الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : شروحات وتفسير : الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس : المحبة لا تطلب ما لنفسها

 

(1كورنثوس 13:5)

»اَلْمَحَبَّةُ لا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا« يعني أن المحبة تطلب ما لغيرها، وهذه فضيلة لا يمكن أن تتوفر للإنسان بغير أن يولد من الله، وبغير أن يملكه روح الله، فإن المولود من الجسد جسدٌ هو، يهتم بما لنفسه، أما المولود من الروح فهو روح، يهتم بما لله، وبما للآخرين.

عندما  نسمع  تعاليم  الإنجيل نُصاب  باليأس  لأننا  عاجزون  عن چ تطبيقها. ولما نتأمل نموذج حياة المسيح يصيبنا اليأس لأننا لا نستطيع أن نمشي في أثر خطواته. وهذا اليأس مقدّس ومُهِمٌّ ومبارك، لأننا عندما نشعر بالعجز نلجأ إلى نعمة الله معلنين فشلنا، فيتولى الله الأمر بدلاً عنا، فنقول مع الرسول بولس: »مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ« (غلاطية 2:20). عند ذلك يحيا المسيح هذه الفضائل بحياته فينا، فنقدر أن نسير في أثر خطواته. فإذا تعثَّرنا وسقطنا يقيمنا »لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللّهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالْأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ« حياته فينا (رومية 5:10).

»المحبة لا تطلب ما لنفسها« لأنها تطلب ما لغيرها! يقول تقليد يهودي قديم إن المكان الذي بُني فيه هيكل سليمان كان مكاناً التقى فيها أخوان عمَّرت المحبة قلبيهما. كان أكبرهما متزوجاً وعنده أولاد، ولم يكن الصغير متزوّجاً. وبعد حصاد القمح قال الأخ الكبير في نفسه: »لقد حصدنا القمح، ولديَّ نصف المحصول وأخي عنده النصف الآخر. سأعطي كيس قمحٍ من نصيبي لأخي، ليسدّد نفقات زواجه، ويبدأ بيتاً جديداً«. وفي الوقت ذاته كان الأخ الصغير يفكّر في نفسه أن يضيف كيس قمحٍ من نصيبه إلى نصيب أخيه، لأنه فكر في مسئوليات أخيه المتزوّج من نحو زوجته وأولاده. ونفَّذ كلٌّ منهما فكرته في ظلام الليل. ولما طلع الصباح قام كل منهما بإحصاء ما عنده فوجده لم ينقُص. ولم يدرك أيٌّ منهما سبب ذلك ،فكرّرا ما فعلاه أكثر من ليلة. وفي ليلة تقابل الأخوان معاً على الطريق، وكلّ يحمل كيس قمحٍ ليعطيه لأخيه. واحتضن أحدهما الآخر وبكى كل منهما على كتف أخيه. في ذلك المكان، مكان لقاء المحبة، بُنيَ هيكل سليمان.

في ليلة العشاء الاخير رفض تلاميذ المسيح أن يغسلوا بعضهم أرجل بعض. فقام المسيح عن العشاء واتزر بمنشفة وغسل أرجلهم ومسحها، ثم قال لهم: »أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ ... فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ« (يوحنا 13:4-14).

أحبنا الله محبةً عظيمة، وقَبِلَنا. وهو يطلب منّا أن نحب قريبنا على مثال محبته لنا ومحبتنا لنفوسنا. كما أن الله يطلب منا أن نقبل نفوسنا ونغفر لها كما أحبنا هو وغفر لنا. فإذا غفرنا لأنفسنا بذات طريقة غفران السماء لنا، نقدر أن نقبل الآخرين ونغفر لهم، فنطبِّق بذلك صفةً من أعظم صفات المحبة، ونطيع الأمر الرسولي: »فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً، لَا شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لَا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِآخَرِينَ أَيْضاً. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللّهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ« (فيلبي 2:2-8). فالمسيح هو النموذج الأعلى للمحبة التي تفكّر فيما لغيرها. فليكن فينا فكر المسيح الذي يقبلنا ويباركنا ويغفر لنا. فعندما نتَّخذ فكر المسيح منهجاً لنا نستطيع أن نحب بمحبته، فلا نطلب مجد أنفسنا، ولا سرور أنفسنا، ولا فائدة أنفسنا، لأننا نطلب ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلها تُزاد لنا (متى 6:33).

  المحبة تطلب ما لغيرها لأنها رحيمة:

النفس  التي تتمتَّع برحمة الله وغفرانه، تكون  بالتالي  رحيمةً على غيرها وتطلب ما لغيرها، وكلما تخلّلت رحمة الله ثنايا النفس البشرية انطلقت الرحمة من تلك النفس إلى الآخرين. ما أجمل قول المرنم: »مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ تَتَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الْإِنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ. إِذَا سَقَطَ لَا يَنْطَرِحُ لِأَنَّ الرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ. أَيْضاً كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلَا ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً. الْيَوْمَ كُلَّهُ يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ وَنَسْلُهُ لِلْبَرَكَةِ« (مزمور 37:23-26). تتحدث الآيات 23-25 من مزمور 37 عن محبة الرب وإسناده للمؤمن، وإشباعه له ولذريته بالخير، فيجيء ردّ فعل المؤمن في أنه يترأف اليوم كله ويُقرِض، ويكون نسله للبركة، لأن الرب سبقَ وترأف عليه ورحمه.

وهذا الذي يصفه المرنم في مزمور 37 ينصحنا به الرسول بولس في قوله: »الْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللّهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفاً، وَتَوَاضُعاً، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً« (كولوسي 3:12 و13).

   المحبة تطلب ما لغيرها لأنها كريمة:

المحبة  كريمة،  تعطي دون أن تنتظر أخذاً. وعندنا  أمثلة  كثيرة چ لذلك، منها نموذجٌ قد يصعُب اليوم تطبيقه، حدث في الكنيسة الأولى، يصفه سفر أعمال الرسل بالقول: »وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعاً، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. وَالْأَمْلَاكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ« (أعمال 2:44 و45). لم يكن هناك أحدٌ محتاجاً لأن الذي عنده أعطى من ليس عنده. وفي الأصحاح الرابع من نفس السفر يقول: »وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجاً، لِأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ« (أعمال 4:32-35). ويقدم ذات الأصحاح نموذجاً لشخصٍ اسمه يوسف، كانت شهرته »برنابا« ومعنى اسمه »الذي يشجع الآخرين« وهو لاوي يسكن في جزيرة قبرص »كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ« (آيتا 36 و37).

هذه هي المحبة الكريمة التي تعطي كل ما عندها، وتعطي بسخاء. ولكن اشتراكية كنيسة أورشليم لم تستمر، لأنها كانت استهلاكية غير مُنتجة، فعندما انتهى رأس المال أصابهم الفقر. لذلك يعلمنا الرسول بولس: »إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلَا يَأْكُلْ أَيْضا« (2 تسالونيكي 3:10). ويقول لقسوس كنيسة أفسس: »حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ« (أعمال 20:34). وقد اشتغل بولس خيّاماً ليعول نفسه والذين معه.

كانت محبة أعضاء الكنيسة الأولى بعضهم لبعض عظيمة، فقدَّموا  كل ما عندهم لله ولبعضهم. والأغلب أنهم كانوا يتوقّعون مجيء المسيح ثانيةً أثناء حياتهم، فباعوا ممتلكاتهم لخير بعضهم البعض. ولكن لا يستطيع أحد أن يحدد موعد المجيء الثاني للمسيح. فلنشتغل ونجتهد بكل أمانة، محقِّقين الوصية الرسولية: »لَا يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ« (أفسس 4:28).

فتعالوا  بنا  نحب الله الكريم لنكون كرماء مثله »لِأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. فَلَا نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لِأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لَا نَكِلُّ. فَإِذاً حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلَا سِيَّمَا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ« (غلاطية 6:8-10). فالمحبة التي أخذت من الله بركة وتمتعت بالكرم الإلهي لا تطلب ما لنفسها بل تطلب ما لغيرها. والذي شبع يفيض على غيره من كرم السماء. »لَا تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لِأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هذِهِ يُسَرُّ اللّهُ« (عبرانيين 13:16).

 المحبة تطلب ما لغيرها لأنها تطلب الصالح الروحي لغيرها، كما يفعل الله معها:

يطلب الرب خيرنا الروحي، ويفتش علينا كما يفتش الراعي الصالح عن الخروف الواحد الضال حتى يجده. ولا زال هذا الراعي الصالح يفتش عليك، ليردّ نفسك ويهديك إلى سُبل البر من أجل اسمه (مزمور 23:3). »لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ« (لوقا 19:10).

وأبلغ مثال للمحبة التي تطلب ما لغيرها، موقف بولس الرسول من اليهود الذين ضايقوه وقاوموه، وقد سبق أن صلبوا المسيح، وكانوا يريدون أن يعطلوا رسالة الإنجيل. وحتى اليهود الذين قَبِلوا رسالة المسيح كانوا يريدون أن يعطِّلوا توصيلها للأمم. فعبَّر الرسول بولس عن مشاعره نحوهم بقوله: »أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لَا أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: إِنَّ لِي حُزْناً عَظِيماً وَوَجَعاً فِي قَلْبِي لَا يَنْقَطِعُ! فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُوماً مِنَ الْمَسِيحِ لِأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ« (رومية 9:1-3) فقد كان يتمنى أن يُحرم من الخلاص لو أن هذا الحرمان أدَّى إلى توبة اليهود وحصولهم على الخلاص.

هل ضحَّيت بشيء لأجل المسيح، أدّى إلى قيادة غيرك لمعرفة المسيح؟ فكِّر في ما عمله المسيح لأجلك، وتضحيته بنفسه ليخلّصك، واسمعه يسألك: وأنت ماذا يا ترى قاسيت من أجلي؟

  المحبة التي لا تطلب ما لنفسها تنال الجزاء السماوي:

كلنا نطلب الجزاء السماوي، وطريقنا إليه هو خدمة الآخرين وطلب ما هو لغيرنا. وخير نموذج لذلك هو مخلِّصنا العظيم، الذي عندما »وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللّهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الْأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللّهِ الْآبِ« (فيلبي 2:8-11). فالذي يطلب ما هو لغيره، وليس ما هو لنفسه، ويكرم الآخرين، يكرمه أبوه السماوي، كما أكرم الآب الابن الذي بذل نفسه لأجل البشر الخطاة.

تعالوا بنا نسير في خطوات المسيح، لنكون من أهل اليمين، الذين يقول لهم الملك: »تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لِأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الْأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلَاءِ الْأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ « (متى 25:34-40). فالرب يحسب لك كل لمسة خير وحب مهما كانت متواضعة، ويردّها لك ببركة عظيمة، ليس فقط على الأرض، بل كميراثٍ أبدي أعدَّه لك منذ تأسيس العالم! »وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلَاءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَهُ« (متى 10:42).

قدّم رسول المحبة بولس نصيحة جميلة لقسوس كنيسة أفسس اختتمها بكلماتٍ قالها الرب يسوع، وهي كلماتٌ لم يسجلها أحدٌ من البشيرين الأربعة. قال: »فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ. فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ ٹوَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَخْذِ« (أعمال 20:33-36). وهنا يوصينا الرسول بولس أن نحب بالمحبة التي لا تطلب ما لنفسها، عملاً بوصية المسيح أن العطاء أفضل من الأخذ. وقدّم المسيح المثال في ذلك لما بذل نفسه عنا. وقدّم بولس أيضاً المثال، فلم يطلب ما لنفسه، بل خدم واحتمل لأجل حاجات الآخرين .. ولذلك بارك الرب بولس. وظلّت تعاليمه التي أوحى بها الله بروحه القدوس إليه توجِّه المؤمنين إلى يومنا هذا، وحتى يجيء المسيح ثانية، وترشدهم ليعرفوا إرادة الله لحياتهم وحياة المحيطين بهم.

صلاة

يا رب علّمني أن أطلب خير شريك حياتي وأولادي وآبائي وجاري وصديقي، قبل أن أطلب خير نفسي. يا رب أشكرك لأنك أعطيتني النموذج في أنك لم تشفق على ابنك بل بذلته لأجلنا أجمعين، والابن نفسه له المجد أعطانا النموذج إذ بذل نفسه عنا. علّمنا أن لا نطلب ما هو لنفوسنا، بل ما هو لآخرين، لنستحق في شفاعة دمك الكريم أن نسمع: نِعِمّا أيها العبد الصالح. وهكذا نطيع الأمر الإلهي ونحقق الانتظار السماوي. في شفاعته استجبنا. آمين.