الصفحة الرئيسية : شروحات وتفسير : الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس : المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ

(1 كورنثوس 13:4)

يتعرَّض صاحب المواهب الروحية (أكثر من غيره) لتجربة التفاخر بما عنده. فقد يتفاخر الواعظ المشهور بقدراته الوعظية، وقد يتكبَّر المحسِن بأنه أطعم الفقراء. أما المحبة الحقيقية الصادقة فإنها لا تتفاخر بما تفعل لأنها تفعله لأجل اسم المسيح، وبقوة منحها المسيح.

كان التفاخر أحد عيوب كنيسة كورنثوس، فانقسموا أحزاباً، يفتخر كل حزبٍ بالرسول الذي ينتمي الحزب له، فافتخر البعض ببولس والبعض بأبلّوس، فقال لهم الرسول بولس: »لَا يَنْتَفِخَ أَحَدٌ لِأَجْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْآخَرِ (بمعنى: لا تنتفخوا من الكبرياء تحزُّباً لأحدٍ) لِأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ (بمعنى: من جعلك متميِّزاً عن غيرك؟) وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ (بمعنى: كل شيء عندك أخذتَه هبةً) وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ؟« (1كورنثوس 4:6 و7). فالرسول يطلب أن لا يتحيّزوا له أو لأبلوس، لأنْ لا أحد يملك ويُميَّز. وإن مَلَك وتميَّز فهذا نعمة وهبة من عند الله، وليس من مكسبه الشخصي.

ويقول الرسول بولس أيضاً: »الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي« (1كورنثوس 8:1). فالإنسان الذي يعرف ربما ينتفخ بعلمه، ولكنه لا ينمو ويرقى إنسانياً وروحياً بما تعلَّم إلا إذا أشرقت أنوار المحبة على قلبه.

لماذا لم يقل بولس: »المحبة تتواضع« بدل قوله: »المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ«؟ لماذا لم يصف المحبة بأسلوبٍ إيجابي بدلاً من الأسلوب السلبي؟ والإجابة: لعل أهل كورنثوس افتخروا بتواضعهم، وحوَّلوا فضيلة التواضع إلى افتخار، فصارت فضيلتهم رذيلة. فشرح الرسول بولس لهم الفضيلة بضدّها.

هناك وصيتان عظيمتان تتلخّص فيهما كل الوصايا: »تحب الرب إلهك من كل قلبك، وتحب قريبك كنفسك«. والذي يحب الله من كل قلبه لا يمكن أن يتفاخر أو ينتفخ، لأنه يدرك أن كل ما عنده هو من عند الله مصدر كل نعمة. ومن يحب إخوته البشر لا يمكن أن ينتفخ عليهم، بل يقف منهم موقف التواضع، لأنه خادم الله المحب، الذي يعطي من نفسه ومما عنده، متمثِّلاً بالمسيح الذي لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين (مرقس 10:45).

ثلاثة أسباب من أجلها لا تتفاخر المحبة

 المحبة تدرك أن التفاخر سلوك جسداني:

هناك سلوك »حسب الجسد« وسلوك »حسب الروح«. والجسد يشتهي ضد الروح ويقاومه حتى نفعل ما لا نريد. لذلك جاءت النصيحة الرسولية: »اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلَا تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ« (غلاطية 5:16). ولذلك نرى المحبة لا تتفاخر لأن الروح القدس يحكمها، كما قال الرسول بولس: »الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ« (رومية 8:5). هذه المحبة الخاضعة للروح القدس لا تتصرف التصرُّف الجسداني الذي ينتفخ.

* لقد كان الجسد من وراء تصرُّف الملك نبوخذنصر، فقال هذا المسكين: »أَلَيْسَتْ هَذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي وَلِجَلَالِ مَجْدِي؟« (دانيال 4:30). لم يبْنِ نبوخذنصر بابل بنفسه، ولا دفع من جيبه نفقات البناء، بل تمتّع بثمرة ما قام به الشعب الذي دفع الجزية، وما قام به المهندسون المقتدرون من رسمٍ وتأسيسٍ وبناء. أما قوله: »بقوة اقتداري ولجلال مجدي« فيدل على أن عقله قد أصابه الجنون!

* ولقد كان الجسد من وراء تصرُّف سالومة أم يوحنا ويعقوب ابني زبدي، فقالت للمسيح: »قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ« (متى 20:21). ولم يَعِدْها الرب بشيءٍ مما طلبت، ومع ذلك اغتاظ باقي التلاميذ من طلبها، وكأن المسيح وعدها أن يحقِّق لها ما طلبته! وفي طلبها، وفي غيظ التلاميذ نرى انتفاخ سالومة بولديها، وانتفاخ وكبرياء التلاميذ الآخرين الذين لا بدَّ حسبوا نفوسهم أفضل من ابني زبدي! لعل كل واحد منهم قال: لئِنْ جلس يوحنا ويعقوب عن يمينه وعن يساره، فأين أجلس أنا؟! والمسيح يقول للجميع: هل تستطيعون أن تصطبغوا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟ كانت صبغة المسيح ولون حياته التواضع والمحبة، وهي الصبغة ولون الحياة الذي يريده لنا، لأنه وديعٌ ومتواضع القلب.

* ولقد كان الجسد من وراء مشاجرة التلاميذ: من منهم يُظَن أنه يكون أكبر (لوقا 22:24). لقد ظنوا ملكوت المسيح سياسياً أرضياً، ولكن المسيح أصلح فكرهم الجسداني، وقال لهم: »الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالْأَصْغَرِ، وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ... أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ« (لوقا 22:26 و27).

واضح أن البشر بحسب تفكيرهم العادي يميلون إلى التفاخر والانتفاخ، فهم يعتزُّون بعائلتهم باعتبار أنها أفضل العائلات، ثم يعتزُّون بأنفسهم باعتبار أنهم أفضل أفراد عائلتهم! ولكن المحبة سلوك سماوي، لذلك فهي لا تتفاخر ولا تنتفخ. ولقد تجرَّب شعب الله القديم بالتفاخر بعد معجزات الخروج، فقال الله لهم محذراً: »لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لِأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لِآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. فَاعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ اللّهُ، الْإِلهُ الْأَمِينُ، الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالْإِحْسَانَ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ إِلَى أَلْفِ جِيلٍ« (تثنية 7:7-9). لقد اختار الله شعبه لأنهم أقل من سائر الشعوب ليحفظ لهم تواضعهم. فأمرهم موسى بعدم التفاخر، وأوصاهم بالتواضع، وعلمهم أن يقولوا: »أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي، فَانْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ، فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً. فَأَسَاءَ إِلَيْنَا الْمِصْرِيُّونَ وَثَقَّلُوا عَلَيْنَا وَجَعَلُوا عَلَيْنَا عُبُودِيَّةً قَاسِيَةً. فَلَمَّا صَرَخْنَا إِلَى الرَّبِّ إِلهِ آبَائِنَا سَمِعَ الرَّبُّ صَوْتَنَا، وَرَأَى مَشَقَّتَنَا وَتَعَبَنَا وَضِيقَنَا« (تثنية 26:5-7).

لقد تاه إبراهيم خليل الله، وجاء لاجئاً إلى مصر. ولما تضايق فيها صرخ إلى الرب فأنقذه. ولم تنقذه مكانته الشخصية أو قوته أو تفكيره البشري (تكوين 12:10-20). وهذا يمنع المؤمنين الذين يقدّرون فضل الله من الافتخار الجسدي.

وعاد الله على فم النبي إشعياء يحذّر الشعب القديم من التفاخر، فقال لهم: »اِسْمَعُوا لِي أَيُّهَا التَّابِعُونَ الْبِرَّ الطَّالِبُونَ الرَّبَّ. انْظُرُوا إِلَى الصَّخْرِ الَّذِي مِنْهُ قُطِعْتُمْ وَإِلَى نُقْرَةِ الْجُبِّ الَّتِي مِنْهَا حُفِرْتُمُ« (إشعياء 51:1). والمقصود بالصخر هو إبراهيم الخليل، والمقصود بنقرة الجب زوجته سارة، فقد كان إبراهيم في التاسعة والتسعين من عمره، وسارة في التاسعة والثمانين لما حبلت بإسحق. لم يكن هناك أملٌ في الإنجاب في هذا العمر الكبير، لكن على خلاف الرجاء البشري حقَّق الله وعده لإبراهيم الخليل (رومية 4:18). وهكذا قال إشعياء إن الله أخرج من »الصخر« ومن »نقرة الجُبّ« شعباً له. فلا فخر هنا، ولكن تواضع أمام معجزة الله حتى »تَقَوَّى (إبراهيم) بِالْإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلّهِ« (رومية 4:20). وقد حذَّر المسيح بطرس من ثقته الزائدة بنفسه، وقال له إنه سينكره ثلاث مرات (لوقا 22:24). ولا بد أن المسيح استشعر أن تلاميذه سيتجرّبون بأن يفتخروا بأنه اختارهم تلاميذ له، فقال لهم: »لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ« (يوحنا 15:16). إذاً الفضل للنعمة التي حملت الغصن في الكرمة، وغذَّته بعُصارتها الكريمة فجاء بالثمر. ونلاحظ أن الغصن الذي لا يحمل ثمراً يكون مرتفع الرأس، ولكن عندما يتثقّل بالثمر ينحني. وقليلو الثمر هم الذين يتفاخرون!

   المحبة تدرك فضل من أعطاها، فلا تنتفخ:

الإنسان جسد، هو تراب من الأرض. والإنسان روح، هو نفخة من الله. ولا يستطيع التراب أن ينتفخ، لأنه عندما تخرج منه النفخة يعود  إلى التراب. لذلك نكرر مع الرسول بولس: »إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ« (رومية 14:8). فمحبتنا للرب تجعلنا ندرك أننا به نحيا ونتحرك ونوجد (أعمال 17:28) فنُرجِع الفضل لصاحب الفضل، ونقدم المجد لمن يستحق المجد.

نريد أن نقيِّم أنفسنا تقييماً سليماً صحيحاً، كما قال الرسول بولس: »لَا يَرْتَئِيَ (أحدٌ) فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ، كَمَا قَسَمَ اللّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَاراً مِنَ الْإِيمَانِ« (رومية 12:3).

ونقدم مَثَلين مِن شخصين كان تقييمهما لنفسيهما »إلى التعقُّل« هما يعقوب أب الأسباط، وداود صاحب المزامير. قال يعقوب لله: »صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الْأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الْأُرْدُنَّ، وَالْآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لِأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ« (تكوين 32:10 و11). يعترف يعقوب أن عند عبوره الأردن لم يكن يملك غير عصاه. ولكن عند رجوعه كان معه جيشان، والفضل كله يرجع لله. ولكن الجيشين يمكن أن يضيعا في لحظة، ويأخذهما عيسو، أو يقتلهما. فاعترف أنه صغير يحتاج لمعونة الرب.

وصلّى نبي الله داود: »مَنْ أَنَا يَا سَيِّدِي الرَّبَّ، وَمَا هُوَ بَيْتِي حَتَّى أَوْصَلْتَنِي إِلَى ههُنَا؟ وَقَلَّ هذَا أَيْضاً فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ فَتَكَلَّمْتَ أَيْضاً مِنْ جِهَةِ بَيْتِ عَبْدِكَ إِلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ. وَهذِهِ عَادَةُ الْإِنْسَانِ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ. وَبِمَاذَا يَعُودُ دَاوُدُ يُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ قَدْ عَرَفْتَ عَبْدَكَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ؟ فَمِنْ أَجْلِ كَلِمَتِكَ وَحَسَبَ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هذِهِ الْعَظَائِمَ كُلَّهَا لِتُعَرِّفَ عَبْدَكَ. لِذلِكَ قَدْ عَظُمْتَ أَيُّهَا الرَّبُّ الْإِلهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكَ وَلَيْسَ إِلهٌ غَيْرَكَ حَسَبَ كُلِّ مَا سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا« (2صموئيل 7:18-22). يعترف داود أنه كان راعي غنمٍ بسيط، أخذه الرب وجعله ملكاً. فالمحبة لا تتفاخر، لأنها تعترف بفضل من أعطى الهبة. تقول التطويبة الأولى: »طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ« متى 5:3). والمساكين بالروح هم الذين يدركون أن الذي عندهم ليس لفضلٍ فيهم، ولكنه عطية مجانية من عند الرب.

   المحبة تدرك محدودية عطائها، فلا تنتفخ:

كيف نتفاخر وننتفخ ونحن نعلم أن محبتنا لله وخدمتنا له هي لا شيء بالنسبة لمحبته لنا وما وهبه لنا من بركات؟ وكيف نتفاخر وننتفخ ونحن نعلم أننا مقصِّرون في حق الله وفي حق الناس؟ لهذا يقول المسيح: »مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ (من البَطَالة). لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا« (لوقا 17:10).

لا يستطيع أحدٌ أن يفعل كل ما يُؤمر به، ولكن حتى لو فعل، فلا بد أن يعترف أنه عبد بطّال لم يفعل شيئاً، ويكون ذلك تقييماً حقيقياً صادقاً، لا تواضُعاً مزيَََّفاً. فكل ما نتبرّع به من مالٍ هو مما يعطيه لنا الله. وكل عملٍ نقوم به هو من صحةٍ وطاقةٍ موهوبتين لنا من الله. كل شيءٍ عندنا هو من نعمته علينا، هبةٌ مجانية من إلهٍ له كل مجد.

كلما زادت محبتنا لله زدنا في النعمة، وكلما تقدمنا في النعمة نكتشف أن مستوانا أدنى من المستوى الإلهي المطلوب منا، وهو »قياس قامة ملء المسيح«. فلنجاهد ولا نتوقَّف. لا مجال للفخر أبداً، بل المجال كله للسعي نحو الغرض مقاوِمِين حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية (عبرانيين 12:4).

حدثنا الإنجيل عن قائد مئة عمل الكثير من الخير، لكنه رأى أنه لم يفعل إلا الواجب عليه، فلم يفتخر، بل تواضع، لأن قلبه كان عامراً بالمحبة لله، ولشعب الله. قال عنه شيوخ اليهود للمسيح: إنه يستحق أن يذهب المسيح إلى بيته، ليشفي عبده، وقالوا: »إِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، لِأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ« (لوقا 7:4 و5). ولكنه هو قال للمسيح: »لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي« (لوقا 7:6). المحبة تُدرك محدودية ما تعطي ولذلك لا تتفاخر ولا تنتفخ.

دعونا في روح التواضع والإحساس بالخطية والتقصير أن ننحني أمامه، نتناول من فيض بحر نعمة محبته الذي لا يُحدّ، مجاهدين ليتعالى اسمه وتمتلئ الأرض من مجده.

صلاة

يا رب علِّمني المحبة التي لا تتفاخر ولا تنتفخ، فأيُّ شيءٍ عندي لم آخذه من يدك الكريمة؟ أشكرك من أجل اختيار النعمة لي الذي هو من إنعامك أولاً وأخيراً. علمني من نموذج المسيح، المثال الأعلى في الحب والتواضع الذي قال: »لأني وديعٌ ومتواضعُ القلب« والذي وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. اعطني التواضع ووداعة القلب. أبعِد من قلبي كل أثرٍ للانتفاخ والتفاخُر والكبرياء. اعطني أن أسير في خطوات حبيبنا وفادينا. واستجبني في شفاعته. آمين.