كنسيات

الفصل العاشر: المحـن الحارقـة

القسم: أصول التراث المسيحي في شمال أفريقيا.

في العام 249م بدأت غيوم العاصفة تتجمّع من جديد. فقد ضاق صدر الإمبراطور الجديد دكيوس (Decius) وازداد قلقه باطّراد، بسبب تفسّخ الإمبراطورية الرومانية، فضلاً عن تخلّفها العسكري. وقد عزا الإمبراطور ضعف الإمبراطورية و وهنها إلى استياء الآلهة. كان يأمل إعادة الازدهار إلى الأراضي الخاضعة لسلطانه وسيطرته عندما أصدر مرسوماً دعا فيه جميع المواطنين، رجالاً ونساءً، إلى تقريب الذبائح للآلهة بشكل علني، وتسلّم شهادة من المسؤولين المحليين تثبت أنهم فعلوا ذلك.

وعلى هذا الأساس أُخرج المسيحيون من بيوتهم، ودُفعوا بخشونة إلى الساحات العامة، وأُمروا بتقريب الذبائح. فبعضهم، مّمن رُوِّع بالتهديد، أذعن لأوامر الإمبراطور، ولاسيّما أولئك الذين كان ولاؤهم المسيحي قد ضعف خلال أيام السلام السابقة المضعفة. فأسرعوا إلى المعابد استجابةً للأمر الإمبراطوري، بينما قام آخرون، من طريق التآمر مع المسؤولين، بشراء شهادات من دون أن يكونوا قد قاموا فعلاً بتقديم القرابين المطلوبة. إلاّ أن عدداً كبيراً منهم رفضوا الإذعان لمثل هذا المرسوم فهلك الكثيرون منهم. وكان أوريجانوس من بين الذين ثبتوا، فسُجن وعُذِّب في مدينة صور. وهكذا استُشهد متأثّراً بجراحه من جراء التعذيب الوحشي، وكان عمره يناهز السبعين. ولكن يلاحظ أن المسيحيين لم يعودوا يُتّهمون بعد بالقتل وزنى المحارم والفساد، ذلك لأنّ نقاوتهم و أخلاقياتهم الشريفة، كانت معروفة لدى الجميع. منذ ذلك التاريخ، أصبح جليّاً أن السبب وراء معاداتهم هو رفضهم للإذعان لمتطلبات العبادة الوثنية، لا التهم بارتكاب أعمال السوء الموجهة ضدهم.

كتب كبريانوس (Cyprien)، ناظر كنيسة قرطاجة، مطوّلاً عن الاضطهاد الذي تحمّله المسيحيون، وكان الكثيرون بينهم ممن عرفهم شخصياً. وقد سُجن عدد منهم في قرطاجة نفسها، بينهم النساء والأطفال، ومات بعضهم من جرّاء التعذيب. وحدث أن كان أحد هؤلاء في روما، ويدعى كلرينوس (Celerinus) حين صدر مرسوم ديسيوس. وقد تحمّل كلرينوس الأذى والتعذيب هناك، من دون أن يتراجع. وأخيراً، استُدعي للمثول أمام الإمبراطور نفسه، حيث اعترف بإيمانه المسيحي بكل ثبات. وقد كتب عنه كبريانوس قائلاً: "لقد كان أول هؤلاء الذين واجهوا المعركة في أيامنا... لقد مشى في مقدمة الصف ليواجه الحاكم نفسه، ذلك الحاكم الذي اختلق النزاع." احتُجز كلرينوس تسعة عشر يوماً في زنزانة السجن مثقلاً بالسلاسل الحديدية. وقد كتب كبريانوس قائلاً: "كان جسمه مصفّداً مغلولاً، أمّا روحه فكانت متحررة من الأغلال. لقد ذبل جسده من جرّاء افتقاره الطويل إلى الطعام والماء، ولكن نفسه عاشت بالإيمان وباستقامته، والله كان يغذّيه بالطعام الروحي. ففي مواجهة البلوى، كان كلرينوس أقوى منها، وفي سجنه، كان أنبل من سجّانيه، وفي تمدده على الأرض، كان مارداً يضارع معذبيه الواقفين فوقه، وفي الأصفاد، كان أقوى من أولئك الذين قيّدوه، وفي محاكمته، كانت له وقفة أشرف من تلك التي لقضاته، وعلى الرغم من أن قدميه كانتا مقيّدتين، فقد استطاع أن يسحق رأس الأفعى."

لقد نجا كلرينوس من محنته، وعاد إلى إفريقيا الشمالية، حيث استمر يخدم كقارئ (إذ كان يتلو آيات الكتاب المقدس في الاجتماعات) في كنيسة قرطاجة. هذا، وأن نُدباته وآثار جراحه الكثيرة كانت موضوع إعجاب المؤمنين هناك، إذ أدهشهم أن يصمد إنسان من أجل الإيمان، إزاء تعذيب وحشي بهذا المقدار، غير خاضع أو مستسلم، لا للموت ولا للأكاذيب. وأشار كبريانوس إلى أنه "إذا ما رفض شخص ما أن يؤمن بما يسمع كما رفض توما (أن يؤمن بما سمع عن المسيح)، فعندئذٍ لابدّ من أن يصدّق شهادة ما يراه بأم عينيه، إذ يرى البرهان الحي على صحة ما نقول."(1)

شاب آخر يُدعى أوريليوس (Aurelius)، واجه المحاكمة ذاتها في قرطاجة. وقد جيء به أمام قضاة المدينة للمرة الأولى، حيث عومل بخشونة، وقد صدر الحكم بإبعاده عن المقاطعة. ولم تمضِ إلاّ فترة وجيزة، حتى جيء بهذا الشاب مرة ثانية ليمثل أمام الوالي، وقد عومل ثانيةً معاملة أكثر وحشية وعنفاً وقسوةً. وكتب عنه كبريانوس قائلاً: "إنّ هذا الشاب ناضل في معركتين، واعترف بالمسيح مرتين، وفي المرتين خرج بمجد الاعتراف المنتصر: بعد انتصاره الأول نُفي إلى خارج البلاد. ثم دخل المعركة مجدّداً، لكي يواجه نزاعاً أعنف هذه المرة، وهكذا انتصر من جديد. لقد خرج من معركة الشهيد منتصراً. ففي كل مرة يحاول عدو الله تحريض عبيده على فعل الشر، إن جندي الله الذي هو أبداً مستعد وأبداً شجاع، يصمد في وجهه، وهكذا يحرز الانتصار. لم يكتفِ هذا الشاب المسيحي بأن يناضل مرة واحدة في حضور بعض الناس حينما حُكم عليه بالنفي، لقد استحق أن يقاتل في الساحة العامة، حيث رأى الجميع شجاعته وإقدامه، فبعد القضاة، كان عليه أن يقهر الوالي، وبعد النفي، كان يحتاج أن ينتصر على التعذيب والتنكيل." وقد نجا أوريليوس بنفسه، كما نجا سلفه كلرينوس، وأصبح هو الآخر قارئاً في كنيسة قرطاجة.(2)

وفي الوقت نفسه تقريباً، أصبح اسم نوميديكوس (Numidicus) مشهوراً في الأوساط المسيحية، كمن رأى أمتعة وقد حرقت، ولكنه نجا "كما بنار"(3) كان نوميديكوس عضواً محبوباً جداً في كنيسة قرطاجة. وكان مصدراً عظيماً لتقوية زملائه هناك وذلك بفضل قدوته أمامهم وتشجيعه لهم. في تلك الأيام، سخط رعاع قرطاجة على المسيحيين متّهمينهم بجلب سوء الحظ. لذا، كانوا يقذفونهم بالحجارة، أو يحرقون كل من يقع في أيديهم. كان نوميديكوس وزوجته من بين أولئك الذين وقعوا في أيدي الحشود الهائجة، فأخذوهما بعيداً. رأى نوميديكوس بأم العين زوجته المسكينة وهي تحترق بجانبه بلهب النيران المستعرة. أمّا هو فكان مثخناً بالجراح والحروق البالغة، فظنوه ميتاً وبالتالي تركوه. إلاّ أن ابنته التي حضرت إلى المكان تفتش عن جثة أبيها بين الأنقاض المحترقة، وجدته، وهو لا يزال حياً، فتمكّنت من إعادة العافية إليه. وبعد شفائه التام، عاد إلى الكنيسة في قرطاجة، حيث أصبح مساعداً مسؤولاً في إدارة كنيسة قرطاجة.(4)

لقد نجا كل من كلرينوس و أوريليوس و نوميديكوس من الاضطهاد الذي مارسه ضدهم ديسيوس، ولكن كثيرين خرّوا صرعى. لقد تسلّم كلرينوس كتاباً من أحد أصدقائه المدعو لوكيانوس (Lucianus)، مرسلاً له أخبار زملائه في الأسر والمعاناة. علم من الرسالة، أن اثني عشر من المؤمنين في السجون، قد لقوا حتفهم بسبب الجوع والعطش، وأن اثنين آخرين ماتا في قرطاجة بسبب التنكيل، وهما بولس (Paulus) وماباليكوس (Mappalicus)، وقد أضيف اسماهما بكل حرص إلى هذه اللائحة المتنامية من الشهداء.(5)

وفي ذلك الوقت، جُرّد العديد من المسيحيين الأكثر قوة من أملاكهم، وأُبعدوا من الأصقاع الرومانية. لقد وجدوا سبيلهم إلى القرى الداخلية، بعيداً عن المدينة، وعن متناول أيدي الرسميين الإمبراطوريين. فأسسوا هناك جذوراً، وبدأوا حياة جديدة. قد يتحسّرون على رفاهية الحضارة، ويشعرون بافتقارهم إلى المداخيل المعيشية الثابتة، ولكن، لابدّ من أنهم فرحوا كثيراً بحرّية العبادة بالشكل الذي يريدون. وواضح، فوق ذلك، أنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بإيمانهم لأنفسهم، إذ سرعان ما سمع الأمازيغيون في المناطق الداخلية بالرواية التي سردها لهم أولئك اللاجئون، ما حدث لهم بالتفصيل، ولماذا أُجبروا على ترك ديارهم وأملاكهم ومقتنياتهم، والحافز الذي رسّخ فيهم مثل هذا الإيمان والفرح، الإيمان الذي كانوا على استعداد دائم ليبذلوا في سبيله كل شيء.(6)

كان الإمبراطور ديسيوس، بغير قصد منه، سبباً لكثير من الناس، ليستمعوا إلى بشارة الإنجيل للمرة الأولى، ولاسيّما في المقاطعات النائية جداً عن المدن الساحلية. لكن ديسيوس نفسه لم يعرف هذا قط. وبخذلان آلهته له، قُتل ديسيوس في معركة خاضها ضد القوطيين في العام 251ميلادية ولم يدم حكمه أكثر من ثلاث سنوات. بعد موته، تنفّست الكنائس المسيحية الصُعداء، وبجردةٍ لحساباتها، وجدت نفسها تخرج من وطيس المعركة قوية وأكثر صلابة بفعل نيران المعاناة. لقد وجدت نفسها حرّة مرة جديدة من التأثيرات المضعفة لأولئك المسيحيين الاسميين الذين كانوا يعيشون في وسطها. كما ابتهجت بأبطالها الجدد، وبثباتهم المجيد. أمّا الناجون، فقد ازدادوا جميعهم عزماً على إتبّاع المسيح في السراء والضراء، في الضيق والفرج، في الموت أو الحياة، وهم مصممون أن يبقوا مخلصين له، مهما حدث.

* * * * * * * * * * * * * * *

ولكن، لماذا ثار المجتمع الوثني ضد المسيحيين بهذا الشكل؟ وأيّ أذى لحق بمواطني قرطاجة وروما على أيدي هذا الشعب المسالم؟ وكيف أساءوا إليهم؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال، يكفي أن نواجه حقيقة أن المسيحيين يختلفون عن غيرهم. فهم لم يتصرفوا كأناس اعتياديين، وهكذا كان الغموض يلفّهم في نظر بقية الناس. ولأنّ تصرفاتهم لم تكن عادية، لذا لم يكن سهلاً التنبؤ عنها. وعليه، فهم يدعون إلى الريبة والشك، سواء بالنسبة إلى الحكام والمسؤولين، أم إلى جيرانهم من المواطنين.

منذ الأيام الأولى للمسيحية، راح الناس يتناقلون شائعات غامضة عن المسيحيين: تُرى، ماذا يهيئ المسيحيون في اجتماعاتهم السرية؟ لمَ لا يسمحون، إلاّ لأولئك العارفين أسرارهم، بحضور وجبات طعامهم الخاصة؟ ولأنّ اجتماعات المسيحيين كانت تُعقد خلف الأبواب المغلقة، ولا يُسمح بالدخول إلاّ لأولئك الأعضاء المعترف بهم، نتج من ذلك شتّى أنواع الافتراءات والشكوك. فهل المسيحيون يدبِّرون للقيام بثورة أو عصيان ضد الإمبراطور؟ أم أنهم يتآمرون لتهديهم معابد الآلهة؟ وماذا يفعلون في أثناء ما يسمّونه "ولائم المحبة"؟

هنا تصدّى ترتوليانوس وزملاؤه لهذه التلميحات، مؤكّدين براءة المسيحيين. إنه يصف الشركة المسيحية المقدسة والخالية من أية أذية. ويذكر كيف أنهم بعد تناولهم ولائم الطعام المشتركة، لم يكونوا يمارسون شعائر دينية فاسقة، وإنما على نقيض ذلك إذ يعبدون الله، الذي كانوا يجتمعون باسمه. "وكان هذا الاحتفال ينتهي كما ابتدأ، بالصلاة." ثم يسأل ترتوليانوس قائلاً: "مَن مِن الناس تضرر بسبب اجتماعاتنا؟ فنحن مجتمعين، لا نفرق في شيء عنا ونحن متفرقين أحدنا عن الآخر. إننا كمجموعة، تماماً كما نحن أفراد. نحن لا نؤذي أحداً، ولا نجلب الحزن والأسى لأحد. لأنه عندما يجتمع الفاضل مع الصالح والحنون يلتقي الطاهر فلا يجوز أن يُدعى ذلك جماعة متمرّدة، وإنما شركة جديرة بالاحترام والشرف."(7)

على أن السبب الأهم للكراهية الشعبية الموجهة ضد المسيحيين، كان على الأرجح لكونهم لا يشاركون في التسليات العامة – في بهرجات الأيام المقدسة الوثنية – ولأنهم متخلّفون عن حضور الحفلات التي تنظمها النقابات الوثنية العمالية. إن ما حيّر، بل أغضب معاصريهم من الناس لم يكن بسبب ما فعلوه على قدر ما كان بسبب ما رفضوا فعله. وقد انبرى ترتوليانوس مرة أخرى، يدافع عن المسيحيين، محاولا ًشرح الأسباب فقال: "نحن لا شأن لنا بصخابة المباريات، ولا ببذاءة المسرح، ولا بوحشية الميدان."(8) وقد أقّر ترتوليانوس بأنّ المسيحيين لا يشترون أكاليل الورود المألوفة لتزيين المعابد الوثنية، ولكنهم لا يريدون أن يكون عند أحد انطباع بأنّ المسيحيين معادون للعالم الذي يحيط بهم. فإن المسيحيين يشاركون في نشاطات الحياة اليومية بشكل كامل – في الدكاكين وفي الأسواق، في الساحة العامة وفي كل مكان سواء أفي المدن أو في الريف. والمسيحيون كانوا يعملون في الحقول والورش نفسها، وهم يأكلون في المطاعم نفسها، وهم يلبسون الثياب نفسها، ويطبخون أنواع الأطعمة نفسها، ويستعملون الأثاث نفسه، وهم محترمون وأصدقاء للجميع. ولم يُدِر المسيحيون ظهورهم لجيرانهم قط، ولا أساءوا ولا أهانوا الأمور المثمّنة عندهم.(9)

إلاّ أنه كان في مدن الإمبراطورية الرومانية وقراها أناسٌ ذوو نفوذ استفادوا شخصيّاً من الواقع القائم. وقد بدأوا يشعرون بأنهم مهدّدون جداً بسبب النمو السريع للجماعات المسيحية في وسطها. ولم يستطع الكهنة الوثنيون أن يخفوا استياءهم إزاء ما يحدث من تقلّص في نفوذ آلهتهم، وتراجع في عدد الذين يحضرون لعبادتها. فقد بدأت صناديق المال في الهياكل تفرغ باطّراد. وراح صنّاع الصور وأكاليل الغار يتذمّرون مهدّدين، كما حصل قبل عدة سنوات مع ديمتريوس الصائغ وصنّاعه في أفسس عندما بدأت عظمة الإلهة أرطاميس بالانخفاض من جرّاء كرازة الرسول بولس.(10) فجميع بائعي أدوات التزيين وأصحاب الحفلات الترفيهية التي كانت رائجة آنذاك، والمضيفين – من صانعي المجوهرات، والموسيقيين والراقصين، وكل المحترفين في المسرح، واللاعبين الرياضيين والمجالدين – كل هؤلاء وغيرهم، صاروا ينظرون إلى المسيحيين نظرتهم إلى الأعداء، لأنهم لم يحضروا معارضهم ولم يشتروا بضائعهم، بل تسببوا في انسحاب زبائنهم. كما أنّ بعضاً من المونتانيين الأكثر تطرّفاً، وبّخوا أحياناً أيضاً بشكل ساخر عبدة الأوثان هؤلاء على تفاهة تجارتهم الدينية، فسبّبوا بذلك إساءة، وجرّوا على الأحكم منهم من إخوتهم المسيحيين عارّاً لم يكن ضرورياً.

كان الولاء للإمبراطور من القيم التي تمسّكت بها بحزم ودافعت عنها بحماسة، ليس طبقة النخبة الحاكمة فحسب، بل غالبية المواطنين أيضاً. لذا، فقد أسيء جداً فهم المسيحيين الذين لم يكونوا يتبعون مثل هذه العادات التي اكتسبت صفة الاحترام نظراً لقدمها، وهكذا أصبحوا مكروهين كرهاً شديداً، وباتوا في نظر القوم وكأنهم يحاولون تقويض أسس الحضارة الرومانية نفسها. فالمسيحيون لا يشاركون في الديانة الوطنية، وهم لا يقرّبون التقدمات ليضمنوا بذلك السلام والازدهار للأرض، ولا يطرحون البخور في المبخرة كعلامة الولاء للإمبراطور وآلهته التي جُعلت الإمبراطورية تحت رعايتها. وهكذا بدا المسيحيون وكأنهم اختاروا البقاء خارج المجتمع، يتمتعون بنعمه، ولكنهم في الوقت ذاته، يتملّصون من مسؤولياتهم. وقد وجد أعضاء الكنيسة الذين يمتلكون العقارات، صعوبة في تجنّب المشاركة في عبادة الأوثان: فمالكو الأراضي والمنازل، كان يُنتظر منهم أن يساهموا إلى حد كبير بكلفة التقدمات العامة والمشاهد المسرحية. والعائلات المسيحية الموسرة، كانت بشكل خاص عرضة لخبث الحسّاد، إضافةً إلى الجواسيس الذين كان الأباطرة المشككون والمرتابون يستخدمونهم. ففي الواقع، إن أخطر التهم التي واجهت المسيحيين، باتت مجهولة هوية أصحابها. فإذا ما جاء شخص معروف بادّعاء تافه أو كاذب، قد يجد نفسه في ورطة بالغة الخطورة، ولكن متى كانت التهمة مجهولة هوية أصحابها، فإنه يتمكن بعدها من الإفلات من العقوبة بسهولة. وبهذا الأسلوب، تمكّن أعداء الإيمان من ارتكاب أشنع الافتراءات اللا مسؤولة. وأحياناً كان اليهود في غيرتهم على مركزهم المميّز كمنتمين إلى ديانة مسموح لها، يقفون في طليعة المهاجمين: مثلاً، كان لهم دور رئيس في استشهاد بوليكاربوس.

إضافةً إلى ذلك، يخبرنا ترتوليانوس، أنه استناداً إلى خبرته، كان المسيحيون مكروهين غالباً فقط بسبب محبتهم بعضهم لبعض. لقد عارض الوثنيون الطريقة التي كان المسيحيون يعاملون فيها بعضهم بعضاً كإخوة وأخوات، مساعدين أحدهم الآخر، وداعمين أراملهم وأيتامهم والذين كانوا في ضيق وعوز. "إن ممارستنا لهذا العطف المحب وتنفيذه عملياً هو الذي، بشكل رئيس، يسمنا بالعار في نظر بعض الناس." يقولون: "أنظروا كيف يحب المسيحيون بعضهم بعضاَ." ذلك لأنهم هم أنفسهم يكرهون بعضهم بعضاً. ويقولون أيضاً: "أنظروا كيف أن المسيحيين مستعدون ليموتوا بعضهم لأجل بعض." ذلك لأنهم هم أنفسهم أكثر استعداداً لقتل أحدهم الآخر. إنهم يجدون خطأ فينا أيضاً لأننا نطلق على بعضنا التسمية "أخ". أشعر أني متأكد أن السبب وراء انتقادنا هو التالي: كل تسمية صداقة عندهم ليست سوى مجرّد ادّعاء مزعوم ورخيص."(11)

لقد حرصت الجماعة المسيحية كل الحرص على تكريم الإمبراطور، وعلى إطاعة القوانين، ودفع كل ما يترتب عليهم من ضرائب. فكلمة الله تقول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلاّ من الله والسلاطين الكائنة هي مرتّبة من الله."(12)

وقد أسرع ترتوليانوس بالإشارة إلى أنّ المسيحيين لم يكن لديهم أية دوافع أو أطماع سياسية، وهم ليسوا بالتالي ثوّاراً ضد الحكومة والدولة. كانوا مسالمين شرفاء، وذوي احترام ووقار. فإنّ أفضل الأباطرة وأحكم المسؤولين، أضاف ترتوليانوس، كانوا يعلمون ذلك جيداً: لقد رأوا في المسيحيين تلك المزايا الرفيعة الخالصة التي ودّوا لو يجدون مثلها في جميع الخاضعين لهم.

الأباطرة الأشرار وحدهم اضطهدوا الكنيسة، تابع ترتوليانوس، وذلك إمّا لكونهم ضعفاء أو راغبين في تملّق الوثنيين المتطرفين، وإمّا لكونهم أنانيين للغاية يدفعهم مزاجهم بدل الحكم السليم. و ترتوليانوس نفسه خاطب الرسميين الرومان راجياً منهم التساهل مع المسيحيين وواعداً بتقديم الولاء بالقابل.

إلاّ أنه في بعض الأحيان كان يجد المسيحيون أنّ واجبهم يجعلهم في نزاع مع السلطات. فإذا أعطوا ما لقيصر لقيصر، كان عليهم أيضاً أن يعطوا ما لله لله.(13) وحتى سلطة الإمبراطور نفسها كانت خاضعة لذلك الكائن الإلهي الذي خلق كل شيء. وبعض الظروف لم تترك لهم سوى خيار أن "يطيعوا الله أكثر من الناس."(14) فهم لا يمكنهم أن يقرّبوا التقدمات للأصنام، مثلاً، حتى ولو صدر مرسوم ملكي يطلب مثل هذا العمل، ولا كانوا يستطيعون أن يسفّهوا اسم المسيح أو يلعنوه وبعضهم رفض القَسم القانوني، معتقدين أنه من الخطأ أن يُقسم المسيحي بمثل هذا القسم، فقد علّمهم الرب: "لا تحلفوا البتة، لا بالسماء...، ولا بالأرض... لا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير."(15) ولم يستطع آخرون من المسيحيين أن يوفّقوا بين خدمة الجندية وضمائرهم المسيحية. إن مواقف رافضة كهذه، صبّت ولا شك الزيت على نيران الحقد.

كانت الطبقات العليا من الرومان، وعلى الأخص كبار الملاّكين، ينظرون بحذر إلى كل تعليم جديد قد يهدد وضعهم الراهن، ويعّرض غناهم ومراكزهم للخطر. فإن التعليم المسيحي القائل بالمساواة، لم يكن محبباً لدى الأوساط الأرستقراطية الوثنية الغنية. وهكذا حصل توتّر، خصوصاً في أيام الجفاف وندرة المؤن. شعر الوعاظ المسيحيون في أنفسهم بأنهم ملتزمون إلى حدّ قليل جداً بالموافقة على تلك الهوة السحيقة بين الفقراء والأغنياء. وبخاصة عندما كان أصحابهم وجيرانهم يعانون الجوع والتشرّد. ثم راحوا، على غرار المسيح نفسه، يحثون أصحاب الكنوز على كنزها في السماء لا على الأرض، مستوحين ممّا يذكره العهد الجديد بشأن أشراك الغنى والبركات المعلنة للمحتاجين والمسحوقين. وقد لاقت هذه الأفكار آذاناً صاغية لدى الفقراء، ولكنها لم تلقَ شعبية عند المسؤولين الرومان. إن الرسميين المحليين، وكانوا في غالبيتهم من الطبقات الأرستقراطية، لم يترددّوا قط في وضع موضع التنفيذ أي مرسوم إمبراطوري يعد باقتلاع هذه التعاليم من جذورها وتخريبها.

من الضروري أن نتذكر أيضاً أنه إلى جانب التشريع الصارم للمحاكم البلدية، وعداوة الرعاع التي لا يمكن التنبؤ عنها، كان المؤمنون معرّضين لمحاكمة عائلية يرأسها رب العائلة وصلاحياته تكاد تكون لا متناهية. لقد كان بإمكان الزوج الوثني مثلاً أن يدين زوجته المؤمنة ويحكم عليها بالموت. ومعروف عن آباء أنهم حرموا أولادهم من الميراث، وأنهم فرضوا كل أساليب التعذيب على عبيدهم إذا اعترفوا بالإيمان المسيحي.

كانت القوات المجنّدة ضد الكنائس متنوعة وثقيلة. ومعظم الصعوبة تكمن في أنّ السلطات الرومانية لم تكن تعترف بالدين المسيحي رسمياً، لذا لم يكن يحق للمسيحي أن يدافع عن نفسه قانوناً أو شرعاً. ويذكر ترتوليانوس في هذا الصدد كيف أن الوثنيين كانوا أحياناً يوبّخون المسيحيين وبشكل ساخر قائلين: "بموجب القانون، أنتم لستم حتى بموجودين." ولكنه، أيّ ترتوليانوس يردّ بالقول إنّ المسيحيين موجودون حقاً، سواء أشاء الوثنيون ذلك، أم أبوا. وإذا كان الأمر كذلك، فَمَن إذاً من الاثنين يكون بخلاف الحق: المسيحيون أم القانون؟(16)

وقد يُسأل لماذا لم تسعَ الكنيسة المسيحية للحصول على اعتراف شرعي بها، خصوصاً وأن اليهود كانوا قد حصلوا على مثل هذا الاعتراف. العقدة تكمن في كون الرومان يعتبرون أنّ الديانة هي مسألة عِرقية، لا مسألة اقتناع شخصي. فاليونانيون كان لهم آلهتهم، وكذا بالنسبة إلى الرومان. وقال كلسوس (Celse) في معرض انتقاده للمسيحيين: "أمّا اليهود، فلا يمكن أن يلاموا، لأنّ على كل إنسان أن يعيش بموجب عادات بلده، بينما المسيحيون قد تخلّوا عن شعائرهم الوطنية بسبب تعاليم المسيح."(17) على أن المشرعين الرومان اعتبروا أن ولاء الإنسان الأول ليس لضميره ولا لآلهته، بل للدولة. والإمبراطورية ادّعت لنفسها الحق بأن تقرّر لرعاياها أيّة آلهة يجب أن يعبدوا. ولم تكلّف الدولة نفسها عناء الاهتمام بالمعتقدات الخاصة التي يؤمن بها الإنسان، ولكنها فرضت عليه، بشدّة وحزم، أن يلتزم بشكل نهائي بحضور الطقوس العامة المختصة بديانة الدولة، وأن يُظهر بشكل واضح خضوعه وامتثاله. هذا، وإن إيماناً جديداً يمنع أصحابه من عبادة الأوثان كان من الطبيعي له أن يصطدم بنظام كهذا.

لا يمكن لحكومة كليانية أن تتفهم بسهولة فكرة وجود مواطن مخلص ينتمي إلى دينٍ مستقل. إلا أن ترتوليانوس ترافع أمام الحكّام الرومان ليعاملوا المسيحيين بالعدل إذ يمنحوهم فرصة فقط للتعبير عن وجهة نظرهم. فإذا حاولت السلطات، ولو فقط أن تكتشف ما الذي يؤمن به المسيحيون، فإنها ستتوقف عن صبّ جام غضبها عليهم. وفي الواقع، أضاف يقول، لن يجد المسؤولون شيئاً يلام المسيحيون عليه. يُسمح للناس المتهمين بجرائم العنف أن يدافعوا عن أنفسهم وليس هذا فحسب، بل أن يعيّنوا محامين محترفين للدفاع عنهم. "عندهم فرصة كاملة للردّ كما أيضاً لاستجواب الشاهد أو الخصم ابتغاء دحض شهادته، ذلك لأنه، من غير المسموح أن يدان الناس من دون سماع شهاداتهم أو قبول دفاعهم. أمّا المسيحيون، فهم وحدهم غير المسموح لهم بأن يقولوا أي شيء لتبرئة ساحتهم، وللدفاع عن الحق، ولإنقاذ القاضي من الظلم. فالقاضي همّه الوحيد إرضاء الجمهور الحاقد – أي الاعتراف باسم المسيح، لا استقصاء تهمة أعمال السوء."(18)

واستطرد ترتوليانوس قائلاً إنّ كل هذا العداء، هو نتيجة التعصّب الأعمى عن جهل. فإذا ما توقّف الناس للحظة فقط، للتبصّر والنظر في حقائق هذه القضية، فإنهم سيرون الأشياء من منظار مختلف تماماً. "فكل الذين كرهوا، بسبب عدم معرفتهم حقيقة الأشياء التي كرهوها أو حقدوا عليها، سيتوقفون عن هذه الكراهية حالما يكفّون عن جهلهم هذا... الناس يصرخون قائلين إن الدولة قد امتلأت بالمسيحيين. فالمسيحيون في القرى والأرياف وفي الجزر أيضاً، والناس من الجنسين، ومن كل الأعمار، وفي كل الأوضاع، حتى من ذوي المراكز الاجتماعية العليا ينتقلون إلى المجتمع المسيحي. يولولون ويندبون بسبب هذه الأمور، كما لو أنّ هناك نكبة أو كارثة. لكنهم على الرغم من كل هذا ليسوا على استعداد أبداً للتفتيش عن بعض الحسنات فيها التي قد تكون قد فاتتهم."(19)

أشار ترتوليانوس باستمرار إلى استعداد المسيحيين للموت عوضاً عن أن ينكروا إيمانهم، كان ثبات الشهداء من الأسلحة الرئيسة في جعبته. لقد تأيّدت حقائق التعليم المسيحي من خلال المواقف الثابتة لأولئك الذين تبنّوها: "اسألوا أنفسكم إذاً،" قال ترتوليانوس "عمَّا إذا كانت إلوهية المسيح معتقداً حقاً أم لا. فإذا كان قبول مثل هذا الإيمان يؤدي إلى تغيير الإنسان فعلاً إلى الأحسن، يعني ذلك أنّ كل ما هو مخالف له يجب أن يرفض." وقد أشار ترتوليانوس إلى الصمود وضبط النفس اللذين تميز بهما المسيحيون في أثناء المحاكمة. فإنهم لم يلجأوا إلى السلاح، ولا هربوا من السلطة الإمبراطورية. "كم مرة صببتم جام غضبكم على المسيحيين، أحياناً بسبب ميلكم إلى هذا وأيضاً بسبب امتثالكم للقانون. وكم مرّة أيضاً لم يُعركم رعاع الشعب المتعصّب انتباهاً، بل هاجمونا بالحجارة وبالنيران، وقد تجاوزوا القانون نفسه... ولكن، مع كوننا متماسكين ومتحمّسين جداً لمواجهة الموت، هل لاحظتم أبداً عندنا أي انتقام على الإساءة؟"(20)

شعر معظم الولاة الرومان، أمثال بليني الأصغر (Pline le Jeune) بعدم تأكدّهم من الطريقة التي يجب أن يتبعوها هؤلاء المسيحيين الذين يمثلون أمامهم للمحاكمة. كتب بليني من منطقة بيثينية (Bithynie)، في شمال تركيا المعاصرة في العام 112ميلادي إلى الإمبراطور ترايان (Trajan) يسأله النصح والإرشاد. قال بليني: "إنها قاعدة عندي يا سيدي، أن أرجع إلى مقامكم في القضايا التي أشك فيها. لم أحضر في السابق محاكمة من محاكمات المسيحيين قط، لذا، لا أعرف ما هي العقوبات العادية المترتبة، أو ما هي التحريات، وإلى أيّ مدى يجري التقّيد بها. لقد ترددتُ كثيراً في ما إذا كان يجب أن آخذ أعمار المتهمين بعين الاعتبار أم لا، وما إذا كان الضعفاء يُعاملون بالطريقة نفسها التي يُعامل بها الأقوياء، أو إذا كان عليّ أن أسامح أولئك الذين يتخلون علناً عن معتقدهم المسيحي، أو ما إذا كان عليّ أن أعاقب من كان مسيحياً، حتى ولو قرّر التخّلي عن ذلك، وما إذا كان مجرد الاسم "مسيحي" كافياً ليُنزل العقاب بصاحبه، حتى ولو كان بريئاً من أية جريمة أخرى، أم الجرائم المتعلقة بهذا الاسم فقط." والتساؤل الأخير في هذه القائمة من التساؤلات الطويلة أعلاه، كان مستمداً من الاعتقاد العام السائد بين الوثنيين، على الأقل في الأيام الأولى، أن المسيحيين كانوا يتورطون في جرائم قتل الأطفال، وأكل لحوم بشرية، وزنى المحارم. وتساءل بليني ما إذا كان اعتراف المتهم بمسيحيته يعني تلقائياً أنه مذنب بكل هذه الجرائم المذكورة آنفاً، أم لا؟

وأكثر ما يصدمنا بعنف من الوثائق عن الموضوع الذي نحن بصدده، هو أنّ الولاة والقضاة، أمثال بليني، والذين كانوا يحكمون على المسيحيين بشتّى أنواع التعذيب والتنكيل والقتل الوحشي أمام الملأ، لم يكونوا سوى مجرّد مأمورين مواظبين على القيام بواجبهم، وكانوا يحاولون على هذا الأساس تنفيذ مهمة إدارية إطاعة لتعليمات محدّدة. كان كل همّهم تأمين خضوع الشعب بشكل مسالم للقوانين المرعية بشأن الديانة المسموح بها في الدولة. وصحيح أنه غالباً ما كانت تعوزهم الشفقة والرحمة، لكنّ عملهم كان يفرض عليهم كبت أية مشاعر شخصية قد تتولّد عندهم. كانوا بالتأكيد، يفتقرون في معظم الأحيان، إلى الرغبة الشخصية في البحث عن الحقيقة، إلا أنهم، عموماً، لم يكونوا يضمرون العداء لأولئك الذين يسبّبون لهم هذه الآلام المفزعة والرهيبة. كانوا مجرّد ممثّلين غير جذابين عن نظام سياسي متوحّش ولا إنساني، في عالم رَخُصت فيه الحياة، وباتت البلوى الدموية التي يعانيها الآخرون، الستار الخلفي للحياة اليومية، ولنقل أيضاً، الوجبة المستخدمة باستمرار على نطاق واسع للتلهيات العامة.

أوجز بليني الإجراءات التي كان يتخذها في استجواب أولئك الذين يمثلون أمامه قائلاً: "أسألهم إن كانوا مسيحيين. وفي حال أقرّوا بذلك، أكرّر سؤالي مرة ثانية وثالثة مهدّداً إياهم بإنزال عقوبة الموت بهم. فإذا أصرّوا، أحكم عليهم بالموت، لأنني لا أشك مطلقاً في أنه مهما كانت جريمتهم التي اعترفوا بها، فإن مشاكستهم وعنادهم المتصلّب، وحدهما، كافيان للعقاب لا محالة." لقد كان بليني نموذجاً لأولئك الذين يؤمنون بأن جريمة المسيحيين الكبرى تكمن في تحدّيهم للسلطة، وفي رفضهم الانصياع لأوامر الدولة، كذلك في عدم قبولهم التخلّي عن إيمانهم المسيحي عندما يصدر إليهم الأمر بذلك بصرف النظر عمّا إذا كان الإيمان حسناً أو سيئاً.

أخبر بليني الإمبراطور عن أوراق كاتبها مجهول وصلت إلى يده، وفيه مدّون العديد من أسماء المسيحيين. وقد استُدعي هؤلاء للمثول أمامه، قال: "وكل من أنكر كونه مسيحياً، وجدت أنه يجدر بي أن أطلق سراحه، لأن هؤلاء كانوا يدعون باسم آلهتنا عندما آمرهم بذلك، وهم، بالبخور والخمر، يبجِّلون تماثيلك ويوقّرونها حيث كنت اُحضر صورتك (صورة الإمبراطور) بالإضافة إلى أصنام الآلهة لهذا الغرض بعينه، وبالأخص لأنهم لعنوا المسيح، ذلك الأمر الذي يقال إنّ المسيحيين الحقيقيين لا يمكن إقناعهم بالإقدام عليه... وآخرون ذكر المخبر أسماءهم قالوا أولاً أنهم مسيحيون ثم ما لبثوا أن أنكروا ذلك، إذ صرحوا أنهم كانوا مسيحيين في الماضي، ولكنهم الآن لم يعودوا كذلك... لقد سجد الجميع وتعبّدوا لصورتكم وتماثيل آلهتنا، ولعنوا المسيح." ولكن، حتى بليني نفسه كان يعلم أن هؤلاء القوم لم يكونوا المسيحيين الحقيقيين، لأن سلوك هؤلاء الذين تبعوا المسيح بجديّة كانت معروفة بخلاف ذلك. وقد لاحظ بليني بالاختبار، أن لاشيء يحمل المسيحيين الحقيقيين على لعن مخلِّصهم.

انتزع بليني الاعترافات انتزاعاً من بعض هؤلاء، إلاّ أن هذه الاعترافات جاءت خالية من الرذائل المروّعة التي كان يأمل أن يسمع عنها. لم تكن إساءاتهم، في الواقع، ممتعة ولا مشوّقة على الإطلاق. "لكنهم أعلنوا أن مجموع أخطائهم هو التالي: إنهم في يوم معيّن، كانوا قد اعتادوا أن يجتمعوا قبل الفجر، ويرتّلوا تراتيل إيقاعية للمسيح، باعتباره إلهاً، وأن يربطوا أنفسهم بتعهّد مقدس جليل – لا للتعهّد بالتورط في جريمة معيّنة أو أخرى، بل بالحري للامتناع عن السرقة والسلب والزنا والإخلال بالوعود، أو التنكّر لوديعة وقت المطالبة بها. وبعد ختام هذا الاحتفال اعتادوا أن يتفرقوا على أن يجتمعوا ثانية إلى مائدة الطعام، لكنه كان مجرّد طعام عادي ولا يشكّل أي أذى."

لقد وجد بليني أن هذا البيان البسيط من الحقائق غير وافٍ، فواصل عمله مظهراً بذلك القلب القاسي عند الإداري الإمبراطوري: "لهذا وجدت أنه من الضروري، أن أتحرّى مدى صحة كل هذا، وذلك بتعذيب خادمتين كانتا تُدعيان مساعدتين. ومع ذلك لم أجد شيئاً سوى خرافات فاسدة ومتمادية في الوهم. وهكذا قمت بتأجيل جلسة الفحص والتمحيص هذه، وقررت استشارتكم."(21)

لم تكن السلطة ترغب في قتل المسيحيين، وإنما كانت ترغب في إعادتهم إلى عبادة الآلهة الرومانية. ولم يكن في نية السياسة الإمبراطورية إخلاء الكنائس من رعاياها، بل إعادة ملء المعابد الوثنية. ولم تكن تنوي تغيير المعتقدات الدينية عند الناس، بل ضمان طاعتهم وليونتهم. كان الأباطرة يعلمون دائماً في قرارة نفوسهم، أنّ إفريقيا هي جزء غير مستقر من الإمبراطورية الرومانية. ففيها المئات من القبائل، وجميعهم أعداء محتملون، وهم يعيشون على مسافة قصيرة داخل البلاد، وراء حدود كان من غير الممكن الدفاع عنها عسكرياً ضد مهاجمين محدّدين. عاش الحكام في قلق مستمر، إذ كان عليهم التعامل مع أية مؤشّرات بعيدة لفوضى أو فتنة، و وأدها في مهدها في هذه المقاطعات الصعبة قبل أن تشكّل خطراً سياسياً جديّاً.

إن أية أمة هي متماسكة معاً بفضل وحدتها الدينية، وتسيطر على شعبها بواسطة كهنوتها الرسمي، لابدّ من أن تشعر بتهديد مباشر من أقلّيات قرّرت أن تخرج عن الدين الوطني. فإنْ بقيت هذه الأقلية متوارية عن الأنظار، وتمتثل من الخارج لمتطلبات حفظ الشعائر الدينية، فإنها غالباً ما تُترك في سلام. ولكن حالما تعترف هذه الأقلية جهراً أنها لم تعد تخضع لسلطة هذا البلد الدينية، فإن الدولة عندئذٍ، تفقد نسبة من سيطرتها على هذا الشعب. وما أن تصبح هذه الأقلية قوة حتى إن الجميع يعرف أنها تقدّم بديـلاً عن السلطة الدينية القائمة، تبدأ تهدّد إذ تجتذب عدداً كبيراً إلى صفّها. وهكذا تتحوّل أقلية شجاعة ومتنامية إلى أغلبية ساحقة في حال لم يعمل أحد على إيقافها.

هذه كانت من جملة الأسباب الموجبة التي جعلت السلطات الرومانية تحاول يائسةً استئصال الكنائس الفتية في شمال إفريقيا. لكنّها لم تدرك إلاّ القليل أي فشل ذريع سيصيبها. فقد كُتب لكنائس إفريقيا الشمالية أن تصمد إلى ما بعد زوال أعظم إمبراطورية كانت مقتدرة عسكرياً ولم يرَ العالم لها مثيلاً.
 

حواشي الفصل

1- Cyprien Epitre 33 ، Monceaux Tome II p. 137

2- Cyprien Epitre 32 ، Monceaux Tome II p. 137

3- ا (كورنثوس 3: 15)

4- Cyprien Epitre 34 ، Monceaux Tome II p. 138

5- Cyprien Epitre 8

6- (فيلبي 3: 8)

7- Apologeticus 39

8- Apologeticus 39

9- Apologeticus 42

10- (أعمال 19: 23-27)

11- Apologeticus 39

12- (رومية 13: 1)

13- بالإشارة إلى( مرقس 12: 17)

14- (أعمال 5: 29)

15- (متى 5: 34-37)

16- Apologeticus 4

17- Origene Contra Celsum (5: 25) ، (اقتبسها Foakes-Jackson p. 45)

18- Apologeticus 2

19- Apologeticus 1

20- Apologeticus 37

21- Epitre 10 (Ad Trajan)، 96 (Bettenson DOTCC pp. 3-4)

(pp. 44-48) Foakes- Jackson ، يستعرض بعض الأسباب وراء الاضطهاد في عهد

الإمبراطورية الوثنية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

من تحت الركام

أحيانا كثيرة يظن المؤمن بأنه يحيا وحيدا وسط كل الضجيج الذي ينبعث من هذا العالم المادي المليء بالفساد والبعد عن الخالق وكأنه في بحر هائج لا من معين ولا من يسانده على حل مشاكله أو على التفكير معه، فيشعر كأن الأبواب مقفلة أمامه ويشاهد كل ما يدور من حوله كسواد الليل الدامس.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة