تفاسير

الأصحاح الثاني

القسم: الرسالة إلى أهل أفسس.

(أولاً) الانفصال عن الله بسبب الموت روحيا (ع1-10)

يستعمل الرسول في هذا الجزء (الأول) من هذا الاصحاح اسلوبا خاصا، فهو يقدم لنا الحقائق المتضمنة فيه في أربع مجموعات ثلاثية – أي أن كل مجموعة مكونة من ثلاث حلقات :

(أ‌) المجموعة الأولى هي أعداء الإنسان الثلاثة " العالم " (ع2) " والشيطان " الذي هو " رئيس سلطان الهواء الروح " (ع2) و " الجسد " (ع3).

(ب) المجموعة الثانية هي النتائج البغيضة الثلاث لما عمله هؤلاء الأعداء الثلاثة للبشر وهي " الموت بالذنوب والخطايا " (ع1) ثم صيرورتهم " أبناء المعصية " (ع2) وبالتبعية صاروا " أبناء الغضب " (ع3).

(ج) المجموعة الثالثة المباركة هي وسائل الله العظيمة والعجيبة لخلاص الإنسان وبركته وهي " الرحمة الغنية " (ع4) " والمحبة الإلهية الكثيرة " (ع4) " والنعمة الغنية والفائقة " (ع5و7).

(د) المجموعة الرابعة هي النتائج الثلاث المجيدة للوسائل الإلهية الثلاث وهي " أحيانا مع المسيح " (ع5) " وأقامنا معه " (أو معا) (ع6) " وأجلسنا معه (أو معا) في السماويات في المسيح " (ع6).

ثم لنلاحظ حقيقة هامة أخرى وهي أنه يضع أمامنا في هذه الأعداد " ماضينا " (ع1-3) و " حاضرنا " (ع4-6) و " مستقبلنا " أيضاً (ع7). تبارك اسمه المعبود فكما أنه يذكرنا بماضينا المخزى فانه يفرحنا بحاضرنا السعيد وبمستقبلنا المجيد.

(1) " وَأَنْتُمْ إذ كُنْتُمْ أمواتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا "

إنه بقدر ما يزداد إدراكنا نحن المؤمنين لحالتنا التي كنا عليها بحسب الطبيعة، بهذا القدر عينه يزداد تقديرنا لما عملته نعمة الله لأجلنا وفينا وبالتالي يزداد سجود وتعبد قلوبنا له، فاننا لم نكن قبلا مجرد ضعفاء أو مرضى روحيا، وأن شيئا من الاصلاح أو التهذيب كان كافيا لمعالجة حالتنا. كلا بل كنا أمواتا بالذنوب والخطايا. هذا ما تعلنه لنا كلمة الله بوضوح. يا لها من لطمة يوجهها الوحى الإلهي للإنسان الطبيعى أو لكل من يعتد ببره الذاتي. لقد كنا عاجزين عن أن نخلص أنفسنا لأن الإنسان الميت لا يستطيع أن يفعل شيئا به يحيى نفسه، فهو ميت روحيا، وطالما يبقى بعيدا عن الرب يسوع مصدر الحياة فهو ميت وليس فيه نبضة حياة لله. إنه ميت بالذنوب والخطايا، فهو ليس مجرد مذنب أو خاطىء يحتاج إلى غفران خطاياه، ولكنه ميت روحيا ومحتاج إلى ما هو أكثر من غفران الخطايا – محتاج إلى حياة إلهية جديدة، لهذا كان ينبغى أن يولد ولادة جديدة أي أن ينال من الله حياة جديدة بالإيمان بالرب يسوع المسيح.

كان أحد خدام الرب الموهوبين يعقد إجتماعات تبشيرية في قاعة بإحدى جمعيات الشبان المسيحية، وفي يوم من الأيام أراه سكرتير تلك الجمعية ورقة (كارتا) مطبوعا عليها هذه الكلمات " أتعهد بكل أمانة أن أحيا حياة دينية مسيحية " ثم في ذيل الوريقة مكان ليوقع فيه كل متعهد بإمضائه، وقال السكرتير لخادم الرب " ما رأيك في هذا التعهد؟ أليست هذه وسيلة نافعة؟ " فأجابه خادم المسيح " كيف يستطيع أي إنسان في العالم، وهو ميت روحيا أن يحيا حياة مسيحية؟ وما الفائدة التي تعود على الإنسان الخاطىء من تعهد مثل هذا؟ إنك لا تستطيع أن تحيا حياة مسيحية ما لم تأخذ حياة جديدة من المسيح.

لسنا ننكر أن هناك بين البشر درجات من حيث العيشة في الذنوب والخطايا، فليس الكل في مستوى واحد من حيث الأخلاق والصفات الأدبية وليسوا جميعا نظير بعضهم البعض في ارتكاب الشرور والآثام، إلا أنهم جميعا أموات روحيا بالرغم مما بينهم من تفاوت في الصفات والأخلاق. لقد كانت ابنة يايرس ميتة من دقائق قليلة عندما أتى الرب يسوع إلى بيت ابيها، ولكنها كانت ميتة وبدون حياة. ربما كان منظرها لا يزال نضرا، وكانت لا تزال جميلة في عيون والديها إذ لم يكن قد تطرق الفساد إلى جسدها، ومع ذلك فقد كانت ميتة. كذلك عندما ذهب الرب، له المجد، إلى نايين رأي الذين يحملون الابن الوحيد لأمه الأرملة (لو7 : 11-17) لقد كان ذلك الشاب ميتا من يوم أو يومين وبذا لم يكن في منظره الخارجى نضرا كما كانت ابنة يايرس، ومع ذلك لم يكن هناك فرق بينهما إذ كان كل منهما ميتا نظير الآخر. ثم أن ربنا المبارك أتى أيضاً إلى بيت عنيا وإلى حيث كان قبر لعازر، وإذ قال للواقفين " إرفعوا الحجر " إعترضت مرثا أخت الميت قائلة " ياسيد قد أنتن لأن له أربعة أيام " ولكن الرب يسوع وهب الحياة لذاك الذي مات وبقى في القبر أربعة أيام " حتى فسد جسده وأصبح نتنا. ومع ذلك فإنه لم يكن هناك، من حيث الموت، فرق بين ابنة يايرس وابن أرملة نايين وبين لعازر، فالكل كانوا أمواتا على السواء " لأنه لا فرق " والكل كانوا في حاجة إلى رئيس الحياة – ابن الله المبارك لكى يهب كلا منهم نفس قوته المحيية.

كذلك نحن أيضاً كنا كلنا بدون استثناء أمواتا روحيا قبل أن يهبنا المسيح حياة ابدية. صحيح أن البعض منا كانوا عائشين عيشة الفجور والفساد بينما كان البعض الآخر لم يتورط ولم يتوغل في الذنوب والخطايا ومع ذلك فجميعنا كنا أمام الله أمواتا واحتجنا إلى حياة إلهية جديدة من نبع ومصدر الحياة الرب يسوع المسيح.

(2) " الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رئيس سُلْطَانِ الْهواءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أبناء الْمَعْصِيَةِ "

جدير بنا أن نراعى دقة التعبير هنا فإن الروح القدس يضع أمامنا كلمتين للتعبير لا عن حالتنا الحاضرة بل عن الحالة التي كنا عليها قبل تجديدنا وهما " كنتم " (ع1) و" قبلا " (ع2) فقد كنا أمواتا بالذنوب والخطايا التي سلكنا فيها قبلا حسب دهر هذا العالم. حقاً ما ابشع هذا النوع من الموت! الموت الروحى أعنى الإنفصال الكلى عن الله والسلوك بحسب مبادىء هذا العالم الشرير، فلم يكن فينا أي ميل أو رغبة في أن نسير أو نسلك بحسب إرادة الله، ولقد وصف أيوب قديما الحالة التي كنا عليها قبلا والتي لا يزال عليها كل البعيدين عن الله وصفا صادقا إذ قال " فَيَقُولُونَ لِلَّهِ : ابعُدْ عَنَّا. وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ. مَنْ هو الْقَدِيرُ حَتَّى نَعْبُدَهُ وَماذا نَنْتَفِعُ أن الْتَمَسْنَاهُ! " (أيو21 : 14و15) يا لها من حالة مروعة، فإن من يبعد الله عن نفسه الآن لابد أن يواجهه فيما بعد كالديان، ومن يرفض خلاص الله أو بالحري يزدرى بالمخلص الوحيد من دينونة الخطايا فلابد أن يقابله في خطاياه فيهلك إلى الأبد.

لقد كنا سالكين " حسب دهر هذا العالم حسب رئيس سلطان الهواء " يبين كيف أن سيادة رئيس الملائكة الأشرار سيادة شاملة في هذا العالم، فكما أن الهواء يتخلل كل الأشياء كذلك ابليس في العالم. إنه إله هذا الدهر، أما القديسون الذين ولدوا ثانيـة " انْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إلى مَلَكُوتِ ابن مَحَبَّتِه ِ " فقد أنقذوا من سلطـان الظلمة

ونقلوا إلى ملكوت ابن محبة الاب (كو1 : 13) بينما غير المخلصين لا يزالون عبيدا في مملكة ابليس. أن عمل الشيطان هو أن يبعد الناس عن الله إذ يوجدهم، بارادتهم، في حالة العمى الروحى " لِئلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إنجيل مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هو صُورَةُ اللهِ " (2كو4 : 4).

هذا هو وصف الله الصادق لحالتنا قبل إيماننا بالرب يسوع المسيح، كما أن هذه هي الصورة الحقيقية لغير المخلصين فإنهم لا يزالون عبيدا لرئيس سلطــان الهواء " الروح الذي يعمل في أبناء المعصية " حقاً ما أتعس النفس التي لم تلجأ بعد إلى المخلص الوحيد ربنا يسوع المسيح! وما أسعد النفس التي تذوقت غبطة العتق من عبودية ابليس بقوة ذاك الأقوى الذي استطاع أن يربط القوى وينهب أمتعته!

لقد كنا " أبناء المعصية " هذه المعصية التي ورثناها من أبينا الساقط آدم، ولكن تبارك اسم إلهنا وربنا يوع المسيح الذي بإطاعته حتى الموت صيـرنا " أولاًد الطَّاعَةِ " (1بط1 : 14) حقاً ما أكبر وأعظم الفرق بين ما أو رثنا إياه الإنسان الأول ما أو رثنا إياه الإنسان الثاني الرب يسوع المسيح " لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإنسان الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أيضاً بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أبراراً " (رو5 : 19).

يا له من امتياز أننا نقلنا من حالتنا كأبناء المعصية وصرنا بنعمة إلهنا أولاًد الطاعة، وكما أن هذا امتياز مبارك، فإنها مسئولية خطيرة بأن نسلك كما يليق بهذه النسبة المباركة " كَأولاًد الطَّاعَةِ لاَ تُشَاكِلُوا شَهواتِكُمُ السَّابقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أيضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ " (1بط1 : 14و15).

مسكين حقاً هو الإنسان البعيد عن الله – الإنسان الترابي الحقير الذي يعيش كل حياته في حالة العصيان على الله وعلى ارادته المقدسة، وفي الوقت نفسه ما أعجب أناة الله على البشر التعساء " أبناء المعصية " ! ولكن إمهال الله محدود بساعة النعمة ويوم الخلاص فلابد أن يجيء الوقت الذي فيه تنتهي سنة الرب المقبولة وعندئذٍ يبدأ " يوم الانتقام " – يوم القضاء الرهيب والدينونة المروعة. ليت القارئ العزيز، أن كان لم يلجأ بعد إلى الرب يسوع المخلص الوحيد، ليته يأتي اليه الآن قبل فوات الفرصة " هوذا الآن وقت مقبول هو ذا اليوم يوم خلاص اليوم أن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم "

(3) " الَّذِينَ نَحْنُ أيضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهواتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشيئاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أبناء الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أيضاً "

ينتقل الرسول في كتابته هنا من صيغة المخاطب " انتم " (ع1) إلى صيغة المتكلم " نحن " وذلك لأنه إذ كان يوجه كلامه إلى المؤمنين في أفسس الذين كانوا من الامم فأنه يقول لهم " أنتم " ولكنه إذ يضم اليهم اليهود أيضاً الذين كان هو واحدا منهم، يقول " نحن " مبينا ومحققا بذلك بأنهم (أي اليهود) كانوا جميعا نظيرهم أمواتا بالذنوب والخطـايـا " الذين نحن أيضاً جميعا تصرفنا قبلا بينهم (أي بين الامم) في شهوات جسدنا " هذه الحقيقة يوضحها الرسول بأكثر تفصيل في رسالته إلى أهل رومية (أصحاح3) " فماذا اذا. أنحن (اليهود) افضل؟ كلا البتة. لاننا قد شكونا (أي أقمنا الحجة في الاقوال السابقة) أن اليهود واليونانيين (أي الامم) أجمعين تحت الخطية. كما هو مكتوب انه ليس بار ليس ولا واحد لانه إذ يقاس البشر جميعا امام الله بمقياس قداسته التي أعلنها في المسيح، فانهم جميعا يقفون على قدم المساواة " أمواتا " روحيا وهل هناك درجات في الموت؟ كلا فانه إذا ما مات إنسان ما فقد انتهي ولم يبق له وجود، هكذا كنا جميعا، أمما ويهودا على السواء – أمواتا روحيا ومتجنبين عن حياة الله. هذا ما يؤكده الرسول هنا بقوله " الذين نحن أيضاً جميعا تصرفنا قبلا بينهم في شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والافكار " هذا هو الوصف الحقيقى لجميع الناس بغير استثناء. قد يكون بينهم أناس أدبيون أو محسنون. أو قد يكــون بينهم علماء أو فلاسفة، ولكن المحك الوحيد لأفضل البشر اللطفاء والمحسنين هو " هل فيهم نبضة حياة إلهية أو دافع روحى لعمل مشيئة الله؟ كلا. قد يجتهدون في تحسين أو تهذيب طبا)عهم ومع ذلك فسيقى الله بعيدا عن افكارهم وليس له مكان في قلوبهم. هذه هي حقيقة حالة الجميع – اليهود والأمم على السواء.

إن الرسول يشير هنا إلى نوعين من الرغائب والشهوات، أعنى مشيئات الجسد والأفكار – أي رغائب " الجسد " وشهواته الدنيئة، وأيضاً " الأفكار " الإنسانية حتى وان كانت مهذبة، فإن هذه وتلك مصدرها الطبيعة البشرية الساقطة " المولود من الجسد جسد هو " هب أن إنسانا كرس نفسه لخدمة العلم* وجعله هدف حياته الوحيد، فهل يعتبر تكريسه هذا بحسب مشيئة الله؟ كلا بل بالحري هو إنغماس في عمل مشيئات ورغائب " الافكار " الإنسانية ولا يختلف في عمله هذا عن غيره ممن يعيشون في شهوات الجسد – " العاملين مشيئات الجسد " أن الكبرياء ومحبة الذات والاهتمام بالأمور العالمية وغيرها هي من رغبات ومشيئات الذهن ولا تختلف شيئا، أمام الله عن الشهوات الجسدية.

إن الأصحاحات الثلاثة الأولى من رسالة رومية ترسم أمامنا صورة بغيضة لمشيئات وشهوات الجسد بينما الأصحاحات الثلاثة الأولى من رسالة كورنثوس الأولى (حيث الافتخار بالعلم والمعرفة الإنسانية) ترينا صورة لمشيئات الأفكار، وكل نوع منهما شرير أمام الله كالآخر تماماً. أن الحقيقة الجوهرية هي انى لست ملكا لنفسى بل لذاك الذي اشتراني وافتداني بدمه الكريم و وهبنى حياة ابدية بل هو حياتي. فهل يليق بي أن أعمل مشيئات الجسد والأفكار؟ أليس من واجبي بل هو امتياز لي أن لا أحيا لنفسى بل لذاك الذي مات لأجلي وقام؟

فأنـا لسـت لـذاتي ليـس لى شـىء هنـا

كـل ما عندي لفادي الخـلق وهـاب المنـى

اذ فـدانى إذ فـداني ذاك بالـدم الكـريـم

* لسنا نقصد بهذا أن نبخس قيمة العلم لكن متى كان هذا هدف وغاية الحياة فانه يعتبر من " مشيئات الافكار "

" وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً " هذا ما كنا عليه قبلا – " أبناء الغضب " لأننا بالإثم صورنا وبالخطية حبل بنا، لقد ولدنا بالخطية وفي الخطية – نجسين ملوثين بالإثم. هذه صورة صحيحة لجميع الناس بغير استثناء – حتى لأفضل البشر كما لأشر الناس، لليهود كما للأمم على السواء لذا " كنا بالطبيعة أبناء الغضب " على أن الله لم يخلق الإنسان هكذا، ولكن الإنسان فضل العلاقة مع الشيطان بدلاً من الله، فأصبح ابنا للمعصية وبالتالي ابنا للغضب، حقاً ما أتعس حالة كهذه ولكن الله في لطفه وصلاحه ونعمته قد انقذنا من هذه الحالة التعسة بواسطة ابنه الحبيب ربنا يسوع المسيح وبعمله لأجلنا فوق الصليب.

(4و5) " اَللهُ الَّذِي هو غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أجل مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أموات بِالخطايا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ "

تأملنا في الثلاثة الأعداد السابقة في المجموعتين الأولى والثانية، أعنى اعداء الإنسان الثلاثة وهم العالم والشيطان والجسد، ثم في النتائج الثلاث لما عمله هؤلاء الأعداء للبشر وهي الموت بالذنوب والخطايا ثم صيرورتهم أبناء المعصية وبالتبعية أبناء الغضب.

إن أمامنا الآن المجموعة الثالثة المباركة وهي وسائل الله الثلاث لخلاص الإنسان وبركته، وهي الرحمة الغنية، والمحبة الإلهية الكثيرة، والنعمة الغنية الفائقة (ع4و7).

1. الرحمة الغنية : لقد كنا أمواتا روحيا، ضعفاء وعاجزين عن خلاص أنفسنا، ولكن الله " الغنى في الرحمة " تداخل في أمر خلاصنا وإحيائنا. يالسمو هذا الغنى الإلهي الكامل! لقد رأينا في الاصحاح الأول " غنى نعمته " (ع7) " وغنى مجده " (ع18) وهوذا ما كنا نحتاج اليه، فقد كنا أمواتا متجنبين عن حياة الله، ولكنه أظهر غنى رحمته في إنقاذنا من بؤسنا وتعاستنا وفي منحنا حياة ابدية.

2. المحبة الكثيرة : كما أن الله غني في رحمته، كذلك هو عظيم في محبته " من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها " فالرحمة الغنية التي أدركتنا أتت الينا من قلب الله الملىء والفائض بالمحبة من نحونا نحن الخطاة. وكما أن رحمته غنية هكذا محبته لنا كثيرة " اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأجلنَا " (رو5 : 8) نعم لقد أحبنا بهذه المحبة العظيمة " ونحن أموات بالخطايا " بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا : أن اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ إلى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيا بِهِ. 10فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ : لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هو أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابنهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا " (1يو4 : 9و10).

3. النعمة الغنية : حقاً ما أعجب هذا! فإن الله الغنى في رحمته والعظيم في محبته هو غنى أيضاً في نعمته. تبارك اسمه المعبود. فإنه لم يكن فينا شىء طيب أو صالح يستميل قلبه الينا، بل هي النعمة الفائقة التي ادركتنا " بالنعمة أنتم مخلصون " فلم يكن الله غنيا في الرحمة فقط – الرحمة التي بها نظر الينا في بؤسنا وتعاستنا فأنقذنا منها، ولكنه أجزل لنا نعمته أيضاً.

إن الرحمة هي انقاذ البائس من بؤسه والتعيس من تعاسته والفقير من فقره، أما النعمة فإنها تعمل اكثر من ذلك. انها تغدق الخير والاحسان والبركة إلى من ليسوا أهلا لشىء منها " بالنعمة أنتم مخلصون " انها لا تهب مجرد غفران للخطايا بل أكثر من ذلك – تهب برا إلهيا مجانيا. لقد طلب الابن الضال رحمة من الموت جوعا ولكن الاب غمره بنعمة غنية فائقة لم تكن تخطر له ببال (لو15).

(1) " أحيانا مع المسيح " هذه هي المعجزة الإلهية الأولى التي عملها الله في رحمته الغنية ومحبته الكثيرة ونعمته العجيبة، فانه تبارك اسمه " أحيانا مع المسيح "

وهذا ما كنا نحتاج اليه. لقد كنا أمواتا روحيا – أمواتا بالذنوب والخطايا، ولكن الله الغنى في الرحمة والعظيم في المحبة " أحيانا مع المسيح " فإحياؤنا أي منحنا الحياة الأبدية مرتبط بربنا يسوع المسيح المقام من بين الأموات. ذلك لأن الحياة الأبدية هي في الابن " . اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً ابدية، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابنهِ مَنْ لَهُ الابن فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابن اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ " (1يو5 : 11و12). لقد أتى المسيح لكى تكون للمؤمنين به حياة وليكون لهم أفضل (أي حياة سامية وفضلى) وذلك على أساس إتمامه عمل الفداء وقيامته من بين الأموات.

وكما أن الكل – اليهود والأمم بدون استثناء – كانوا أمواتا بالذنوب والخطايا، كذلك فإن الله من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها أحيانا (معا)(1) مع المسيح أي أحيانا نحن المؤمنين بالمسيح من اليهود والأمم على السواء – أحيانا مع المسيح. وهل ننسى الكلفة الكبيرة التي تكلفها الله في سبيل إحيائنا من الموت؟ لقد بذل ابنه الحبيب لكى نحيا به " لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابنهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأبدية " لقد مات ربنا يسوع المسيح واحتمل فوق الصليب دينونة الله العادلة. مات رئيس الحياة فابطل الموت وأنار الحياة والخلود. نعم لقد مات القدوس تحت دينونة الله المروعة. مات البار موتا فريدا في نوعه – موتا لم يذق مثيله واحد من البشر الخطاة، وذلك لكى يهب الحياة الأبدية لأشر الخطاة الذين يضعون ثقتهم فيه وفي كفاية عمله لأجلهم فوق الصليب.

 

(1) جاءت هذه العبارة في ترجمات عديدة هكذا Hath quickened us together with Christ.

(6) " وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأجلسَنَا مَعَهُ فِي السماويات فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "

(2) و أقامنا معه هذه هي المعجزة الثانية التي عملها الله في رحمته الغنية ومحبته الكثيرة ونعمته الفائقة الادراك، فقد " أقامنا معه " أو بالحري " أقامنا معا وأجلسنا معا في السماويات في المسيح يسوع(1) " فلم يكتف الله بأن وهبنا حياة ابدية بل أقامنا أيضاً معا (أي المؤمنين بالمسيح من اليهود والأمم) – أقامنا مع المسيح.

عندما أتت النساء إلى قبر المسيح، قال الملاكان لهن " لِماذا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأموات؟ لَيْسَ هو هَهُنَا لَكِنَّهُ قَامَ! " (لو24 : 5) فما كان ممكنا أن الحى يبقى بين الأموات، وهذا ما عملته نعمة الله، تبارك اسمه، لم يهبنا الحياة فقط ولكنه أقامنا أيضاً (معا) مع المسيح. فإن كنا كمسيحيين حقيقيين قد قمنا مع المسيح اذن يجب علينا أن نطلب ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله وأن نهتم بما فوق لابما على الأرض (كو3 : 1و2).

(3) أما معجزة الرحمة والمحبة والنعمة الثالثة فهي أن الله، له المجد " أجلسنا معا في السماويات في المسيح يسوع " هذا هو مقامنا ونحن هنا على الأرض، وذلك بسبب اتحادنا بالمسيح رأسنا. أن ربنا يسوع الذي أقامه الله من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات هو رأس الجسد، وحيث أن المؤمنين الحقيقيين هم أعضاء جسده فلا يمكن أن يرى الجسد مستقلا عن الرأس أو منفصلا عنه. فكما أن المسيح الرأس قد أجلسه الله عن يمينه في السماويات (1 : 20) كذلك قد أجلسنا الله في السماويات في المسيح. هذا هو مركزنا ومقامنا الآن " في السماويات في المسيح يسوع " وبعد قليل سيأتي الرب ليأخذنا اليه وعندئذٍ سنكون " مع المسيح " أما الآن فأننا ونحن هنا على

 

(1) جاءت هذه الآية في ترجمات عديدة هكذا

" And has raised us up together, and made us sit together in heavenly places in Christ Jesus "

الأرض فإن الله قد أجلسنا معا (أي المؤمنين من اليهود والأمم) في السماويات في المسيح يسوع. وكما كان رئيس الكهنة في العهد القديم يحمل على صدره وعلى كتفيه اسماء الأسباط الاثنى عشر عند دخوله إلى قدس الأقداس، وكانوا يرون فيه، هكذا نحن نرى الآن في المسيح، وهذا مقام سماوي لجميع المؤمنين الحقيقيين بغير استثناء، وليس هو حالة عملية أو اختبارية ولو أن حالتنا العملية والاختبارية يجب أن تكون متوافقة مع هذا المركز السماوي.

(7) " لِيُظْهِرَ فِي الدهور الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "

هنا نرى الغاية القصوى التي لأجلها فاضت علينا الرحمة والمحبة والنعمة الإلهية. أن غاية الله العظمى والتي كانت في قصده منذ الأزل هي أن يظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع، فانه تبارك اسمه، لم ينظر فقط الينا وإلى ما كنا نحتاج اليه كخطاة مساكين ومعوزين بل نظر إلى ما فيه مجده ومجد ابنه الحبيب إلى اباد الدهور كلها.

إن الله سيظهر غنى نعمته لا في " الدهر الآتى " أعنى الملك الألفي السعيد فقط، بل " في الدهور الآتية " أي الأبدية التي لا نهاية لها، إذ أن قصده الاسمى في عمل الفداء ليس هو مجرد خلاص وسعادة المفديين بل إظهار غنى نعمته الفائق لجميع الكائنات، فالملائكة ورؤساء الملائكة بل والشياطين أيضاً سترى نصرة النعمة الغنية بواسطة ابن الله الحبيب وما عمله فوق الصليب.

اننا عندما نتأمل في الأزل القديم نرى قصد الله ومشورات نعمته من نحو الكنيسة التي اختارها قبل تأسيس العالم، وإذ نتأمل في الأبدية التي لا نهاية لها نرى الكنيسة الممجدة كإعلان للرحمة الغنية والمحبة العجيبة والنعمة الفائقة الادراك، وذلك لمدح مجده. لاسمه المعبود كل سجود وحمد وثناء.

(8و9) " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإيمان، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هو عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أعمال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ "

ينبر الروح القدس في هذا الفصل على هذا الفصل على هذه الحقيقة الجوهرية وهي أن الخلاص بالنعمة، ففي العدد الخامس من هذا الاصحاح يقول " بالنعمة أنتم مخلصون" ثم في هذا العدد (8) يعود ليؤكد هذا الحق الجوهــري والأسـاسي " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ " فالخلاص هو بالنعمة وليس بأي عمل من جانب الإنسان " وذلك ليس منكم هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد " فانه لوكان الخلاص متوقفا على أي عمل أو أي استحقاًق من جانبنا لما كان بالنعمـة " أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ " (رو4 : 4). انك إذا كنت تعمل لكى تخلص فكأنك تجعل الله مدينا لك! ولكن هل يستطيع الإنسان بكل أعمال بره ومجهوداته أن يكفر عن خطية واحدة؟! أن النعمة والنعمة وحدها هي الوسيلة الإلهية الوحيدة لخلاص الإنسان.

تخلصون " كأنه أمر غير يقينى بل " بالنعمة أنتم مخلصون " انها بركة حاضرة وابدية كما انها يقينية. حمد ومجدا لإلهنا.

ان الإيمان هو الوسيلة الوحيدة لقبول الخلاص المجاني الذي تقدمه النعمة الغنية للإنسان الخاطىء المسكين. صحيح أن الله اختارنا حسب قصده الأزلى وعيننا للتبنى، ولكن الواسطة التي أعدها الله لنوال نعمة الخلاص وهبة الحياة الأبدية هي الإيمان. انه اليد التي تمسك بالهبة التي يقدمها الله لنا. والله لا يمكن أن يدخل أي إنسان في دائرة النعمة والبركة دون أن يعمل في ضميـره وقلبـه عملا إلهيا، وذلك بالروح القدس الذي يقوده ليرى حقيقة ذاته كما يراه الله، كما أنه يقوده أيضاً ليرى ويؤمن بما أعده الله له في المسيح يسوع. اننا بالإيمان برسالة الإنجيل ننال الخلاص. ولكن ليس المقصود هو أن الإيمان ذاته هو المخلص بل أن المخلص هو الشخص المبارك الذي هو موضوع الإيمان " لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أن يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إلى ذَلِكَ الْيَوْمِ " (2تيمو1 :12) فلا تجعل من إيمانك مخلصاً لك لأن المخلص الوحيد هو الرب يسوع المسيح، والإيمان يمسك به ويثق فيه. ولكى لا يتبادر إلى ذهن أي واحد من المفديين بأن له أي فضل في اتيانه إلى المسيح وإيمانه به، لذا يضيف الرسول قوله " وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هو عَطِيَّةُ اللهِ " وكأن الرسول يقول " ان النعمة والخلاص والإيمان – الكل ليس منكم. هو عطية الله " – العطية المجانية المقدمة من الله لجميع البشر بواسطة الإنجيل، لأن " الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله " فكل من يصغى لرسالة الإنجيل ولا يرفضها بل يقبلها ينال من الله هبة الإيمان والخلاص بالنعمة.

قيل أن احد المبشرين، الذي استخدمه الله في اقتياد الكثيرين إلى المخلص الوحيد الرب يسوع المسيح، كان يتكلم مرة عن الخلاص بالنعمة بالإيمان، بدون أعمال، فاعترضه شخص كان يستند على أعماله الصالحة وسلوكه بالاستقامة ظانا انه بأعمال بره يكون مقبولا أمام الله، فلم يكن يعرف حقيقة ذاته وأنه خاطىء محتاج إلى المخلص والفادى، فقال له ذلك المبشر " انك إذا دخلت إلى السماء فستكون الإنسان البار الوحيد، لأن كل الذين سيكونون في السماء هم خطاة مخلصون بالنعمة وسيكون موضوع أنشودتهم في السماء : مجدا لحمل الله الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه. هناك سيرنمون للمسيح قائلين " انك ذبحت واشتريتنا لله بدمك " أما أنت فلن تستطيع أن ترنم هكذا، واذا رنمت هناك فستقول " مجدا لى لأنى بأعمالي الصالحة وبحياتي المستقيمة أهلت نفسى للسماء " ان الملائكة إذ يسمعونك تمجد وتعظم نفسك لابد انهم يقذفون بك إلى قاع الجحيم " أما الخطاة الذين خلصتهم نعمة الله فلا يفتخرون بشىء في ذواتهم بل بالرب وبنعمته " بِالرَّبِّ تَفْتَخِرُ نَفْسِي " (مز34 : 2).

(10) " لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأعمال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا "

تأمل مليا في الترتيب الإلهي الجميل، فمع أن خلاصنا هو بالنعمة وليس من أعمال، الا أن الله قد أعد للمخلصين بالنعمة أعمالا صالحة لكى يسلكوا فيها، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نعرف أن هناك فرقا كبيرا بين التعليم الخاطىء القائل " إعمل لكى تخلص " وبين تعليم الإنجيل الصحيح " إعمل لأنك قد خلصت بالنعمة " بين " إعمل فتحيا " و " إعمل لأنك نلت الحياة "

ان المؤمنين الحقيقيين هم عمل الله الذين خلقوا في المسيح يسوع خليقة جديدة فقد فسدت الخلقة العتيقة ولم تعد صالحة لأي شىء. لا علاج لها وليست قابلة للاصلاح " لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هو عداوةٌ لِلَّهِ إذ لَيْسَ هو خَاضِعاً لِنَامُوسِ اللهِ لأَنَّهُ أيضاً لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أن يُرْضُوا اللهَ " (رو8 : 7و8) لذا لم يفكر الله قط في اصلاح هذه الطبيعة الفاسدة بل قضى عليها في صليب المسيح، واستعاض عنها بالخليقة الجديدة بواسطة عمل ابنه المبارك، فكما قضى على الخليقة العتيقة في صليب المسيح، فانه إذ قام المسيح من الأموات بمجد الاب " كالبكر من الأموات " وكرأس الجنس الجديد، أقامنا معه بحياة جديدة تختلف كل الاختلاف عن الحياة القديمة " إذا أن كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهوخَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هو ذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً " (2كو5 : 17).

لقد خلق الله الخليقة الأولى بكلمته " بِالإيمان نَفْهَمُ أن الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ " (عب11 : 3) أما الخليقة الجديدة التي هي لمسرته والتي ستكون لمدح مجده إلى اباد الدهور كلها، فقد تكلف فيها أغلى كلفة " لأَنَّهُ (أي الله) جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأجلنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ " (2كو5 : 21).

لقد خلقنا في المسيح يسوع " لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكى نسلك فيها " فكما " سبق الله " عَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ (ص1 : 5) سبق أيضاً فأعد لنا أعمالا صالحة لكى نسلك فيها. إنها ليست أعمال الناموس بل أعمال لها طابعها السماوي – طابع النعمة الغنية – النعمة التي تعلمنا أن نعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر (تى2 : 12).

ان الأعمال الصالحة التي أعدها الله لكى نسلك فيها، هي من ثمار الخليقة الجديدة أي الطبيعة الإلهية التي صرنا شركاءها (أدبيا) – هذه الثمار التي ينشئها فينا الروح القدس الساكن فينا فنحن نسلك في الأعمال الصالحة لا كمن يؤدى واجبا أو يتمم فرضا بل بدافع المحبة القلبية لله أبينا وللرب يسوع المسيح الذي أحبنا أولاً. لقد أعطى الله الناموس لشعب إسرائيل الذي وثق في نفسه بأنه سيقوم بكل مطالبيبه ولكنه فشل في ذلك، فقد كان الناموس امتحانا للقلب البشرى أو بالحري لإعلان عجز الإنسان عن إتمام مطاليب قداسة الله، فلم يكن الناموس شيئا سبق الله فأعده للسلوك فيه " فلماذا الناموس " اذا؟ الجواب " قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إلى أن يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ " (غلا3 : 19) أما المسيحي الحقيقى فقد تحرر من الناموس ليحيا لله. لقد مات للناموس وصار لرجل (أوزوج) آخر " لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأموات لِنُثْمِرَ لِلَّهِ " (رو7 : 4). حقاً ما اسمى مقام ومركز المسيحي لا من حيث امتيازاته فقط بل والتزاماته أيضاً فكما أن اختيارنا وبركاتنا كانت في قصد الله من الازل كذلك الأعمال الصالحة التي أعدها لكى نسلك فيها قد سبق فأعدها من قبل وجودنا في هذا العالم.

وكما أن هذا الفصل يبدأ بالسلوك (ع1و2) فانه ينتهي أيضاً بالسلوك (ع10) ولكن ما أكبر الفرق بين الأول والثاني، فالأول هو سلوكنا قبلا في الذنوب والخطايا وذلك لما كنا أمواتا روحيا، والثاني هو سلوكنا، كأحياء روحيا وكالخليقة الجديدة، في الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدها. أن كنا قد أجلسنا في السماويات في المسيح يسوع فانه امتياز مبارك لنا أن نسلك كسماويين أيضاً.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

اطلبوا ما فوق

"فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله" (كولوسي 1:3). الله اعطى كل إنسان اختبر المسيح بالتوبة والإيمان امتيازات رائعة جدا، وأيضا طلب منا أن ننظر دوما إلى فوق حيث من هناك تنهمر البركات والإختبارات الروحية الرائعة، هذا لأننا:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة