كنسيات

الدور الثاني: عصور الاستشهاد

القسم: رحلة الكنيسة.

(ع4- 5)

لغاية أوائل القرن الرابع الميلادي

"ثم أقلعنا من هناك وسافرنا في البحر من تحت قبرص لأن الرياح كانت مضادة. وبعدما عبرنا في البحر الذي بجانب كيليكية وبمفيلية نزلنا إلى ميراليكية".

نرى في هذه المرحلة من الرحلة ما يتجاوب مع الدور الثاني من رحلة الكنيسة، دور كنيسة سميرنا (رؤ2: 8- 11) وذلك الدور الذي ميزه أمران:

1-الاضطهاد الشديد "الرياح كانت مضادة".

2-تقدم الرحلة "أقلعنا، سافرنا، عبرنا، نزلنا".

أولاً: الاضطهاد الشديد:

في البداية نلاحظ أن هذه المرحلة من الرحلة هي أقصرها من جهة السرد التاريخي (آيتان فقط). وكذلك أيضاً كان الخطاب الثاني لملاك كنيسة سميرنا أقصر كل الخطابات. وقد تكون أيضاً السجلات التي تتضمن التاريخ الحقيقي لشهداء المسيح قليلة نسبياً. فمن كان يحفل من عظماء العالم ليسجل تاريخهم؟ لكن أعمالهم وبطولاتهم وإن كان الكثير منها مجهولاً لنا الآن لكنها كلها مسجلة في السماء في "سفر تذكرة" (ملا3: 16)، وستظهر تفصيلاتها المجيدة أمام كرسي المسيح.

يقول لوقا "سافرنا في البحر من تحت قبرص لأن الرياح كانت مضادة[1]" وكلمة قبرص لها معنى جميل فهي قد تعني صفاء. أو حب أو زهرة[2]. لكنهم لم يبلغوها بل مروا تحتها "لأن الرياح كانت مضادة". وهنا نجد أول ذكر للرياح في الإصحاح. وسيتكرر ذكرها 6 مرات "رقم الشر". ونحن نعرف من الذي يهيج الرياح والعواصف ضدنا. فالكتاب قال عن الشيطان إنه "رئيس سلطان الهواء" (أف2: 2). هذه الرياح المضادة إذاً، والتي كانت من فعل الشيطان "بسماح من الرب"، قد أعاقت تقدم الرحلة. أو لا يذكرنا هذا بما قاله الرسول بولس للتسالونيكيين "لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان" (1تس2: 18). بل إن هذه الرحلة نفسها (أع27) والتي سبقتها سنتا سجن للرسول في قيصرية، وتلتهما سنتا سجن له في رومية، كانت واحدة من صور إعاقة الشيطان لتقدم العمل.

ثم ما أقسى السفر في البحر عندما تكون الرياح مضادة. كم تعني تلك العبارة القصيرة "الرياح كانت مضادة"، وكم تتضمن في طياتها من أهوال. وبصفة عامة ما كان أشد العواصف القاسية التي هبت على الكنيسة في عصور الاستشهاد والتي يقول عنها الرب لملاك كنيسة سميرنا "لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقي بعضاً منكم في السجن لكي تجربوا، ويكون لكم ضيق عشرة أيام. كم أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" (رؤ2: 10). هذا ما كان أمام أولئك الأمناء: ألم، وتجربة، وضيق، وموت!.

وكما تبدأ هذه المرحلة من الرحلة بالإشارة إلى الرياح المضادة، تُختم بأنهم نزلوا أخيراً في ميناء ميرا بمقاطعة ليكية. وميرا تعني مر "وهو نفس معنى كلمة سميرنا في رؤ2: 8". وليكية تعني ذئبي "أي شبيه بالذئب". أو إلتهاب[3] ألا يعطينا هذا صورة للمرار الذي شربه الشهداء والعذاب المستعر الذي عانوه على أيدي أناس أشرار في شراسة الذئب؟!

ثانياً: تقدم العمل:

رغم قسوة تلك الأيام ومقاومة العدو الشديدة للعمل، فإن تقدم المسيحية لم يتوقف في تلك الفترة، بل كانت المسيحية تتقدم ببطء لكن بثبات. وهكذا هنا لم يوقف هياج البحر تقدم السفينة من تحت قبرص.

لقد سخّر الشيطان كل قواه لمعاكسة تقدم الشهادة لكن العمل لم يتوقف. وهذا يذكرنا بما قاله الرسول بولس في ظروف مشابهة "لأنه قد انفتح لي باب عظيم فعّال. ويوجد معاندون كثيرون (1كو16: 9).

إذاً لقد سار معاً بصورة عجيبة في هذا الدور المعطلات الشديدة إلى جوار تقدم الرحلة إلى الأمام، فانتشرت المسيحية في كل مكان. وهنا نرى السفينة تصل إلى "كيليكية" التي تعني "انقلاباً" وإلى "بمفيلية" "أي كل القبائل" فكأن المسيحية في تلك الفترة وصلت إلى كل القبائل وأحدثت فيهم انقلاباً. واستمع إلى هاتين الآيتين لترى التأثير الهائل الذي أنتجته المسيحية بدءاً من أيام الرسل، الأولى: "وتجمعوا "أي اليهود الأشرار" وسجسوا المدينة "أي أهاجوا أهلها" وجروا ياسون وأناساً من الأخوة إلى حكام المدينة صارخين إن هؤلاء الذين فتنوا المسكونة "أي قلبوا العالم بأسره رأساً على عقب" حضروا إلى ههنا أيضاً" (أع17: 5- 7). والآية الأخرى "فنستحسن أن نسمع منك "أي من الرسول بولس" لأنه معلوم عندنا من جهة هذا المذهب أنه يقاوم في كل مكان" (أع28: 22).

هذا ما كان عليه الحال في أيام الرسل. واستمر الحال على ذات المنوال في عصور الاستشهاد. لكن تغيراً جذرياً سنراه في الدور الثالث الذي سنتأمله فيما يلي. وكما ذكرنا قبلاً فإن الرحلة واصلت مسيرتها على سفينة مختلفة، بمعنى أن المسيحية أخذت طابعاً مختلفاً بالكلية كما سنرى.


[1] -في زكريا عندما يتحدث عن المرأتين مشيراً إلى الارتداد والشر يقول "والريح في أجنحتها" فكل قوى العالم التي هي في يد الشيطان، رئيس سلطان الهواء، ورئيس هذا العالم تساعد الشر، لكنها هنا في أعمال27 تعاكس الشهادة لله.

[2] -يقول دافيدسوف أنها تعني حب، وبوتس تعني جمال أو صفاء. وجاكسون يذكر لها معنيين: حب أو زهرة.

[3] -يذكر دافيدسون وجاكسون أن معنى "ليكية" هو ذئبي "Wolfish" أما بوتس فيقول أنها إلتهاب وإشتعال "inflammation, great heart".

أضف تعليق


قرأت لك

الكلام والقلب

"اِجعلوا الشجرة جيدةً وثمرها جيداً، أو اجعلوا الشجرة رديَّةً وثمرها رديَّاً، لأن من الثمر تُعرف الشجرةُ. يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن  تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة