كنسيات

5- الغرض من العشاء الرباني

نشر في العشاء الرباني.

مرَّ بنا في الفصل السابق أن المسيح قال لتلاميذه عن العشاء الرباني "اصنعوا هذا لذكري" (لوقا 22: 11). والحق أن هذا غرض واحد من بين أربعة أغراض سجلها الوحي لهذا العشاء. وللفائدة نتحدث عن كل منها فيما يلي:

1- تذكر المسيح: فعندما ننظر إلى المائدة, وتقع أعيننا على الخبز الذي لم نحصل عليها إلا بعد أن انسحق قمحه واجتاز في النار حتى استوى, وعلى الخمر التي لم نحصل عليها إلا بعد أن اجتاز عنبها في المعصرة حتى انعصر, نتذكر (أو يجب أن نتذكر) أن سيدنا في سبيل فدائنا, قد جرح لأجل معاصينا, وسحق لأجل آثامنا (إشعياء 53: 5- 7). وأنه انسكب كالماء, فانفصلت كل عظامه, كما ذاب قلبه كالشمع في وسط أمعائه (مزمور 122: 14), فتتجسم بذلك أمامنا محبته الحارة لنا, وعطفه العظيم علينا, وتضحيته الغالية لأجلنا. ومن ناحية أخرى, تزداد محبتنا له, ورغبتنا في خدمته وإكرامه, كما تزداد كراهيتنا للخطية في كل صورة من صورها.

2- إعلان موت المسيح: فقد قال الرسول للمؤمنين "فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز, وشربتم هذه الكأس, تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كورنثوس 11: 26). وعشاء الرب كما نعلم, هو أوضح إعلان عن أن المسيح مات على الصليب من أجلنا, إذ أن وجود الخبز والخمر منفصلاً أحدهما عن الآخر, إشارة واضحة إلى انفصال دم المسيح عن جسده, أو بالحري إلى موته مصلوباً. ولذلك إن اختفت كل الأدلة الدينية والتاريخية التي تثبت أن المسيح مات على الصليب كفارة عن خطايانا, فإن هذا العشاء وحده يبقى شهادة ناطقة عن هذه الحقيقة الثمينة إلى منتهى الأزمنة والعصور.

3- انتظار مجيء المسيح: إن قول الرسول "إننا كلما أكلنا الخبز وشربنا الكأس, نخبر بموت الرب إلى أن يجيء", الذي ذكرناه في الفقرة السابقة, دليل على أن ممارسة العشاء الرباني لا تدعونا فقط إلى تذكر موت المسيح, بل أيضاً إلى الشخوص بأبصارنا إلى الساعة التي سيجيء فيها إلينا. فهو له المجد لا يريد أن يضع أمامنا موته فحسب, بل ودعوته أيضاً إلينا لكي يأخذنا إليه, ويمتعنا بكل ما هو مذخّر لنا في شخصه المبارك من حب وحنان وغبطة وهناء (يوحنا 14: 3).

وفي وصية الرب للشعب القديم, عن الكيفية التي كان يجب أن تمارس بها فريضة الفصح, ما يشير أيضاً إلى وجوب وجودنا في حالة انتظار لمجيء المسيح, وبصفة خاصة عند ممارسة العشاء الرباني. فإنه كان قد أوصاهم أن يأكلوا خروف الفصح, وأحقاؤهم ممنطقة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم (خروج 12: 10), الأمر الذي يدل على وجوب وجودهم على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى المكان الذي دعاهم إليه وقتئذٍ. وعلى هذا القياس, فإننا عندما نمارس عشاء الرب نشعر (أو يجب أن نشعر) أن الأرض ليست وطننا الدائم, بل إنها مجرد طريق نعبر فيه إلى السماء. وهذا الشعور من شأنه أن يحول أبصارنا عن أهواء العالم, ويجعلنا على استعداد لملاقاة المسيح بقداسة وطهارة, عندما يدعونا إليه أو يجيء هو إلينا.

4- الاعتراف بوحدة المؤمنين الحقيقيين: فقد قال الرسول "نحن الكثيرين خبز واحد, جسد واحد. لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد" (1 كورنثوس 10: 17). ومن هذه الآية يتضح لنا أن الخبز الواحد أو بالحري الرغيف الواحد (كما يتضح من الأصل اليوناني) هو إشارة إلى جسد المسيح, وهو أيضاً إشارة إلى وحدة المؤمنين, وذلك بوصفهم مرتبطين بعضهم ببعض كأعضاء في جسد واحد، وبالمسيح وحده كالرأس والرئيس لهم جميعاً (أفسس 4: 2- 3, كولوسي 1: 18). إذاً فعند ممارسة عشاء الرب يغيب عن أذهاننا (أو يجب أن يغيب عنها) كل تفاوت بين بعضنا والبعض الآخر. فلا نعتبر واحداً عظيماً وآخر حقيراً, أو واحداً غنياً وآخر فقيراً. كما يجب أن تزول كل الخصومات على اختلاف أسبابها وأنواعها, ونكون كما نحن أمام الله, جسد المسيح الواحد المنسجمة أعضاؤه بعضها مع البعض الآخر كل الانسجام, تسودنا جميعاً روح الوداعة والتواضع, وتشملنا جميعاً روح المحبة والإخاء, لأننا جميعاً عبيد الله وأسرى نعمته, ولا فضل لأحدنا على الآخر أمام صليبه أو ذكرى صليبه.

كما يجب أن نغض الطرف عن أنفسنا ككنائس أو طوائف, وأن ننظر إلى المؤمنين الحقيقيين في كل العالم كجسد واحد رأسه المسيح, لأننا جميعاً بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد (1 كورنثوس 12: 13), وإلا فإن العشاء الذي نمارسه لا يكون بعد عشاء الرب بل عشاءنا نحن, وبئس النتيجة. لأننا نكون أرثوذكس وكاثوليك وإنجيليين, ولكن لا نكون مسيحيين لهم فكر المسيح, إذ أن المسيح كما نعلم, يريد أن نكون واحداً, فقد قال "ليكون الجميع واحداً" (يوحنا 17: 21)[4].

[4]وقد عرف هذه الحقيقة كل المعرفة القديسون الذين عاشوا في القرون الأولى, ولذلك قالوا في قانون الإيمان "نؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية" – ورسولية أي مبنية على أساس الرسل أو بالحري على وحي الله الذي أتوا به (أفسس 2: 20). وبالرجوع إلى الكتاب المقدس يتضح لنا أن هذه الكنيسة ليست ما يسمى لدينا الكنيسة الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو الإنجيلية, بل إنها المؤمنون الحقيقيون في كل العالم. فقد قال الوحي عن الكنيسة إنها "جسد المسيح" (أفسس 1: 23) وعن جسد المسيح أنه "المؤمنون الحقيقيون" (أفسس 5: 20). وهؤلاء المؤمنون قد يختلف بعضهم عن البعض الآخر في بعض العقائد الثانوية (أي التي لا تتعلق بلاهوت المسيح وتجسده وكفاية كفارته) لاختلاف مداركهم أو دراساتهم, ولكن مع ذلك فإنهم واحد, لأنهم مقترنون بالمسيح الواحد – هذه هي الكنيسة التي أعلن الوحي أن المسيح بناها على نفسه بوصفه صخر الدهور (أشعيا 26: 4, 1كورنثوس 10: 4, أفسس 2: 20), وأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (متى 16: 15).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الفصل الثالث: شهود ضد المسيح

عرّف المسيح نفسه وعرّفه الوحي كما وعرّفه أيضاً المسيحيّون بأنّه الله الذي ظهر في الجسد. وقد تمسّكت الكنيسة في كلّ جيل وقرن بهذا الحقّ وتعبّدت للمسيح فاديها معلنة ذلك في خلاصات عقيدتها وقوانين إيمانها وترانيمها وكتاباتها. لكنّ شهود يهوه يخالفوننا الرأي ويعتقدون بعدم استحقاق المسيح لهذه العبادة، لهذا جرّدوه في أذهانهم من كل صفاته الجوهرية وأمجاده السماوية حتى باتوا لا يرون فيه إلاّ مجرد "عميل يهوه وشاهده المثالي الأعلى".

ولا غرابة البتة في إنكارهم للاهوت المسيح وفي الأفكار الخاطئة التي استنتجتها عقولهم عنه. فهذه نتائج بديهية تظهر في كل الذين يتأملون في شخصه بقلب غير متجدّد وعينين غير مستنيرتين بعمل الروح القدس، لأن "ليس أحد يقدر أن يقول: يسوع ربّ، إلاّ بالروح القدس" (1كورنثوس 12: 3). وكل مسيحي مستنير يتأمل في تعاليمهم يلمس فيها روح ضد المسيح، الذي يسّر بكلّ ما يحطّ من مجد ابن الله، ويجد لذّة خاصّة بتحقيره في أعين الناس. وفي ما يلي بعض تهكّماتهم والردّ عليها:


كيف صار الخالق مخلوقا؟

يعّلمون بأنّ المسيح خالق مخلوق، ويوافقون أباهم آريوس * في اعتراضه على أزليّة المسيح ويؤيّدون قوله: "إنّ المسيح خلق من العدم"، مع تمييزه عن باقي مخلوقات الله بوصفه: "خليقة الله الأولى، ولذلك يُدعى ابن الله البكر. (كولوسي 1: 15؛ رؤيا 3: 14) ويسوع هو الابن الوحيد الذي خلقه الله بنفسه. وقبل أن يصير يسوع بشرا استخدمه يهوه كصانع مبدع في خلق كل الأشياء الأخرى في السماء وعلى الأرض (امثال 8: 22-31 ). وبانسجام مع دوره كصانع تقول كولوسي 1 :16 عن يسوع أنه "به خلق الله كل شيء". [40]

الرد في معنى "بكر كل خليقة":

أ - إنّ جعل الخالق مخلوقاً ومن ثم وصفه بخالق كل الأشياء الأخرى هو قمة البدعة. ونتساءل، كيف توصلوا إلى هكذا استنتاج وليس في كلمة الله ما يدل بصريح العبارة أن يسوع مخلوق؟! هل افتقر سليمان وبولس ويوحنا إلى كلمات مناسبة تُعبّر عن مسيحاً مخلوقاً لو أنهم أرادوا إعلانه؟

ب - إنّ البكورية لاتشير إلى أول الخلائق، بل إلى أول المولودين، وإلى الأسبقية والأولية في المقام، وليس في الخلق، كما

----------------------------------

*كبير الهراطقة الذي ظهروا على مسرح المسيحية في القرن الثالث. أنكر أزلية المسيح وقال بعدم مساواته للآب. تعتبر حركة شهود يهوه اليوم امتداد الآريوسية.

يتضح من السياق "ليكون هو المتقدم في كل شيء". ويتأكد هذا المفهوم حول البكورية من موضع آخر من كلمة الله حيث جاء القول: "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه"( يعقوب 1: 18). وغني عن الشرح، أنّ المؤمنين بالمسيح هم باكورة بالولادة الثانية والخليقة الروحية، وليس بالترتيب الزمني للخلق.

ت - واقتران البكورية بكلمة "كل" يزيد معناها قوة، وتجعل المسيح قطعا وبلا استثناء مصدر كل الأشياء، وبذلك ينتفي انتمائه للخليقة. وعند مراجعة السياق الذي جاءت فيه عبارة "بكر كل خليقة"، نلحظ أن العبارة يسبقها إعلان واضح بمعادلة المسيح لله بوصفه "صورة الله"، "الذي، وهو بهاءمجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته"(العبرانيين 1: 3). فهل يعقل أن يكون "حامل كل الأشياء" ضمن الأشياء المحمولة؟

ج - جاءت كلمة "كل" 7 مرات في النص، لتؤكد أن لا شيء أتى إلى الوجود إلا من خلال الابن، ومنها القول: "فيه خلق الكل ... سواء كان عروشا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين"، وعليه نسأل: فكيف يكون المسيح هو أول الخلائق ولا خليقة أتت إلى الوجود إلا به؟ ألعله خلق نفسه؟

د - ويفهمون من كلمة "به"، في الآية "الكل به وله قد خُلق" (كولوسي 1: 16)، أن المسيح كان أداة للخلق، لكن في هذا أيضاً تجنبوا الصواب، لأنّ الكلمة استخدمت في الحديث عن الله نفسه، الذي: "به وله كل الأَشياء" (رومية11: 36). فليقارن المعترضون ويقولوا لنا أين الفرق بين التعبيرين؟

الرد في معنى "بداءة خليقة الله":

لم يدع المسيح هكذا لأنه أوّل خلائق الله، بل:

أ- لأنه رأس الخليقة وأصلها وعلّتها وسبب وجودها. فالكلمة "بدء" archē هي الكلمة التي استخدمها فلاسفة اليونان للتعبير عن الأزل، والبدء المطلق. وفي الأصل اليوناني تحمل معانٍ عدة هي: "البدء"، "الأول"، "الأساس"، "القاعدة"، "الزاوية"، "القوة"، "الرياسة"، "السلطان".* تنقلها الترجمة العربية المشتركة إلى "رأْسُ خَليقَةِ اللهِ" وترجمة الحياة إلى "رَئِيسُ خَلِيقَةِ اللهِ"، وقد ترجمت في مواضع أخرى إلى "رياسة"، (أفسس 1 : 21 ، كولوسي 2 : 10، 1 كورنثوس 15: 24).وعليه يكون المعنى الحقيقي، أن المسيح هو السابق الأزلي لكل الكون ورئيس الخليقة والمتسلط عليها.

ب- لأنه بداءة خليقة الله الروحية، أي جماعة المؤمنين الذين اختبروا الميلاد الروحي وتجديد الروح القدس، "إن كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2 كورنثوس 5 : 17)، وقيل عنه "البداءة، بكر من الأموات" (كولوسي1: 18). هنا البداءة

------------------------------

*قاموس سترنج G746Strong

والبكورية مقترنتان بشكل وثيق بقيامة المسيح. فعلاقة المسيح بالخليقة هي علاقة مزدوجة، من حيث جوهر اللاهوت "الكل به وله قد خلق"، أما من حيث الناسوت فهو البكر المولود، الذي قام من الأموات "وصار باكورة الراقدين" ( 1 كورنثوس 15 : 20).

ت - بالعودة إلى القرينة في سفر الرؤيا حيث وردت عبارة "بداءة خليقة الله"، نجد أنّ المسيح في الإصحاحات 1 و 2 و 22 يوصف بـ "الأول والآخر"، والأول تشير قطعا إلى الأزلية المطلقة وما قبل زمن الخليقة، فإن قلنا أن الأولية والبداية يشيران إلى الخلق فإننا بذلك ننفي عن الله أزليته، إذ ما قيل عن المسيح قيل أيضا عن الآب (إشعياء 44 : 6)، فكيف يكون الآب أزلي والمسيح لا؟

الرد في معنى "قناني" و "كنت عنده صانعا":

أ - هذه الكلمات من سفر الأمثال كانت وما تزال، منذ أن بدأ البحث والجدل حولها زمن آريوس في القرن الرابع إلى اليوم، من أكثر ما تمت مناقشته من الكتاب المقدس. استندوا عليها لتأكيد أنّ المسيح مخلوق، وفي هذا أيضاً يضلّون، لأنّ التسليم بخلق المسيح - الحكمة يحمل اعترافاً ضمنياً مفاده، أن الله كان قبلا من غير حكمة، إلاّ أنّه خلقها لنفسه في وقت من الأوقات، وهذا فكر يتعارض مع كمال الله. فالله وحكمته متلازمان، وحكمة الله هي في المسيح "فبالمسيح قوة الله وحكمة الله" (1كونثوس 1: 24)، فكيف يخلق الله حكمته، وبأي حكمة يخلق لنفسه حكمة؟ بناء على ذلك أبعد المسيحيّون وقاوموا بشدّة كل فكرة تقول بخلق الحكمة.

ب - يفهم المسيحيون أنّ الكلمة " قناني" تعني "ملكني" وليس "خلقني"، رغم أن الكلمة في الأصل العبريتتضمن معان عدة هي: "ينشىء"، "يخلق"، "يدبر"، "يُحدث"، "يمتلك"، "يقتني". * لكن سياق النص لا يسمح إلا بمعنى الاقتناء، وذلك لأنّ صفات المسيح في النص لا يتصف بها إلا الله وحده، فهو الحكمة وصاحب المشورة والرأي والفهم والقدرة والغنى والكرامة، ولم يأتي شيء إلى الوجود بدونه. فالابن هو واحد مع الآب في الأزليّة، وهو "بهاء مجده ورسمجوهره"، ولا مجد إلاّ ويلازمه بهاؤه منذ وجوده، كما ولا جوهر حقيقي إلاّ ويلازمه رسمه منذ وجوده.

ت - أما التعبير "كنت عنده صانعاً" فلا يراد به "عاملاً" أو "أجيراً"، وإنّما "خالقاً" و "مصمماً" و"مبدعاً"، لأن الصنع في كلمة الله يفيد الخلق، كما في القول: "الغني والفقير يتلاقيان. صانعهما كليهما الرب" (أمثال22: 2).

الرد في معنى "ابن الله":

عبارة "ابن الله" لا تعني أنّ المسيح خلق قبل غيره من خلائق، وإنما تعلن مساواة الابن للآب في كل شيء، في الطبيعة، في

--------------------------------

*قاموس سترنج Strong H7069

المجد، في القدرة والسلطان، "فمن أجل هذا كانَ اليهود يَطلبونَ أَكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضا إنّ الله أبوه معادلاً نفسه بالله" (يوحنا 15 : 18).

وقولهم "ابن الله تعني أول الخلائق" يشير إلى أن الخلائق الأخرى هي أبناء الله بالمعنى ذاته، وهذا ما تنفيه عبارة "الابن الوحيد". فتعلن أن بنوة المسيح لله هي بنوة فريدة لا يشاركه فيها أحد، كما ولا علاقة لها بالخلق. يقول جوش مكدويل: "صحيح أن البشر يدعون أبناء الله، كما أن الملائكة يدعون كذلك، لكن المسيح يستخدم هذا اللقب عن نفسه بمعنى مختلف، فهو الوحيد، المولود من الله، المساوي لله، الأزلي كالله". ويقتبس مكدويل قولاً لعالم اللغة الآرامية دالمان، مفاده، أن "يسوع أعلن بعيداً عن أي لبس أنه ليس أبنا من أبناء الله بل أنه هو "الابن الوحيد".*

اعتراض: "مسحه الله بالمعمودية معترفاً به ابناً بالقول: "أنت ابني أنا اليوم ولدتك"؛ وبهذه الطريقة ولد يسوع أيضاً بواسطة روح الله بعد ولادته من مريم ليصير ابن الله بالروح".[41]

الرد: تذكرنا أقولهم بعقيدة التبني Adoptionis، التي ابتدعها ثيودوتس ونادى بها بولس الساموساتي في القرن الثالث*. والقول أشبه بالطلاسم منه إلى التعليم، وإننا نسأل: من كان المسيح قبل أن يصير ابن الله بالروح وما نوع العلاقة التي ربطته بالله؟

لا شك أنّ بنويّة المسيح لله هي بنويّة أزليّة، وخير دليل عليها أزلية الآب، لأنّه لا توجد أبوّة إلاّ ومعها بنوّة ولا توجد بنوّة من غير أبوّة. والابن يؤكد فيقول: "منذ وجوده أنا هناك" (أشعياء 48: 16). فإن لم يكن بداية لأيام الله، والمسيح كان أبداً معه، فهما إذاً واحد في الأزليّة. من يقول بغير هذا ينفي عن الله صفة الأبوية وأزلية صفاته، ويقر بوجود زمان لم يكن فيه آب إلى أن خلق لنفسه ابناً. بناءاً عليه يكون المعنى الصحيح لقول الله "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، أنّ الله أعلن ابنه للعالم وليس تبنّاه أو ولده بروحه يوم العماد. ثم إنّه لأمر لا مبرّر له أن يتخلّى المسيح عن بنويته في التجسّد ثم يستعيدها في المعمودية. إضافة إلى ذلك أكّد على بنويّته لله في طفولته قبل المعمودية (لوقا 2: 49). فليس من شك بأنّ المعمودية أتت بعد ذلك ليس لتجعله ابناً لله بل لتشهد له ببنويتّه الأزليّة. وما يؤكد هذا الحق قول الله "أنت ابني" ثم "أنا ولدتك" جاعلاً البنويّة قبل الولادة عكس ما هو معتاد.

قالوا: "يدعو الكتاب المقدس يسوع "الابن المولود الوحيد" لله (يوحنا 1: 14 ... لكن كيف يمكن للشخص أن يكون ابنا وفي الوقت نفسه أن يكون قديما قدم أبيه؟... ويقول القاموس اللاهوتي للعهد الجديد، حرره غيرهارد كيتل: "[ مونوجينيس]" تعني "بتحدر وحيد" أي دون إخوة أو أخوات " ويعلن هذا الكتاب... أنها علاقة المولود الوحيد بالآب". وبعد اقتباسهم لكلام غيرهارد كيتل يتوصلون إلى الاستنتاج، "وهكذا فان يسوع، الابن المولود الوحيد كانت له بداية. والله الكلي القدرة يمكن بالصواب أن يدعى والده، أو أباه، بنفس معنى ابنا ارضيا، كإبراهيم، يلد ابنا... فالله هو الأكبر. ويسوع هو الأصغر في الزمان، المركز، القدرة، المعرفة".[42]

--------------------------------

*جوش مكدويل ، برهان يتطلب قرار، ص 125

*تاريخ الكنيسة، جون لوريمر ج 2 ص 46

الرد:

أ – نقلت ترجمة "العالم الجديد" يوحنا 1: 14 إلى "كما لمولودٍ وحيدٍ من أبٍ" وهي ترجمة خاطئة راعت النسخة الإنكليزية وأهملت الأصل اليوناني للنص والذي لفظه monogenous para patros. والحقيقة أن mono-genēs هي عبارة مركبة من mono"واحد" وgenēs "نوع" أو "جنس"، فيكون المعنى الكامل لها "نوع واحد" أو "وحيد من جنسه"، ولا علاقة للعبارة بالولادة. فيسوع الابن هو الوحيد من نوعه ولا يشاركه أحد في علاقته مع الله الآب. والسياق يؤكد هذه الحقيقة بلا نزاع. أما كلمة patros فرغم أنها جائت في النص نكرة لا ينبغي أن تترجم "أب"، وإنما تترجم "الآب"، كما يدل عليها السياق، الذي فيه الحديث عن الآب السماوي وليس غيره، وأن غياب أداة التعريف في الأصل اليوناني لا يستلزم دوماً التنكير. *

بالرجوع إلى الترجمات العربية نرى توافقاً في المعنى مع النص اليوناني. فنقلتترجمة فندايك: "كما لوحيدٍ منَ الآبِ"، ونقلت المشتركة: "منالآبِ، كاَبنٍ له أوحدَ"، والكاثوليكية: "مِن لدُنِ الآبِ لابنٍ وحيد"، والبولسية: "من الآبِ لابْنهِ الوحيدِ"، والحياة: "ابنٍ وحيدٍ عندَ الآبِ". لقد غابت في مجمل الترجمات كلمة "مولود" و "أب" نكرة، لأن الأصل لا ينصّ عليها. لكن ترجمة "العالم الجديد" عوّجت المعاني بغرض مساوة بنوة المسيح بأية بنوة، كما يتضح من قولهم أعلاه.

ب -أما في منطق الحجة فنقول، بأن المنطق البشري وإن كان وسيلة إلى فهم اللاهوت، إلاّ أن اللاهوت لا يخضع له. ولو كنا نعتقد بخلق المسيح أو بولادة تناسلية لنفينا أمكانية أن يكون الابن بقدم أبيه، لكن مادمنا لا نعتقد بهذه أو تلك يصبح التعامل بهذا المنطق غير صالح.

ت – لقد ابتتروا كلام كيتل من سياقه للتعتيم والتضليل.* وبالعودة إلى المرجع نرى أن كيتل بعد إعطاءه المعنى الحرفي لعبارة monogenes ، يوضح أنها ضمن السياق، تشير بالدرجة الأولى إلى التفرد في العلاقة مع الوالدين، ويضيف إلى هذا المعنى معان أخرى فيقول:"أيضا يمكن استخدام الكلمة بشكل أعم من دون الإشارة إلى اشتقاق في المعنى "فريد من نوعه"، "لا نظير له".* ومهما أعطى كيتل للكلمة monogenēs من معانٍ، فهو لم يشر في حال من الأحوال إلى نقطة بداية للمسيح، وليس في كلامه ما يدل على ذلك، بل في مجمل قاموسه تصريح واضح بسموا بنوة المسيح عن أية بنوة أخرى.

--------------------------------

*راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب "الحكم السديد على ترجمة العالم الجديد"، فصل "المسيح في فكر الشهود".

* في منشورهم "هل يجب أن تؤمنوا بالثالوث؟" يقتبسون كم هائل من أقول العلماء واللاهوتيين مع عدم الإشارة إلى المصدر الأصلي بالاسم والصفحة، فيستلزم على من يريد التحقق من صحة المصادر أن يبحث أولا عن أسمائها الحقيقية باللغة التي وضعت فيها ومن ثم قراءة الكتب والقواميس كاملة، وإن حالفه الحظ ووجد الاقتباس المشار إليه سيتحقق غالبا، بأن العبارة المقتبسة بترت عن السياق واستعرضت بطريقة مشوهة، ومثالا على ذلك كلام غيرهارد كيتل.

*Gerhard Kittel, Theological Dictionary of the New Testament, Vol. 3, p. 108: "This gives us the sense of only-begotten. The ref. is to the only child of one's parents, primarily in relation to them. Mono-genes is stronger than [Greek], for it denotes that they have never had more than this child. But the word can also be used more generally without ref. to derivation in the sense of "unique," "unparalleled".


هل يسوع مجرد إله؟

تقول الآية الأولى من إنجيل يوحنا: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله"، نقلوا الشطر الأخير منها في ترجمة العالم الجديد إلى "إلهاً كان الكلمة"،وقالوا: "المسيح خلق كإله غير أنّه ليس الله يهوه." [43]ويمعنون في هرطقتهم إلى أبعد من ذلك فيعادلون لاهوت المسيح بألوهية الشيطان، بقولهم: "ولكن ألا يدعى يسوع إلهاً في الكتاب المقدس؟ قد يسأل المرء، وهذا صحيح. ولكنّ الشيطان أيضاً يدعى إلهاً". [44]

الردّ:

لا يجوز أن يكون المسيح مجرّد إله مخلوق وغير الله يهوه للأسباب التالية:

أولاً: وردت كلمة theos ، أي "الله" في الأصل اليوناني للآية نكرة لا تتقدمها أداة تعريف، وهذه صيغة يكثر استخدامها في الأسفار اليونانية، وتتكرر خمسة مرات في ذات الأصحاح. لكن لا السياق ولا قواعد اللغة اليونانية يلزمان بالترجمة إلى "إله"، هذا لأن يوحنا في مجمل الأصحاح يستعمل "ثيوس" النكرة للدلالة على الكيان الإلهي لا على إله نسبي أو مجهول الهوية، لذا انبغى أن تكون الترجمة "وكان الكلمة الله". *

ثانياً: لا يفوتهم أنّ المسيح هو كلمة الله، والكلمة Logosتعرف عند أهلها بفكر الله وعقله الناطق، ولا يعقل أن عقل الله، الذي يعبر به عن ذاته ومكنوناته وأسراره، مخلوق.

ثالثاً: لا يعقل أن يخلق الله إلهاً آخر لكي يساعده في الخلق، لأنّ الله كامل بذاته ومستغنٍ بها عن كل شيء في الوجود. ولا نستطيع أن نسلم بأن الله خلق إلهاً وسيطاً ليقوم بتكوين العالم لأنه أمر يتعارض مع قدرته الذاتية ولا لزوم له قط ما دام الله قادراً بنفسه على الخلق. فضلاً عن ذلك لو أن كائناً آخر غيره قام بالخلق لكانت له السلطة المطلقة على مخلوقاته؛ عليه لا يجوز الاعتقاد بوجود أكثر من إله، فهو وحده خالقنا وكل الأشياء هي منه وبه وله (رومية11: 36).

رابعاً: كون المسيح إله غير الله يتناقض مع قوله "أنا هو وليس إله معي" (تثنية 32: 39)؛ و "إني أنا هو. قبلي لم يصور إله وبعدي لا يكون" (أشعياء 43: 10).

خامساً: يوجد إله واحد بار ومخلِّص، وهو الذي قال: "أنا أنا الرب وليس غيري مخلّص... أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري. إله بار ومخلّص ليس سواي"(اشعياء 43: 11؛ 45: 21). فمن هو إذاً المسيح البار الذي خلّصنا؟ فإن كانوا لا يريدون التسليم بأن المسيح هو الله، فلا مهرب من تبني أحد الجوابين التاليين، إذ لا وجود لثالث: فإما أن الله يكذب في قوله، وإنه يوجد إله آخر بار ومخلّص غيره هو المسيح، أو أن المسيح إله، لكنه إله غير بار وغير مخلّص. وفي كلتا الحالتين يتجنبون الحق.

------------------------------

*راجع الترجمة الصحيحة في الجزء الثاني "الحكم السديد على ترجمة العالم الجديد"، فصل 2

سادساً: إن الله فريد بصفاته وألقابه وأمجاده، وقد قال: "أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر" (أشعياء 42: 8). ونسألهم: إن كان الله لا يعطي مجده لآخر، من أين أتى المسيح بالأمجاد الإلهية؟ وكيف استطاع أن يقول، إن كل ما للآب هو له، ومهما يعمل الآب يعمله الابن أيضاً (يوحنا 16: 15 ؛ 5: 19) ؟ بل كيف تهدي الخليقة كلها لله "الجالس على العرش وللخروف (المسيح) البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين" (رؤيا 5: 13)؟ لا شك أبداً أنّ المسيح الذي قاسم الله أمجاده هو واحد معه في الجوهر والأزليّة.

نظراً لما سلف تسقط دعواهم الباطلة عن "يسوع الإله المخلوق" لأنها لا تقوم على أساس كتابي، بل هي من إعلانات روح ضد المسيح.


نظرية "يسوع رئيس الملائكة"

قالوا: "هنالك صلة بين يسوع ومركز رئيس الملائكة. تذكر ١ تسالونيكي ٤‏:١٦ ... «الرب نفسه سينزل من السماء بنداء آمر، بصوت رئيس ملائكة»... تصف صوت يسوع بأنه صوت رئيس ملائكة... يسوع هو ميخائيل رئيس الملائكة ".

" يُخبر الكتاب المقدس أن «ميخائيل ‏‎‎وملائكته‎‎‏ حاربوا ‏التنين ... وملائكته». (رؤيا ١٢‏:٧) ... ويسوع ‏أيضا موصوف في سفر الرؤيا بأنه قائد جيش من الملائكة الأمناء. (رؤيا ١٩‏:١٤-١٦) ".

"والرسول بولس يذكر بالتحديد ‏‏«الرب يسوع» و ‎‏«ملائكته الأقوياء». (٢‏ ‎تسالونيكي ١‏:٧)...كلمة الله لا تذكر ‏مطلقا أن هنالك جيشين من الملائكة الأمناء في السماء، واحد بقيادة ميخائيل والآخر بقيادة يسوع، فمن المنطقي أن نستنتج ‏أن ميخائيل هو نفسه يسوع المسيح في دوره السماوي."[45]

نقول: لقد تاهوا في مفهومهم لشخص المسيح وتضاربت آراؤهم. فتارة يدعونه "إلهاً" وتارة أخرى "ملاكاً". وإني استهل الرد بتوضيح موقفنا من نظرية "المسيح الملاك"، ثم استعرض أسباب رفضنا لها:

1 - الآية المشار إليها (1 تسالونيكي 4 : 16) لا تُبّين في حال من الأحوال أن صوت رئيس الملائكة هو صوت المسيح، ولا إشارة إلى ذلك في مجمل الترجمات العربية:

ترجمة فانديك: "لأن الرب نفسه بهتافٍ، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله، سوف ينزل من السماء".

اليسوعية: "لأن الرب نفسه، عند إعلان الأمر، عند انطلاق صوت رئيس الملائكة والنفخ في بوق الله، سينزل من السماء".

المشتركة: "لأن الرب نفسه سينزل من السماء عند الهتاف ونداء رئيس الملائكة وصوت بوق الله".

البولسية: "لأن الرب نفسه، عند إصدار الأمر، وعند صوت رئيس الملائكة، وهتاف بوق الله، سينزل من السماء".

الحياة: "لأن الرب نفسه سينزل من السماء حالما يدوي أمرٌ بالتجمع، وينادي رئيس ملائكة، ويبوق في بوق إلهي".

جميع الترجمات، ومن ضمنها ترجمتهم، لا تجيز الاستنتاج بأن المسيح هو ميخائيل، لكنها تعلن ثلاثة أفعال ترافق مجيئه: هتاف، وصوت رئيس الملائكة، وبوق الله. مع عدم التأكيد أن المسيح هو الفاعل في واحدة منها. فإن نسبنا له "صوت رئيس الملائكة" انبغى أيضاً أن ننسب له "الهتاف" و "بوق الله"، فالأفعال الثلاثة في حلقة متصلة لا يفصلها في الأصل اليوناني نقطة أو فاصلة، إذ لا علامات وقف أو حروف ابتداء في اليونانية القديمة. لكن كلمة الله تقف حائلاً دون ذلك، فتؤكد أن النفخ بالبوق هو من عمل الملائكة، كما في القول "ويبصرون ابن الإنسان آتيا...فيرسل ملائكته ببوق عظيم"(متى 24 : 31 )، وفي هذا تمييز واضح بين المسيح والملائكة.

2 - الآية في تسالونيكي الثانية تقول: "عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته"، وهي كسابقاتها ليس فيها ما يدل على كون المسيح هو ميخائيل رئيس الملائكة، فاستنتاجهم مبني على أوهام وظنون.

3 - لا علاقة أو تشابه بين الأشخاص في الرؤيا. ففي الإصحاح 12 يُذكر ميخائيل باسمه الحرفي، بينما الإصحاح 19 يأتي الحديث عن شخص راكب على فرس أبيض، اسمه "كلمة الله" الصادق الأمين، "متسربل بثوب مغموس بالدم"علامة الفداء، وعلى فخده اسم "رب الأرباب وملك الملوك" وهو سيرعى الأمم بعصا من حديد . فهل هذه صفات وأعمال الملاك ميخائيل ؟

4 - وظنوا أن الأجناد في رؤيا 12 هي ذاتها في رؤيا 19، ثم قالوا باستحالة وجود قائدين لجيش واحد؛ وعليه استنتجوا، بكل بساطة ومن غير تكلّف، أن قائد الجيش في رؤيا 19 هو نفسه في رؤيا 12 أي ميخائيل. لكن السياق يعلن حقيقة ناصعة تتعلق بالأجناد التابعة لراكب الفرس الأبيض. فيصفهم "لابسين بزا أبيض ونقيا"، والثوب الأبيض علامة البر والقداسة التي تميز كنيسة المفديين. والعدد 8 يؤيد ذلك بالقول عن الكنيسة عروس المسيح "وأعطيت أن تلبس بزا نقيا بهيا، لأن البز هو تبررات القديسين". فليس من شك البتة أن الأجناد في رؤيا 19 هم جماعة المفديين وليسوا أجناد من الملائكة. هذا الحق يتأكد لنا عند الرجوع للقرائن، وفيها القديسون الأبرار يرافقون المسيح في مجيئه الثاني مع الملائكة. "مجيء ربنا يسوع المسيح معجميع قديسيه" ( 1 تسالونيكي 3 : 13 ). "متى اظهر المسيح حياتنا فحينئذ تظهرون انتم أيضا معه في المجد"( كولوسي 3 : 4 ). فالملائكة والمؤمنون بالمسيح سوف يأتون معه.

منذ بدايتها قاومت الكنيسة وأبعدت كل فكرة عن "يسوع الملاك" للأسباب التالية:

1- لأنه المخلّص، ولا يجوز بالتالي أن يكون مخلّص البشرية وحامل ذنوبها ملاك، وإلا لكان الخلاص غير مضمون، لكون الملاك معرضاً كالإنسان للسقوط في الخطية (2 بطرس 2: 4). كذلك لو كان يسوع مجرد ملاك وليس هو الله، لا تعود ذبيحة جسده على الصليب قادرة على تكفير كامل ذنوب البشرية.

2 - لأنه كلمة الله، الذي به أعلن الله ذاته لخليقته وعبّر لهم عن فكره ومحبته. فإن سلّمنا أن كلمة الله هو ملاك، يكون الله، وحاشاه من هذا، إلهاً ضعيفاً يتحكم به ملاك. ثم إن الكلمة هي لسان حال صاحبها التي تعلن ذاته؛ وعليه فإن المعلن لذات الله يجب أن يكون كلمته. "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر" (يوحنا 1: 18 ).

3 - لأنه اللاهوت متجسدا، وقد قال الرسول بصريح العبارة "الله ظهر في الجسد"، وليس ملاكاً (1 تيموثاوس 3: 16). وفيه "يحل كل ملء اللاهوت جسديا "( كولوسي 2 : 9)، وما "كل الملء" إلا الله بملئه.

4 - لأن الآب أشرك الابن في كل أمجاده، وكل ماله هو لابنه (يوحنا 17: 10)، وقد جعله "وارثا لكل شيء"(عبرانيين 1: 2)، وهو الجالس مع الله على عرش واحد يقال له "عرش الله والحمل"(رؤيا 22: 1). فإن جاز قول الشهود، أن المسيح هو ميخائيل، يكون الله قد أشرك ميخائيل في أمجاده، وهذا لا يعقل.

5 - لأنه الخالق، الذي "كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان"( يوحنا ٣:١ )، ومن يقول أن ميخائيل هو الخالق يجيز للخلائق عبادة خالقها الملاك، وهذا إجحاف.

6 -لأنه المتسلط على العالمين. وقد جاء في كلمة الله: "فإنه لملائكة لم يخضع العالم العتيد الذي نتكلم عنه" (عبرانيين 2: 5). أما عن المسيح فقيل: "وأخضع (الآب) كل شيء تحت قدميه" (أفسس 1: 22). لذلك من المحال أن يكون المسيح، "الذي هو في يمين الله...وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له" (1 بطرس 3: 22) مجرّد ملاك.

7 - لأن كلمة الله تميزه عن ميخائيل، فتأتي إلى ذكرهما في آية واحدة "وأما ميخائيل رئيس الملائكة، فلما خاصم إبليس ... قال: لينتهرك الرب" (يهوذا 9). وللتعتيم ترجموا العبارة الأخيرة "لينتهرك يهوه"، رغم غياب الاسم يهوه في الأصل اليوناني الذي يستخدم كلمة "كيريوس"، أي الرب. لكن مع ذلك تبقى الحقيقة ناصعة، إذ أن الصيغة الكلامية التي يستخدمها ميخائيل تدل على ضعف وعجز في القدرة الذاتية على مقاومة إبليس، وهذه ليست من صفات ابن الله الذي مجرد حضوره يرعب إبليس وأجناده.

8 - لأنه المعبود والمستحق لكل سجود. "وأما عن الابن: كرسيك يا ألله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك" هو "أعظم من الملائكة" (عبرانيين 1: 4)، والكلام يشمل أيضا ميخائيل. وأيضا "لتسجد له كل ملائكة الله" (عب 1: 6)، بما فيهم ميخائيل. "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك ... ثم لمن من الملائكة قال قط اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك"(عب 1 : 5 ، 13). هو السيد الجالس "على كرسي عال ومرتفع" (اشعياء 6: 1) وفي محضره الملائكة تخدم وتسجد. ولا يترك يوحنا مجالاً للشك، فيشرح بالقول: "قال اشعياء هذا حين رأى مجده وتكلم عنه".(يوحنا 12 : 41 ). فالابن أعظم من الملائكة وميخائيل بما لا يقاس، والملائكة بكل رتبها تسجد وتسبح له، فهل يجوز بعد ذلك القول، أن المسيح هو ميخائيل؟

والبشر أيضا قدمت له السجود، فالمجوس"خروا وسجدوا له" (متى 2: 11)، "والذين في السفينة جاءوا وسجدوا له" (متى 14 : 33)، والمريمات "أمسكتا بقدميه وسجدتا له" (ومتى 28: 9 )، والتلاميذ "سجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم" (لوقا 24: 51و 52). لم يرفض المسيح ولا في مرة واحدة السجود المُقدم لشخصه، بينما الملاك يرفضها في الرؤيا 19 و 22، مما يدل على عظم الفرق بين الملاك، مهما فاقت رتبته، والمسيح الذي تسجد له الملائكة والبشر. فإن لم يكن المسيح هو الله، كيف يمكن التوفيق بين التحذير "لا تسجد لإله آخر"، وبين إعلانات العهد الجديد عن صحة السجود للمسيح؟

في ختام هذه المسألة يأتي القول من دانيال، "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه,فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دانيال 7: 13– 14). من قال، أن كل الشعوب تتعبد لميخائيل إلى الأبد، يكون قد بلغ من الانحراف أقصاه. وبهذا يكون زعمهم عن " يسوع الملاك" هو الآخر قد أبطل، لأنه غير مؤسس على كلمة الله.

تجسّد المسيح وطبيعته

تعمُّداً يتغاضى الشهود عن كل ما يشير في كلمة الله إلى طبيعة اللاهوت في المسيح ويحرصون أن يلفتوا أنظار الناس إلى النصوص التي تشير إليه كابن الإنسان المعين من الله ملكاً ونبياً وكاهناً، ليبرهنوا أنه مجرد إنسان عادي كسائر البشر.

قالوا: "لم يكن يسوع نصف إله ونصف إنسان، ولم يكن الله في الجسد. كان عليه أن يصير إنساناً كاملاً لا أكثر ولا أقل. فإن الله القادر على كل شيء جرد الابن من وجوده السماوي ونقل حياته إلى رحم مريم. وهكذا لم يكن يسوع خليطاً ولم يكن شخصاً روحانياً مسربلاً بجسد، لكن يوحنا 1: 14 يقول إنه "صار جسداً" أو جُعل جسداً. لقد كان إنساناً بكليّته." [46]

نقول: لم يؤمن المسيحيون يوماً بمسيح هو نصف إله ونصف إنسان، أو خليط من لاهوت وناسوت، بل بالحري بالمسيح الإله الكامل والإنسان الكامل بكل ما للكلمة "كمال" من معنى، مستندين بذلك على إعلان الكتاب، بأن "كل ملء اللاهوت" حلّ في المسيح جسدياً، لا نصفه ولا جزء منه (كولوسي 2: 9). لكن على الرغم من حلول اللاهوت في الجسد واتحاده به كلياً، لم يحدث اختلاط أو امتزاج بين الطبيعتين أو يطرأ أي تغيير على اللاهوت. فالآية "والكلمة صار جسداً" لا تفيد تحول الابن إلى جسد، بل بالحري اتخاذه جسداً واتحاده به تماما ًمن غير أن يلاشي الناسوت اللاهوت أو العكس.

يؤكد اغسطينوس هذا الحق بقوله عن المسيح: "هو لم يصر إنسانا بطريقة جعلته يخسر ما هو الله بل أضيف الإنسان له دون أن يخسر الله". والرب نفسه يؤكد لنا من فمه الكريم أنه لم يجرد نفسه من الوجود السماوي، بل كان رغم وجوده على الأرض حاضراً أيضاً في السماء (يوحنا 3: 13). فليعلم شهود يهوه أن مسيحنا لا يتغير في طبيعته من إله إلى ملاك إلى إنسان، لكنه يبقى "هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عبرانيين 13: 8)، وامتلاكه لطبيعتي الناسوت واللاهوت أمر جوهري يتوقف عليه خلاص البشرية. وفي الرد على آريوس الهرطوقي يقول اثناسيوس أسقف الإسكندرية "أن الألوهية دون بشرية لا تخلص، والبشرية دون ألوهية لا تفدي".

قالوا: "وبما أنّه أولاً، إنسان كامل كما كان آدم، دُعي يسوع آدم الأخير (1كورنثوس 15: 45)...فكان معادلاً لآدم". [47]

قلنا: ليس المقصود بتسمية المسيح "آدم الأخير" معادلته بآدم من حيث الطبيعة والكمال البشري، لأنّ المسيح ابن الإنسان يسمو عن آدم كلّ السمو للأسباب التالية:

المسيح

آدم

سماوي مولود من عذراء

أرضي مخلوق من التراب

صورة الله الحقيقية

خلق على صورة الله

تغلب على تجارب إبليس

سقط في تجارب إبليس

وهبنا بفدائه الحياة

أورثنا بمعصيته الموت

   

بناءً على عظم الفرق بين المسيح وآدم يكون المقصود بتلقيبه "آدم الأخير" الإعلان عنه بصفته المتقدّم على خليقة الله الروحية تماماً كما كان آدم المتقدّم في الخليقة الترابية. ويوضح النص الذي أشاروا إليه أن "الإنسان الأول من الأرض ترابي؛ الإنسان الثاني الرب من السماء. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي" (1 كورنثوس 15: 47 و49).

موته وقيامته

قالوا: "لو أنّ المسيح هو الله لكان الله قد مات لثلاثة أيام؛ ويا لها من فرصة عظيمة يتسلّم فيها الشيطان السلطة على الكون. ثم لو كان المسيح هو الله، فلمن وجّه هده الصرخة على الصليب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" وإضافة إلى ذلك كلّه، هل الله يموت؟"[48]

الردّ: اختبر المسيح الموت بصفته ابن الإنسان، ومشهد الصليب هو عن يسوع، رجل الأوجاع والأحزان، حمل الله الذي ارتضى طوعاً أن يرفع خطية العالم بالموت. وإذ أخذ المسيح موضع الخطاة، كابد في جسده الطاهر قصاص الخطية بديلاً عنا، وهكذا عانى فراق الآب له واختبر مرارة الوحدة وتحمّل الآلام المبرحة. وبحقّ قيل فيه: "مجرّب في كل شيء مثلنا بلا خطية...لأنه في ما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين" (عبرانيين 4: 15 ؛ 2: 18).

لكننا نقول، رغم أن الذي قام بعملية الفداء والخلاص كان يسوع الإنسان، إلا أن الله الذي كان فيه، مع أنه لم يصلب أو يموت، فقد قبل حكم الصلب والموت في الناسوت. وهكذا يكون الله بثالوثه الآب والابن والروح القدس قد اشترك في الخلاص؛ وعليه فإن الدم المسفوك على الصليب هو دمه (أعمال 20: 28). ويجدر بنا أن نقر بعجزنا عن إدراك كل ما يتعلق بموت المسيح، فهو يبقى، بالرغم من كل الشروحات والتفسيرات، سراً نعجز بعقولنا المحدودة عن سبر أغواره، ولذا ينبغي لنا أن نقبله بالإيمان.

قالوا: "يسوع مات فعلا وكان في حالة عدم الوعي في القبر".[49]

نقول: المنطق البشري والروحي يخطئان هذا الكلام. وكما أسلفنا، المسيح مات بناسوته وليس بلاهوته، فلا سلطان للموت على اللاهوت. أما اعتقادهم بأن المسيح تحول كليا من إله إلى إنسان فقد أظهرنا بطلانه. وليس من دليل كتابي لدى شهود يهوه يؤكد نظريتهم هذه، كما ولا إشارة في كلمة الله عن مصير جسد المسيح مابين الصلب والقيامة، فنرى أنهم يبنون على ظنون وتخمينات. كل ما لدينا من معرفة في هذا الشأن مصدرها قول المسيح للص قبيل تسليم الروح "اليوم تكون معي في الفردوس"، وهذا القول يهدم نظريتهم بالتمام ( لوقا 23 : 43 ) .

قال تشارلز رصل: "في الصليب أبيدت طبيعة المسيح البشرية- وفي القيامة نال المسيح روحاً إلهية وجسداً إلهياً ورفع إلى مستوى الله"، ويعلّل عدم عثور التلاميذ على جسد المسيح في القبر بالقول: "رفع جسد يسوع بمعجزة من القبر...تحلل وأصبح غازاً". [50]

نقول: يدحض الرب هذا المعتقد في حديثه مع اليهود فيشير إلى قيامته في الجسد بالقول: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه". ولو أن الكتاب المقدس توقف عند هذه الكلمات لصار لنا حق الأخذ بتعليم رصل، لكن الوحي يتابع موضّحاً ومؤكّداً: "وأمّا هو فكان يقول عن هيكل جسده" (يوحنا 2: 19 و21). وفي موضع آخر يصف الوحي ظهور المسيح في الجسد لتلاميذه فيقول: "جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً"، لكن يسوع طمأنهم بالقول: "جسّوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه...فأخذ وأكل قدّامهم" (لوقا 24: 37، 39 ، 40، 43). وكذلك توما أيضاً تحقق من قيامة يسوع في الجسد إذ دعاه الرب أن يبصر يديه وأن يلمس جنبه فخرّ أمامه قائلاً له: "ربي وإلهي".

قالوا: "لقد اتّخذ يسوع جسداً لحمياً، على غرار الملائكة في ما مضى. ولكي يقنع توما بشخصه استعمل جسماً بثقوب جروح فظهر أو بدا بشراً كاملاً، قادراً على الأكل والشرب". [51]

نقول: على الرغم من سخافة الاعتراض فهو لا يخلو من التهكّم، إذ يفهم منه، أن الرب أدى دور الممثل باتخاذه جسد مشابه للذي صلب به لكي يخدع تلاميذه ويقودهم إلى الإيمان بقيامته. وهكذا كرز الرسل والمؤمنون بالمسيح من بعدهم طيلة 19 قرناً بقيامة المسيح في الجسد، هذه القيامة التي، على حد قولهم، لم تكن إلا خدعة اكتشفها في الأزمنة الأخيرة المدعو تشارلز تاز رصل.

اعتراض: "لم يأخذ ثانية حياة بشرية، لأنّ ذلك يعني استرداد ثمن الفدية". [52]

الردّ: إن الفداء لم يتمّ بموت المسيح فقط، بل وبقيامته أيضاً (1 كورنثوس 15: 17). ولو أن المسيح لم يقم بجسده الذي بذله عنّا لكان مثله مثل الذبائح الحيوانية التي عجزت عن إحراز رضا الله. لكن شكراً لله، لقد قام منتصراً على الموت "ولا رأى جسده فاسداً" (أعمال 2: 31). وفي هذه الآية بالذات حجة دامغة ضد قولهم بتحلل جسد المسيح.

قالوا: "في اليوم الثالث أقامه يهوه شخصياً إلى الحياة الروحانية ومنحه خلوداً، وأعطاه مجدا أعظم مما كان له سابقا". [53]

نقول:

1 - لا اعتراضا لدينا على القول، إنّ الله أقام المسيح. ولكننا إلى جانب هذا نؤمن بسلطان ابن الله وقدرته على إقامة نفسه من القبر، ولنا برهان قاطع على ذلك في كلمة "أُقيمُه"، من قوله السالف، كما في قوله عن حياته: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها" (يوحنا 10: 18).

2 - إن المسيح لا يحتاج لأن يعطيه الله خلوداً وحياة أبدية، إذ إنّه ربّ الحياة ورئيسها (أعمال 3: 15)، الذي "فيه كانت الحياة" (يوحنا 1: 4). فزعمهم أن الله أعطاه خلوداً هو طعن قبيح في أزليّة المسيح.

3 - إنّ الله لم يرفع ابنه من ناحية اللاهوت إلى درجة العظمة التي لم تكن قبلاً، لأن المسيح هو واحد مع الآب في الجوهر، وقد كان ممجداً عنده قبل إنشاء العالم، ولم يكن محتاجاً بأي حال من الأحوال إلى الرفعة والعظمة لأنها كانت أصلاً ملكه (يوحنا 17: 5). لكنّ الله رفع ابنه ومجده بصفته يسوع ابن الإنسان الكامل الذي أطاع حتى الموت موت الصليب (فيلبي 2: 9). وأضحى هو الشخص الأعظم المذخر فيه كلّ معاني الإنسانية وآمالها وأمجادها وانتصاراتها، وصارت قيامته رمز انتصارنا ومنبع رجائنا وأساس فخرنا، وسنبقى نحتفل بها أبداً.

اعتراض: "الأسفار المقدسة لا توصي ولا تجيز الاحتفال بقيامة يسوع. لذلك فإن الاحتفال بقيامة يسوع...أمر ينم عن عدم ولاء".[54]

الرد: لقد تعرض المسيح في كل أمجاده إلى طعنهم ولم يسلم من تحقيرهم شيئاً. إن الدلائل الكامنة في موقفهم من أمجاد المسيح هي بالنسبة للمسيحي أقوى بما لا يقاس من أية دلائل أخرى على انتمائهم للماسونية وغيرها من عبادات روحانية غامضة. وإننا هنا نلمس بكل وضوح روح ضد المسيح، الذي يسوقهم باستمرار إلى تحقير رب المسيحيين والتهجم على المسيحية ورموزها وأعيادها.


مساواته للآب في الجوهر، والقدرة، والمجد

قالوا: "كيف يعقل أن يكون يسوع مساوياً للآب في القدرة والمجد؟ لا يمكنه ذلك، ولا الكتاب المقدس يقول ذلك". [55]

الردّ:

ولم لا؟ ليخبرونا ما هي الأمجاد التي للآب والتي لم تكن للابن أيضاً؟ لقد قال الابن للآب بحق: "وكل ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي" (يوحنا 17: 10). ولم يستثنى في قوله شيئا مما للآب ولا حتى قدرته ومجده، فهو بحق "صورة الله غير المنظور"، وعلى أساس قوله الراسخ بنت الكنيسة تعليمها القائل بمساواة الابن للآب في جوهر اللاهوت وأقرت به في قانون إيمانها. وإذ ادعوا أن الكتاب لا يقول بمساواة الابن للآب في المجد اكتفي بمقارنة الصورة التي يرسمها الوحي لهما:

صفات

الآب

والابن

الإله الحق

أشعياء 30: 18

1 يوحنا 5: 20

الإله القدير

أشعياء10: 21

أشعياء 9: 6

ربُّ الأرباب

مزمور 136: 3

رؤيا 17: 14

الأزلي

أشعياء 44: 6

رؤيا 1: 8

النور

ميخا 7: 8

يوحنا 8: 12

هو الحياة

تثنية 30 :20

يوحنا 1: 4؛ 14: 6

يمنح الحياة

تثنية 32: 39

يوحنا 5: 21

كلامه حياة

تثنية 8: 3

يوحنا 5: 24 و25

القدّوس

1 صموئيل 2: 2

رؤيا 3:7

المخلّص

أشعياء 43: 11

أعمال 4: 12

المعبود

أشعياء 45: 23

فيلبي 2: 10و11 دانيال7: 13و14

الديّان

عبرانيين 12 :23

2 تيموثاوس 4: 1

إن كانت للمسيح كل هذه الألقاب والصفات والسجايا الإلهية، فلم يصرّ شهود يهوه بعد على عنادهم ورفضهم للاهوت المسيح المطلق؟

اعتراض : "صحيح أن يسوع سيكون له دور في دينونة الأحياء والأموات، لكنّ يهوه هو الديان الأخير. (اعمال ١٠‏:٤٢)"[56]

الرد: من الغريب استدلالهم بنص أعمال الرسل مع أنه يساوي الابن بالآب ويصرّح أن من أساسيات الكرازة، أن المسيح هو "المعيّن من الله دياناً للأحياء والأموات".يقول المسيح بصريح العبارة: "لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يوحنا 5 : 22 )، وفي قوله رداُ وافياً على زعمهم، أن للمسيح مجرد دور في الدينونة.

اعتراض: "على الرغم من أن يسوع دعي " قديرا" يمكن أن يكون هنالك واحد فقط قادر على كل شيء وأن يدعى يهوه ... يوجد آخرون يدعون آلهة ولكنهم يشغلون مركزا أقل أو أدنى ". [57]

الرد: إن اللقب "قدير" أعطي للمسيح بلا حدود أو ضوابط وليس فيه ما ينفي قدرته الكلية أو ما يجعله أقل قدرة من يهوه. ثم أنّ الكلمة المستخدمة هنا في العبرية gibbôrגבור، والتي نقلت في الترجمة السبعينيةإلى megasقد جاءت في الحديث عنيهوه نفسه "الإله العظيم الجبار" ( إرميا 32: 18 ). فلا فرق البتة بين وصف الله ووصف المسيح بكلمة جبار، وكما أنها في حالة وصف الله تعني كلي القدرة هكذا أيضا في حالة نسبها للمسيح.

لقد أعلن المسيح قدرته الكلية حين قال لليهود: "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء". ويمين القوة هنا تفيد بلا شك المساواة بالقدرة الإلهية، وهذا ما أثار اليهود، "فَمَزَّق رئيس الْكهنة حينئذٍ ثيابه قَائلاً: قَد جدَّف! إِنَّه مستوجب الْموت" (متى 26: 64- 65 ).

في منشورهم "هل يجب أن تؤمنوا بالثالوث" يحاولون التخفيف من بعض الآيات التي تعلن مساواة الابن للآب، ومنها:

1 - (يوحنا 10: 30 ) "أنا والآب واحد".

اعتراض: "يسوع نفسه اظهر ما يعنيه بأنه "واحد" مع الآب ، ففي يوحنا 17 : 21 و 22 صلى إلى الله أن يكون جميع تلاميذه " واحدا كما إنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ... ليكونوا واحدا كما أننا نحن أيضا واحد... كان يصلي أن يكونوا متحدين في الفكر والقصد، كما هو مع الله "[58]

الرد : هذا خلط وتمويه للحقائق، فمع أن وحدة الرأي والفكر والهدف هي من صفات الوحدة بين الآب وابنه غير أنها لا تشكل الوحدة المشار إليها هنا، والتي هي وحدة الجوهر والطبيعة. هذا بتأكيد السياق، وفيه يصرّح الابن أنه مانح الحياة الأبدية، التي لا يمنحها إلا الله، ويشير إلى عظمة أبوه بأنه "أعظم من الكل" ليعقبها فورا بقوله الشهير "أنا والآب واحد". فالوحدة تعود إلى القدرة والعظمة التي للآب في العدد السابق وليس إلى وحدة الرأي الذي لا تلميح إليه في السياق. وعلى أثر التصريح "تناول اليهود أيضا حجارة ليرجموه" والسبب معلن في قولهم "أنت إنسان تجعل نفسك إلهاً". فهل الإعلان عن وحدة الفكر والقصد مع الله تجعل من الإنسان إلها؟ كلا، فاليهود لم يفهموا من قوله ما فهمه شهود يهوه، وإنما فهموا منه المساواة مع الله، وهذا تجديف حكمه الرجم، لأن "من جدف على اسم الرب فإنه يقتل. ترجمه كل الجماعة رجما" ( لاويين 24: 16). والمسيح في جوابه لم ينكر ما قصده أو يحاول تصحيح سوء فهم حاصل، بل أكّده من جديد بقوله، أنّ الآب فيه وهو في الآب، مما لا يدع مجالا للشك أن الوحدة جوهرية. ولكن لمــّا فشلت الحجة عند معشر الشهود تحولوا إلى كلمة الله ليحرفوا معانيها، فترجموا الآية: "أن الآب في اتحاد بي وأنا في اتحاد بالآب"، رغم عدم وجود ما يدل في الأصل اليوناني إلى كلمة "اتحاد".

2 - (يوحنا 5 : 18) "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا إن الله أبوه معادلا نفسه بالله".

اعتراض:"من قال أن يسوع يعادل نفسه بالله؟ ليس يسوع. لقد دافع عن نفسه ضد هذه التهمة الباطلة في العدد التالي نفسه (19)" فأجاب يسوع وقال...لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل". بهذا أظهر يسوع لليهود انه ليس معادلا لله ولذلك لا يقدر أن يعمل من تلقاء نفسه".[59]

الرد: لا اليهود قالوا ولا المسيح قال، بل الوحي يصف المفهوم الحقيقي لعبارة "ابن الله" التي نطق بها المسيح. ولو اعتقد المسيح بعدم استحقاقه للمساواة مع الله لتوجب عليه التصدي لهذا الفكر بعبارات واضحة لا تحتمل الظن. أما قوله أعلاه فلا يفهم إلا في السياق، وقد تعمدوا اقتطاع الآية وإخفاء الشطر الثاني منها بقصد التضليل. وهنا النص كاملاً: "فقال يسوع لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك". إنّ المسيح يعلن قدرته وسلطانه على عمل كل ما يعمله الآب، ويؤكد "كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي كذلك الابن أيضا يحيي من يشاء"، وكلمة "كما" تعلن مساواة تامة، "لأن الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابنلكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله"، وهذا هو بيت القصيد، إكرام الابن بذات الكرامة التي تعطى للآب.

3 - (يوحنا 20: 27 و28) "أجاب توما: ربي وإلهي. قال له يسوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا".

قالوا: "بالنسبة إلى توما كان يسوع مثل "إله" وخصوصا في الظروف العجائبية التي أثارت هتافه ...هتاف دهشة عاطفيا".[60]

نقول: لو أن توما نطق بعبارته بدافع الحماس العاطفي وليس الإيمان القلبي يكون قد جدف، إذ جعل الإنسان إلهاً. علاوة على ذلك يكون الرب قد وافقه في تجديفه بعدم توبيخه. يقيناً القول لم يأتي بدافع الحماس، كما أن الغرض منه ليس نداء تعجب وتسبيح لله، على وتيرة "يا إلهي ما هذا؟!"، لأن صيغة التسبيح لا يمكن إسقاطها على هذه العبارة إلا إذا اعتقدنا أن التسبيح هو للمسيح، فالكلام موجه إليه وليس لله "أجاب توما وقال له". إن كانوا يؤمنون بأن توما سبح المسيح بالقول "ربي وإلهي"، فلا بأس.

اعتراض: "هل قال يسوع مرة إنّه الله؟ كلا، لم يقل ذلك قط. ولكنه في الكتاب المقدس يدعى "ابن الله" وقد قال "أبي أعظم منّي". [61]

الرد: إن كان القصد من سؤالهم تعجيزنا، فإننا بالمقابل نسألهم بذات الوتيرة وللغرض عينه: هل قال المسيح مرة عن نفسه إنه الملاك ميخائيل أو إله أدنى مرتبة من يهوه؟

لو أن المسيح قضى كل أيام حياته على الأرض في شرح أموره الإلهية لما استطاع البشر إدراكها، إذ إنها تسمو فوق العقول البشرية سمواً لا حدّ له ولا استقصاء. لقد اقتضى الأمر أن يتنازل إلينا ليس ليفجر قنبلة بالتصريح الكلامي، بل ليكلمنا بلغتنا، ويعبّر لنا عن ذاته بطريقة نستطيع أن نفهمها ونستوعبها، فنرى في حياته وتعليمه الله متجسدا. وقد أعرب عن أمنية قلبه فقال لتلاميذه: "إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" (يوحنا 16: 12-13). لكن عندما أخفق فيلبس في أن يرى الله فيه لم يتردد في مساعدته فصرّح: "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس. الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب" (يوحنا 14: 9).

وقوله "أبي أعظم منّي" لا يحطّ قط من منزلته كابن الله الأزلي. فالمسيحيون أجمعون يؤمنون بأن المسيح نطق بهذه الكلمات، بصفته ابن الإنسان الكامل؛ أمّا بصفته ابن الله فقال: "أنا والآب واحد" (يوحنا 10: 30).

اعتراض: "أوضح يسوع أيضاً أنّ هنالك أموراً لا يعرفها هو ولا الملائكة ولكن الله وحده يعرفها (مرقس 13: 32)". [62]

الردّ: إنّ الحديث في الآية المشار إليها هو عن مجيء المسيح، الذي بوصفه ابن الإنسان في حدود تجسده المتواضع لا يشارك الآب في هذه المعرفة. وبقوله هذا يوضح لسامعيه أن لا يتوقعوا معرفة الأزمنة والأوقات من إنسان ما. أمّا من حيث لاهوته فيعرف هذه الساعة حق المعرفة، لأنه هو موضوعها وسيدها. وكيف لا يعرفها وهو "قوة الله وحكمة الله"(1كورنثوس1 :24) و "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة" (كولوسي 2: 3- 4) و "القادر على كل شيء" (رؤيا1: 8)؟ لقد قال، أن كل ما للآب هو له، وهذا يشمل المعرفة المطلقة. وقال، بأن "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن" (متى 11 : 27)، ومن يعرف الآب يعرف كل شيء.

اعتراض: "في إحدى المناسبات صلّى يسوع إلى الله قائلاً: "لتكن لا إرادتي بل إرادتك" (لوقا 22: 42). فلو كان يسوع الله الكلّي القدرة لما صلّى إلى نفسه."[63]

الردّ: لا يغفل المعترضين أنّ المسيح من حيث ناسوته كان خاضعاً لإرادة الله ونواميسه؛ وصلاته هنا لا تنفي لاهوته ووحدته مع الآب في الجوهر إذ إنّه يرفعها كابن الإنسان. أما من ناحية لاهوته فقد برهن على إرادته الذاتية وسلطانه المطلق:

1 - في مغفرته للخطايا

2 - في طرده الشياطين

3 - في شفائه المرضى

4 - في إقامته الموتى

اعتراض: "حسنا، كانت للرسل وللنبيين إيليا وأليشع هذه القدرة أيضا، ولكن ذلك لم يجعلهم أكثر من رجال ...لم يجعل أيّا منهم جزءا من ذات إلهية".[64]

الرد: أن سلطان المسيح في المعجزات لم يكن مشابهاً لسلطان الأنبياء المبني على إرادة الله، بل المبني على إرادته الذاتية، فقال للأبرص " اطهر" فطهر. وقال للميت "قم" فقام . وللريح "اسكني" فسكنت. فمن الإجحاف تشبيه سلطان المسيح بالسلطان المعطى للأنبياء، فحتى أعداء المسيحية لم يجرؤا على هذه المقارنة.

اعتراض: "إنّ يسوع المسيح المقام والممجّد يعبد الآب السماوي بصفته إلهاً له، تماماً كما كان يعبده تلاميذ يسوع؛ ولهذا السبب خاطب يسوع أباه بقوله "إلهي" و"أنت الإله الحقيقي وحدك" (يوحنا 20: 17؛ 17 :3)." [65]

الردّ: إنّ الآيات المعترض بها لا تنفي لاهوت المسيح في أيّة حال. وفي ما يلي نعرض توضيحاً لكل منها:

أ - قوله لتلاميذه: "إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". قلنا في ما سلف، إن طبيعتي اللاهوت والناسوت في شخص المسيح لم تمتزجا أو تختلطا بالرغم من اتّحادهما كلياً، بل بقيت كل طبيعة محتفظة بخصائصها. ولذلك نرى في أعمال المسيح وفي أقواله ما هو مختص باللاهوت أحياناً وبالناسوت أحياناً أخرى. فهو من حيث لاهوته "الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد" (رومية 9: 5). أما من حيث ناسوته فكان إنسانا كاملاً مقدّماً لله العبادة الكاملة اللائقة به. فضلاً عن ذلك انفرد المسيح بعبادته لله ولم يشاركه فيها أحد ولا حتى تلاميذه، لأنه كان بلا عيب ولا نقص وقد فاقت إنسانيته كل إنسانية.

ب - قوله للآب: "أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك". لا يقصد منه أن الآب إله حقيقي بينما الابن إله مزيف أو إله أدنى مرتبة من يهوه، لأن المسيح، إضافة إلى كونه مباركاً وحكيماً ومخلّصاً، هو أيضا "الإله الحق والحياة الأبدية" (1 يوحنا5: 20)؛ وعليه يكون قصد المسيح أن الآب هو الإله الحقيقي الوحيد بالمقارنة مع آلهة الوثنيين الباطلة، وليس قط مع الابن.

اعتراض: "الأسفار المقدسة تقول بعد ذلك أن الله ما يزال رأس المسيح (1 كورنثوس 11: 3)".[66]

الردّ: بالصفة ذاتها التي اعتبر فيها المسيح الله إلهه، يصرّح الوحي أيضاً بأنّ الله رأسه. ولا غرابة في هذا القول، كما ولا اعتراض فيه على لاهوت المسيح.

اعتراض: "يقول الكتاب المقدس أيضاً إنّ يسوع سيملك كملك معيّن من الله حتى يضع كل الأعداء تحت قدميه وحينئذٍ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكلّ في الكلّ (1 كورنثوس 15: 28)." [67]

الردّ: تلخّصت مهمة المسيح ابن الإنسان في مجيئه الأول إلى الأرض بإعلان محبة الله وبتقديم نفسه ذبيحة كفّارية عن الجنس البشري. وتتلخّص وظيفته الحالية في السماء بالشفاعة والوساطة للمؤمنين به. وستكون وظيفته في مجيئه الثاني دينونة الخطاة والحكم على العالم. فلا بد أن يتمّم كل ما عيّن لأجله كأبن الإنسان. بعد ذلك سيخضع كإنسان لله إذ لا تعود هنالك حاجة بعد إلى وساطة أو شفاعة أو فداء أو رعاية أو دينونة في الأبدية - الأمور التي تجسّد لأجلها المسيح- وبذلك يصبح الله هو الكلّ في الكلّ.

شاء شهود يهوه أم أبوا، كان المسيح وسيبقى في قلوبنا وأذهاننا "الكائن على الكلِّ إلهاً مباركاً". وكما أن مسيحنا لا يتغير، هكذا أيضاً مسيحيّتنا لا تتغير وستبقى عابدة ومسبّحة لشخص الربّ يسوع المسيح إلى الأبد.