الصفحة الرئيسية : شروحات وتفسير : الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس : دوام المحبة

دوام المحبة

(1  كورنثوس  13 : 8)

»8 اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا النُّبُّوَاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. 9 لِأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ، وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّوءِ. 10 وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ. 11 لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ. 12 فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الْآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الْآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ« (1كورنثوس 13:8-12).

»المحبة لا تسقط أبداً«. والتعبير »لا تسقط« في اللغة اليونانية يصوِّر مجموعة جنودٍ يسافرون في حرارة الصيف طريقاً طويلاً ليبلُغوا موقعاً بعيداً. وعندما يبدأون الجنود رحلتهم يأخذون في التساقط الواحد بعد الآخر، بسبب شدة الحرارة ووعورة الطريق. ولا يبقى منهم إلا واحد فقط يقاوم كل عوامل السقوط، حتى يبلغ الهدف، و»لا يسقط أبداً«.

هذه صورة المحبة التي لا تسقط أبداً، فعندما تتوقّف كل الفضائل الأخرى تبقى فضيلة المحبة طويلة النَّفَس، تستمر بغير توقُّف. نراها في فادينا ومخلِّصنا وهو يكمّل المسيرة إلى الصليب، لا لأنه انبهر بإخلاص تلاميذه، فقد كانوا مجموعة ضعفاءٍ أنكروه في الوقت الصعب، مع أن الصَّدِيق يُحِب في كل وقت، خصوصاً عند الحاجة (أمثال 17:17). وقد قال المسيح لهم في بستان جثسيماني: »أمَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟« (متى 26:40). ولا لأنه أُعجب بالجماهير التي أطعمها ونالت الشفاء على يديه، فإنه كان يعلم أنهم سوف يصرخون: اصلبه! اصلبه! »دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا« (متى 27:25). لم يكن هناك دافعٌ بشري يجعل محبة المسيح تستمر حتى الصليب. ولكن الذي دفعه لذلك هو أنه أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى (يوحنا 13:1). فمحبته لا تفشل ولا تسقط أبداً. عندما تتوقف كل الفضائل عن عملها، تستمر المحبة. وعندما تفشل كل الفضائل في عملها تنجح المحبة.

وفي آيات 8-12 يقدم لنا الرسول بولس فكرتين رئيسيتين عن المحبة التي لا تسقط أبداً. فيقول: إن هناك أشياء عظيمة لا تدوم، ثم يوضح لنا كيف تدوم المحبة.

 ثلاثة أمور لا تدوم

أ - النبوَّات ستُبطَل:

تعني النبوّة الإنباء بالمستقبل، أو الوعظ وإعلان رسالة الله للناس، فالذي »يَتَنَبَّأُ فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ« (1كورنثوس 14:3).

 تُبطَل النبوّات عندما تتحقق. فالنبوَّة عن ولادة المسيح العذراوية كانت نبوَّة بالنسبة لإشعياء وأهل زمانه (إشعياء 7:14). فلما تحققت لم تصبح نبوَّة، بل أصبحت بالنسبة لنا الآن تاريخاً.

ونبوَّة ميخا عن ميلاد المسيح في بيت لحم كانت نبوَّة مستقبلية بالنسبة للنبي ميخا وأهل زمانه (ميخا 5:2). ولكن لما تحققت أصبحت بالنسبة لنا ماضياً مباركاً وتراثاً عظيماً.

وهناك نبوَّات عن مجيء المسيح ثانية لا زالت نبوَّة، ولكنها ستُبطل عندما تتحقق أيضاً.

 والنبوَّة بمعنى الوعظ ستنتهي، لأنه سيجيء وقت يتواجد المؤمن فيه في محضر الآب السماوي،كما قال المسيح: »حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً« (يوحنا 14:3) فلا يحتاج إلى وعظ. ففي السماء لا خطية ولا تجربة ولا جهاد ضد الشر. فلن يحتاج المؤمنون ليذكّروا بعضهم بعضاً بكلمة الله ليغلبوا التجارب، لأن التجارب غير موجودة في السماء »وَلَا يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ« (عبرانيين 8:11).

ب - الألسنة ستنتهي:

أعطى الروحُ القدسُ موهبةَ التكلم بألسنةٍ في يوم الخمسين للتلاميذ ليشرحوا إنجيل الملكوت للذين جاءوا ليحتفلوا بالعيد في أورشليم من بلاد أجنبية، وكانوا عاجزين عن فهم لغة الوعاظ الجليليين، فأعطى الله الأنبياء والرسل أن يتكلموا بلغات الموجودين ليفهموهم (أعمال 2:1-8). ولكن عندما انتشر الإنجيل في العالم كله، وتُرجم الكتاب المقدس إلى أكثر من ألف لغة، لم نعُد نحتاج إلى الألسنة كما احتاجوا إليها في يوم الخمسين. وعندما نمثُل في المحضر الإلهي ستكون هناك لغة واحدة هي لغة المحبة. ولا يجب أن ننسى أن الألسنة بدأت عندما بلبل الله ألسنة الذين كانوا يبنون برج بابل (تكوين 11). فالألسنة تعني تعدُّد وتفرُّق الناس. ولكن في السماء ستكون هناك وحدة الفكر والقلب - لغة السماء عينها.

ج - العلم سيُبطل:

 لا يُقصد هنا العلم الطبيعي والرياضي، لكن علم المعرفة الإلهية، والإعلان السماوي للبشر. سيُبطل العلم في السماء لأن المؤمنين لا يعودون في احتياجٍ إليه، لأنهم يَمْثُلون في حضرة »الكلمة« نفسه، المسيح الكلمة الحي، فلا يحتاجون بعد للكلمة المكتوبة في الكتاب المقدس، ولا للكلمة الموعوظة من المنابر! ففي محضره لا نحتاج إلى معرفة، لأنه هو المعرفة كلها »وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَلَا يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لِأَنَّ الرَّبَّ الْإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ« (رؤيا 22:4 و5).

 وحتى العلم الطبيعي يُبطل، لأن ما نحسبه ثوابت اليوم لا يكون كذلك غداً، لأن معرفة الإنسان تتطوَّر. كانوا يقولون إن الذرَّة لا تنقسم ، ثم انقسمت الذرة. وتبطل معرفتنا الشخصية التي كنَّا في صِغرنا نظنّها صحيحةً، لأن معرفتنا تنمو وتزيد. »لِأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ« (آيتا 9 و10). فطفل اليوم يكبر، ويترك ما مضى، كما يقول الرسول بولس: »لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ« (آية 11).

 يقول الرسول بولس: »فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الْآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الْآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ« (آية 12). وقد كانت المرايا في زمن الرسول بولس من المعدن المصقول الذي لا يستطيع الإنسان أن يرى فيه وجهه بوضوح - وهذا طبعاً قبل صناعة المرايا الزجاجية الواضحة. لذلك يقول الرسول إننا الآن ننظر في مرآة معدنية، في معالم غير واضحة، كأننا ننظر في لغزٍ. لكن في المستقبل، عندما نمثُل في محضر الرب وجهاً لوجه »أعرف كما عُرفت«.

ولغز اليوم سيتضح غداً، لأن هناك أموراً لا يستطيع العقل إدراكها اليوم. ولكن في وقت آتٍ نعرف أكثر.

 وهناك أمور يدركها واحدٌ، لا يدركها غيره، فقد أدرك المسيحيون ما لم يدركه اليهود من شريعة موسى. قال الرسول بولس: »كَانَ مُوسَى يَضَعُ بُرْقُعاً عَلَى وَجْهِهِ لِكَيْ لَا يَنْظُرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى نِهَايَةِ الزَّائِلِ. بَلْ أُغْلِظَتْ أَذْهَانُهُمْ، لِأَنَّهُ حَتَّى الْيَوْمِ ذلِكَ الْبُرْقُعُ نَفْسُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْعَتِيقِ بَاقٍ غَيْرُ مُنْكَشِفٍ، الَّذِي يُبْطَلُ فِي الْمَسِيحِ. لكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ. وَلكِنْ عِنْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ الْبُرْقُعُ. وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ« (2 كورنثوس 3:13-18).

 ويدرك المؤمن المسيحي اليوم في المسيح أقل مما سيدركه غداً، لأنه ينمو في النعمة وفي معرفة المسيح (2 بطرس 3:18). ويقول الرسول يوحنا: »أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، الْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ اللّهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ« (1 يوحنا 3:2). إذاً نحن محدودون. لكن هناك حقيقة غير محدودة دائماً مستمرة هي »المحبة التي لا تسقط أبداً«.

 كيف تدوم المحبة؟

أ - المحبة لا تسقط أبداً كمبدأ حي:

(1) الله محبة:

»أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللّهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللّهِ وَيَعْرِفُ اللّهَ. وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللّهَ، لِأَنَّ اللّهَ مَحَبَّةٌ. بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللّهِ فِينَا: أَنَّ اللّهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللّهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا. أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، إِنْ كَانَ اللّهُ قَدْ أَحَبَّنَا هكَذَا، يَنْبَغِي لَنَا أَيْضاً أَنْ يُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً« (1يوحنا 4:7-11).

المحبة ثابتة لا تسقط أبداً لأنها حقيقة الله الدائم الوجود والعطاء والمحب، وهي التي جعلت الله يقول: »هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ؟ أَلَا بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟« (حزقيال 18:23). إنه »الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ« (1 تيموثاوس 2:4). وكل من يتوب ويثبت في محبة الله لا تسقط محبته لله، لأن زرعه يثبت فيه، ويقول مع الرسول بولس: »مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟... فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ... تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللّهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا« (رومية 8:35-39).

(2) وتتلخَّص كل الوصايا في المحبة:

كان رجال الدين اليهود كلما تقدموا في الفقه الديني يختصرون الشرائع في صيغةٍ قليلة الكلمات. فجاء واحد منهم يسأل المسيح عن صيغته للوصايا، فأجابه: »تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالْأَنْبِيَاءُ« (متى 22:34-40).

وقال الرسول بولس: »إِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ: »أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ«. اَلْمَحَبَّةُ لَا تَصْنَعُ شَرّاً لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ« (رومية 13:9 و10).

(3) وعلامة المسيحي هي المحبة:

قال المسيح لتلاميذه: »وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلَامِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ« (يوحنا 13:34 و35). وقال الرسول يوحنا: »إِنْ قَالَ أَحَدٌ: »إِنِّي أُحِبُّ اللّهَ« وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لِأَنَّ مَنْ لَا يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللّهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللّهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً« (1 يوحنا 4:20 و21).

ب - المحبة لا تسقط أبداً كدافع للخدمة:

ما الذي يدفع الأم لتخدم ليلاً ونهاراً، سنة بعد سنة؟ وحتى عندما يكبر أولادها ويهجرون عش البيت، تظل تخدمهم وتخدم أحفادها بكل الحب والعطاء. الأم لا تأخذ إجازة، ولا تُحال إلى التقاعد، ولا تفكر أبداً في »نهاية خدمة«. والسبب وراء هذا العطاء المتجدد المتدفق دائماً هو محبة الأم التي لا تسقط أبداً!

الذي يخدم ليحصل على المال تنتهي خدمته بنهاية حصوله على الأجر. والذي يخدم لمصلحة شخصية يتوقف عن القيام بها متى حقَّق مصلحته. أما الذي يخدم بدافع المحبة فإنه لا يتوقف أبداً عن الخدمة، لأنه يخدم لا بخدمة العين كمن يُرضي الناس، بل ببساطة القلب خائفاً الرب. وكل ما يفعل يفعله من القلب كما للرب، ليس للناس، عالماً أنه من الرب سيأخذ الجزاء، لأنه يخدم الرب المسيح (كولوسي 3:22-24). وما أعظم ما علَّمنا المسيح في قوله: »سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الْأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الْآخَرَ أَيْضاً. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ« (متى 5:38-41).

كان القانون يعطي الجندي الروماني حق تكليف أي مواطن في الدول المستعمَرَة أن يحمل له سلاحه ومتاعه مسافة ميلٍ واحد. وذات يوم كان يهوديٌّ يسير في الطريق عندما استوقفه جنديٌّ روماني كلّفه أن يحمل متاعه مسافة ميل، ففعل. وفي نهاية الميل قال الجندي الروماني: »يكفي«. فقال اليهودي: »سأحمل لك متاعك ميلاً ثانياً«. فقال الجندي: »ولكن القانون لا يكلفك بهذا« فقال له اليهودي: »نعم، ولكني لست مشغولاً اليوم، وليست عندي مسئوليات كثيرة!« واندهش الجندي وسمح له بذلك.. لكن نظرة الجندي لليهودي تغيَّرت، فبعد أن كان اليهودي يسير وراء الجندي، أخذا يسيران متجاورَيْن. وسأل الجنديُّ اليهوديَّ عن سبب الخدمة المضاعفة التي تطوَّع بها، فأجابه اليهودي: »هناك معلِّم ناصري علَّمنا أن نسير ميلين مع مَن يسخرنا أن نمشي معه ميلاً واحداً«. فسأل الجندي ليعرف المزيد عن ذلك المعلم. وعندما انتهى الميل الثاني قرر الجندي أن يكون واحداً من أتباع هذا المعلم الناصري!! تتميَّز المحبة بطول النَّفَس، وهي تواصل السير بدون توقُّف، وتكسب المعركة أخيراً، حتى لو فسَّرها الناس بأنها ضعف أو خِداع. وسيكتشف المعترض في يومٍ ما أن المحبة قوية ومنتصرة.

ج - المحبة لا تسقط أبداً كمصدر للسعادة:

فتح أحد المحلّلين النفسيين قلبه للمسيح، وأخذ يدرس الكتاب المقدس ويتعمق في دراسته، فقرر أن يمارس المحبة مع الجميع بمن فيهم الأعداء. وسرعان ما اكتشف أن المحبة أكبر مصدرٍ لسعادة المسيء والمُسَاء إليه. وذلك من خلال الاختبار التالي، الذي تكرر معه في حياته عدة مرات.

كان لذلك المحلل النفسي رئيسٌ في العمل يضايقه، لا لخطإٍ في المحلل النفسي، فقرر أن يفعل معه ثلاثة أمور:

(1) أن يصلي من أجل هذا الشخص ثلاث مرات يومياً، صلاةً لو سمعها رئيسه في العمل لملأت قلبه السعادة.

(2) أن يفكر في رئيسه بشكلٍ إيجابي، فكلما خطر بباله خاطرٌ سيء عن رئيسه، يستبدله بخاطرٍ صالح. وقد تطلَّب هذا منه تفكيراً طويلاً ليكتشف نقاط الصلاح في رئيسه، الأمر الذي ساعده ليغيّر موقفه الفكري من رئيسه.

(3) كلما خطر رئيسه على باله، يصلي لأجله صلاة قصيرة سريعة: يا رب باركه. أو يا رب أحسِن إليه.

وقرر المحلل النفسي أن يمارس هذا التمرين الروحي مدة شهر كامل. وخلال الشهر لاحظ كيف بدأ رئيسه يتغير، ليس فقط في معاملته معه، لكن في معاملته مع الجميع. وهكذا صار الرئيس سعيداً، وصار المحلل النفسي أكثر سعادة. وكان ذلك المحلل النفسي يقول: إن صلاة المحبة تغيّر المصلي بالتأكيد، فيحبّ كما يحبّه المسيح. وقد تُغيّر هذه الصلاة الشخص الذي نصلي لأجله، كما قد تغيّر الظروف المحيطة بالموقف الذي فيه تحدث المضايقات.

»المحبة لا تسقط أبداً«

صلاة

هبنا يا أبانا السماوي الحكمة لنرى محبتك لنا وهي لم تسقط أبداً - لقد أحببتنا ونحن في خطايانا حتى توَّبتنا عنها، ولا تزالُ في صبرٍ تتوِّبنا وتنقّينا. أعطنا أن نحب الجميع، بمن فيهم المسيئين إلينا حبّاً لا يسقط أبداً، بل يتابع المسيرة، واثقاً في النصر. باسم المسيح. آمين.