس شيئاً من الأشياء. ولذلك نراه يأمر تلاميذه في ذلك الوقت, فيما يأمرهم به من أعمال, أن يُعدّوا الفصح. مع أن شخصاً في مكانه لم يكن ليفكر في الفصح إطلاقاً, إذ أنه كان عيداً من الأعياد التي تمارس بالفرح والابتهاج, الأمر الذي لا يتناسب مع حالة نفس بينها وبين الصليب ساعات معدودات. غير أن المسيح غضّ النظر عن هذه الحالة واتكأ مع تلاميذه حول الفصح – والفصح كما ذكرنا كان رمزاً من الرموز البارزة التي تشير إلى موته كفارة عن البشرية الخاطئة (1 كورنثوس 5: 7).

ولذلك لا شك أنه ارتسم أمام السيد في هذه الفرصة خروف الفصح, الذي سفك دمه مرة في أرض مصر رمزاً لفداء الشعب القديم وخلاصه (خروج 12: 7- 14), كما ارتسمت أمامه النيران التي اجتازها هذا الخروف حتى انشوى وأصبح مهيأ للأكل. فتجلى لديه وقتئذٍ بصورة واضحة ظاهرة أن الساعة قد أتت لكي يحقق هذا الرمز, فيقدم نفسه كفارة, لكن ليس بصفة رمزية عن نفر من الناس كما كانت الحال مع خروف الفصح, بل بصفة حقيقية فعلية عن جميع الناس دون استثناء. ويجوز بسبب هذه الكفارة, ليس فقط في آلام جسدية, كالتي يجوز فيها الشهداء, بل وفي آلام نفسية أشد هولاً من هذه الآلام بما لا يقاس, ذلك لأنه رضى أن يكون فادياً لهم إلا إذا تحمل الآلام التي يستحقونها عوضاً عنهم. والآلام التي يستحقونها لا تعادلها في هولها آلام في الوجود, إذ أنها جهنم بعينها[1]. ولا شك أيضاً أن المسيح وهو على هذه الحال كان ينتقل ببصره من تلميذ إلى تلميذ, وعواطفه تتجه نحوهم واحداً واحداً بالحب والحنان, إذ كانوا خاصته الذين أحبهم إلى المنتهى (يوحنا 13: 1) وكان عتيداً أن يبذل نفسه فدية عنهم وعن غيرهم من البشر, حتى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). وإذ فاضت هذه العواطف الكريمة في نفسه, انطلقت إلى لسانه في حديث عذب رقيق, فقال لتلاميذه: "شهوةً اشتهيتُ أن آكل هذا الفصح معكم" (لوقا 22: 15). فلم يكن اشتهاؤه أن يأكل الفصح (لأن الفصح جعل للخطاة أما هو فبار. والبار لا يشتاق إلى كفارة وبالتالي لا يشتاق إلى ذكرى لها), إنما كان اشتهاؤه أن يأكل الفصح مع تلاميذه. فقد كان مزمِعاً أن يفارقهم بالجسد بعد ساعات قليلة, ولم تكنْ هذه الفرصة إلاّ فرصة الوداع التي أراد أن يجلس معهم فيها ولو قليلاً لكي يكشف لهم عن أعماق محبته لهم, ويبلغهم ما هم في حاجة إليه من نصح وإرشاد.

ثم تنازل كعادته ليشارك تلاميذه في شعورهم من جهة العيد فأكل, ولعله لم يأكل في هذه الليلة إلاّ قليلاً, فقد كان طعامه الرئيسي أن يتمم مشيئة الذي أرسله (يوحنا 4: 34), وهوذا الوقت قد حان لإتمامها, لذلك لا شك أنه عندما كان تلاميذه يتغذون بخروف الفصح كانت أفكار المسيح ترسم أمامه جميع التلاميذ الذين سيقبلون إليه من جميع الشعوب إلى نهاية الدهر, وهم مجتمعون من حوله يتغذون بقلوبهم من شخصه, فانتعشت نفسه أمام أهوال الصليب التي كانت تجول في خاطره انتعاشاً عظيماً، لأن رغبته في أن يرى البشرية وقد أُعتقت من الخطية ونتائجها وتمتعت بالحياة الروحية معه إلى الأبد, ولو على أساس موته هو كانت كافية لأن تبعث إلى نفسه بكل سرور وابتهاج. وقد أشار الرسول إلى هذه الحقيقة فقال عن المسيح "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي" (عبرانيين 12: 2).

إن خروف الفصح الذي كان التلاميذ يأكلونه, لم يكن في نظرهم حتى هذه الساعة, إلاّ تذكاراً للإحسان الذي عمله الله للشعب القديم, عندما خلّصهم من سيف الهلاك وأعتقهم من عبودية فرعون (خروج 12: 13- 17). لكن وإن كان هذا الخلاص له عظمته, غير أنه لا يُقاس بالخلاص الذي كان المسيح عتيداً أن يعمله للبشرية بأسرها, لينقذها من الخطية ونتائجها. وإن كان العتق من عبودية فرعون له قيمته, غير أنه لا يقاس بالعتق الذي كان المسيح عتيداً أن يعمله لهذه البشرية, ليحررها من عبودية الشيطان وقسوته. ولذلك بينما كان التلاميذ يأكلون الفصح قدّم لهم المسيح ذكرى أفضل من ذكرى هذا الفصح بدرجة لا حدَّ لها, ذكرى أخرى تذكّرهم بخلاصهم من الخطية ونتائجها, وبصيرورتهم أبراراً أمام الله وأهلاً للوجود معه إلى الآباد (رومية 5: 1).

[1]- فآلام الكفارة لم تكن الآلام التي احتملها المسيح من اليهود عندما صلبوه, كما يظن البعض (لأن هذه الآلام لم تكن سوى آلام الاستشهاد التي كان الشهداء يحتملونها من أجل الحق. ولو كانت آلام المسيح مثلها لكان يفرح بها كما كانوا يفرحون), بل أن آلام الكفارة كانت هي العذاب الذي يستحقه البشر إلى الأبد بسبب خطاياهم, وقد تلقى المسيح هذا العذاب الذي في نفسه – بوصفه ابن الإنسان – نيابة عنهم جميعاً عندما كان معلقاً على الصليب. وهذه الآلام هي التي جعلته يصرخ لله قائلاً "إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى 27: 46). وترْكُ الله للمسيح وقتئذٍ, أو بالحري عدمُ تقديم أية معونة له تخفف من آلامه المذكورة, دليلٌ على أن المسيح احتمل عذاب الخطيئة إلى النهاية, ومن ثم كانت فديته فدية قانونية.

أضف تعليق


قرأت لك

الشعور بالطمأنينة

إن أهم ما يخلقه الإيمان بحقيقة التجسد في الحياة الشخصية هو الشعور بالطمأنينة، فعندما يحس الإنسان أن الله قد جاء إلى أرضنا في صورة بشر وأنه اجتاز آلامنا، وجرب بذات تجاربنا يقترب إليه

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة