|
»اَلْمَحَبَّةُ تَتَأنَّى وَتَرْفُقُ«
(1 كورنثوس 13:4)
بعد أن رأينا أهمية المحبة، نتأمل
صفاتها (آيات 4-7) التي تبدأ بأنها »تتأنى وترفق«.
ويقدم الرسول بولس خمس عشرة صفة للمحبة، نتأمل في
هذا الفصل أول صفتين منها:
(1) المحبة تتأنى: بمعنى أنها طويلة
الروح والأناة، بطيئة الغضب، لا تقطع علاقةً مع
أحد، وتعطي فرصةً متكررة جديدة للجميع، حتى
للمسيئين إليها.
(2) المحبة ترفُق: لأنها رقيقة،
ومعناها في اليونانية »حلوة مع الجميع«.
أعطانا الله النموذج الأعلى للتأني
والرِّفق. فعندما سقط أبوانا الأولان في العصيان
جاءهما الله يمدّ يد المحبة، فقال آدم للّه:
»سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ،
لِأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ« (تكوين 3:10).
وألقى آدم اللوم على حواء، وألقته حواء على
الحيّة. وبالرغم من هذا رتَّب الله في محبته
الخلاص والفداء لأبوينا الأوّلَيْن، فأعطاهما
الوعد العظيم أن نسل المرأة يسحق رأس الحيّة
(تكوين 3:15). ثم سترهما بأقمصةٍ من جلدٍ. فما
أعظم محبة الله التي تأنَّت وترفَّقت، فوعدت بمجيء
المخلِّص، ثم سترت ،وأعطت شريعة موسى وذبائحها
الحيوانية، التي كانت رمزاً لحمل الله الذي يرفع
خطية العالم، والذي بذبيحة نفسه دخل مرةً واحدة
إلى الأقداس فوجد لنا فداء أبدياً (يوحنا 1:27
وعبرانيين 9:12).
كان يمكن أن الله يُهلك آدم ويبدأ
بداية جديدة بإنسان آخر، لكن الله في رفقه وأناته
أعطى آدم فرصة ثانية.
ونرى أناة الله ورفقه واضحة في كل
تاريخ بني إسرائيل، وهو يرسل إليهم نبياً بعد نبي،
ويعلّمهم درساً بعد درس، رغم أنهم يكرِّرون ارتكاب
نفس الخطأ. وفي قصة حياة النبي هوشع نرى الله
يدرِّب نبيَّه لتكون له مشاعر مثل مشاعر الله من
نحو شعبه، فطلب الله من هوشع أن يرتبط بامرأة
ساقطة كما ارتبط الله بشعبٍ ساقط. ولكن السيدة
الساقطة عاودت السقوط. في سقوطها الأول قلَّت
قيمتها، وفي سقوطها المتكرر ضاعت قيمتها. ولكن
الله كلَّف هوشع أن يتزوجها من جديد، لأنه أراد أن
يقول لهوشع وللشعب كله إنه يحب شعبه بالرغم من كل
خطاياهم، وقال: »لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ
غُلَاماً أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ
ابْنِي... وَأَنَا دَرَّجْتُ أَفْرَايِمَ
مُمْسِكاً إِيَّاهُمْ بِأَذْرُعِهِمْ... كُنْتُ
أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ بِرُبُطِ
الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ
النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ، وَمَدَدْتُ إِلَيْهِ
مُطْعِماً إِيَّاهُ« (هوشع 11:1-4).
فبالرغم من خطية الشعب وخيانته لأوامر
الرب، يعبّر لهم عن حبه، وعن مشاعر أبوّته، وهو
يدرِّجهم ويعلِّمهم المشي، ويمدُّ لهم يده
بالطعام! ثم يقول: »َيْفَ أَجْعَلُكَ يَا
أَفْرَايِمُ، أُصَيِّرُكَ يَا إِسْرَائِيلُ؟!
كَيْفَ أَجْعَلُكَ كَأَدَمَةَ، أَصْنَعُكَ
كَصَبُويِيمَ؟« (هوشع 11:8) أي: كيف أخرب بلادكم
(رغم خطاياكم) فتصيرون كأدمة وصبوييم (تكوين
10:19) وهما مدينتان من مدن دائرة سدوم وعمورة
التي أحرقها الله بسبب خطاياها؟ ثم يقول الرب: »قد
انقلب عليَّ قلبي. اضطرمت مراحمي جميعاً!«. فالرب
لا يحتمل أن يبيدهم، لأن محبته لهم تتأنى عليهم
وترفق بهم.
ونرى المحبة نفسها التي تتأنى وترفق
في معاملات المسيح مع تلاميذه الذين أحبهم
وعلَّمهم وساروا معه ثلاث سنوات. ولكنهم عند
الصليب خافوا جميعاً وهربوا. ومع ذلك قال المسيح
للمريمتين بعد قيامته: »اِذْهَبَا قُولَا
لِإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ،
وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي« (متى 28:10).
وقد أوضح المسيح أناة المحبة التي
ترفق في مثَل شجرة التين التي لم تثمر، فقال
صاحبها للعامل في أرضه »ثَلَاثُ سِنِينَ آتِي
أَطْلُبُ ثَمَراً فِي هذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ
أَجِدْ. اِقْطَعْهَا. لِمَاذَا تُبَطِّلُ
الْأَرْضَ أَيْضاً؟ فَأَجَابَ: يَا سَيِّدُ،
اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضاً، حَتَّى
أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ
صَنَعَتْ ثَمَراً، وَإِلَّا فَفِيمَا بَعْدُ
تَقْطَعُهَا« (لوقا 13:7-9).
وهذا التعامل الإلهي المتأني الرفيق
واضحٌ في حياتنا نحن واختباراتنا اليومية، فالله
يباركنا ويُنعم علينا، مع أننا نخطئ ونرتدّ عنه
ونتذمر عليه. ولكنه في محبته الكاملة يحبنا رغم
ضعفنا. وهذا يدفعنا لأن نحيا حياة المحبة التي
تتأنى وترفق مع الجميع »مُتَمَثِّلِينَ بِاللّهِ
كَأَوْلَادٍ أَحِبَّاءَ« (أفسس 5:1).
فلندرس كيف نحيا حياة المحبة، بأن
نرى:
صفات التأني والرفق:
أ - المحبة المتأنية الرفيقة طويلة الأناة بغير
يأس:
المحبة التي تتأنى وترفق تطيل أناتها،
ولا تفقد أملها، وتعطي الآخرين فرصة ثانية، كما أن
الله دائماً يعطيها فرصة ثانية عندما تضيِّع فرصة
أو تسيء التصرُّف. عندما يسقط المؤمن في الخطأ
يعلم أن الله يحبه ويقلب له صفحة جديدة، فيقول:
»لَا تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي. إِذَا
سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ
فَالرَّبُّ نُورٌ لِي. أَحْتَمِلُ غَضَبَ الرَّبِّ
لِأَنِّي أَخْطَأْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى يُقِيمَ
دَعْوَايَ وَيُجْرِيَ حَقِّي. سَيُخْرِجُنِي إِلَى
النُّورِ. سَأَنْظُرُ بِرَّهُ« (ميخا 7:8 و9).
فالرب ينقل المؤمن إلى النور ويُريه البر السماوي.
وهذا أعظم دافعٍ للمؤمن الذي متّعه الله بالمواهب
الروحية أن يتصرف مع غيره كما يتصرف الرب معه.
لقد تأنى المسيح على تلميذه توما الذي
شك في حقيقة القيامة، وقال: »إِنْ لَمْ أُبْصِرْ
فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ
إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ
يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ«. وَبَعْدَ
ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلَامِيذُهُ أَيْضاً
دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ
وَالْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي
الْوَسَطِ وَقَالَ: »سَلَامٌ لَكُمْ«. ثُمَّ قَالَ
لِتُومَا: »هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا
وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي
جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ
مُؤْمِناً«. أَجَابَ تُومَا: »رَبِّي وَإِلهِي«
(يوحنا 20:24-28).
ب - المحبة المتأنية الرقيقة هي التي تستمر ولا
تتوقف:
لا تتوقف المحبة المتأنِّية
المترفِّقة أبداً، فهي تستمر في عطائها برغم
الإساءات المتكررة.
قام أبشالوم بمحاولة انقلاب فاشلة ضد
أبيه الملك داود، وانقسم بنو إسرائيل إلى معسكرين:
معسكر في صف أبشالوم والآخر في صف داود. ولكن محبة
داود المتأنية على ولده جعلته يوصي أتباعه به
ويقول: »تَرَفَّقُوا لِي بِالْفَتَى أَبْشَالُومَ«
(2 صموئيل 18:5). لقد رأى في ابنه الثائر عليه
»فتى« قليل الخبرة فأشفق عليه مما كان يفعله!
وعندما سمع داود أن ابنه قُتل صرخ في ألم: »يا
ابني أبشالوم! يا ليتني متُّ عوضاً عنك«.
ارتكب شاب عدة جرائم، فسُجن. وكانت
أمه تذهب دوماً لتزوره في السجن وتحمل له الهدايا
حتى استدانت وتعبت صحتها. واستمرت تفعل هذا رغم
أنه كان يستقبلها في كل زيارة بالإساءة. وكان للأم
جارٌ نصحها أن تتوقف عن زيارته، لأنها تعبت ولم
تلقَ من ابنها أي تقدير. فقالت لجارها: »نعم هو لا
يقدِّر ما أفعله، لكني أقدّره. إن له أماً واحدة،
لم يَبْقَ من عمرها إلا القليل!«. هذه هي محبة
الأم التي تستمر، لأنها المحبة التي تتأنى وترفق،
صاحبة النَّفَس الطويل، القادرة على العطاء الذي
لا ينقطع، لأن نبعها في السماء.
ج - المحبة المتأنية الرفيقة تحفظ لصاحبها سلامه
الداخلي:
المحبة تتأنى وترفق حتى وسط المتاعب
والآلام، فتملأ قلب صاحبها سلاماً عميقاً يستمدّه
من الرب الذي قال: »بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا
أَنْفُسَكُمْ« (لوقا 21:19). صحيح أن المحبة تنفع
الذين نحبهم، ولكنها قبل ذلك تنفعنا نحن الذين
نحب، لأننا بها نقتني أنفسنا.
د - المحبة المتأنية الرفيقة تتلقّى الصدمات:
هناك نصحية حكيمة تقول: »لا تتوقَّع
كثيراً من الناس لكيلا يخيب أملك. ولكن كن عند
حُسن ظنّ الناس الذين يتوقّعون الخير منك«. ولا
يمكن أن تنفِّذ هذه الوصية إلا المحبة الرفيقة
لأنها ينبوعٌ متدفق فائض يستمدّ فيضه من مصادر
دائمة الجريان، هي نهر محبة الفادي الذي لا يُحدّ.
وصاحب المحبة المتأنية لا يتوقف عن المحبة حتى لو
صدموه. وهو يتصرف كالمسيح الذي شفى أذن ملخس، مع
أن ملخس جاء ليلقي القبض عليه. فقد تلقّى المسيح
الصدمة من ملخس بغير أن تصدمه، بل إن المسيح أحسن
إليه.
قال الرسول بولس لقسوس كنيسة أفسس:
»اِحْتَرِزُوا اِذاً لِأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ
الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ
الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعُوا
كَنِيسَةَ اللّهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ..
لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلَاثَ
سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ
أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ« (أعمال
20:28 و31).
اعتراضات على التأني
والرِّفق
يَشْكو كثيرون من شريك الحياة أو من
الأبناء، أو من رئيس العمل أو الشريك فيه، أو من
الجيران. وعندما تنصحهم بعدم ردّ الإساءة بإساءة
يعترضون.
وأذكر ثلاثة اعتراضات على التأني
والرفق، ثم أورد الردود عليها:
أ - قال أحدهم: »الإساءة التي أُسئت
بها إساءة بالغة للغاية. أساءوني جداً، وأنا لا
أستطيع أن أتأنى وأرفق، لأني جُرحت جُرحاً
بليغاً«.
ولهذا الشخص نقدم ثلاث نصائح:
* لا يمكن أن تكون الإساءة التي أساء
الناس بها إليك أكبر من إساءتك أنت للرب ولغيرك من
الناس، ومع ذلك احتملك الرب. فنحن عادةً ننسى ما
نسيء به إلى غيرنا، ولكننا نتذكر ما يسيء به
الآخرون إلينا. وعلينا أن نتذكر النصيحة الرسولية:
»كُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ،
شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ
اللّهُ أَيْضاً فِي الْمَسِيحِ« (أفسس 4:32).
ولنا في الصلاة الربانية، وفي تعليق
المسيح عليها، ما يساعدنا على أن نكون ذوي محبة
متأنية رفيقة. فقد علّمنا المسيح أن نصلي:
»اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ
أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا... وَإِنَّهُ
إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، يَغْفِرْ
لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ
لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلَّاتِهِمْ، لَا
يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلَّاتِكُمْ«
(متى 6:12 و14 و15).
لقد سامح المسيح المسيء والمُساء
إليه. فلنسامح كما سامحنا الرب، ولنصلِّ أن يتعامل
الرب مع المسيء إلينا ويسامحه كما تعامل الرب معنا
وسامحنا.
* وهناك نصيحة ثانية لمن يقول إن
الإساءات ضده بالغة، هي أن المسيح يحمل معك
الإساءة التي صدرت ضدك. والدليل على ذلك أنه عندما
مدّ شاول الطرسوسي يده ليسيء للمؤمنين قال له
المسيح: »شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا
تَضْطَهِدُنِي؟... أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ
تَضْطَهِدُهُ« (أعمال 9:4 و5). ونقرأ في نبوَّة
زكريا: »مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ
عَيْنِهِ« (زكريا 2:8) والمعنى أن من يسيء إلينا
يؤذي نفسه، أو أنه يسيء لله نفسه. فالمسيح في
آلامنا يحس بنا ويتألم معنا، كما يقول الله بفم
إشعياء النبي: »فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ
وَمَلَاكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ
وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ، وَرَفَعَهُمْ
وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الْأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ« (إشعياء
63:9).
لقد دعاك المسيح لتحمل نيره الهيِّن
والخفيف، وهو نير طاعة وصاياه. فإن كنت تحمل نير
المسيح، طاعةً لأمره: »اِحْمِلُوا نِيرِي
عَلَيْكُمْ« (متى 11:29) فسيحمل هو النير معك!
* وهناك نصيحة ثالثة لمن يقول إن
الإساءات ضده بالغة، هي قول المسيح: »كُنْ
أَمِيناً إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ
الْحَيَاةِ«(رؤيا 2:10). صحيح أن الإساءة بالغة
ولكن أمانتنا مع الرب تجعلنا نحتمل ونحب المحبة
المتأنية الرفيقة، لنستحق لقب »أمناء إلى الموت«
فننال »إكليل الحياة«.
ب - وقال صاحب الاحتجاج الثاني:
»المسيئون لا يتوقَّفون عن إيقاع
الأذى بي، ولا يتوبون، ولا يبدو أنهم سيغيّرون
موقفهم معي«.
* والسؤال: هل إساءاتهم ترجع إلى خطإٍ
ارتكبه صاحب الاحتجاج، أم لأنهم هم مخطئون؟ لنستمع
إلى نصيحة الرسول بطرس: »أَيُّهَا الْخُدَّامُ،
كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ
(لرئيس العمل)، لَيْسَ لِلصَّالِحِينَ
الْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلْعُنَفَاءِ
أَيْضاً. لِأَنَّ هذَا فَضْلٌ إِنْ كَانَ أَحَدٌ
مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللّهِ يَحْتَمِلُ
أَحْزَاناً مُتَأَلِّماً بِالظُّلْمِ. لِأَنَّهُ
أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ
مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ
تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ
فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللّهِ،
لِأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ
أَيْضاً تَأَلَّمَ لِأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا
مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ. الَّذِي
لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ
مَكْرٌ، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ
عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ
بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ.
الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي
جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ
الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ« (1بطرس
2:18-24).
لنمتحن أنفسنا: هل نتألم بسبب خطإٍ
ارتكبناه؟ إن كان الأمر كذلك، فلنتُبْ إلى الرب
فيرحمنا وإلى إلهنا لأنه يكثر الغفران (إشعياء
55:7). أما إن كنت تتألم وأنت فاعلٌ خيراً،
فنِعِمّا لك. أرجوك أن تثبِّت نظرك على المسيح،
الذي تألم وهو يخدم ويطلب ويخلِّص ما قد هلك، فأنت
تتشبَّه به، وهو يعطيك النجاة.
ج - وقال صاحب الاحتجاج الثالث:
»لو تأنَّيتُ عليهم أو كنتُ رفيقاً
معهم، فإنهم يزيدون مضايقاتهم وإساءاتهم«.
وللرد نقول:
* من أين تعرف أن الأعداء سيزيدون
مضايقاتهم لك غداً؟ لا يستطيع أحد منا أن يتنبّأ
بما يأتي به الغد، فالغد في يد الرب. »الْغَدُ
يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ
شَرُّهُ« (متى 6:34). سيتدخل الرب في الوقت
المناسب ليغيِّر المضايقة إلى خير، كما قال يوسف
لإخوته: »أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً، أَمَّا
اللّهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً« (تكوين 50:20).
* وهناك حقيقة أخرى: إن الله يقف
دوماً إلى جانب الذين يطيعون وصاياه. قال القديس
أغسطينوس: »اعمل إرادة الله كأنها إرادتك، يعمل
الله إرادتك كأنها إرادته«. عندما تطيع الله
يتحمّل هو سبحانه كل ما ينتج عن طاعة أوامره.
يأمرنا الرسول بولس: »جِدّوا للمواهب الحسنى،
وأيضاً أريكم طريقاً أفضل .. المحبة تتأنى وترفق«.
فلو أننا أطعنا هذا الأمر المبارك يصبح الرب وليّ
أمرنا، والمسئول عنا، والبركة دائماً على رأس
المطيع.
* وهناك حقيقة ثالثة: ما أعظم الوصية
الرسولية: »لَا تُجَازُوا أَحَداً عَنْ شَرٍّ
بِشَرٍّ. مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ
جَمِيعِ النَّاسِ. إِنْ كَانَ مُمْكِناً فَحَسَبَ
طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لَا
تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا
الْأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَاناً
لِلْغَضَبِ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: »لِيَ
النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ.
فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ
عَطِشَ فَاسْقِهِ. لِأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا
تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ«. لَا
يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ
بِالْخَيْرِ« (رومية 12:17-21).
المحبة التي تتأنى وترفق تغيِّر حياة
المحب والمحبوب. إنها تردّ الضال البعيد إلى بيت
الآب. وكما أن محبة الله المتأنية الرفيقة تقودك
لتفتح قلبك للمسيح المخلِّص ليملك على قلبك
بمحبته، قدِّم أنت المحبة نفسها لمن يسيء إليك،
لتردّ نفسه وتهديه إلى سبل البر.
صلاة
يا صاحب الأناة والرفق، علِّمني طول
الأناة والرفق كما أنك طويل الأناة معي. وقد
احتملتني حتى فتحتُ قلبي لك. ساعدني لأحتمل الذين
يسيئون إليَّ، من أجل خاطرك، ومن أجل خاطرهم هم،
ليعرفوك، فنقتني أنفسنا بصبرنا. ساعدني ليكون لي
الإيمان العامل بالمحبة. اغفر لي تذمُّري وضيق
صدري، وتوِّبني إليك لأحبَّك وأحب الذين تحبهم.
فنكون تلاميذ يسوع. في شفاعته استجبنا. آمين.
|