|
نشأة الكنيسة
المسيحية
الدرس الثاني
الكنيسة تضطهد
وتنتصر
مستمعي الأعزاء:
ولدت الكنيسة المسيحية في مدينة القدس
في العام الثالث والثلاثين ميلادي0خالق الكنيسة هو الله بواسطة الروح القدس والرسل
الذين دعاهم لنشر البشارة0هذه خلاصة ما تعلمناه في درسنا الأول عن نشأة الكنيسة
المسيحية0
نأتي اليوم إلى الكلام عن الاضطهادات
التي لحقت بالكنيسة الفتية في القدس وعن انتصارها على أعدائها بالرغم من جميع
محاولاتهم للقضاء عليها0
كانت تلك الأيام مليئة بالمفاجآت في
حياة كنيسة القدس0 فلقد ثابر الرسل على المناداة بيسوع المسيح وبإنجيله وعملوا
العجائب في الهيكل وخارجه0 فآمن الكثيرون من سكان المدينة المقدسة بالبشارة وانضموا
إلى الكنيسة0 لكن نمو الكنيسة لم يكن مرغوباً فيه بالنسبة إلى السلطات الدينية
المسيطرة على الهيكل0 وهكذا ابتدأت الاضطهادات الموجهة ضد أعضاء الكنيسة والتي كانت
غايتها القضاء عليها قبل أن تكبر وتصبح قوية من الناحية العددية0
القي القبض في بادئ الأمر على الرسل
وألقوا في السجون وهددوا بالقتل ولكنهم لم يمتنعوا عن المناداة بيسوع المسيح الذي
قام من الأموات والذي كان قد أعطاهم الأمر بالذهاب إلى العالم بأسره مبشرين بفدائه
للعالم0 وكلما كانوا يضيقون على الكنيسة ويحاولون شل حركتها التبشيرية كانت الكنيسة
تقوى وتندفع إلى الأمام بفضل الله وقوته اللانهائية0 نعم ابتدأ الرسل يختبرون في
حياتهم قول المخلص أثناء حياته على الأرض: حتى أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته!
استشهاد استفانوس الشماس:
عندما ابتدأت الأعمال الكنسية تزداد
بشكل مستمر عين الرسل سبعة رجال أتقياء وغيورين للاعتناء بالأمور المالية وخاصة
بشؤون الأرامل في الكنيسة0 ومن هؤلاء الشمامسة السبعة وكان استفانوس الذي استشهد
بإيمانه والذي لم يكتف بالعمل ضمن نطاق عمله المعين بل كان أيضاً يشهد في مجامع
القدس عن يسوع الناصري مبيناً من الكتاب أنه هو المسيا المنتظر وانه كان عليه أن
يتألم ويرفض ويصلب ويقوم من الأموات لتتميم الفداء0 وإذا رأى أعداؤه نشاطه الديني
القوي وبلاغته المدهشة قرروا القضاء عليه قضاءً مبرماً0وهكذا ألقوا القبض عليه بعنف
ثم قادوه أمام المجمع وحاكموه بشكل صوري مدعين بأنه جدف على الله وعلى نبيه موسى0
ومع أنهم أعطوه المجال للدفاع عن نفسه ومع أنه أعطى أعظم دفاع يمكن للمسيحي أن يقوم
به إلا أنهم كانوا قد صمموا على قتله بالرغم من براءته فرجموه حتى مات0 وكانت
كلماته الأخيرة: أيها الرب يسوع اقبل روحي......يا رب لا تقم لهم هذه الخطية!
مات الشهيد المسيحي الأول في المدينة
المقدسة ولكن الكنيسة المسيحية لم تمت0 وقد قال احد الآباء المسيحيين في عصر آخر
معلقاً على استشهاد المسيحيين في سبيل إيمانهم أن دماء الشهداء هو بذار الكنيسة0
نعم أن دم الشهيد استفانوس كان سبباً لقدوم الكثيرين من الناس إلى الكنيسة
والانتساب إلى عضويتها0
نقطة تحول هامة في تاريخ الكنيسة:
الانطلاق من القدس إلى بقية أنحاء فلسطين والى أقصى المعمورة:
حدث من جراء الاضطهاد الذي لقيته
الكنيسة في المدينة المقدسة، أن الكثيرين من أعضاء الكنيسة المسيحية اضطروا إلى
اللجوء إلى خارج المدينة، وهكذا ولدت كنائس عديدة من الكنيسة الأم0 وبينما كان
أعداء الكنيسة ينوون القضاء عليها في مهدها كان الله خالق الكنيسة يجعل من ذلك
الاضطهاد دافعاً لانتشار الكنيسة في بقية الأرض المقدسة وفي البلاد المحيطة بها0
عندما كان استفانوس يرجم خارج أسوار
المدينة المقدسة شاهد السيد المسيح واقفاً عن يمين الله، ومع أننا لا نستطيع أن نرى
السيد المسيح كما رآه الشهيد المسيحي الأول إلا أننا نستطيع رؤية المسيح في تاريخ
الكنيسة وهو يقودها من مكان ولادتها إلى جميع أطراف المسكونة0 وهكذا علينا أن لا
ننسى سيد الكنيسة وربها عندما نتابع دراسة تاريخها وخاصة عندما نتمعن في البحث في
النقاط الهامة من حياتها على الارض0 حُولت الاضطهادات إلى دوافع لنشر الكنيسة في
العالم وذلك نظراً لتسلط المسيح على التاريخ وسنرى الآن كيف اعد المسيح رسولاً
خاصاً ليحمل البشارة إلى العالم الوثني الغارق في الظلام الروحي الدامس0
شاول الطرسوسي عدو الكنيسة يصبح بولس الرسول:
انتشرت الكنيسة من القدس إلى السامرة
ومنها إلى لبنان وجزيرة قبرص ومدينة أنطاكية في شمال سورية0 وما أن وصلت أخبار
تأسيس الكنيسة في مدينة أنطاكية الهامة حتى أرسلت الكنيسة الأم في القدس احد
الوعّاظ إلى تلك الكنيسة وكان اسمه برنابا0 وقد عمل بجد ونشاط على تغذية الكنيسة
وعلى كسب العديدين من سكانها الوثنيين إلى الديانة المسيحية0 ولكن الأعمال الكنسية
أخذت تزداد بصورة كبيرة حتى اضطر الواعظ الجاد في عمله إلى البحث عن مساعد له0 فذهب
إلى مدينة طرسوس في إقليم كيليكية واقنع شاباً اسمه شاول على المجيء معه إلى
أنطاكية للعمل في كنيستها النامية0 يا ترى من كان شاول الطرسوسي؟ وما هو الدور الذي
لعبه في حياة الكنيسة في أنطاكية وفي العالم بأسره؟
كان شاول قد اهتدى إلى المسيحية منذ
عهد قريب وكان ينتمي إلى عائلة محترمة وناجحة0 ولد شاول في طرسوس التي كانت مدينة
جميلة للغاية وكأنطاكية مركزاً للثقافة الاغريقية0
كان والد شاول يهودياً محافظاً وقد
منحه الفرصة للدراسة في جامعة طرسوس الشهيرة وكذلك التخصص في أمور الدين في مدينة
القدس0 وكان شاول يدرس في معهد ديني ذو سمعة كبيرة عندما استشهد استفانوس الشماس0
وليس ذلك فقط بل كان راضياً بقتل ذلك المسيحي الشجاع ويعمل كل شيء للقضاء على
الكنيسة المسيحية في القدس وخارجها0 سمع شاول الطرسوسي بتأسيس كنيسة في مدينة دمشق
فعزم على اضطهادها وانطلق مسرعاً نحو تلك المدينة وقلبه مليء بالمؤامرات التي كان
سيقضي بها على آخر مسيحي من سكانها0 لكن خطة شاول لم تتحقق إذ أنه ما أن اقترب من
ضواحي دمشق حتى ظهر له الرب يسوع المسيح وافهمه بأنه لن يقدر الاستمرار على محاربته
ومحاربة كنيسته0 ولم يكتف الرب بإنقاذه من تعصبه الأعمى بل انتخبه ليكون رسولاً
خاصاً للوثنيين وليذهب إلى مدن وأقاليم لم يكن قد حلم بها للمناداة به0 وعوضاً عن
أن يقضي على كنيسة دمشق أصبح شاول مسيحياً في دمشق وحمل لواء المسيح إلى آخر يوم من
حياته وصار يعرف فيما بعد باسم بولس الرسول0 |