كنسيات

5- الغرض من العشاء الرباني

نشر في العشاء الرباني.

مرَّ بنا في الفصل السابق أن المسيح قال لتلاميذه عن العشاء الرباني "اصنعوا هذا لذكري" (لوقا 22: 11). والحق أن هذا غرض واحد من بين أربعة أغراض سجلها الوحي لهذا العشاء. وللفائدة نتحدث عن كل منها فيما يلي:

1- تذكر المسيح: فعندما ننظر إلى المائدة, وتقع أعيننا على الخبز الذي لم نحصل عليها إلا بعد أن انسحق قمحه واجتاز في النار حتى استوى, وعلى الخمر التي لم نحصل عليها إلا بعد أن اجتاز عنبها في المعصرة حتى انعصر, نتذكر (أو يجب أن نتذكر) أن سيدنا في سبيل فدائنا, قد جرح لأجل معاصينا, وسحق لأجل آثامنا (إشعياء 53: 5- 7). وأنه انسكب كالماء, فانفصلت كل عظامه, كما ذاب قلبه كالشمع في وسط أمعائه (مزمور 122: 14), فتتجسم بذلك أمامنا محبته الحارة لنا, وعطفه العظيم علينا, وتضحيته الغالية لأجلنا. ومن ناحية أخرى, تزداد محبتنا له, ورغبتنا في خدمته وإكرامه, كما تزداد كراهيتنا للخطية في كل صورة من صورها.

2- إعلان موت المسيح: فقد قال الرسول للمؤمنين "فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز, وشربتم هذه الكأس, تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كورنثوس 11: 26). وعشاء الرب كما نعلم, هو أوضح إعلان عن أن المسيح مات على الصليب من أجلنا, إذ أن وجود الخبز والخمر منفصلاً أحدهما عن الآخر, إشارة واضحة إلى انفصال دم المسيح عن جسده, أو بالحري إلى موته مصلوباً. ولذلك إن اختفت كل الأدلة الدينية والتاريخية التي تثبت أن المسيح مات على الصليب كفارة عن خطايانا, فإن هذا العشاء وحده يبقى شهادة ناطقة عن هذه الحقيقة الثمينة إلى منتهى الأزمنة والعصور.

3- انتظار مجيء المسيح: إن قول الرسول "إننا كلما أكلنا الخبز وشربنا الكأس, نخبر بموت الرب إلى أن يجيء", الذي ذكرناه في الفقرة السابقة, دليل على أن ممارسة العشاء الرباني لا تدعونا فقط إلى تذكر موت المسيح, بل أيضاً إلى الشخوص بأبصارنا إلى الساعة التي سيجيء فيها إلينا. فهو له المجد لا يريد أن يضع أمامنا موته فحسب, بل ودعوته أيضاً إلينا لكي يأخذنا إليه, ويمتعنا بكل ما هو مذخّر لنا في شخصه المبارك من حب وحنان وغبطة وهناء (يوحنا 14: 3).

وفي وصية الرب للشعب القديم, عن الكيفية التي كان يجب أن تمارس بها فريضة الفصح, ما يشير أيضاً إلى وجوب وجودنا في حالة انتظار لمجيء المسيح, وبصفة خاصة عند ممارسة العشاء الرباني. فإنه كان قد أوصاهم أن يأكلوا خروف الفصح, وأحقاؤهم ممنطقة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم (خروج 12: 10), الأمر الذي يدل على وجوب وجودهم على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى المكان الذي دعاهم إليه وقتئذٍ. وعلى هذا القياس, فإننا عندما نمارس عشاء الرب نشعر (أو يجب أن نشعر) أن الأرض ليست وطننا الدائم, بل إنها مجرد طريق نعبر فيه إلى السماء. وهذا الشعور من شأنه أن يحول أبصارنا عن أهواء العالم, ويجعلنا على استعداد لملاقاة المسيح بقداسة وطهارة, عندما يدعونا إليه أو يجيء هو إلينا.

4- الاعتراف بوحدة المؤمنين الحقيقيين: فقد قال الرسول "نحن الكثيرين خبز واحد, جسد واحد. لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد" (1 كورنثوس 10: 17). ومن هذه الآية يتضح لنا أن الخبز الواحد أو بالحري الرغيف الواحد (كما يتضح من الأصل اليوناني) هو إشارة إلى جسد المسيح, وهو أيضاً إشارة إلى وحدة المؤمنين, وذلك بوصفهم مرتبطين بعضهم ببعض كأعضاء في جسد واحد، وبالمسيح وحده كالرأس والرئيس لهم جميعاً (أفسس 4: 2- 3, كولوسي 1: 18). إذاً فعند ممارسة عشاء الرب يغيب عن أذهاننا (أو يجب أن يغيب عنها) كل تفاوت بين بعضنا والبعض الآخر. فلا نعتبر واحداً عظيماً وآخر حقيراً, أو واحداً غنياً وآخر فقيراً. كما يجب أن تزول كل الخصومات على اختلاف أسبابها وأنواعها, ونكون كما نحن أمام الله, جسد المسيح الواحد المنسجمة أعضاؤه بعضها مع البعض الآخر كل الانسجام, تسودنا جميعاً روح الوداعة والتواضع, وتشملنا جميعاً روح المحبة والإخاء, لأننا جميعاً عبيد الله وأسرى نعمته, ولا فضل لأحدنا على الآخر أمام صليبه أو ذكرى صليبه.

كما يجب أن نغض الطرف عن أنفسنا ككنائس أو طوائف, وأن ننظر إلى المؤمنين الحقيقيين في كل العالم كجسد واحد رأسه المسيح, لأننا جميعاً بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد (1 كورنثوس 12: 13), وإلا فإن العشاء الذي نمارسه لا يكون بعد عشاء الرب بل عشاءنا نحن, وبئس النتيجة. لأننا نكون أرثوذكس وكاثوليك وإنجيليين, ولكن لا نكون مسيحيين لهم فكر المسيح, إذ أن المسيح كما نعلم, يريد أن نكون واحداً, فقد قال "ليكون الجميع واحداً" (يوحنا 17: 21)[4].

[4]وقد عرف هذه الحقيقة كل المعرفة القديسون الذين عاشوا في القرون الأولى, ولذلك قالوا في قانون الإيمان "نؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية" – ورسولية أي مبنية على أساس الرسل أو بالحري على وحي الله الذي أتوا به (أفسس 2: 20). وبالرجوع إلى الكتاب المقدس يتضح لنا أن هذه الكنيسة ليست ما يسمى لدينا الكنيسة الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو الإنجيلية, بل إنها المؤمنون الحقيقيون في كل العالم. فقد قال الوحي عن الكنيسة إنها "جسد المسيح" (أفسس 1: 23) وعن جسد المسيح أنه "المؤمنون الحقيقيون" (أفسس 5: 20). وهؤلاء المؤمنون قد يختلف بعضهم عن البعض الآخر في بعض العقائد الثانوية (أي التي لا تتعلق بلاهوت المسيح وتجسده وكفاية كفارته) لاختلاف مداركهم أو دراساتهم, ولكن مع ذلك فإنهم واحد, لأنهم مقترنون بالمسيح الواحد – هذه هي الكنيسة التي أعلن الوحي أن المسيح بناها على نفسه بوصفه صخر الدهور (أشعيا 26: 4, 1كورنثوس 10: 4, أفسس 2: 20), وأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (متى 16: 15).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الباب مفتوح!

زار بعض السياح قلعة فأعطاهم الحارس المفتاح وقال لهم :" افتحوا باب المدخل الرئيسي وسألحق بكم". حاولوا أن يفتحوا الباب بالمفتاح، لكنهم لم يستطيعوا ان يديروه. اعادوا الكرة المرة بعد الاخرى دون جدوى. جاء الحارس وأدار الباب فانفتح وقال لهم: " معذرة، ان الباب لم يكن مغلقاً!". أليس هذا هو الحال مع الكثيرين الذين يحاولون فتح باب الخلاص، والرب قد فتح باب النعمة لخلاصهم بواسطة ابنه المحبوب.