كنسيات

الدرس التاسع: عصر البطولة والاستشهاد

القسم: الكنيسة في التاريخ.

وصلنا في درسنا السابق إلى القرن الرابع الميلادي والى نقطة التحول الهامة في تاريخ الكنيسة أي انعقاد المجمع المسكوني الأول في مدينة نيقية للفصل في أمور عقائدية هامة

وقد رأينا أهمية تلك الحادثة من عدة نواحي ولاحظنا أيضاً كيف أن اهتداء الإمبراطور قسطنطين ومساهمته في أمور المجمع المسكوني الأول كان بمثابة دخول الكنيسة في القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية مرحلة جديدة بتدخل الدولة في عهد قسطنطين في شؤون الكنيسة يبدأ طور جديد من حياة الكنيسة لا يعمل دوماً لصالحها ويخالف المبدأ الجوهري المبني على تعاليم الكتاب والذي يفصل الكنيسة عن الدولة ويعطي لكل منهما حقلها الخاص للعمل وقبل أن نستمر في سفرتنا التاريخية عبر القرن الرابع الميلادي سنعود إلى الوراء إلى القرن الأول الميلادي وخاصة إلى عصر الرسل باحثين بصورة خاصة في أعمال البطولة التي ظهرت في حياة الكنيسة وبهذا نبقي على ذلك التوازن بين الأمور العقائدية والنظامية التي بحثناها في دروسنا السابقة وأمور الحياة المبنية على تلك العقائد والأنظمة الكنائسية وسنرى بشكل واضح أن هؤلاء المسيحيين الذين عاشوا قبل عصر اعتراف الدولة بشرعية الديانة المسيحية كانوا مستعدين دوماً للموت في سبيل إيمانهم بالرب يسوع المسيح وأنهم عانوا الاضطهادات الشديدة نظراً لعدم تخليهم عن الإيمان ومن الزاوية البشرية يمكن القول أنه لولا بطولة مسيحيي القرون الثلاثة الأولى واستشهاد البعض منهم لما نجحت المسيحية مطلقاً ولما انتصرت في النهاية على الإمبراطورية الرومانية وعلى حضارتها الوثنية

كان السيد المسيح له المجد قد اخبر تلاميذه بأنه كما اضطهد أثناء حياته على الأرض هكذا سيتعرضون للاضطهاد بعد ذهابه إلى السماء وقد تحققت كلمات الرب بصورة خاصة في القرون الثلاثة الأولى للميلاد نظراً لاشتعال نيران الاضطهادات ضد المؤمنين بالمسيح ويمكن النظر إلى هذه الحقبة من التاريخ الكنسي كحقبة البطولة والشجاعة، وهذا يكسبنا نظرة كلها الاحترام والإعجاب لجميع الذين عاشوا في تلك الأيام وخاصة لأبطال الإيمان من رسل وشهداء

كان أول من بشر بالإنجيل بعد صعود المسيح إلى السماء الرسول بطرس وقد تعرض هو والرسول يوحنا إلى اضطهادات مستمرة نظراً لعملهم الديني فقد شفى بطرس رجلاً أعرجا وأفهم الجموع بأنه قام بتلك المعجزة بواسطة قوة المسيح الذي قام من الأموات فألقي القبض عليه وعلى يوحنا لأنهما شهدا بقيامة المسيح من القبر أمضى الرسولان ليلة في السجن ثم جيء بهما إلى المجمع اليهودي من اجل المحاكمة وقد تعرضا للتهديد والضغط وطلب منهما عدم المناداة باسم يسوع الناصري ولكن جواب الرسولان كان: "إن كان حقاً أمام الله أن نسمع لكم أكثر من الله فاحكموا، لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا"

قفل يوحنا وبطرس راجعين إلى جمهور التلاميذ في القدس وأخبرا الجميع بما حدث في المجمع فما كان منهم إلا أن رفعوا دعائهم بصوت واحد إلى الله طالبين منه تعالى أن يمنحهم الشجاعة الكافية للاستمرار في التبشير والمناداة بيسوع المسيح بالرغم من هبوب ريح المعارضة!

وحدث بعد مدة من الزمن أن كثرت المعجزات التي كان الرسل يقومون بها وأخذت الكنيسة في مدينة القدس تنمو بسرعة فما كان من السلطات الدينية في الهيكل إلا أن ألقت القبض من جديد على الرسولين الشجاعين بطرس ويوحنا! ولكن الله أرسل ملاكاًَ في الليل ففتح أبواب السجن وأطلق سراحهما وأمرهما بأن يذهبا إلى الهيكل ويبشرا علناً بالمسيح يسوع! فبكر الرسولان وذهبا إلى الهيكل وناديا بالمسيح كمخلص العالم الوحيد وقد دهش حافظي السجن عندما ذهبوا في الصباح إلى غرفة بطرس ويوحنا للمجيء بهما إلى المجمع ودهشوا لرؤيتهم الأبواب المغلقة والسجينين غير موجودين ضمن السجن! وعندما اخبروا أعضاء المجلس عن اختفاء السجينين وقع المجمع في حيرة كبيرة إلى أن جاء احدهم وأخبرهم بأن السجينين يتمتعان بحرية تامة وأنهما يبشران بالمسيح وقد جيء بهما من جديد أمام المجمع اليهودي وكرر الرسولان قولهما بخصوص وجوب إطاعة الله قبل إطاعة الناس وبعد جلسة سرية عقدها المجمع والتي دافع غمالئيل عن الرسل تقرر عدم قتلهما واكتفوا بضربهما وبتهديدهما ولكن الرسولين ذهبا من المجمع فرحين لأنهما تألما في سبل المسيح والبشارة

وقد استمر اضطهاد الكنيسة والقي القبض بعد ذلك على الشماس استفانوس وجيء به أمام المجمع ولكنه لم يسمح له بأن يستمر في الدفاع عن نفسه بل قتل بشكل مريع خارج أسوار المدينة المقدسة وبذلك صار أول شهيد مسيحي الذي ختم بدمه الزكي إيمانه بالمسيح

وتلا استشهاد استفانوس موجة شديدة من الاضطهاد لحقت بالمسيحيين في القدس وقد لعب أثناءها شاول الطرسوسي وهو من بدعة الفريسيين دوراً كبيراً إذ أنه كان يذهب من مكان إلى آخر في فلسطين ملقياً بالرجال والنساء بالسجن بسبب إيمانهم بالمسيح ولكن الكنيسة استراحت من الاضطهاد بعد اهتداء شاول الطرسوسي إلى الإيمان القويم، استراحت لمدة قصيرة تنفس أثناءها المؤمنون الصعداء وشكروا الرب على تتميم وعده للكنيسة بأن لا تقوى عليها أبواب الجحيم

ولم يكن هيرودس الطاغية من محبي الديانة المسيحية ولذلك نراه يمد يده الأثيمة ويقضي بها على الرسول يعقوب بن زبدي وهو أخ الرسول يوحنا وكان مزمعاً أيضاً بأن يقتل بطرس ولكن الملاك أنقذ الرسول وقضى على مؤامرة هيرودس قضاءً مبرماَ

رأينا في دروس سابقة أن المضطهد شاول صار يدعى باسم بولس لرسول بعد توبته وإيمانه بالمسيح وقد تعرض هو بصورة خاصة إلى اضطهاد اليهود له نظراً لجهاده التام في سبيل نشر الإنجيل قي كل مكان وحيثما ذهب الرسول كان يلاقي العراقيل من قبل الذين لم يؤمنوا برسالته وأخيراً بعد انتهاءه من رحلته التبشيرية الثالثة هوجم في مدينة القدس وكاد بأن يخسر حياته لولا تدخل السلطات الروماني ولم يشأ بأن يحكم عليه بتهمة الشغب حاكمان رومانيان ولكنه أي بولس لم يستطع الحصول على براءته منهما فلذلك رفع قضيته إلى قيصر رومية ولما وصل إلى رومية بعد رحلة بحرية مليئة بالأخطار وضع في سجن خصوصي أي أنه سمح له بأن يستأجر غرفة بشرط أن يكون دوماً بصحبة جندي روماني ولم يمنع أصحابه من المجيء إليه والتحدث معه في شؤون الكنيسة وقد كتب الرسول من رومية عدة رسائل حفظ البعض منها لنا في العهد الجديد وسنأتي على ذكر بقية أمور بولس وبطولة وشجاعة غيره من المسيحيين في درسنا المقبل إن شاء الله!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الملائكة بين الظهور والخفاء

إن عالم الروح والأعمال الجارية فيه تشغل هذه الأيام أفكار متتّبعي الأخبار. وقد باتت فكرة المعجزات والخوارق لا موضوع اهتمام الناس وحسب بل حقيقة مقبولة مسلّماً بها

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة