الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : شرح وتفسير: الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي : بولس يمدح أهل تسالونيكي

  ثانياً - بولس يمدح أهل تسالونيكي

2‚نَشْكُرُ اللّهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا، 3‚مُتَذَكِّرِينَ بِلَا انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللّهِ وَأَبِينَا. 4‚عَالِمِينَ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللّهِ اخْتِيَارَكُمْ، 5‚أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلَامِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُّوَةِ أَيْضاً، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَالٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ. 6‚وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ، بِفَرَحِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، 7‚حَتَّى صِرْتُمْ قُدْوَةً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَفِي أَخَائِيَةَ. 8‚لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ، لَيْسَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَيْضاً قَدْ ذَاعَ إِيمَانُكُمْ بِاللّهِ، حَتَّى لَيْسَ لَنَا حَاجَةٌ أَنْ نَتَكَلَّمَ شَيْئاً. 9‚لِأَنَّهُمْ هُمْ يُخْبِرُونَ عَنَّا أَيُّ دُخُولٍ كَانَ لَنَا إِلَيْكُمْ، وَكَيْفَ رَجَعْتُمْ إِلَى اللّهِ مِنَ الْأَوْثَانِ لِتَعْبُدُوا اللّهَ الْحَيَّ الْحَقِيقِيَّ، 10‚وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الْأَمْوَاتِ، يَسُوعَ، الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الْآتِي (1 تسالونيكي 1:2 - 10).

يبدأ الرسول بولس رسالته بأن يمدح أهل تسالونيكي، ويرفع الشكر الى الله من أجلهم، ويقول إنه يصلي من أجلهم دائماً »ذاكرين إياكم في صلواتنا«. لقد كان أهل تسالونيكي في قلب الرسول بولس، يفكر فيهم لأنه أبوهم الروحي، وهو يقدم الشكر على ثلاثة أشياء:

  عمل ايمانهم - العمل الذي نتج عن تصديق الله ومواعيده، وتسليم النفس له.

  تعب محبتهم - وهو المجهود الذى بذلوه باستمرار، محبةً في الله وفي الناس.

  صبر رجائهم - وهو الأمل في الرب الذي جعلهم يحتملون المتاعب »صابرين في الرجاء«.

هذه الثلاثة :الايمان والمحبة والرجاء، اعتبرها الرسول المبادئ الجوهرية الأساسية الدائمة للحياة المسيحية »أَمَّا الْآنَ فَيَثْبُتُ الْإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ، هذِهِ الثَّلَاثَةُ« (1كورنثوس 13:13).

   عمل إيمانهم:وهذا أول ما يقدم الرسول الشكر عليه.

وقد يشير هذا إلى عمل الإيمان الذي جاءهم بالخلاص. أو قد يشير إلى عمل الإيمان الذي يتبع الخلاص. وأغلب الظن أن الرسول بولس يقصد به العمل الذي قاموا به بعد أن نالوا الخلاص. لقد سبق أن آمن أهل تسالونيكي بالمسيح، والإيمان يعني الاقتناع. فقد اقتنعوا بخطئهم وبشدة حاجتهم للمسيح الفادي والمخلّص، كما اقتنعوا بصدق رسالة الانجيل.

والإيمان يعني القبول، فبعد أن اقتنعوا بحاجتهم إلى المسيح فتحوا قلوبهم ليقبلوه مخلّصاً »وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا... مِنَ اللّهِ« (يوحنا 1:12 ، 13) فالمؤمنون باسمه هم الذين قبلوه، وهم الذين وُلدوا من الله.

والإيمان يعني الأمانة، فالذي يقتنع بحاجته الى المسيح، ويقبل المسيح، يعيش أميناً للمسيح.

لقد ظهر »عمل إيمان« أهل تسالونيكي، ولذلك كان الرسول واثقاً أنهم أحباء الله. سبق أن الله أحبهم، وهو يحبهم الآن، ومحبته لهم مستمرة في المستقبل. ونتيجة لهذه المحبة المستمرة اختارهم الله ليكونوا مِلْكاً له، ونتيجة لهذا الاختيار النابع من محبة الله قبل أهل تسالونيكي إنجيل المسيح - الخبر المفرح - الذي جاءهم الله به. ويقدم الرسول بولس خمسة أوصاف لطريقة وصول الانجيل الى أهل تسالونيكي:

  لم يصِرِ الإنجيل اليهم بالكلام فقط، بمعنى أن إيمانهم لم يكن نتيجة بلاغةٍ واقتناعٍ بكلام، أو بتأثيرٍ في عاطفة - لكن إيمانهم جاء نتيجة قبولهم لما أعلنه الله لهم على فم بولس.

  بل بالقوة أيضاً، فقد صاحبت الكلمة المقدسة قوة إلهية، لأن الكلمات مهما سمت قوتها لا تقدر أن تغيّر. لكن التغيير يجئ من قوة الله المصاحبة للكلمة.

  وبالروح القدس، مصدر تلك القوة. فان الروح هو الذي أعطى بولس قدرة على التبشير، فحيث الروح تُوجد القوة، وحيث اللاروح يكون الكلام مجرد كلام في الهواء بدون نتيجة. والروح القدس هو الذي يشهد للمسيح ويقنع السامع بصدق الانجيل.

  و»بيقين شديد« أى »لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ الْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ اللّهِ الْآبِ وَالْمَسِيحِ« (كولوسى 2:2). فالرب الذي قّوَى بولس على التبشير فتح قلوب أهل تسالونيكي ليقبلوا كلمة الله بكل ثقة. كان الرسول في يقين شديد أن ما يقوله صحيح، وكان أهل تسالونيكي في يقين شديد أن ما سمعوه صحيح، لأن الروح القدس شهد لقوة الكلمة وفعاليتها فأثمرت إيماناً عاملاً في قلوب السامعين.

   »كما تعرفون أيّ رجال كنا بينكم من أجلكم«. لقد كانت حياة الرسول بولس سنداً لكلامه. كانت أمانته في التبشير واجتهاده في أن يجعل كلامه مقبولاً بواسطة حياته وسلوكه، سبب تأثير في أهل تسالونيكي، ولذلك فانه نفذ الوصية التي قالها لأهل كولوسي »اُسْلُكُوا بِحِكْمَةٍ مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ« (كولوسي 4:5).

ونتيجة لهذا الأسباب الخمسة وجد أهل تسالونيكي خلاصهم. لم يطلب بولس في شىء من أعماله مجداً لنفسه أو منفعة لذاته، لكنه عمل بيديه لكى يعظ مجاناً، وقرَنَ وعظه بسيرة مقدسة ليكون بلا عثرة في سبيل الإنجيل.

ويقول الرسول بولس في الآية التاسعة من الأصحاح الأول إنهم في كل مكان يخبرون عن كيف قبل أهل تسالونيكي بولس الرسول حين جاء اليهم، وكيف اهتدوا إلى الله وتركوا الأوثان ليعبدوا الله الحي الحقيقي، وهذا يُظهر عمل إيمانهم الذين كان في قلوبهم، والذي كان واضحاً أمام الجميع.

   ثم يمدح الرسول بولس »تعب محبتهم« والمقصود بتعب محبتهم، هو ما أظهروه من محبة للمسيح باحتمالهم الاضطهاد والشدائد لأجله، وكان ياسون مثلاً طيباً لهم في ذلك (أعمال 17:6) ثم أنه يقصد به ما احتمله أهل تسالونيكي بعضهم من أجل بعض في وقت المرض والفقر والاضطهاد. فمن صفات المحبة أن صاحبها يخدم الآخرين بكل ما عنده من قوة.

تطلب المحبة دوماً خير الآخرين. ولما كان أعظم خير نقدمه للآخرين هو أن نخبرهم بفرح الإنجيل، فإن كل الذين يحبون الآخرين يتعبون في توصيل رسالة الإنجيل لهم، وهذا ما فعله أهل تسالونيكي، فيقول الرسول لهم إن كلام الرب انتشر من عندهم، لا إلى مكدونية وبلاد أخائية وحدهما، بل في كل مكان حتى لم تعُدْ للرسول حاجة أن يطالبهم بالكرازة، فإن الجميع كانوا يشهدون أنهم يعبدون الله الحي الحقيقي. وكلمة عبادة تعني خدمة (عَبَدَ وعَبْد من أصل واحد في اللغة العربية). لقد خدم أهل تسالونيكي الرب، وخدموا المؤمنين، وخدموا بولس الرسول خدمة مباركة، وهكذا ظهر تعب محبتهم.

   »صبر رجائكم« . هذا هو الموضوع الثالث الذي يمدح بولس أهل تسالونيكي عليه. كانوا صابرين وكان لهم رجاء. ويقصد الرسول بولس بصبر رجائهم ما أظهروه من الأمل، لأنهم بقوا مسرورين وهم يحملون صليب الاضطهاد، لأنهم كانوا يتوقعون المجد الذي يجيئهم بعد المتاعب. كان أعظم موضوع لرجائهم هو المسيح نفسه، وذلك وفق القول: »مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللّهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ« (تيطس 2:13) والقول »الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ« (كولوسى 1:27) وعلى ذلك فقد اتكل أهل تسالونيكي على المسيح وانتظروا مجيئه ثانية (آية 10) وسط إعلان ملكوته الذي يحقّق التمتُّع بالمجد الذي كانوا يرجونه دون أن ينظروه.

والصبر هنا لا يعني الصبر السلبي على الألم، لكن يعني توقع الانتصار. فالمؤمن لا يقبل الألم ساكتاً لكنه يتوقع الانتصار على الألم، كما قال المرنم »عِنْدَ الْمَسَاءِ يَبِيتُ الْبُكَاءُ، وَفِي الصَّبَاحِ تَرَنُّمٌ« (مزمور 30:5) فالمؤمن يتوقّع دوماً شروق الشمس بعد الغيوم، لأن الله من خلف الغيمة. لقد صار أهل تسالونيكي متمثلين ببولس الرسول، كما أنهم كانوا متمثلين بالسيد المسيح، الذي بنعمة الله ذاق الألم من أجل كل واحد، فقد قبلوا الكلمة في ضيق كثير بفرح الروح القدس.

لم يعِدْنا المسيح أبداً أن يقدم لنا إكليلاً من ورود، ولكنه قال »في العالم سيكون لكم ضيق« غير أن صبر الرجاء موجود في قوله »لكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ« (يوحنا 16:33) كما قال لتلاميذه »فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم ايضاً فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم« يوحنا 16:22). ولقد رأى المؤمنون في مكدونية وأخائية صدى رجاء أهل تسالونيكي، فكانوا لهم قدوة طيبة.

ويقدم الرسول بولس في الآية العاشرة وصفاً لهذا الرجاء الصابر الذي ملأ نفوس أهل تسالونيكي، فيقول »وتنتظروا ابنه من السماء«. لقد ارتفعت قلوبهم إلى أعلى وهم ينتظرون مجئ المسيح ثانية، وكما قام المسيح من بين الأموات، ولم يكن ممكنا أن يمسكه القبر، سيجيء مرة ثانية ليقيم المؤمنين به من بين القبور، وليغيّر حالة المؤمنين به من عذاب الاضطهاد ومتاعبه، ليعطيهم الانتصار. إن انتظارنا ابنه من السماء يرفع عيوننا إلى أعلى. لقد كانوا ينتظرون شخصاً هو المسيح، كمركز لرجائهم لينقذهم من الغضب الآتي الذي هو دينونة الله العادلة لكل من يفعل الإثم. سيعطى يوم مجئ الرب الثواب للأبرار، كما يدين الأشرار.

هذا الحديث عن حياة أهل تسالونيكي في عمل إيمانهم، وتعب محبتهم، وصبر رجائهم، كان علامة عظيمة لكل المحيطين بهم ليروا قوة الإنجيل الذي يعمل في تغيير الحياة، والذي يقّوي الإنسان في وقت التعب، والذي يرفعه ليجاهد جهاداً حسناً.

آية للحفظ

»مُتَذَكِّرِينَ بِلَا انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ« 1تسالونيكي 1:3)

صلاة

أبانا السماوي، نشكرك لأجل الإيمان الذي هو عطية منك، ولأجل المحبة التي علَّمتها أنت لنا، ولأجل الرجاء الذي تملأ به قلوبنا. يارب اجعل إيماني عاملاً، ومحبتي مثمرة، ورجائي صابراً، وليكن ربنا يسوع المسيح مصدر هذه البركات كلها في حياتي.

سؤال

  ما معنى كلمة صبر عند المسيحيين؟