تفاسير

بيان مودة بولس المسيحية وصداقته لفيلمون (ع4-7)

القسم: الرسالة إلى فيلمون.

(أشكر إلهي كل حين ذاكراً إياك في صلواتي) (ع4)

ما جاء في هذه الآية يشبه ما كتبه للقديسين في فليبي. وهذا يتمشى مع ما قيل في المقدمة من أن هذه الرسالة كتبها الرسول في نفس الوقت الذي كتب فيه رسائله إلى أفسس وفليبي وكولوسي ويتضح من هذا أن الرسول اعتاد أن يصلي لأجل الكنائس, ولأجل الأفراد أيضاً وكونه مقيداً بسلسلة إلى جندي روماني لم يمنعه من تقديم الصلاة الانفرادية. إن محبة وأيمان قديس واحد جعلت قلب الرسول يفيض بالشكر والحمد لإلهه. كالتذلل العميق أمام الله بسبب سلوك البعض المحزن ولكن الحالة هنا ممجدة لله إذ يقول لفيلمون:

(سامعاً بمحبتك والإيمان الذي لك نحو الرب يسوعولجميع القديسين) (ع5)

هذه المحبة, وذلك الإيمان الذي كان الرسول يشتاق أن يراهما فائضين متسعين. ولكن هاهو قد طرح رغبته أمام الله. قبل أن يفاتح بها فيلمون وهو الآن يذكرها لكي يستحضر نفس فيلمون أمام الله مباشرة. إنه يريد أن يُعرف فيلمون مقدار الفرح الذي عرفه هو في دائرة الشركة.

(محبتك والإيمان الذي لك) ذكر الرسول هنا محبة فيلمون قبل إيمانه لأنه راغب في أن يظهر هذه المحبة لأنسيمس برهاناً على إخلاص إيمانه نحو المسيح ولجميع القديسين أي لكل المؤمنين باعتبار كونهم مدعوين في القداسة ومكرسين لله. ولا يراد بالقديسين هنا طبقة خاصة عن باقي المؤمنين بل كل المؤمنين هم قديسين في المسيح أمام الله. وذلك بحسب مركزهم ومقامهم الجديد الذي تعلنه كلمة الله.

(لكي تكون شركة إيمانك فعالة في معرفة كلالصلاح الذي فيكم لأجل المسيح يسوع) (ع6)

(شركة). ما أبرك هذه الكلمة. فكل ما هو مشترك بيننا نشترك فيه على إعتبار إننا واحد في المسيح له المجد أن الله يس بأن يعطي ويقاسمنا ما يعطينا إياه. والنعمة لابد أن تفعل هذا أينما وجدت, ولكن الإنسان بحسب طبيعته يميل لأن يقف دائماً على أساس ما هو خاص به ولا شك أن الطريقة التي أراد بها الرسول بولس أن يصل بنفس فيلمون إلى تحقيق هذه الشركة معه. هي من أبدع الطرق وأجملها.

إن نفسه كانت تتلذذ وتستريح بهذه العلاقة علاقة الشركة مع إخوته. فأساسها هو اسمى من علاقة جسدية لأنهم جميعاً لم يكونوا إخوة بعضهم لبعض إلا لأنهم كانوا مرتبطين بالرب الذي تنازل وقبل أن يدعونا إخوة له قائلاً لأبيه باسمك أُخبر إخوتي. فالرب يسوع قد قبل أنسيمس ويريد أن يعترف فيلمون بهذه العلاقة معه كما أعترف بولس بها بسرور. لقد كانت نفس الرسول تسعى دائماً لأن تستريح في جو هذه الشركة الأخوية مع القديسين وليس فيما كان يميزه عنهم. وأليس هذا هو فكر المسيح أنه لا يستحي أن يدعونا إخوة. هو السيد وهو المعلم ولكن ألقابه هذه لا تتضمن معنى الشركة ولذلك فإن أول عبارة نطق بها بعد خروجه من ((تعب نفسه)) كانت تلك العبارات الجميلة التي دلت على سروره الأعظم والتيهي اسمى وأعجب ما وقع على الأذن البشرية ((إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم)) هنا كانت الشركة, إله وأبو ربنا يسوع المسيح نفسه هو إلهنا وأبونا نحن أيضاً. وعلى هذا فقد كانت نفس الرسول التي تعلمت وتعمقت في جو الشركة مع الآب والابن تجد لذاتها في كل ما هو مشترك مع الآخرين وتشتاق أن يظهر هذا في فيلمون أيضاً هل فيلمون حبيبه؟ إن كان الأمر كذلك فهو يريد أن يقبل أنسيمس أخاً محبوباً. إن نفس الرسول تفاضلت بفكرة الشركة. ويالها من بركة تقودنا إليها النعمة إذ تجعلنا نتسامى ونتفاضل فوق أفكارنا الصغيرة الخاصة بأنفسنا وأشخاصنا. لقد كان بولس في موقف السلطان الأكيد الذي لاشك فيه كرسول ومع ذلك لم يرد أن يقرر هذا السلطان ويملي إرادته بل أعظم ما نراه فيه من اتساع نفس إذ يذكر المأسور معه والمتجند معه. بعد هذا كم كان من المناسب وكم كان له من الحق في أن يدعو فيلمون إلى هذه الشركة الفعالة العملية التي كان يمارسها هو نفسه. أعني توصيل البركة للآخرين بالشركة مع عواطف وأفكار الله الذي هو أصل كل بركة وصلت إلينا.

(لكي تكون شركة إيمانك فعالة) والواقع أن إيمان فيلمون هو الذي كان مطلوب أن يعمل في هذه المشكلة. ذلك لأن كل حاسة طبيعية وكل عادة بشرية كانت تقف حائلً دون تنفيذ ما هو لائق في هذه الحالة. كان الأمر يتطلب الإيمان العامل بالمحبة فلا شيء غير ذلك كان يمكن أن يقود فيلمون لأن يقبل أنسيمس بالترحاب كأخ. فأين كان يضع الإيمان فيلمون؟ لقد كان يضعه بلا شك أمام الله كخاطىء هالك ولكنه مخلص بالنعمة دون سواها. فإن وضع أنسيمس بجانبه هناك هل كان يرى من فرق؟ كان يرى شخصاً هالكاً نظيره بالتمام ولكنه مخلص بالنعمة ذاتها. ولكن ما أعمق الحق الذي تتضمنه الكلمات التي تلي ذلك مباشرةً ((لكي تكون شركة إيمانك فعالة في معرفة كل الصلاح الذي فيكم (1) لأجل المسيح يسوع)) إن إيمان بولس أعتمد كثيراً على الصلاح الذي في فيلمون لأجل المسيح (2) وذلك لأنه كان يعرف أن ملء المسيح (إن جاز التعبير) هو ملك أصغر قديس وهو لذلك يريد أن يحرك إيمان فيلمون لإظهار هذا الصلاح (3) ولا شك أن فيلمون كان يعرف أن فيه أي في جسده لا يسكن شيئاً صالحاً. لكن بولس يخاطبه كشخص قد اتحد بالمسيح الذي يسكن فيه كل الصلاح ولذلك هو يدعو بأن يظهر كل الصلاح الذي فيه (في) المسيح يسوع. هذه هي مسؤوليتنا

(1) في الأصل ((الذي فينا)).

(2) ((أو نحو المسيح)) (بحسب النص الأصلي).

(3) هي نفس الكلمة المترجمة ((خير)) في (ع14).

المسيحية نحن مطالبون بأن نمارس النعمة التي في المسيح يسوع لأننا متحدون معه ليس لدوام أمننا فقط بل لدوام ثمرنا أيضاً. صحيح أن بركة ارتباطنا بالمسيح لن تظهر بكمالها وعظمتها إلا في المجد ولكن أبانا ينتظر أن يرى فينا من الآن ثمر هذا الارتباط ((بهذا يتمجد أبي أن تأتوا بثمرٍٍ كثير)) (يو8:15).

وهكذا اشتاق بولس أن يرى فيلمون يحيا عملياً حياة إيمان ابن الله. فإن شعر في نفسه بأي نفور طبيعي من قبول أنسيمس. فما عليه إلا أن ينظر إلى المسيح وإلى وحدته معه لكي يعرف ماذا كانت تعمل نعمته في ظرف كهذا وحينئذ يستدر من ملئه نعمة تعينه على إظهار مثلها. حقاً ما أقل ما ندركه نحن المساكين بأن لنا اتحاد بالمسيح شيئاً أكثر من مجرد الكفاية للخلاص.

وكأننا نخشى أن نتوقع أي شيء صالح مصدره منا (1) بل والأردأ من ذلك أننا نستخدم معرفتنا عن الشر الساكن فينا لعدم انتظار أي شيء صالح لو كان هذا يتعارض مع الحق الآخر. ولكن لنعلم أن وحدتنا مع المسيح تدعونا لمعرفة كل الصلاح الذي فينا لأجله. وإن الإيمان يظهر هذا الصلاح في الوقت المناسب ومتى سنحت الفرصة. وهاهي الفرصة مقدمة الآن لفيلمون ومتى استجاب لعمل الإيمان وأظهر الصلاح المطلوب فإن ذلك من الأسباب التي تجعل قلب الرسول يفيض بالشكر لله من أجل هذا العمل المبارك.

(لأن لنا فرحاً كثيراً بسبب محبتك لأن أحشاء القديسين قد إستراحت بك أيها الأخ) (ع7)

يا له من فرح كريم خالٍ من كل أنانية كان يملأ نفس الرسول. يقيناً أن هذا هو فرح الرب. لقد كان فرح الرب شخصياً أن يخدم القديسين لما كان على الأرض. وهو نفس فرحه الآن إذ يخدمهم وهو في السماء وأن يمنح المواهب والتي تحفظ محبته المغذية والمنعشة مستمرة للكنيسة كما يقول الرسول يوحنا لغايس الحبيب ((ليس لي فرح أعظم من هذا أن اسمع عن أولادي أنهم يسلكون بالحق (3يو4) ويقول هذا كتعبير لفكر المسيح يا ليت فرح الرب يكون هو دائماً ملء قلوبنا.

((لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ)) أي عميق عواطفهم استراحت بفيلمون لمشاهدة الإيمان والمحبة والنعمة التي فيه. وها بولس يطلب من فيلمون نفس هذه الراحة والتعزية لنفسه ويريدها أن تظهر منه بصدد إرجاع أنسيمس إليه. وفي نفس الوقت يبعث فيلمون كل عواطفه ومحبة قلبه إذ من الجميل أن يقال عن فيلمون ((لأن أحشاء القديسين قد استراحت بك أيها الأخ)), وهذا ما يجب أن يتصف به كل أخ فلا يكون سبب تكدير ومرارة لأخوته المؤمنين بل سبب راحة لأحشائهم وتعزية لنفوسهم.

أضف تعليق


قرأت لك

المراجع

1 - الكتاب المقدس ( ترجة فاندايك )
2 - الدكتور لويس شيخو عن كتابه (النصرانية وأدابها بين عرب الجاهلية) -بيروت
3- الاستاذ فيليب حتي عن كتابه (تاريخ سوريا ) دار الثقافة - بيروت
4- الدكتور صديق وردة (أهمية أوغاريت في الأثار السورية ) أورلاندو - فلوريد

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة