كنسيات

الفصل السابع: انتصار الحق

القسم: أصول التراث المسيحي في شمال أفريقيا.

وفي حوالي 160 للميلاد، وفي مدينة قرطاجة، ولد طفل لقائد مئة كان يعمل في خدمة الحاكم الروماني. وقد دعي هذا الطفل كونتوس سبتيميوس فلورنس ترتوليانوس (Quintus Septimius Floens Tertullianus). ولم يكن أبواه يدركان أن ولدهما هذا سيصبح شخصية رفيعة المقام والنفوذ في أبناء جيله بشمال أفريقيا. لقد حظي ترتوليانوس بتعليم ممتاز، وتخصص بعلم الفلسفة والقانون. انغمس في شبابه انغماساً متهوراً بالرذيلة المفرطة التي كان يمارسها المجتمع الوثني. كذلك كانت تمارس الطقوس الدينية الوثنية، ولكنه لم يفكر كثيراً في معاني هذه الطقوس أو في مغزاها.

ولما بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، قادته الأحداث إلى أزمة شخصية. كانت السلطات الرومانية، ولفترة من الوقت، تراقب عن كثب، نمو الجماعة المسيحية في قرطاجة وتطوره، بريبة وشك متزايدين. فلم يكن المسيحيون يشاركون في التقدمات العامة، ولا كانوا يحلفون بالعظمة السامية للإمبراطور. فجأة، ألقي القبض على عدد من هؤلاء المسيحيين، وأمروا بأن يخضعوا. وقد تأثر ترتوليانوس جداً من الشجاعة الخارقة التي أبداها المسيحيون في مواجهة الآلام القاسية التي كانت تصدرها السلطات الوثنية بحقهم. كان يعرف هؤلاء الرجال والنساء المسيحيين جيداً، ويدرك تماماً أنهم أبرياء من أي فعل سيء. كان المسيحيون قوماً شرفاء أفضل كثيراً في الواقع من الوثنيين الذين كانوا يسيئون إليهم. وها هو الآن ، يشاهد بأم عينيه كيف يرفض هؤلاء المسيحيون أن يتنكروا لمعتقداتهم وإيمانهم، بينما يواجهون الموت الجسدي بثقة وشجاعة باسلة، مؤمنين بأنهم سيقومون من الموت ثانية. هذا الإيمان الواثق لم يجده ترتوليانوس في وثنيته السطحية المبادئ. كان عند المسيحيين، وبكل وضوح فرح من نوع آخر وأعمق من ذلك الذي كان ينشده الناس في التسلية اللا أخلاقية في قرطاجة. كانت وجوه المسيحيين تشرق إشراقةً نبيلةً هادئةً، وتسمو بهم فوق مستوى الرعاع، وفوق مستوى معذبيهم الرومان. وعندما كان ترتوليانوس يتأمل هذه الأمور ومضامينها، كان يزداد اقتناعاً، بأن هذه الحفنة من الرجال والنساء، كان لابد من أنهم يملكون شيئاً جديداً لا يقدر بثمن. فإذا كان درب المسيح هو الحق، فليس أمامه إذاً، سوى طريق واحد يمكنه السلوك فيه.

لم يكن ترتوليانوس ليقبل بأنصاف الحلول، وقد تكشفت هذه الصفة فيه بعدما اعتنق المسيحية، حيث كان اندفاعه حماسياً متّقداً، وإيمانه حاداً، كما كانت مواصفاته عادة. لقد غيره إيمانه الجديد بشكل جذري.

فحياته التي كانت بلا أهداف تُذكر، أخذت اتجاهاً ثابتاً وراسخاً، وشخصيته التي كانت متقلقلة صارت ثابتة، وأفكاره التي كانت متقلبة أصبحت مستقرة على المبدأ الذي عرفه أنه مبدأ قويم وحق. وشعر كأنه إنسان جديد، ورجل كامل، وكان شعوره صادقاً. وفي ما بعد، كتب يقول: "يُصنع المسيحيون ولا يولدون هكذا."(1) وحقاً كان هذا اختباره الشخصي. هذا، وإن مخيلته الخصبة كانت تشده باستمرار إلى طريق المسيح. أخيراً وجد السبب الذي من أجله كانت نفسه الحيوية والحساسة تصرخ باستمرار: إنه الهدف الذي يستحق أن تُكرّس له الحياة والطاقات كلها. لقد وضع يده على المحراث، ومنذ الآن فصاعداً، لن ينظر ترتوليانوس إلى الوراء أبداً.

إن كانت الرسالة المسيحية هي التي صنعت الرجل، يبقى أن الرجل كان أيضاً نافعاً للقضية التي تبناها. ولم تمض إلا فترة وجيزة على اهتداء ترتوليانوس إلى طريق الحق، حتى باشر التبشير بالإيمان وتعليمه في قرطاجة، وكانت دعوته هذه ناجحة، بحيث أنه لم يعد لديه الوقت لممارسة البلاغة والفصاحة في مهنة المحاماة. فقد خصص وقته الكامل لخدمة الإنجيل، متكلاً على الله بكل بساطة لسد كل احتياجاته. بدأ ترتوليانوس يكتب عن الحياة الجديدة التي كان الله يكشفها له، ومن هذه البداية أظهر ترتوليانوس حبه لوطنه أفريقيا الشمالية، وبالخص لقرطاجة وطنه الأم.

وككاتب مسيحي مؤمن، يقف ترتوليانوس وحيداً تقريباً بين بني جيله. لقد ضاعت بعض كتاباته، وخصوصاً كتاباته الأولى، وبعض الكتابات باللغة اليونانية. أمّا ما تبقى له من كتابات، فهو كثير نسبياً، على الرغم من أن معظمها قصير وموجز. كانت هذه الكتابات عملية موضوعية، تعالج التساؤلات الملحة التي كانت تواجه المسيحيين في تلك الحقبة من الزمن، وكانت تشمل عدداً كبيراً من المواضيع. وهذه الكتابات تعطي كمية وافرة من المعلومات القيمة عن المجتمع الوثني والمسيحي في أفريقيا الشمالية إبان الفترة الأخيرة من القرن الثاني للميلاد.

كانت باكورة أعماله الرئيسة بل أعظمها، كتاب علم الدفاع عن المسيحية أبولوجتيكوس أو أبولوجي (Apologie). وقد كتب هذا الكتاب في نحو سنة 198 ميلادية، خلال الحكم الاستبدادي للإمبراطور المتوحش المدعو سبتيميوس سفيروس. إن هذا الكتاب هو تقديم ممتاز للإيمان المسيحي، لم يكن معالجة أكاديمية موجهة إلى إمبراطور مثقف، ذي ذوق فلسفي أو أدبي رفيع، بل كان تفنيداً عنيفاً، كتب إبان فترة الاضطهاد، لحكام رفضوا أن يصغوا، ولو إلى كلمة تقال في الدفاع عن المسيحية، وحكموا على المتهمين لمجرد اعترافهم بأنهم مارسوا ديناً غير مرخص به وهم يرفضون تركه. إن العنوان أبولوجتيكوس لم يكن يعني "اعتذاراً" أو "أسفاً" أو تبرئة من إثم مرتكب، كما تفيد هذه الكلمة الفرنسية بمعناها الحديث، بل يمثل على نقيض ذلك، إثباتاً منطقياً لوجهة نظر معينة، مقروناً ببرهان منطقي لصحتها وشرعيتها، وبينات مقنعة لمقبوليتها.

يبدأ ترتوليانوس دفاعه بإظهار بطلان عملية إلقاء القبض على المسيحيين وكأنهم مجرمون، وقد كان القضاة يعذبّونهم، لا ليعترفوا بجرائم خفية غامضة ارتكبوها، بل لإجبارهم على التنكر لإيمان نزيه. قال ترتوليانوس: "أمّا الآثمون الآخرون، فإنهم يُعَذّبون من أجل حملهم على الاعتراف. فلماذا يجري تعذيبنا نحن، فقط لننكر ما نعلنه بملء إرادتنا؟"(2) ثم يتساءل عن السبب وراء عداء الناس المتحمس والموتور ضد المسيحية والمسيحيين. إن التحامل العالمي الشامل ضدنا هو في الواقع غير منطقي ولا أساس له. إن الأشخاص الذين نعيش بين ظهرانيهم يعلمون هم أنفسهم أن المسيحيين هم أفضل ما يمكن أن يقابلوا من رجال ونساء، ومع ذلك يحتقروننا. يقولون: "إن الإنسان كابوس سيوس هو رجل طيب لكنه مسيحي." ونسمع أيضاً: "أنا اندهش لأن هذا الرجل الفطن المدعو لوكيوس تيتيوس قد اعتنق المسيحية."(3) ثم تحدّاهم ترتوليانوس مستفسراً لماذا الأزواج والآباء والسادة يفضلون أن يبقى أبنائهم وزوجاتهم وخدمهم الوثنيون مخادعين ومتمردين بدل أن يصبحوا مسيحيين صادقين ومحترمين. هل من المعقول أنهم يفضلون العيش مع زوجة وثنية محتالة أو ابن أو خادم مخادع وثني، بدلاً من العيش مع شخص مسيحي شريف؟

لماذا يكون المسيحيون مكروهين هكذا؟ "فإذا ارتفعت نسبة المياه في نهر التيبر إلى مستوى ضفافه، وإذا فشلت مياه نهر النيل في الوصول إلى الحقول، وإذا لم تهطل الأمطار، وإذا حدثت هزة أرضية، وإذا حدثت مجاعة أو جاء وباء، فإن الصرخة الفورية تقول: "خذوا المسيحيين إلى ميدان الأسود."(4) لماذا نلام نحن المسيحيين بسبب أمور عامة تحصل لجميع الناس؟ هذا بالطبع ليس عدلاً، وهو مناف لأبسط الأعراف والتقاليد الرومانية. كان ترتوليانوس يعرف ما يقول. "إنه يكتب كمحام مشدداً في مرافعته على لا شرعية الاضطهاد الممارس ضد المسيحيين، وعلى أن القوانين المنفذة ضدهم هي إنكار لحقوق الإنسان."(5) فصرخ حقاً: "إن من الحقوق الأساسية لكل إنسان، ومن الامتيازات التي منحتها له الطبيعة، حقه في العبادة بموجب قناعاته."(6) فلا يجوز للمواطن الصالح أن يعاني الإجحاف والتحامل بسبب ما يدين له؛ فعلى القانون أن يكبح جماح السلوك السيء، لا أن يمنع المعتقدات النزيهة والصادقة.

وقد تعلم ترتوليانوس من خلفيته القانونية أن يتحقق من البينات والحجج، ومكنته من استعمالها على أحسن وجه، وقد أضفى تكوينه البلاغي وفصاحته المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمواهبه الفطرية الأصلية، قوة وطاقة نافذة على تعبيره. "كان أسلوبه الأدبي ينسجم مع أفكاره. وكان هذا الأسلوب حيوياً توكيدياً فصيحاً. قاده إيجازه وعدم ترابط أفكاره إلى شيء من الغموض أحياناً. وكانت المفردات اللغوية التي يستعملها مذهلة في غناها ومأخوذة من مصادر مختلفة. لا يهمه إن كان المصطلح كثير التقنية أو قديماً مهجوراً، أو إن كان تعبيراً شائعاً كثير الابتذال إقليمي الاستعمال، إذا كانت هذه المصطلحات أو التعابير تدل على المعنى الذي يقصده. فإذا وجد ترتوليانوس أنه ليس هناك كلمة لاتينية جاهزة أو قادرة على استيفاء المعنى المطلوب، فهو يحاول استعمال كلمة يونانية، وإن لم يجد ما يفي بالغرض، كان يبتكر كلمة مناسبة. يحتوي أسلوبه على عناصر السيل جميعها من مواد مخلوطة وسرعة وتوجيه. فالخشب، والحجارة، والأتربة، وأوراق الشجر، والزهور، والنفايات تجرف جميعها معاً ثم تقذف لفتح سبيل مسدود أو لقهر خصم."(7) وتُظهر كتاباته بوضوح مقدار حماسته، وهو ينجرف في عدّة أحيان وراء قوة اقتناعه، وشدة حجته. وبالأخص عند قراءة كتاباته الجدلية في تفنيد مبادئ الآخرين، "على المرء أن يتذكر دائماً أنه يصغي إلى مرافعة خاصة، أعدها محام شديد التمسك بدفاعه، وليس إلى شهادة يدلي بها شاهد محلّف أو حُكمٍ أصدره قاضي بعد أخذ جميع الآراء بعين الاعتبار."(8)

ولكن، ففي كل هذه الأمور، سواء بوعي أم لا، كان يستنبط لغة جديدة، أو على الأقل يصوغ لغة قديمة في قالب جديد. لقد صنع من اللغة اللاتينية آلية قادرة على حمل عظمة وقوة أعمق رسالة قد يسمعها الإنسان. لقد بدأ الأدب اللاتيني المسيحي فعلاً مع ترتوليانوس. كان عنده أفكار لم تظهر في هذه اللغة من قبل، وكان مقصده الأوحد هو التعبير عنها بفعالية. فترتوليانوس هو أول من ابتكر عبارة "الثالوث الأقدس" ليصف من خلالها طبيعة الله، ويُقدّرُ ما ابتكر من كلمات جديدة ب 982 كلمة تقريباً.

يرى المؤرخ الفرنسي العظيم جوليان (Julien) في ترتوليانوس أنه المزاج الأمازيغي النشيط المتقد بشرارة الحق المسيحي والمشتعل بهمة راسخة لا تقاوم. كان ترتوليانوس من "المهتدين البرابرة، ولكنه استبقى تحت الغلاف المسيحي على كل حماسة البرابرة وعنادهم وحدة مزاجهم."(9) "يندب" ترتوليانوس أحياناً اتقاد طباعه وحدّته. ولكنه استمر، مع ذلك، مندفعاً إلى الأمام بنفاذ صبر، واثقاً في نفسه، مستخدماً كلماته كسلاح حربي، مناضلاً ضد مناوئيه بلا هوادة ولا لين، منطلقاً وراءهم يقذفهم بكل أنواع أسلحته الجدلية المتوافرة ليقهرهم ويخضعهم لطاعته. وليس من المستغرب أن تتمكن قلّة قليلة منهم فقط، من مناقشته: هذا، وإن مواهبه الفذة، لم تبق في الميدان مكاناً لأحد سواه. إن ترتوليانوس كاتب يستحيل عليك أن توافقه دائماً، وهو يترك عندنا أحياناً آثاراً موجعة، ولكن مع كل نقاط ضعفه، فهو رجل يمتلك عبقرية فذة عظيمة، وتعتبر شخصيته أكثر الشخصيات فتنةً وسحراً في تاريخ الكنيسة المسيحية.

كان لترتوليانوس قلب مبشر، وقد خصص كتاباته قبل كل شيء، ليربح الوثنيين واليهود ويهديهم إلى الإيمان بالرب يسوع. إنه يُقدّم كل الأسباب الموجبة للإيمان، وكل الإجابات المطلوبة للمعترضين. وعندما يدير أفكاره نحو الجماعة المسيحية نفسها، تكون رغبته العظمى في أن يُمكّن العالم الوثني من النظر إلى هناك لرؤية يسوع. يجب أن تنسجم حياة المسيحيين مع ما يعلنون من تعاليم الإنجيل. وهو يتساءل ما جدوى الكنيسة المسيحية إذا كانت لا تستحق احترام الذين هم خارجها؟ فماذا يمكنها أن تحقق إذا لم تُظهر قداسة المسيح؟ وكيف يمكن للوثنيين أن ينجذبوا إلى المخلّص إذا رأوا أتباعه في حالة شر وخطية هي أسوأ من تلك التي يتخبطون هم فيها؟ لقد تمنى ترتوليانوس على الكنيسة أن تكون الشاهد المخلص للعالم. فعندما كان يتحدث إلى شعب قرطاجة، كان هاجسه أن يتمكن من الإشارة إلى التحول الذي يستطيع الرب عمله في الرجل والمرأة. ولكن إن لم يكن هناك أية علامة من علامات التحول، لابد عند ذاك من أن يسقط وعظ الإنجيل على آذان صماء. تحدّى ترتوليانوس منتقديه في أن يجدوا ولو مسيحياً واحداً متهما بالتجديف، أو فساد، أو بقتل، أو بنشل، أو بسرقة ملابس المستحمين. أما إذا وجدوا مثل هذا الشخص، فسيجدون أيضاً أنه فصل من شركة الكنيسة. فمثل هذا التصريح كان يحتاج إلى أن تكون الجماعة المسيحية مستحقة للصورة النقية. ولو كانت هناك خطيئة في الكنيسة؛ تصدّعت الأرض من تحت قدمي ترتوليانوس، وتحت أقدام كل أولئك الذين ينشدون ربح الآخرين للإيمان بالرب يسوع.

طالب ترتوليانوس زملاءه المسيحيين بأن يتجنبوا كل مظاهر التسوية مع الفئات السياسية والفعاليات العالمية. قال إن إمبراطوريات العالم تعلو وتهوي، أما الكنيسة فأبدية. إنها مملكة روحية وليست مملكة أرضية أو مادية، ويجب أن تبقى الكنيسة حرة لتخدم، ولتوفر الاحتياجات الروحية لجميع الناس أياً كانوا.

وقد تبتهج الكنيسة إذا نظرت إليها السلطات الرومانية نظرة استحسان. ولكن إذا احتقرتها تلك السلطات وكرهتها، فعلى الكنيسة أن تثبت وتتحمل. ولكن لا يجوز للكنيسة أن تُسخّر لخدمة قضايا السلطة مهما كانت الظروف والأسباب: عليها ألا تكون أداة بيد الحكام في الإمبراطورية. إن المسيحي مواطن صالح وشريف، ولكن آماله لا تتأسس على أية جمهورية أو مملكة بشرية. فهو تابع قبل كل شيء لأولئك الناس المدعوين "كنيسة الله"، وعاهله هو ملك الملوك ورب الأرباب. فهناك يكمن ولاءه وإخلاصه. سأل ترتوليانوس: "أفهل هناك أمة، داخل حدود جغرافية معينة، تفوقنا عدداً؟ فنحن أمة بلا حدود، بل حدودنا العالم بأسره."(10)

إن إخلاص ترتوليانوس لإيمانه، كحماسته له، لم يكونا قط موضوع تساؤل. فهو واثق من موقفه، وكل وجهات النظر الأخرى، ليست سوى رمال متحركة. فماذا بإمكان الإنسان غير المخلَّص أن يعرف عن الحق؟ وماذا بمقدور رجل عالمي أن يعرف عن القداسة؟ وكيف يمكن لعابد الأصنام أن يفهم تعاليم الكتاب المقدس أو ينتقدها؟ إن هذه الأمور، كما قال الرسول بولس، هي مدركة على أساس إعلان من روح الله. "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة........ وأما الروحي فيحكم في كل شيء."(11)

رأى ترتوليانوس أن المسيحي الذي يتنكر لإيمانه هو جبان وخائن، ولا عذر له. فإن مثل هذا الشخص قد كذب وجدف على الله لكي ينجو بنفسه، وإذا ما عاد هذا الإنسان إلى الكنيسة، فعليها ألا تقبله وكأن شيئاً لم يكن: هذا هو السبيل لكي تملأ صفوفها بالضالين وبالمرائين. قال ترتوليانوس إنه لا يمكن لكنيسة المسيح أن تصفح من موقع ضعف عن أولئك الذين يخونون سيدها خيانة تامة أو يخطئون إليه عمداً. لذا يجب إبعاد المؤمن عن الكنيسة إذا ما عاد إلى عبادة الأصنام، أو إلى الأعمال الوثنية الفاجرة. ألا يستحق الرب يسوع أجل الخدمات؟ فعلى المسيحي أن ينكر ذاته ويحمل صليبه ويتبع المسيح، وأقل من التكريس الكامل يعتبر إهانة لله ولشعبه. يجب التعامل مع الخطيئة المرتكبة بجدية وحزم، تماماً كما كان يفعل رسل المسيح (12).

كان سلطان إخراج الشياطين أمراً مألوفاً في الكنائس في عهد ترتوليانوس. وقد أشار هذا الأخير إلى طرد الأرواح الشريرة، ليس وكأنها ظاهرة نادرة يجب التأكد منها بجهد وبشهادة الآخرين لها، ولكن باعتبارها حقيقة لا تنكر، معروفة لدى الجميع، ويعتمد عليها بثقة للتحقق من أن رسالته كانت رسالة حق. إنه لا يسأل خصومه الوثنين أن يؤمنوا بأن مثل هذه القوى لاتزال موجودة، ولكنه يطالبهم بقبول رسالة الإنجيل التي تأتي هذه القوى لتبرهن أصالتها.

كان ترتوليانوس يعرف الكتاب المقدس حق المعرفة، وكان يقتبس باستمرار من الأناجيل ومن الرسائل، كما من العهد القديم أيضاً. وكان يسير بكل وضوح على خط الإيمان الرسولي النقي. ولا نجد في كتاباته إلا القليل من الأفكار الدينية الدخيلة على المسيحية، والتي تسببت بعد وقت قصير بتعقيد حياة الكنائس. وقد احتج ضد الممارسة الجديدة الخاصة بمعمودية الأطفال. ولم يعط مريم أم المسيح في الجسد مقاماً أعلى من مقام الناس الآخرين ولم يصل لها. ورفض أيضاً المبدأ القائل بتبتل قادة الكنيسة، على الرغم من أنه وجد له قيمة فعلية بالنسبة إلى أي مسيحي يرغب في ذلك طوعاً. وآمن إيماناً راسخاً بكهنوت المسيحيين المؤمنين جميعهم، وغالباً ما كان يذكر سامعيه، بأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسم المسيح، فهناك يكون المسيح في وسطهم. وقد شدد بحزم على أن الكنيسة الحق لا تقاد إلا بالروح القدس، وليس من طريق المؤتمرات البشرية. كان ترتوليانوس يتوقع واثقاً أن يرى من خلال حياته على الأرض نهاية العالم وعودة المسيح وبداية الملك الألفي.

ثم بعد مدة، جرى على الأرجح تعيين ترتوليانوس كشيخ من شيوخ كنيسة قرطاجة، لكنه على غرار إقلمندوس الاسكندراني (Clément d'Alexandrie) وأوريجانوس (Origène)، لم يرق إلى درجة كنسية أعلى. ويبدو أنه كانت لديه تحفظات جدية بالنسبة إلى هذا النوع من البنى الهرمية. امرأة ترتوليانوس كانت مسيحية، وقد أهداها بحثين كتبهما عن الزواج المسيحي، وأظهر من خلالهما تفانيه لزوجته، داعياً إياها برقة وتحبب "يا أحب رفاقي في خدمة الرب" (13). وكمعظم الرجال في عصره، كان من المفترض أن تكون ملابس ترتوليانوس مشتملة على الرداء الأبيض بأكمامه القصيرة، وهو عبارة عن قميص طويل يصل إلى الركبتين، مصنوع من الكتان، ومشدود حول الخصر بحزام. إلا أن ترتوليانوس أظهر استقلاليته عن عادات الإمبراطورية الرومانية بالاستغناء عن التوجا، اللباس الروماني الفضفاض والمتدلي، مفضلاً عليه الشملة الإغريقية، (وهي نوع من اللباس الذي يطرحونه على الكتف الأيسر) أو "بليوم" الفيلسوف (وهو رداء رجالي مستطيل). وقد ظهر تفضيله لهذا اللباس في كتاب يبحث في موضوع الملابس. وحذا حذوه في هذا الزي كثيرون. وعليه، فقد أصبح لباس التوجا يختفي من الكنائس. أما حذاؤه، فكان الصندل الذي كان يربط برباط يلتف حول الكاحل. وكان يقص شعره قصيراً، ولربما كانت له لحية قصيرة، وهي التي كانت وقتئذ تطابق الزي السائد منذ نهاية القرن الثاني. فقد أشار أحد الرجال المعاصرين لترتوليانوس، وهو أكبر منه سناً، ويدعى إقلمندوس الاسكندراني إلى اللحية داعياً إياها "زهرة الرجولة". ويقول إقلمندوس أيضاً" "إن اللحية هي الصفة المميزة التي منحها الله للرجال وللأسود" (14). وكان حلق الذقن آنذاك يعتبر تخنثاً، وتحدياً لله الخالق.

كان ترتوليانوس في قرطاجة وقتما حكم على بربيتوا وزملائها بالإعدام عام 203 ميلادية. ويعتقد بعض الكتاب أنه هو الذي ألف قصة استشهادهم أو أعدها. وفي كل حال، كان ترتوليانوس نحو هذا الوقت قد انضم إلى فرقة من المسيحيين، كانت تعرف بالمونتانيين (Montanistes)، والتي يبدو أن بربيتوا ورفاقها كانوا ينتمون إليها. وفي مطلع القرن الثالث، كانت هذه الفرقة قد اكتسبت لنفسها بعض الشعبية في أوساط إفريقيا الشمالية. وكان أعضاؤها يتبعون تعاليم ومثال أحدهم ويدعى مونتانوس (Montanus)، الذي كان قد شرع بالكرازة نحو العام 170 م، وذلك في منطقة فريجية (تركيا الحديثة).

كان مونتانوس يعتقد أن جيله كان يقف على عتبة عصر جديد، عصر الروح القدس، الذي خلاله سيكون من نصيب أولاد الله جميعهم أن يحصلوا على رؤى وعلى إعلانات بحسب ما هو مكتوب: "يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماًَ. وعلى عبيدي أيضاً وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون" (15). فالمسيحيون الذين التصقوا بمونتانوس شرعوا يرون ويسمعون مثل هذه الأمور. وقد صرح قائلاً: "إن الروح يحرك الذهن، كما أن الموسيقار يحرك أوتار القيثارة"، وبهذه الطريقة يستطيع المؤمن أن يحصل على كلمات الله عينها، وأن ينقلها إلى الآخرين.

وقد أخذ المونتانيون مبادئ العهد الجديد على محمل الجد، وحاولوا أن يعيشوها مهما كلف الأمر. لم يتمكنوا، كما هي الحال بالنسبة إلى الكثيرين سواهم، من التوفيق بين الخدمة العسكرية وتعاليم يسوع: على المسيحيين ألا ينخرطوا في الجيش. كما اعتبروا أن دراسة الأدب الوثني لا يليق بالمسيحي: إنها ستضله عن الطريق الصحيح، وتعثر الناس الذين يرون هذا القارئ ويقتدون به. كانوا قد بدأوا يجتمعون في بيوتهم للصلاة والصوم وقراءة الكتاب المقدس معاً؛ وكانوا يشجعون بعضهم بعضاً على الارتقاء في حياتهم إلى أعلى المبادئ الأخلاقية الروحية. كانوا يتطلعون قدماً إلى مكافأة في السماء وإلى حياة أفضل. فكان إيمانهم الراسخ بأن المسيح سوف يعود سريعاً، وستراه كل عين ويعترف كل لسان بأنه رب (16). ومن ثم سوف يجمع شعبه ويأخذهم إليه ليسكنوا معه في مجده إلى الأبد. ولا يجوز للمسيحي أن تشده أمور هذه الحياة الفانية؛ وإذا ما دعي ليتألم، أو حتى يستشهد من أجل المسيح، عليه عند ذاك أن يفرح ويبتهج لكون الله قد ميزه بهذا الشرف العظيم. انجذب ترتوليانوس إلى هذه الفرقة، وبخاصة على أساس ما لمسه فيهم من رغبة صادقة في إطاعة كلمة الله. كان إخلاصهم القلبي يتلاءم ويتجانس مع إخلاصه هو.

لم يكن المونتانيون راضين عن بعض التوجهات والنزاعات التي ظهرت في كنائس إفريقيا الشمالية، وكذلك في آسيا الصغرى، ولقد تمنوا أن يروا قداسة أكثر وضوحاً في الجماعة المسيحية. وقالوا إن هناك العديد من المسيحيين الذين لا يعيشون طائعين إطاعة صادقة للمسيح. فبعضهم، كما يبدو، كان يميل إلى التساهل في الانغماس في نشاطات سيئة السمعة أو إلى المشاركة بالأفعال القذرة الحقيرة التي يمارسها الوثنيون؛ فكان يجدف على اسم المسيح من جراء ما يمارسه هؤلاء المدعوون مسيحيين. واعتبروا أنه يجب طرد مثل هؤلاء من الكنائس. كان من الضروري في نظرهم أن يعطى الذين من خارج – يهوداً كانوا أم وثنيين – فرصة لسماع بشارة الإنجيل. لكن يجب عدم تسميتهم مسيحيين حتى يصبحوا هكذا فعلاً، أي حتى يتنكروا لذواتهم، ويحملوا صليبهم ويتبعوا المسيح.

اغتاظ المونتانيون عند تنامي البنية السلطوية للكنيسة، والتي قيدت الكنائس بعضها ببعضها الآخر، وأعاقت حريتهم في الاجتماعات. إلى هذا، ظهرت نزعة متنامية لدى القادة في المدن الكبيرة للتسلط على القطيع حتى أنهم أصدروا قرارات توقعوا من سائر الكنائس الأخرى أن تذعن لها. يجب احترام القادة، قال المونتانيون، ولكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنهم معصومون عن الخطأ. كذلك عليهم هم أيضاً أن يخضعوا لكلمة الله. إن الوحدة في الكنائس، كما يصرح المونتانيون، يجب ألا تفرض بالقوة الجائرة. فالوحدة الحقيقية هي ثمرة التسامح والمحبة، ولا يمكن أن تتحقق إلا عندما يمتلئ الجميع بروح المسيح. يجب أن تكون وحدة الكنيسة وحدة روحية أكثر منها مؤسساتية، ويجب أن يكون هناك مكان في أروقتها للأفكار والآراء والاهتمامات المختلفة. إن المخلص نفسه هو رأس الكنيسة ويجب أن يكون روحه هو القائد؛ فليس هناك إنسان قادر على أن يأخذ مكان يسوع المسيح.

كذلك الاجتماعات في كنائس كثيرة، بدأت هي الأخرى تزداد شكلية، وقد حدت بالتالي من حرية الروح القدس في تحدثه المباشر إلى أعضاء الكنيسة. وأشار المونتانيون أيضاً، إلى أن النظار المعتمدين ليسوا وحدهم من يحصلون على التوجيه الإلهي. لأنه بإمكان كل مؤمن أن يصلي إلى الله ليعلم مشيئته، وبذلك يساهم في الحياة الكنسية للخير العام.

فإذا كانت طهارة هذه المجموعة من الناس المؤمنين، في أيام المسيحية الأولى، قد استحقت احترامنا وإعجابنا، فإن استعدادهم للاستشهاد يثير فينا إعجاباً تاماً. فهم لم يترددوا قط في بذل حياتهم، عندما البديل لاستشهادهم كان يعني إنكار مخلصهم. قد نعذرهم على تطرفهم في وضع مستويات الصواب والخطأ، وكذلك على قلة صبرهم على أولئك الذين كانوا يرغبون في سلوك سبيل أدنى من المستوى المطلوب، لأن المبادئ التي كانوا يؤيدونها لم تكن في غالبيتها سوى تعاليم يسوع ورسله. إن ما قدموه كان في معظمه نصائح وحض بغيرة على حب أعمق وتكريس أعظم.

إلا أن العديد من الكنائس في القرن الثاني، كانت تسير في اتجاه مختلف تماماً. فبعضها كان يميل إلى الفكرة القائلة أن التنبؤ قد توقف منذ عصر الرسل. وقيل أيضاً أنه لم يعد بإمكان المسيحيين الحصول على إعلانات شخصية، وإن أي إنسان يدعي النبوة من الله لا يمكن أن يكون إلا من الدجالين. كان المونتانيون قلقين، ولكنهم، لم يرغبوا في الانفصال عن إخوتهم في المسيح. فعوضاً عن فتح باب الشقاق، تحملوا بصبر سوء الفهم والإجحاف، وعملوا ما بوسعهم للتأثير في الجماعة المسيحية من الداخل.

مع ذلك، فقد كان أناس ينتمون إلى الكنائس القديمة، الذين شعروا بالامتعاض من مواقف المونتانيين، وشكوا في روح الاستقلال عندهم، كما سخروا من الوحي الذي ادعوا حلوله عليهم. فتم رفع الشكاوى ضدهم على أعلى المستويات. وفي مقاطعة فريجية نفسها، موطنهم، قامت بعض الكنائس بإدانتهم. كما سافر أحد مناوئيهم المدعو براكسياس (Praxéas) إلى روما، ونجح في إقناع ناظر الكنيسة، بأن المونتانيين يعملون على إثارة الشقاق والخلاف، ويهددون وحدة الكنائس المسيحية في العالم بأسره. فكانت النتيجة حاسمة إذ أصدرت كنيسة روما الحرم الكنسي بحق المنشقين المونتانيين، واعتبر هذا الحرم شاملاً لكل الكنائس، وفي كل الأصقاع، التي تأتمر بأولمر كنيسة روما هذه المجموعة التي عرفت فيما بعد "بالكنيسة الكاثوليكية" أو الكنيسة العالمية. لم يكن هذا الرفض والإبعاد بسبب تعاليم زائفة صدرت عن المونتانيين، بل، وبكل بساطة، لكون هؤلاء عطلوا نظام الكنائس، ولرفضهم أيضاً القبول بالمقاييس التي حددها قادتهم المعتمدين.

لقد أثيرت فيما بعد شكوك بالغة الخطورة حول صوابية تعاليم براكيسياس نفسه. إن آراءه في لاهوت المسيح وناسوته شردت من دون شك عن الحق الكتابي، بينما ظل المونتانيون مستقيمين في هذا المجال. إلا أن التوفيق أضحى مستحيلاً. وربما، لم يعد أمراً عجيباً أن يساء فهم المونتانيين جداً من مؤرخين كنسيين لاحقين من ذوي النزعة الكاثوليكية والأسقفية، الذين، خلال جيلهم الخاص، يتبنون الدعوة المسكونية لتوحيد الكنيسة عضوياً وظاهرياً بأي ثمن. وكثيراً ما كانوا يكتبون عن المونتانيين بكلمات من قبيل: "المتحمسون الصارمون" أو "أبطال في يوم الاضطهاد، متعصبون في زمن السلم" (17). ولكن هذا لم يكن كل ما في الأمر.

وبالتأكيد، فإن ما حدث لم يكن نهاية المونتانيين، إذ وجد هؤلاء في ترتوليانوس بطلهم الأعظم. فقد كتب هذا الأخير تفنيداً مسهباً ضمنه حججاً دامغة ضد براكسياس. وقد وضع ثقله خلف حركة المونتانيين التي أشار إليها في تفنيده بالعبارة "النبوة الجديدة". ولم يجعل ترتوليانوس المونتانية جديرة بالاحترام وحسب، بل اعتبرها قوة يجب تقديرها والاعتماد عليها في شمال إفريقيا. واستمر المونتانيون بالتعليم ومد يد العون بعضهم لبعض بقيادة الروح القدس، وبمباركة الله المدركة الظاهر" (18).

قضى ترتوليانوس طوال حياته في قرطاجة، على الرغم من أنه زار روما مرة واحدة على الأقل. ولربما خدم أيضاً في كنيستها كشيخ من شيوخها لفترة ما. وفي روما، أصبح ترتوليانوس ضليعاً في ترجمة لاتينية للكتاب المقدس، تختلف أحياناً وإلى حد بعيد عن تلك التي استعملها كبريانوس لاحقاً في قرطاجة. ولكن غطرسة قادة الكنيسة في روما وعداءهم المذهل للمونتانيين، تركا أثراً ثابتاً في ترتوليانوس مما ساعد، من دون شك، في جعله متعاطفاً معهم ومؤيداً لهم. كان متقد الذهن للغاية وحاراً في الروح جداً حتى إنه لم يكن من السهل عليه الخضوع لأوامر مصقولة صادرة عن أناس دونه شأناً. لم يكن ترتوليانوس يرغب في أن يكون السبب، أو أن يشجع على إحداث شرخ، وكذلك لم تكن الكنائس الأقدم عهداً ترغب في إبعاده عن شركتها. آمن ترتوليانوس، من كل قلبه، بمبادئ الإيمان المسيحي، واختلف مع زملائه المؤمنين، فقط في الاعتقاد أن مستواهم القداسي لايزال متدنياً إلى حد ما. لقد بقي من أعظم مناصري المسيحية الحق. كما كتب بعض أعظم مقالاته ضد "الغنوسطية" (Gnosticisme) وغيرها من الهرطقات والبدع، بعد التحاقه بالمونتانيين. ومن اللازم القول، إن فصاحته اللاذعة كانت أكثر إقناعاً حينما تنصب ضد جعالة العدو المشترك، أكثر منها حينما تكون ضد قصور الكنيسة الكاثوليكية وعدم كفايتها، والتي كان قد تركه وقتذاك.

لقد اعتبر ترتوليانوس دائماً أن الوحدة المسيحية هي فضيلة عظيمة، ولكن لا يجوز أن نشتريها على حساب الحق. ويجب فحص الأفكار الجديدة، أضاف ترتوليانوس، بمقارنتها بكلمة الله؛ ويجب تشخيص الأخطاء في وقت مبكر، قبل أن تنتشر ويستفحل أمرها. قال إن الحق واحد بينما البدعة متشعبة متنوعة؛ والحق يعرف من موافقة الكنائس جميعها عليه، بينما البدعة هي محلية ومحصورة بفئة قليلة. الحق تبدى من أقوال الرسل بينما البدعة مظهر حديث. الحق يثبته الكتاب المقدس، بينما البدعة تنصب نفسها ضد الكتاب المقدس وفوقه (19).

وأخيراً، يظهر أن ترتوليانوس بدأ بنزعة من بعض أوهام التطرف التي ما إليها بعض من المونتانيين. أحياناً، يظهر أنصار مثل هذه الجماعات السائبة والمشحونة حيوية، رغبة مخيفة في قبول إعلانات "أنبيائهم" الذين ادعوا بأنهم ملهمون بالروح القدس، وذلك من دون أي تساؤل. وقد رأى ترتوليانوس بكل وضوح، أن الإيمان ممتاز ورائع، فقط إذا ما كان مبنياً على الحق. فالحرية الروحية يجب أن تمارس ببصيرة متأنية ومتعقلة. والحق الإلهي المعلن من الله والمنسجم مع الكتاب المقدس الموحى به، يجب قبوله، ولكن يجب عدم السماح للكنيسة بأن تساق وراء أفكار انفعالية ومتحمسة صادرة عن خيال أشخاص قد يكونون سليمي النية والقصد ولكنهم يقودون الكنيسة بالتالي، إلى الضياع والتشتت. قال الرسول يوحنا قبل عدة سنوات: "أيها الأحباء، لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (20). كما أن الرسول بولس قال، إن الروح القدس يعطي لبعض الناس القدرة على التنبؤ، أي أن يبلغوا رسالة الله، ولكنه أيضاً يعطي لآخرين القدرة على "تمييز الأرواح"، أي أن يعرفوا ما إذا كان الإعلان من الله أم من مصدر آخر (21). وبعد بضع سنوات، انفصل ترتوليانوس على ما يبدو عن المونتانيين جاراً معه عدداً من أقرب أصدقائه. فبالنسبة إليه، يبقى الحق هو الأهم من كل الأشياء.

ولم يكن لترتوليانوس مثيل في عصره سوى واحد، وهو أوريجانوس العظيم. وقد ولد أوريجانوس في الإسكندرية ولكنه انتقل في ما بعد إلى قيصرية على ساحل فلسطين. وما يدعو إلى الحيرة والعجب حقاً أن يكون كل منهما متشابهين في بعض الوجوه، ولكنهما لم يكونا متشابهين في دروب ومسالك أخرى. فكل منهما له موهبة التخيل، وهو بارع في التصوير المجازي، وكل منهما يستخدم هذه الموهبة في كتاباته المتدفقة المثمرة، مدافعاً عن الإيمان ضد الوثنية، واليهود والهراطقة. وكلاهما كانا يعيشان حياة نكران الذات الشديدة الصارمة، وكلاهما، بتعاليمهما وقدوتهما، ألهما جيلهما كيف يجب أن يكون التكريس المسيحي الحقيقي الأصيل. وكلاهما كانا على استعداد أن يعانيا خسارة كل ما في هذه الدنيا من أشياء، عوضاً عن المساومة على حق الإنجيل. ولكن، مع ذلك، نجد كيف أن كل واحد منهما أمضى الفترة الأخيرة من حياته في خلاف مع القسم الأكبر من الكنيسة المسيحية، وفي صراع مع كبار قادتها المتنفذين في روما.

على أن هذا التشابه بينهما يبقى سطحياً، إذا ما علمنا أن هناك اختلافاً جذرياً بينهما في الجوهر. والحقيقة، أن واحداً منهما قد أمضى نصف عمره في حيلة وثنية، بينما عرف الثاني منذ ولادته بركات البيت المسيحي المسالم والثابت الإيمان. وهذا ما يفسر الكثير مما سنأتي على ذكره الآن. ولاشك أن حماسة ترتوليانوس الصارمة كانت في طبعه وخلقه، ولكنها ازدادت حدة بفضل تجديده ورفضه الكامل لماضيه، بينما "عذوبة ونور" أوريجانوس المحبوب كانا ثمرة نموه الهادئ بصفاته المسيحية التي ترعرع عليها منذ نعومة أظفاره. وقد انعكست هذه الأشياء في أسلوب كتابة كل منهما: فالأول صارم في عقيدته من دون هوادة، أما الثاني، فيحب الخوض في المعاني الغامضة ومعروف بلطفه التأملي الدقيق. يتعامل الأول مع الأشياء بتوكيد صريح مباشر، بينما يتعامل الثاني بمثل نظرية عالية المقام. وبّخ ترتوليانوس اليأس الأدبي في هذا العالم توبيخاً صارماً وعنفه تعنيفاً شديداً، وسخر من قنوط الناس الفكري. بينما قدم أوريجانوس تعاطفاً شديداً مع كليهما، وشعر في العمق مع أولئك الذين كانوا يتلمسون طريقهم بحثاً عن إدراك سرائر هذا الكون الفسيح. تعلم ترتوليانوس الفلسفة كوثني وازدرى بها للغاية: فالفلسفة ظهرت كمصدر لأكاذيب وهرطقات لا حصر لها. وتركت الناس في ظلمة كاملة لا يمكن أن تتلاشى إلا بفعل نور الإنجيل المعلن. أما أوريجانوس، فقد تعلمها وهو في أحضان المسيحية، وتعمق في مكنوناتها أكثر كثيراً من ترتوليانوس، فكان لها كل التقدير عنده، واعتبرها استعلاماً جزئياً وتمهيدياً قد لايزال يعمل لخدمة الحق.

على الرغم من أن كلاً من ترتوليانوس وأوريجانوس وجدا نفسيهما في نزاع مع المسيحيين الآخرين، إلا أن سبب هذا النزاع كان يختلف في كل حالة. فانفصال ترتوليانوس كان من عمله هو أما انفصال أوريجانوس فسببه أعدائه وخصومه. ومع أن أحداً في قرطاجة لم يدن ترتوليانوس.، فإنه تعمد ترك الكنيسة التي كان يخدم فيها، وعقد العزم على تفنيد أخطائها. أما أوريجانوس الذي حرم كنسياً في الإسكندرية وروما، فتحرك متوجهاً إلى الشرق، واستمتع هناك بأعظم قدر من الشركة الحميمة مع كنائس تلك المنطقة، من دون أن ينتقد أحداً. ولربما نستطيع أن نرى هنا، ومما سيلحق، كيف أن شخصية الإنسان تقرر إلى حد بعيد الخدمة التي يتولاها وآراءه ومبادئه الشخصية أيضاً.

يقول بعضهم أن ترتوليانوس بعد انجرافه بعيداً عن تيار المونتانيين، لم يلبث أن عاد إلى مجموعة الكنائس الكاثوليكية التي انتمت إليها غالبية مسيحيي شمال إفريقيا في ذلك الوقت. وهذا الرأي مشكوك فيه، ولكنه قد يبدو جذاباً لأولئك الذين يوقرون كلاً من الرجل ترتوليانوس والبنية الكاثوليكية. في الحقيقة، وبعد مرور قرنين من الزمن، بقي هناك مجموعة من المسيحيين يعرفون بالترتوليانيين، "أي أتباع ترتوليانوس" على الرغم من أن عددهم كان قليلاً. ولكن وجودهم، إن دل على شيء، فهو يدل على أن ترتوليانوس بقي بعيداً إلى حد ما من الكنيسة التي انتقدها بشدة (22). ومن جهة ثانية، وبعد مرور قرن على وفاته، فحتى كبريانوس، وهو أقوى وأخلص المدافعين عن الوحدة الكاثوليكية، قوم كتابات ترتوليانوس، وقدمها على سائر الكتب الأخرى، حتى أنه كان يخاطب أمين سره قائلاً: "جئني بالأستاذ، ناولني المعلم"، كلما شاء أن يتصفح مجلداً أو كتاباً ألفه ترتوليانوس. ويبدو أن ترتوليانوس اعتبر أن لا ضرورة لإجراء أي مصالحة رسمية مع الكنيسة الكاثوليكية، لأنه لم يدن رسمياً، ولا القادة حرموه كنسياً في كل من قرطاجة وروما. ونعلم أن ترتوليانوس قد اجتذبه كل من كان يشاركه إيمانه، إذ كان مستعداً أن يجتمع للعبادة مع أي جماعة تحب المسيح وتخدمه بإخلاص، وذلك بمعزل عن الكنيسة التي تنتمي إليها.

يخبرنا المترجم العظيم جيروم (Jérôme)، أن ترتوليانوس عاش عمراً طويلاً. ولم يعرف كيف أو متى توفي. ولكن، لابد من أن يكون تاريخ وفاته بين الأعوام 220 – 240 ميلادية. وهذا يظهر أنه كان في سن الستين على الأقل حين لبى نداء ربه وغادر هذا العالم.

تحدث ترتوليانوس إلى كل من الكنيسة النامية والعالم المراقب، معلناً المفارقة الشاسعة القائمة بينهما، تلك المفارقة التي كانت واضحة جلياً لكل من له عينان تريان: "حق العقيدة المسيحية، مقابل أكاذيب الوثنية؛ نقاوة الأخلاق المسيحية مقابل إباحية الوثنية؛ أخوية الشركة المسيحية مقابل أنانية الوثنية وقسوتها" (23). لقد محور مواضيعه الأساسية حول ثلاثة: الحق، النقاوة، والأخوية. يجب إحياء ذكره بواسطة كلماته الخاصة هذه التي يعرض فيها إقراراً للحق، حق الله الذي لا يمكن ولا يجوز إخفاؤه (24).

 

 

"لا يطـلبُ الحقُّ معـروفاً

أو استحسـاناً لقضيتـه

فهو يـعلم أنـه

غريبٌ في هذه الديـار

وأنه بين الغربـاء، من السـهل أن

يجد لنفسـه أعداء.

فـولادته، وداره، ورجـاؤه

هي في السـماوات.

ولكن شيئـاً واحـداً يتمنَّـاه

الحـقُّ بشـدة،

ألاَّ تحصل إدانتـه

وهو غـير معـروف".

ترتوليانوس

 

حواشي الفصل

1- Apologeticus 18

2- Apologeticus 2

3- Apologeticus 3

4- Apologeticus 40

5- Bettenson، ECF p. 15

6- Ad Scapulam 2

7- Plummer pp. 114 - 115

8- Plummer p. 115

9- اقتبسها Guernier p. 185

10- Apologeticus 37

11- (1 كورنثوس 2: 14 و15)

12- (1 كورنثوس 5: 9 - 11)

13- Ad Uxorem 1:1

14- Paedagogus 3:3 (ANF Vol. II)

15- (أعمال 2: 17 و18)

16- (فيليبي 2: 11)

17- Foakes – Jackson p. 254

18- لقد حافظ مونتانيو آسيا الصغرى على كنائسهم المستقلة حتى فترة متقدمة من القرن السادس

(Schaff HOTCC Vol. II p. 421)

19- راجع De Praescriptione Haereticorum 32

20- (1 يوحنا 4: 1)

21- (1 كورنثوس 12: 10)

22- يذكر أغسطينوس كيف أنه تمكن أخيراً بفضل جهوده، أن يصالح الترتوليانيين في قرطاجة مع الكنيسة الكاثوليكية، وذلك في القرن الرابع (De Haerisibus 6; Schaff HOTCC Vol. II p. 421)

23- Lloyd p. 28

24- Apologeticus 1 ؛ راجع الترجمة في Lloyd p. 23

المصادر الثانوية المختصة بحياة ترتوليانوس هي Barnes ؛ Lloyd pp. 21 ؛

Foakes – Jackson pp. 206 – 208 ، 263 – 265 ؛ Latourette Vol. I pp. 125 – 131

Plummer pp. 111 – 119

كذلك يوجد شواهد متعددة في كل من Frend و Schaff HOTCC Vol. II

بالنسبة إلى المونتانيين، راجع Eusebius V، 16 – 18 ؛ NAPNF Series 2 Vol. I

وفيها ملاحظات كثيرة أدرجها المترجم؛

Schaff HOTCC Vol. II pp. 415 – 427؛ Barnes ؛ Foakes – Jackson pp. 224 – 225

أضف تعليق


قرأت لك

الفادي

الفادي هو الشخص الذي يصنع الفداء، أي الخلاص والتحرير من شر ما، وذلك بدفعه فدية ما. مثل الشخص الذي ندعوه "كفيل" الذي يدفع كفالة أو فدية من أجل إطلاق سجين ما. وبالمعنى الروحي المسيح هو الفادي الذي دفع دمه من أجل تحرير الخطاة من قيود الخطية، فقام بهذا العمل المدهش وركّز نظره نحو الصليب. وإمتاز هذا الفادي بأنه:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة