|
ثالثاً - سلوك بولس مع أهل تسالونيكي
(1تسالونيكي 2:1 - 12)
قال الرسول بولس في 1:5 »كما تعرفون
أي رجال كنا بينكم من أجلكم«.
وفي هذه الآيات يقدم الرسول بولس
شرحاً لمِا قصده بقوله في 1:5. وهو يقول لهم إن دخوله اليهم لم يكن باطلاً، وكأنه
يقول »اسألوا أي شخص في تسالونيكي يُقلْ لكم إنني أقول الحق عندما أخبركم أنني
سلكتُ بقداسة وبأمانة وبدون عيب، كل الوقت الذي صرفته في بلدكم«.
سلوك محبة (1 - 9 )
سلوك طهارة (10 - 12 )
سلوك محبة
1‚لِأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا
الْإِخْوَةُ تَعْلَمُونَ دُخُولَنَا إِلَيْكُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَاطِلاً،
2‚بَلْ بَعْدَ مَا تَأَلَّمْنَا قَبْلاً وَبُغِيَ عَلَيْنَا كَمَا تَعْلَمُونَ، فِي
فِيلِبِّي، جَاهَرْنَا فِي إِلهِنَا أَنْ نُكَلِّمَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللّهِ، فِي
جِهَادٍ كَثِيرٍ. 3‚لِأَنَّ وَعْظَنَا لَيْسَ عَنْ ضَلَالٍ، وَلَا عَنْ دَنَسٍ،
وَلَا بِمَكْرٍ، 4‚بَلْ كَمَا اسْتُحْسِنَّا مِنَ اللّهِ أَنْ نُؤْتَمَنَ عَلَى
الْإِنْجِيلِ هكَذَا نَتَكَلَّمُ، لَا كَأَنَّنَا نُرْضِي النَّاسَ بَلِ اللّهَ
الَّذِي يَخْتَبِرُ قُلُوبَنَا. 5‚فَإِنَّنَا لَمْ نَكُنْ قَطُّ فِي كَلَامِ
تَمَلُّقٍ كَمَا تَعْلَمُونَ، وَلَا فِي عِلَّةِ طَمَعٍ. اَللّهُ شَاهِدٌ. 6‚وَلَا
طَلَبْنَا مَجْداً مِنَ النَّاسِ، لَا مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ مَعَ
أَنَّنَا قَادِرُونَ أَنْ نَكُونَ فِي وَقَارٍ كَرُسُلِ الْمَسِيحِ. 7‚بَلْ كُنَّا
مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي الْمُرْضِعَةُ أَوْلَادَهَا،
8‚هكَذَا إِذْ كُنَّا حَانِّينَ إِلَيْكُمْ كُنَّا نَرْضَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ، لَا
إِنْجِيلَ اللّهِ فَقَطْ بَلْ أَنْفُسَنَا أَيْضاً، لِأَنَّكُمْ صِرْتُمْ
مَحْبُوبِينَ إِلَيْنَا. 9‚فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ تَعَبَنَا
وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللّهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ
لَيْلاً وَنَهَاراً كَيْ لَا نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ (1تسالونيكي 2:1 -
9).
يوضح الرسول بولس أن سلوكه مع أهل
تسالونيكي كان سلوك محبة. لا محبة الذات ولا محبة الراحة الشخصية. فمع كل ما لقيه
في فيلبي من العذاب والإهانة كانت له الجرأة السماوية أن يكلّمهم ببشارة الله في
وجه معارضة شديدة. وكانوا يعلمون ذلك معرفة كاملة. لقد كان الاضطهاد والألم الذي
لاقاه بولس نتيجة ظلم، فقد ضربوه كما يضربون العبيد مع أنه روماني، وسجنوه وقيَّدوه
بلا محاكمة، مع أن هذا يخالف الشريعة الرومانية (أعمال 16:22 - 24). وقد تكرر نفس
هذا الأمر في تسالونيكي، إذ اعتدوا عليه وأهانوه، ولكن هذا لم يمنعه من أن يجاهر
بإلهه، ويكلّم أهل تسالونيكي بإنجيل الله في جهاد كثير، واثقاً بالله وموقناً أنه
هو الذي أرسله واتحد به ويعمل فيه. وهكذا وجد التشجيع ليتكلم بالرغم من مقاومة
اليهود الشديدة، ومقاومة الرجال الذين هيَّجهم اليهود ضد بولس وجماعته. ولقد جاءت
هذه المجاهرة وهذا الجهاد من أن وعظ بولس ليس »عن ضلال« - أي ليس نتيجة أوهام يخدع
بها السامعين - كما قال الرسول بطرس »لِأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ
مُصَنَّعَةً إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُّوَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ
وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ« (2بطرس 1:16) ولم يكن وعظ
الرسول »عن دنس« - أي لغايات دنيوية فاسدة. ولم يكن وعظه »بمكر« - أي أن أعمال بولس
وأقواله كانت باخلاص واستقامة، فلم يستعمل الحيلة ليصيد الناس للإيمان المسيحي، لأن
الإنجيل ليس محتاجاً إلى غش وخداع لإثبات صدقه، فهو يستند على عمل الروح القدس.
وكأن بولس يقول »نحن لا نعظ عن ضلال
ولا دنس ولا خداع، بل نتكلم كلام مَن امتحنهم الله ووجدهم أمناء، فائتمنهم على
البشارة، لا لنُرضي الناس بل لنرضِي الله الذي يختبر قلوبنا«.
ويعتبر بولس نفسه دائماً وكيل إله
الحق والقداسة، فيعلن للناس طريق الخلاص. وهو لا يختار التعاليم التي تُرضي الناس
عن أنفسهم، أو تجعلهم يتكلون على صلاحهم الشخصي، لكن يبكتهم على خطيتهم، ويوضح لهم
حاجتهم الى التوبة والطهارة والسلوك الطاهر.
ويقدم الرسول بولس في الآية الخامسة
برهاناً على محبته لأهل تسالونيكي، فيقول لهم إنه لم يتملقهم بكلمة ولا طمع فيهم -
وهو يشهدون بذلك، كما أن الله يشهد به. ولم يطلب مجداً من الناس - لا من أهل
تسالونيكي ولا من غيرهم - مع أنه كان يحقّ له أن يحصل على الاحترام منهم لأنه رسول
يسوع المسيح. ولكنه في محبة حقيقية يقول »بل كنا مترفّقين في وسطكم كما تربّي
المرضِعة أولادها، حتى أننا تمنّينا لو نشارككم في حياتنا لا في بشارة الله وحدها،
لأنكم صرتم أحباء إلينا«. كان مستعداً إذا اقتضت الضرورة أن يموت من أجلهم، كما
يقول الرسول يوحنا »بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ
نَفْسَهُ لِأَجْلِ الْإِخْوَةِ« (1يوحنا 3:16) وقد صَدَق فيه قول المسيح »لَيْسَ
لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ
أَحِبَّائِهِ« يوحنا 15:13). وقد وضح حبُّ الرسول لهم من أنه عاملهم معاملة نزيهة
عادلة لا لوم فيها، فقد كان يعمل في الليل والنهار لكي لا يثقل على أحد منهم، لأنه
كان يريد أن يوصّل لهم رسالة الانجيل مجاناً بدون أن يتعبهم. لقد تعب بولس بينهم
بتضحية وبرفق وبرغبة حقيقية في خدمتهم لأنه كان يحبهم فعلاً.
سلوك طهارة
10‚أَنْتُمْ شُهُودٌ، وَاللّهُ،
كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلَا لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ
الْمُؤْمِنِينَ. 11‚كَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّا نَعِظُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ
كَالْأَبِ لِأَوْلَادِهِ، وَنُشَجِّعُكُمْ، 12‚وَنُشْهِدُكُمْ لِكَيْ تَسْلُكُوا
كَمَا يَحِقُّ لِلّهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ (1تسالونيكي
2:10 - 12)
في هذا الآيات يذكّرهم بولس بطهارة
سيرته بينهم، ويدعوهم أن يشهدوا له بذلك بعد أن رأوا كل تصرفاته بينهم. لقد تصرَّف
بينهم »بطهارة« أمام الله القدوس الذي يطلب القداسة في أولاده. وتصرف بينهم»ببر«
(بمعنى:بعدالة) فكان يعطي كل إنسان حقه. وتصرف بينهم»بلا لوم« أمام الله والناس،
فلم يفعل شيئاً يستحق أن يلومه عليه أحد، لأنه أراد للمؤمنين أن يعرفوا أسلوب حياته
وأن يحكموا في أمانته.
كان يعظهم كالأب لأولاده ويشجعهم،
بخلاف ما قاله المسيح عن بعض المعلمين انهم »يقولون ولا يفعلون، فإنهم يحزمون
أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها
بإصبعهم (متى 23:4).
على أن بولس وعظهم وشجَّعهم لكى
يسلكوا كما يحق لله الذي دعاهم إلى ملكوته ليكونوا أتباع المسيح، كما دعاهم
ليشتركوا في مجده الذي كان له قبل كَوْن العالم (يوحنا 17:5).
آية للحفظ
»كُنَّا
مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي الْمُرْضِعَةُ أَوْلَادَهَا«
(1تسالونيكي 2:7)
صلاة
أبانا السماوي، نشكرك من كل القلب
لأجل النموذج الصالح في محبة بولس الرسول للمؤمنين وفي طهارة حياته.
ربنا، أعطنا الحياة الطاهرة المليئة
بالمحبة لنستطيع أن نخدمك ونكون مترفقين بالآخرين، لا نطلب مجداً من الناس، بل نتعب
ونجتهد لتوصيل رسالة محبتك لهم.
سؤال
في آيتي 7 ، 11 من أصحاح 2 يقدم
الرسول وصفين لمحبته لأهل تسالونيكي. أذكرهما.
|