تفاسير

الرسالة الأولى: الخطاب العاشر

القسم: محاضرات على رســائل يوحنا.

1 يو 3: 11 – 17

"لآن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء أن يحب بعضنا بعضاً. ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه. ولماذا ذبحه؟ لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة. لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم. نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة. من لا يحب أخاه يبق في الموت. كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس. وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه. بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة. وأما من كانت له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه".

لقد لاحظنا الجزء الأخير من العدد العاشر السابق لهذه الأعداد كان بمثابة حلقة الاتصال أو بالحري حلقة انتقال من الكلام عن البر إلى الكلام عن المحبة. إن الناس يضعون كلاً من هذين الشيئين موضع المناقضة للآخر، ولكنهما متحدان تمام الاتحاد في المسيح الذي هو كمال البر وكمال المحبة. ومن هنا كانت القاعدة منطبقة على المسيحي تمام الانطباق لأن المسيح هو حياة المسيحي. ونحن قد قبلنا بالحق وبالفعل بواسطة الإيمان تلك الحياة التي كانت في الرب نفسه، لا حياة آدم التي لجميع الناس بل حياة جديدة لم تكن في أي واحد منا قبل أن نؤمن بالرب يسوع. إن الحياة ليس لها علاقة خارجية كالأشياء المادية المحسوسة، ولا هي شيء منظور يقدم نفسه لنا بطريقة ملموسة، ومع ذلك فنحن نعرف مكان وجودها من أعمالها وآثارها. فإن كان الأمر كذلك فيما يتعلق بالحياة الطبيعية فكيف ينتظر أن يكون الأمر أقل من ذلك فيما يتعلق بالحياة الروحية التي هي فوق الطبيعة؟ إنه ليس لنا أن نتساءل عن ماهية الحياة لأننا لا نعرفها. على انه مهما تكن صعوبة تعريف الحياة وتحديد معناها فإن كل إنسان يعرف أنه متى أدبرت الحياة حل الموت. قد يعمل الموت في أجسادنا قبل أن نرحل، بل من المحقق أنه يعمل هكذا منذ دخلت الخطية إلى العالم، وهذا ما يعبر عنه في كلمة الله لأن الجسد "مائت" (mortal) أي قابل للموت. أما الموت نفسه فيجيء عندما تتم هذه القابلية دورها. ويستطيع كل إنسان بصفة عامة أن يعرف إذا كان كائن ما قد مات أم لا. قد تحدث استثناءات من حين لآخر، كما لكل قاعدة استثناء، وكما لكل حقيقة صعوباتها، ولكن الصعوبات لا تعرف سبيلها إلى كلمة الله مع الفطنة الروحية لا شك أن الذين ليست لهم معرفة بالله يصطدمون بالصعاب هنا وهناك ولكن شكراً لله فإن هذه المعرفة تعطى لنا بإيمان المسيح كما قال له المجد "هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته".

ومن هو الذي يملك الطبيعة الجديدة؟ يملكها كل مسيحي من بدء طريقه، ويظل مالكاً إياها إلى الأبد، يملكها الآن وفي أكمل صورة لأن سيدنا وهو هنا على الأرض تكلم عن امتلاكنا لهذه الحياة الأفضل "أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل". وما أجمل هذه الكلمة "أفضل". كم كنا نتمنى أن تسعفنا اللغة البشرية بوصفها بحيث يشعر أولاد الله بعظمة هذه الحياة التي صارت لهم بفضل إتيان الرب إلى أرضنا وبفضل موته وقيامته لأجلنا. وما هو الفرق بين شقي هذا العدد؟ وما هو الفرق بين "لتكون لهم حياة" وبين "لتكون لهم (هذه الحياة) أفضل"؟ يتجلى الفرق إذاً ما قارنا حياة التلاميذ قبل موت المسيح وحياتهم بعد قيامته وصعوده. إن الحياة التي حصل عليها التلاميذ حينما كان سيدنا على الأرض لم يكن في مقدورها أن تنفصل علناً عن الهيكل وعن النظام اليهودي ولكن بعدما مات ربنا يسوع وقام – وهو الذي تنازل وأخضع نفسه للنظام اليهودي فيما يتعلق بالناموس بصفة عامة – هل كان له شأن مع الناموس فيما بعد.

كلا.لقد انقطعت علاقة سيدنا بالناموس وكل طقوسه منذ لحظة قيامته ه المجد، وما كان ممكناً أن نقرأ بعد ذلك عن ذهاب المسيح المقام إلى الهيكل أو مساهمته في شيء من طقوس اليهود كالأعياد وخلافها ولو أن شيئاً من هذا القبيل قد قيل لكان موضع استغرابنا جميعاً. وهذا بالضبط ما كان مقصوداً أن يتعلمه التلاميذ وكان حرياً بهم أن يتخذوا منه درساً، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحققوه كاملاً من أول الأمر. فنحن عرضة للتباطؤ في تعلم مثل هذه التغييرات العظيمة، وللقديم دائماً سطوته على نفوسنا. غير أن حياة المسيح، حياة القيامة، موجودة في المؤمن وبها قد مات لهذه الأمور جميعها. فالمسيح لم يمت فقط لأجل خطايانا بل لأجل الخطية التي لم تكن فيه البتة ولكنها كانت متأصلة فينا نحن. ومع ذلك فما عاد للمسيح أي شأن بالخطية فيما بعد، إذ قد مات لها مرة واحدة وإلى الأبد. لقد كان خالياً منها خلواً مطلقاً وما كان لحركاتها أي سبيل إلى نفسه البارة القدوسة، وكل ما استطاعت أن تعمله طوال حياته هنا على الأرض وهو استدرار حزنه ورثائه لأولئك الذين كانت تغرر بهم وتضلهم. أما عندما مات فقد أتم أعظم وأقوى عمل كان يمكن لله أن يعمله من جهة الخطية.

وحتى عندما يأتي ثانية في مجده، فسوف لا تكون مظاهر ذلك المجد سوى إعلان فضائله مصلوباً، وذلك بطرقة علنية وقوية. إذن فهذه الحياة الجديدة، ولو أنها ليست ذات طابع خارجي محسوس، وهي حياة ذات قوة لا تنحل ولا تضمحل. قوة معطاة لها بالروح القدس الذي ليس هو روح الخوف بل روح القوة والمحبة والنصح. لقد قبل للرسل أنهم سينالون قوة، وذلك لأنهم كانوا عتيدين لا أن يصبحوا شهوداً للآخرين فحسب، بل أن يتعلموا لأنفسهم أموراً كثيرة وعظيمة لم يكونوا يستطيعوا أن يتحملوها يومئذ. وقد برزت هذه الأمور جهاراً يوم أن نالوا لا حياة القيامة فقط بل الروح القدس المرسل من السماء. وحذار أن نخلط بين الأمرين أو أن نحصر أو نقيد عمل الروح القدس في دائرة الألسنة والآيات أو غيرها من القوات والمعجزات التي لم تكن سوى علامات خارجية لإثبات حقيقة واقعية. أي نعم أن قوة الروح الداخلية كانت أعظم بكثير من كل العلامات الخارجية التي رافقتها. إن العلامات الخارجية قد سحبت من المشهد عندما تراخت الكنيسة وفشلت في المحبة والحق والنور. وكيف كان يمكن أن يستقي الله ختم رضائه على حالة غير لائقة كهذه؟ أننا نجد أنه حتى الكنيسة في أفسس كانت مهددة، وذلك لأنها كانت قد سقطت وتركت محبتها الأولى يوم أن كتب يوحنا رسالته إليها في سفر الرؤيا. وهذه في الواقع هي صورة الحالة العامة التي أعقبت رحيل يوحنا الحبيب لأن الرسل أثناء وجودهم كانوا حائلاً كبيراً وسداً منيعاً ضد تيار الانحراف الذي كان يهدد الكنيسة في أيامهم بمثل هذه القوة.

ونحن نصنع حسناً أن نتأمل في الحياة الجديدة بهذه الصورة لأنها تربط ما بين بر المؤمن العملي ومحبته العاملة. فالرسول يتكلم هنا لا عن محبة الله، ولو أن هذه لها قيمتها في الموضوع، ولكن عن محبتنا نحن، كما أنه لا يتكلم عن البر في المسيح الذي هو خارج عنا ولازم لتبريرنا، بل عن برنا نحن، برنا العملي. وواضح أن هذا البر يتكون من أثمار جيدة وكيف يمكن أن تكون هناك أثمار جيدة بدون شجرة جيدة؟ أما المحقق فهو أنه ليس في حالتنا الطبيعية ما يمكن أن يكون شجرة جيدة، وإنما كانت شجرتنا رديئة تحمل ثمراً رديئاً فلكي نثمر الثمر الجيد لابد من توصيل طبيعة إلهية إلينا. إن الأمر لا يمكن أن يكون غير هذا، وهذه الحياة الجديدة، الحياة الأبدية، هي موضوع مشغولية يوحنا هنا. ليس البر المحسوب لنا، أي البر الخارجي الذي لم يكن لنا شيء منه والذي صرناه في المسيح، بل البر الداخلي الذي ينشئ برنا العملي يوماً فيوماً. إن الناس قد لا يحبون سماع الحق ولكن ها هو واضح وصريح في أقوال الرسول.

فمن الخطورة والحالة هذه أن نرى البعض يستخف ويستهين بحقيقة ما حصلنا عليه مع أن الواقع أنه ما من مسيحي حقيقي إلا وله في المسيح (خارجاً عنه) والطبيعة البارة في داخله التي هي الطبيعة الجديدة بفضل استحقاق المسيح وما يليق به. إذن فنحن لنا البران: أولهما ما نسميه اصطلاحاً البر "الموضوعي" أي الخارج عنا وثانيهما البر "الشخصي" أي ما نحن، وذلك لأن المسيحيين لهم بالضرورة حياة المسيح. وهذه الحياة لا تختلف عن شخصه الكريم، وق أعطانا إياها لكي نحياها ونحيا بسببها، وهي ذات الحياة التي عاشها المسيح وكانت فيه.

ومن هنا بدأ الرسول قوله "لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء" ولعل القارئ يذكر أننا في العدد الخامس من الإصحاح الأول التقينا بنفس هذه العبارة في قول الرسول "وهذا هو الخبر الذي سمعناه منه" وهنا نلتقي بنفس العبارة مرة أخرى ولمن في أكثر تحديد. فالمسألة لم تكن قبل البدء بل "من البدء". وكلا التعبيرين يجعلان الأمر محدداً، وكل ما زاده الناس على ذلك أو ابتدعوه لا قيمة له على الإطلاق، وأما هذا فهو الذي يبقى إلى الأبد، حق المسيحية الذي لا يتغير، وهو حق كلي الأهمية، سيما وأنه يتعارض تماماً مع أوهام الناس وأفكارهم البشرية،وبخاصة مع ما يسمونه التطور، تلك النظرية الباطلة من أساسها والتي هي في الأمور الروحية أكثر بطلاً منها في الأمور الطبيعية، فهي ضرب من الحدس الوثني القديم راح البعض يستعيده مؤخراً فيما يتعلق بالطبيعة، وهي نظرية تنكر سلطان الله ومشيئته في تحديد الأجناس.في حين أن الأجناس وتنوعها، شأنها شأن سائر النواميس الطبيعية الأخرى الثابتة، هي في ذاتها الأساس الصحيح لعلم الحيوان وليست مجد تقسيم بشري مبني على المشابهات الخارجية السطحية. فنظرية التطور والحالة هذه تتعارض على خط مستقيم مع الخلق بمعناه الصحيح، أي مع حقوق الله في الخليقة، ولكن كم هو مخجل حقاً أن فكرة وثنية جريئة كهذه تجد لها مكاناً بيننا إلى يومنا هذا، لقد كان أمراً طبيعياً أن تتسلل قديماً إلى أفكار قوم كانوا جالسين في الظلمة الحالكة "لا يعرفون الله" فكانت تداعبهم وتبللهم أفكارهم قبل داروين وأشياعه بأزمان طويلة، لكن ها هي اليوم – مع الأسف الشديد – قد ملكت على البعض لبهم وأصبحت هواية وفتنة من يدعون "فلاسفة" ومن يسيرون في ركابهم من أتباع، هم جميعاً عبيد أذلاء لفكرة خاطئة هي وليدة الوهم والخيال. وهي وإن كانت نظرية شريرة في تطبيقها على الحيوانات الدنيا إلا أنها أشر وأنكى في تطبيقها على الإنسان فلو أن المسألة كانت قاصرة على الحيوانات لهان الأمر لولا مساسه بحقوق الله، فللقوم أن يتصوروا ما شاء لهم التصور كيف أن فأراً أو قرداً أو أي حيوان آخر قد تطور. أما والأمر يمس الإنسان وعلاقة الإنسان بالله فهنا الخطورة وكل الخطورة. فالقول بأن الإنسان سليل عشب من أعشاب البحر أو ما على غرارها مما يسر القوم أن يجعلوه الأصل في الطبيعة، فهو قول لا يقبله العقل السليم بل هو ضلال خطير بقدر ما إنه يقضي على الضمير وينزع مسئولية الإنسان الأدبية ويلغي مطاليب الله وحقوقه على البشر باعتبارهم ذريته. إن الكفر والإلحاد الذي تنطوي عليه نظرية التطور هو الذي يجعلها بغيضة غير محتملة وهو الذي دعانا لأن نناقشها بمثل هذه الصراحة.

وهنا موضوع شيق جديد لأن هذا هو "الخبر" نظير الخبر السابق الذي طالعتنا به كلمات الإصحاح الأول الافتتاحية بعد الحديث عن ظهور المحبة الإلهية والحياة في ابن الإنسان على الأرض. هناك كان فحوى الخبر أن الله نور، وأن لهذا النور علاقته بنا وتأثيره علينا، وهو حق أكيد من حقائق المسيحية كالحق الآخر تماماً الذي فحواه أن الله محبة. والواقع أن الحق الأول وهو أن الله نور جاء ذكره قبل الإعلان الفعلي للحق الثاني وهو أن الله محبة. فمع أن الأربعة الأعداد الأولى تضمنت بكل وضوح أن اله محبة، إلا أن هذه الحقيقة لم تذكر صراحة وتعلن بعبارات فعلية إلا بعد ذلك وهذا ترتيب إلهي لا بد منه لأنه من الأهمية بمكان أن الإنسان وقد أتت به النعمة المطلقة إلى الله يظل ذاكراً ولا ينسى أبداً أن الله نور، وأن اقتبالنا الحياة الأبدية في المسيح ما كان ليقلل من أهمية قداستنا العملية. فإن بركتنا الجديدة التي ننالها من الله من شأنها أن تجعل الخطية بغيضة لنفوسنا كما برهن الله أنها كذلك في نظره يوم أن ترك الرب يسوع وهو حامل على الصليب عبئها الثقيل الذي لا يطاق. وإذا كان هو قد أعطانا تلك البركة التي لا تقدر فلا يسعنا الهروب من المسئولية الأدبية التي تفرضها علينا وهي السلوك كما في النور. وهي في الواقع ليست مسئولية فقط بل امتياز عظيم أيضاً. فكم هو جليل ومبارك أننا نحن الذين كنا قبلاً ظلمة بسبب الخطية قد انتقلنا إلى ذلك النور العجيب، ليس أننا سننتقل عندما نذهب إلى السماء بل قد انتقلنا الآن فعلاً ونحن هنا في هذا العالم وقد دعينا لأن نسلك بموجب هذا الانتقال، ولو أننا تركنا لنسير في هذا الميدان بدون ملاحظة الآب المستمرة واستقرار عينه علينا لكان الأمر فوق طاقتنا وكنا ننفصل عن الله كلما وقعنا في خطية. إن الخطية تعطل الشركة لا محالة ولكنها لا تلاشي حياة المسيح فينا. إن حياة المسيح تختلف عن كل حياة أخرى في أنها لا تستطيع أن تفشل. فهي في طبيعتها أبدية – الأمر الذي يعزينا جداً ولو أنه يؤثر على قلوبنا وضمائرنا تأثيراً قوياً.

على أن الرسول يعود ثانية فيقول "هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء". وما هو هذا الخبر الذي سمعوه من البدء؟ هو أن المسيح جاء بالمحبة وأنه أعطانا حياة وأننا مدعوون ليس فقط أن نؤمن بمحبة الله لنا بل أن يحب أحدنا الآخر كما أحبنا هو.

وإنها لبركة، وإنها لدعوة عجيبة تليق بالمسيح وتفترض تغييراً كاملاً، فإنه إذا كان هناك شيء يتميز به الإنسان الساقط فهو أن ذاته هي دائماً محور أفكاره ومشاعره. والذات بكل تأكيد ليست هي المحبة. ولكن ها هم أهل العالم، حتى في لغتهم الدارجة، يطلقون على الذات "رقم واحد" نعم، فإن "رقم واحد" بالنسبة للإنسان، ليس هو الله، بل الذات البائسة التاعسة الساقطة، فهي معبود الإنسان وإلهه. على أن الواحد الأحد، هو، ويجب أن يكون الله الصمد. أي نعم، أن "رقم واحد" يجب أن يكون مكان الله في نفسي، وقد كان من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك لو لم أكن إنساناً ساقطاً خاطئاً، أما الآن فقد وضع الرب حداً لكل هذا البعد الفاصل بيني وبين الله وذلك بواسطة دعوة النعمة التي هي ثمرة تنازل الله في شخصه الكريم ليكون مباركنا، ليس فقط يعمل قام به لأجلنا بل بحياة يحياها ويمنحنا إياها، وهكذا أصبحت المسيحية العملية عيشة لله وطبقاً لكلمته ليس مجرد اتكال وراحة على المسيح وعمله خارجاً عنا فقط بل حصولنا على المسيح في داخلنا أيضاً. وكلا الأمرين حق وهما حق منذ بكور التاريخ المسيحي، لأنه "من البدء" قد سمع الخبر، ولا يمكن أن يعتريه تغيير إلا للشر. وكم واضح من هذا أن "من البدء" شيء مختلف كل الاختلاف عن "في البدء" حيث كان اللاهوت موجوداً وحده، وحيث لم يكن من يسمع ما يدور بين أقانيم اللاهوت حتى ولا ملاك وبالأحرى الإنسان، أما إذا قيل "من البدء" سمعتم هذا الخبر فواضح أنه يقصد به من الوقت الذي ظهر فيه المسيح بيننا على الأرض. ثم أن فحوى هذا الخبر ليس أن يحب أحدنا قريبه كنفسه فذلك كان صوت الناموس قبل المسيح أما دعوة المسيح فهي شيء أسمى من ذلك بكثير كما سنرى مما يلي:

إن "قريبك" الذي كان الناموس يقصده وكما يجب أن يفهم هو أولاً وقبل كل شيء الشخص اليهودي، هكذا كانت تفهم هذه الكلمة فإن اليهود لم يحبوا الأمم. ربما لم يجدوا صعوبة كبيرة إزاء الأمم الذين كانوا يأتون ليحتموا تحت جناحي إله إسرائيل لأن أفراد كهؤلاء قد يحسبون أقرباءهم بالنعمة. على أن هؤلاء الأقرباء من الأمم مجموعين معاً كانوا قلة بالنسبة لباقي البشر. كانت راعوث واحدة منهم إذ جاءت تستظل تحت جناحي إله إسرائيل. ومع أنها لم تكن من نسل إبراهيم فقد اقترنت بشخص خطير وعظيم في إسرائيل استطاع أن يشركها معه في سلسلة الانتساب التي كان معيناً أن يأتي منها راعي إسرائيل الرب نفسه – فأمثال راعوث كانوا عملياً أشخاص إسرائيليين. مع ذلك فلسنا بحاجة هنا لمناقشة هذه النقطة إذ الكل يعلم أن "تحب قريبك" كانت حتى مجيء المسيح تنصرف إلى أضيق دائرة. لقد وسع الرب تخومها يوم أثار احد الكتبة هذه المشكلة "من هو قريبي" كما هو الحال دائماً حين يسطع الحق ولا يستطيع السامعون أن يتخلصوا منه بسهولة فيلجأون إلى الأسئلة التي يظنونها محيرة. ومن أجل ذلك نطق الرب يومئذ بذلك المثل الجميل المعروف، مثل السامري الصالح. ويا له من مثل كان كالخنجر في قلب الكبرياء اليهودية! فهو ليس مثل " الإسرائيلي الصالح"، وهنا قوة المثل. فلم يكن سامرياً آخر هو الذي كان بحاجة إلى معونة ذلك السامري الصالح. بل شخصاً إسرائيلياً تحول عنه الكل ما عدا هذا السامري غريب الجنس. حتى أن كان لاوياً هو الذي رأى البائس المتألم، أو لأن كان كاهناً هو الذي رآه – فما شأن كل منهما به. إن الأمر لا يعنيهما ولا يدخل في دائرة اختصاصهما. وهكذا تجاهل كل مهما قريبه مع أن الظرف كان يتطلب محبة وعطفاً. أما السامري فلم ينح نحوهما، بل ضمد جراحه وعنى به. ألم يكن هذا السامري رمزاً مناسباً للرب نفسه؟ ويا له ممن مثل مبارك إذ كان الرب قد قصد بإعطائه أن يكون رمزاً له، فإن ذاك الذي أخلى نفسه وتنازل ليكون "عبداً" لم يكن ليضيره أن يستتر في صورة "سامري". لقد جاء ليحمل خطايانا في جسمه على الخشبة، يحملها وحده، ويتألم عنها وحده، البار من أجل الأثمة، لكي يمحوها إلى الأبد فلا عجب إن لم يخجل من أن يكون سامرياً في المثل. ولكن كم كان الأمر محطاً في نظر اليهود الذين لقبوه بهذا الاسم ازدراء وتحقيراً!

غير أن المحبة المسيحية نوع آخر على الإطلاق فهي محبة من نوع محبة الله ومستمدة منها. ولمن أظهر الله محبته أولاً إظهاراً كاملاً؟ لأولاده، ولا شك أن قليلاً من الإدراك لهذه المحبة يكشف عن مبلغ الانحراف الذي انحدرت إليه النفوس في النصرانية وبخاصة في هذه الأيام الأخيرة. إن أضعف مسيحي يكن في قلبه عطفاً غير قليل نحو الخطاة الذين هم في خطر الهلاك. ها هو شعور المسيحيين الحقيقيين بصفة عامة من نحو الخطاة ولكن قلما يهمهم أمر قديسي الله وهل هم يمجدون الله وابنه أم لا. إنهم يرون في تجديد الخطاة غايتهم القصوى، أما ما عدا ذلك فأشياء ثانوية. أفليس أمراً محزناً الوقوف عند هذا الحد؟ هل هو شعور الله؟ وهذا هو كل ما عنى به ابنه العزيز يوم كان على الأرض لقد كان له المجد غرض محبة الله ورضاه كل حياته قبل أن يأخذ مكاننا كخطاة ويحمل خطايانا على الصليب، وهكذا كان تبارك اسمه الإعلان الكامل لمحبة الله فكيف به لا يحب أولاد الله؟

والآن – فيما خلا الكفارة – قد حللنا محله وصار لنا مكانه. فنحن أولاد الله ونفس المحبة التي استقرت عليه تستقر الآن علينا كما يخبرنا الرب في ختام (يو 17). وهذا شيء أعظم بكثير مما يتصوره مع الأسف معظم أولاد الله فيما يتعلق بأنفسهم صحيح أنهم لا ينكرون كلمات سيدهم ولكن هل يبدو عليهم أنهم يفهمونها، وأنهم يتكلمون ويتصرفون كما لو كانوا يشعرون بقوتها، وأنها تحمل في طياتها نموذج امتيازهم ومسئوليتهم؟ ولا شك أن شعورنا بأننا محبوبون بهذا المقدار وبهذا النوع من الحب يجعل قلوبنا تتجه بالمحبة نحو أولئك الذين هم غرض ذلك الحب نظيرنا بالسواء.

ولكن من المهم أيضاً أن نفهم أن محبة مثل محبته هذه كانت شيئاً جديداً لم يسبق لها مثيل. فمن ذلك اليوم فقط، أي منذ أن ظهرت هذه المحبة الجديدة، صارت الوصية أن يحب أولاد الله بعضهم بعضاً، وقد أسماها الرب "وصية جديدة"، والواقع أنه كان شيئاً جديداً أن نعلم أن الله آخذ الآن في تكوين عائلة، وعائلة تجمع معاً في واحد – هم أولاد الله الذين كانوا متفرقين ذلك كان شيئاً جديداً كل الجدة لم يعمل مثله قبل ذلك قط، ولكن هو ما يعمله الله الآن في صورتين خاصتين، فهي وحدة عائلية في كتابات يوحنا، وهي جسد المسيح الواحد في كتابات بولس وكلتا الصورتين تتفقان معاً في كونها وحدة إلهية بطريقتين متميزتين: إحداهما أن المسيح قد جاء بطبيعة الله ليهبها لمن يقبلها على الأرض، والذين قبلوها، أولاد الله، يجمعهم إلى واحد وهذه هي الوحدة العائلية، والثانية صورة الجسد الواحد لأن المسيح ممجد في السماء ونحن بالروح قد اتحدنا به في الأعالي، وهذه هي وحدة الرأس والجسد فرأس الجسد هو الإنسان الممجد، ومركز العائلة هو يسوع ابن الله والمسيح في الأعالي هو كلاهما.

فهنا إذن نرى حدود تلك المحبة وهي أن نحب أحدنا الآخر، فهي ليست المحبة التي تحمل الإنجيل للناس الهالكين، ولا هي محبة الناموس أو محبة القريب، إنما هي محبة العلاقة الإلهية متجهة نحو أفراد عائلة الله. والمحبة لأولاد الله هي لجميعهم على السواء في أقاصي الأرض كما لمن يحيطون بنا عن قرب. فهم جميعاً أعضاء جسد المسيح على السواء. ومطلوب منا تطبيق هذه الحقائق على البعيدين منهم كما على الذين هم بمقربة منا، وإذا لم نعمل بها فإننا حينئذ نكون مقاومين لكلمة الله أو مزدرين بها، ونحزن الروح القدس الذي فينا ليعيننا على تتميم مشيئة الله في حياتنا.

وهنا ينتهز الرسول الفرصة لكي يتعمق أكثر، فيوازن بين أولاد الله وأولاد إبليس موازنة قوية حاسمة، متعقباً كلاً منهما إلى اصل البذرة، فلا يكتفي بأن يسمي الفريق الآخر أشراراً أو أبناء الغضب كالباقين بل يدعوهم هنا "أولاد إبليس". وهذه التسمية تحدد الأمر تحديداً قاطعاً وتجعل الفارق خطيراً مرعباً، ومما يزيد في خطورة الأمر أنه يرجع إلى أوائل أيام الإنسان الساقط على الأرض بعد أن ولد أولاد لآدم وحواء فيبدأ بأكبر الولدين إذ يقول "ليس كما كان قايين من الشرير". فقايين ليس هو قياسنا الذي نحتذيه. بل يجب أن نبتعد عنه ونتحاشاه. ولماذا؟ لأنه "ذبح أخاه" مدفوعاً بشره وحقده. لا شك أن ذلك لم يكن حباً بل بغضاً وكراهة، وهذا ما يريد يوحنا أن يينه ويبرزه. فهو لا يسمح بحالة وسطى بين المحبة والكراهية، ولا يوافق على ذلك الخليط من المشاعر والأفكار الذي يروق بعض الناس ويستهويهم. فإن كل محاولة لتبرير فعلة قايين والتماس العذر له إنما هي تشويه للحق. ومن الأهمية مكان أن نعرف أنه لابد من إقامة فاصل واضح وحدد بين ما هو من الله وما هو من إبليس، وهذا ما نراه هنا.

ومما هو جدير بالملاحظة كشيء عجيب يبين مدى خطورة الحق الذي يعالجه الرسول هنا أن قايين كان القائد والزعيم لابتكارين أو تجديدين.فهو أول من أنشأ الديانة الجسدية أو الطبيعية، إن قايين لم يكن ما يسميه الناس رجلاً لا دينياً، إذا كان المقصود من ذلك أنه لم تكن له ديانة. يوافقه في هذا رجل يومنا الذي يذهب بانتظام إلى كنيسته أو معبده. إن ديانته كانت مجرد ديانة الجسد أو الطبيعة، فلم نثر في نفسه أقل تساؤل عما إذا كان قربانه يوافق حالته أو يطابق فكر الله والناس بوجه عام لا يهتمون بذلك على الإطلاق ويكفيهم أن آباءهم كانوا يذهبون إلى تلك الكنائس أو المعابد وقد أخذوا هم عنهم. لقد تعمدوا، وتثبتوا، وتناولوا الأفخارستيا أو أصبحوا – على حد تعبيراتهم – أعضاء في الكنيسة أو الجماعة. وهي كلها أشياء تليق بالإنسان الراقي المهذب.

هكذا كان قايين الذي اختار لنفسه نوعاً من العبادة بها يقترب إلى الله بطريقته الخاصة فربما قال في نفسه: هوذا لا يوجد فضل من الأزهار والأثمار التي أبدعها الله في هذا العالم الجميل، وقد غاب عنه أنه عالم ساقط وأنهم جميعاً مطرودون من الجنة ولكنهم سرعان ما نسوا ذلك، وسرعان ما نسوا السبب في ذلك. لقد نسى قايين الخطية الخاطئة المتمردة التي اضطرت الله أدبياً أن يصدر أمر الطرد على آدم وحواء. ومن هنا رأى أن واجبه الديني يحتم عليه أن يقدم ما ظنه أفضل نتاج الأرض، ولا شك أن ذبيحة أخيه هابيل أفزعته وربما قال في نفسه: يا له من غر بليد! إنه يزمع أن يقدم حملاً صغيراً يذبحه قدام الرب! ما هذا العمل! كم هو مفزع للرب، وكم هو وحشي في حد ذاته! وأي ذنب فعله الحمل! ولماذا يتخذ الذبيحة من أبكار غنمه ومن سمانا! لا ريب أنه أخطأ فهم صفات الرب. فهل هو يسر بالدم أو الشحم؟ هل يلتذ بذبح حيوان مسكين بريء سبق أن منحه الوجود؟

هذه خواطر وأفكار لابد جالت حينذاك في رأس قايين كما تجول في رأس الكثيرين اليوم بصفة عامة. وهذه بالضبط أساس كل ديانة طبيعية جسدية من أي نوع كانت وفي أي زمان وجدت. ديانة منشأها تفكير الإنسان في ما يوافقه ويروقه شخصياً ويروق الآخرين في علاقتهم بالله ولكن بما أن الإنسان هو مصدرها الوحيد فلا شيء فيها من الله، بل كل ما فيها ادعاء الإنسان واعترافه الأجوف.

وماذا عن هابيل؟ لقد فكر هابيل بالإيمان في هذه الأمور تفكيراً عميقاً، ولقد اهتدى على الأقل إلى تلك الحقيقة المرعبة وهي أنه إنسان خاطئ قدام الله فلا شك أنه كان قد تعلم من أبويه ما قاله الله عن السقوط، كما تعلم أيضاً أن الله قد تكلم عن شخص آخر عتيد أن يتوسط في المشهد، وهو نسل المرأة الذي سيتمم عملاً لم يكن في مقدور أي مخلوق أن يقوم به، ألا وهو إبادة الحبة ونسلها اللذين هم أعداء كذلك. بل أكثر من هذا فلم يكن أمراً تافهاً لدى هابيل أن يسمع أن الله قد ألبس أبويه أقمصة من جلد بدلاً من أوراق التين. هذا العمل لم يكن له أية أهمية في نظر قايين. أما هابيل فقد أدرك بكل يقين على حق هام وعظيم. لقد أدرك فيه الموت بكل معانيه. الموت! وكيف يتسنى الاكتساء بثماره؟ لا شك أنه ليس موتي أنا الذي هو أجرة الخطية بل موت شخص آخر غامض وعجيب! ذلك أن الرب-الكائن الرب كان يشير في نعمته – كما آمن هابيل وكما نؤمن نحن أيضاً. إلى الكساء الوحيد للإنسان الساقط الخاطئ، رجلاً كان أو امرأة، أولئك الذين كانوا برغم أوراق التين (أي لباس الطبيعة) عراة في خطيتهم. فقبل أن يقع أبوانا في الخطية كان عريهما بريئاً، أما بعد السقوط في التعدي الجريء فقد انكشف عريهما إلى أوراق التين يستتران بها على أنهما لم يكونا أقل من قايين التماساً للحيلة. مع فارق واحد وهو أن الله تنازل وصحح تصرفهما وهما من جانبهما قبلا التصحيح. "وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما" – وكان لباساً مؤسساً على الموت ومن هنا تعلم هابيل بالإيمان أن يجمع هذه الأمور معاً، وبمقتضى ما أدركه أحضر أبكار غنمه. "إنه بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله"، والإيمان يستند ويستريح على شهادة الله أنه ليس أي ولا لك أن نحدد مدى ما وصل إليه إيمان هابيل، غير أن الشيء الذي لا شك فيه هو أن فطنته كانت فطنة إيمان، أما قايين فلم تكن له هذه الفطنة. قد تكون فطنة محدودة  ولكنها واضحة وحقيقية بقدر ما هنالك من نور وإعلان. وهذه هي النقطة المهمة، أن يكون الإيمان حقيقياً ومن الله.

لقد كان إيمان هابيل على جانب عظيم من البساطة ولكنه تميز في الوقت نفسه بالإدراك الروحي. لقد أحضر من أبكار غنمه حملاً ليموت. لم يكن قربان قوة، لا ذئباً ولا أسداً ولا دباً ليصارع الحية، بل على العكس حملاً صغيراً ليموت. "فنظر الرب إلى هابيل وقربانه". نعم، ألم ير فيه، كعهده من قبل وطوال الأزل، ما كان بعد غامضاً حتى في نظر أي مؤمن؟ ألم ير فيه الحمل الذي بلا عيب ولا دنس المعروف سابقاً قبل تأسيس العالم ولكنه العتيد أن يظهر في المسيح وفي دمه لأجلنا في الوقت المعين؟ هنا تبدو بذرة الحق الإلهي وبها قد استمسك هابيل رافضاً الأفكار البشرية. أما الرب فلم ينظر إلى قايين ور إلى قربانه المأخوذ من ثمر الأرض.

لقد لاحظنا من قبل كيف أن قايين كان أول من ابتدع مباهج العالم، ولكن هناك ما هو أهم من هذه المظاهر الخارجية بكثير إذ كان هو أول من أدخل ديانة العالم أيضاً. وهذه النقطة الأخيرة هي مشغولية الروح البارزة في رسالة يهوذا التي تشبه رسالة يوحنا الأولى أكثر من أية رسالة أخرى مع ما بينها وبين رسالة بطرس الثانية من مشابهة عجيبة.ووجه المشابهة بين رسالة يهوذا ورسالة يوحنا هو أن كلتيهما تشيران إلى الارتداد، هذا هو الخط الأسود الحالك الذي يميز كلتا الرسالتين، ذلك الشر الدفين، روح الارتداد العامل في السر (الذي مع ذلك ما كان ممكناً أن يخفي عن عيني ذاك الساكن في الكنيسة) والذي هو نذير الارتداد الأكبر القادم فإن يوحنا يتكلم في رسالتيه عن أضداد كثيرين للمسيح قد ظهروا في يومه، هم طلائع ضد المسيح الأكبر، ولكن يهوذا، أخو يعقوب وعبد يسوع،يتكلم عن "طريق قايين" وطريق قايين غير محصورة في قتل أخيه، بل نرى فيها الشر الديني كما في بلعام وقورح سيما وأن المسألة الدينية كانت الباعث المباشر للقتل. زد على ذلك أن قايين كان في أخلاقه العامة رجلاً سوراً داعياً شريراً، كما يقول الكتاب أن "أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة" فهو والحالة هذه كان خير رجل يصلح لأن يكون مؤسس "العالم" والديانة الطبيعية ولا عجب إذا كان يرى وطنه يضيق به، وكأن لسان حاله يقول: تباً للوحدة والعزلة. إن الاتحاد قوة. فلنتحد. وإذا كان رجلاً نشيطاً فقد استطاع أن يقنع آخرين ويحملهم على الاتفاق معه، وفد كانت إرادته أقوى من إرادتهم، فكان أول من بنى مدينة ولك أن تثق أنه كان حاكم المدينة عندما بدأت تظهر. وهذه هي طبيعة ا؟لإنسان ومشيئته. فهو يحب القوة والنفوذ، وقد رأيناهما في قايين ولكنه قبل ذلك أدعى التدين أيضاً. وهذه كانت بصفة خاصة المناسبة العلنية لسقوطه لأنها كانت نقطة انفصاله عن الله ومنشأ جريمة القتل التي نتأمل فيها والواقع أن ديانة العالم وحضارته تسيران معاً جنباً إلى جنب. صحيح أن آدم وحواء لم يكونا همجيين كما يقول بعض الأردياء، ولكن من ذا الذي يزعم أن حالتهما كانت نوعاً من الحضارة؟ على أن العيشة طبقاً لمشيئة الله هي بلا شك أسمى بكثير من الحضارة. وما هي قيمة كل هذا التقدم الذي يتفاخر به الناس؟ وما هي قيمته في نظر الله، أو ما هي قيمته لخير النفس والروح؟

إن العالم جذلان اليوم لما أصابه من تقدم وها هو الكتاب يرينا أن بواكير هذا التقدم كانت اختراعات قايين. ففي أسرته قام من اخترع العود والمزمار والآلات القاطعة من نحاس وحديد أو بعبارة أخرى آلات الرفاهية والطرب والفخفخة والعيشة المريحة الهنيئة في الحياة الأرضية، ولما كان التقدم لا يستقيم ما لم تصاحبه صناعة التعدين، فقد نشطت سرة قايين لتوفير الخامات اللازمة في غير إبطاءأسرة قايين لتوفير الخامات اللازمة فيغير أأأأ     أتناتناعناعنأسرة قايين لتوفير الخامات اللازمة في غير إبطاء. ثم جاء لامك وأدخل مبدأ تعدد الزوجات. والغريب أن أول نظم شعري نسمع به في التاريخ البشرية نطق به الرجل موجهاً إياه ليس إلى الله في تسبيح أو توبة بل إلى زوجتيه.

هناك أنشد هذا الرجل قطعة صغيرة من شعر الأغاني لامرأتيه عادة وصلة يبرر فيها فعلته ويعظم ذاته ويهذي من روعها في نغمة تنم عن التحدي وغير خالية من الادعاء الآثم بموافقة الله ومصادقته حيث يقول أنه إذا كان ينتقم لقايين سبعة أضعاف فسبعة وسبعين ينتقم له، وهكذا يحول لامك كل شيء لتعظيم ذاته.

هذا هو العالم وهذه هي ديانته وهي بعد في أكمامها. ولكن هنا تربض الحقيقة "ولما ذبحه؟ لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة" في هذا العدد يكشف لنا الروح القدس عن حالة كل منهما الأدبية سواء قبل التقدمة أو قبل ابتناء المدينة، أعمال قايين كانت شريرة وأعمال أخيه بارة، أعني أن هذه كانت حالتهما العادية قبل المناسبة التي أثارت سخط قايين. ولكن من المفيد أن نرى السبب المباشر في ثورته وانفجاره. كل ما هنالك أن الرب قبل هابيل وقربانه ورفض قربان قايين. هذا كل ما حدث، وهذا ما لم يطقه قايين ويحتمله، وقد زاد اشتعالاً ما كان عليه من كبرياء. ولم يقف سخطه عند حد. وحيث أنه لم يكن في استطاعته أن يفعل شيئاً ضد الرب شخصياً فقد تحول بغله وغيظه إلى أخيه. إنما الضربة كانت موجهة في الحقيقة إلى الرب، لأن رفض الله إياه كان في عينيه أشنع بكثير من قبول أخيه ولو أن هذا ضاعف من غيظه وهياجه. ولم يكن ضميره يحس بالخطية ولا بالله. فالإحساس بالخطية والإحساس بالله يساير أحدهما الآخر، لأن الإحساس بالخطية هو الذي يستحضر الله أمام النفس، ويستحضره كديان للخطية. فماذا تكون عاقبة ذنبنا في عينيه؟ القضاء والإدانة لا محالة. ولكن أليست هناك رحمة للخاطئ؟ نعم هناك رحمة، بل إلى الأبد رحمته، كما يعرف المسيحي، وكما سيعرف إسرائيل بكل يقين في يوم قادم بالنعمة. إلا أن قايين لم يؤمن بهذا، ولذلك تحول من العناد إلى اليأس. وإذا كان شريراً في ذاته فلم تكن لديه أية فكرة عن وجود صلاح في الله حتى لشرير الذي يرجع إلى الله عندما يدعوه بالنعمة. لقد عرف جيداً واختبر في نفسه أنه إذا أخطأ في حقه شخص ما فلن يجد عنده ذرة من الرحمة. وإذا لم يشعر قط بحاجته إلى مخلص ولم يتقبل من الله بيد الشكر أو أشد من حيث عدم الرحمة بالمذنب.

وبعد ذلك يأتي التطبيق. "لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم". ومن المهم أن نلاحظ الفروق في التعبيرات. فقد سبق أن خاطب "الأولاد" بصفة عامة، كما خاطب الآباء والأحداث والأولاد الصغار بصفة خاصة، وهاهو الآن يخاطب "الأخوة". وليس من العسير أن ندرك صلاحية كل واحد من هذه التعبيرات فإنه مزمع أن يتحدث عن المحبة الأخوية ولذلك أخذ يخاطبهم كإخوة. وينبغي ألا نمر على أية كلمة من أقوال الله دون أن نزنها ونعيرها لاهتمام اللازم لنعرف لماذا استخدم الله هذه الكلمة دون غيرها. والإيمان يعلم أن طريقة الله هي دائماً الأحسن والأصوب.

"لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم" وهنا نحن نتساءل: ممن يتكون العالم؟ ومن هم أولئك الذين يشير إليهم الرسول بصفة خاصة؟ مبدئياً على الأقل هم أولئك الذين كانوا مرة في شركة الكنيسة ثم هجروها. وهم دائماً شر الكارهين. لأن الذين يتحولون عن الحق يبغضون لا الحق وحده بل ومن يتمسكون به إذ هم لا يطيقون أياً منهما. لماذا؟ لنفس السبب الذي أثار قايين، وهو وجوب إدانة الذات، فلا شيء يستفز المرتد الشرير إلا أن يقال له أنه يستحق الدينونة أو أنه يجب أن يدان. فهو يحاول أن يستبعد كل شبهة تتعلق بشره إذ قد أعماه العدو وبما أنه واقع تحت أكذوبة الشيطان فإنه أيضاً يشاركه في روحه القتالة.

هذه إذن هي روح العالم، وبخاصة أولئك الذين كانوا مرة يعترفون بالحق وقد هجروه. أمثال هؤلاء هم الذين يشار إليهم بصفة خاصة خلال هذه الرسالة. لقد ظهروا مرة بمظهر من تركوا العالم وراءهم، وهاهم قد عادوا أدراجهم إلى ذلك العالم الذي كانوا قد رفضوه ظاهرياً. إنما كان ذلك انفصالاً سطحياً لا غير، والرابطة التي كانت تربطهم بالعالم لم تنقطع انقطاعاً حقيقياً، ومن ثم فقد عادوا بقلوبهم – التي لم تعد تستهويها جدة الحق – إلى حبيبهم الأول، وكان في ذلك البرهان كل البرهان على أن اسم يسوع لم يربحهم لله قط ولو أنه له في بعض الأحيان تأثيراً واضحاً حتى على غير المتجددين.

ومن المهم بهذه المناسبة أن نرى تأثير المخلص على بعض الغارقين في العالم. خذ مثلاً طبقة الفنانين، الذين لا يسعك إلا أن تحكم على الفور أن التقوى ليست من خصائصهم كفريق، بل هم على العكس غارقون في الاستهتار والمتع العالمية من كل نوع. نحن نعرف بالطبع أنه وجد عدد غير قليل من الرسامين المسيحيين، لذلك لست أفكر في أن أتجاوز الواقع فيما يتعلق بهم إذ أتكلم عن الرسامين كفريق. ثم خذ طبقة الشعراء. إن صديقنا المفاضل مستر كوبر الشاعر كان يرى في زملائه رأياً قاسياً للغاية. فقد قال فيهم أنهم طغمة فاسدة بصفة عامة، ليس هناك على ما نعتقد من يحق له أن يصفهم الوصف الصحيح مثل كوبر. فمع أنه كان شاعراً أصيلاً من الطراز الأول إلا أنه سر أن يبرئ نفسه من كل أنواع المشاركة مع زملائه لأنهم – نظير الرسامين – ميالون لأن يشبعوا غريزة البطل والغرور في الرجال والنساء بكاذب المديح والإطراء وأن الكثيرين منهم في الواقع يتعيشون من ذلك، سيما وأن الآباء بطيعة الحال يهمهم كثيراً أن يحتفظوا برسوم أبناءهم. على أن الرسامين قد تأثروا كثيراً بصورة الرب يسوع التقليدية الخيالية. فكل من له إلمام بتماثل القدماء لا يسعه إلا أن يحكم أن تماثيل اليونان كانت شهوانية نظير أصحابها تماماً. فقد كانت تماثيلهم صورة حقيقية لأخلاقهم. ولكن نقوش العصور الوسطى (أي بعد دخول المسيحية) وبخاصة المتأخر المشهور منها الذي وصل إلى أيدينا في الوقت الحاضر قد تأثر تأثيراً عجيباً بصورة المسيح التقليدية. وما أعظم الفرق بينها وبين تماثيل القدماء. فإنه حتى في هذه النقوش والرسوم تستطيع أن تلمح جمال القداسة معكوساً بقدر ما استطاع إنسان عالمي أن يظهرها كفكرة. هناك تستطيع أن ترى وداعة التواضع وإمارات التوكل على الله غير المنظور. هناك أيضاً لا تعود ترى تلك الصور الماجنة التي تلطخت بها العصور القديمة. فاختلفت صورة أفروديت وأبولو التي عبثت بأخلاق الإغريق وأحدرتهم إلى مهاوي الفساد، وحلت محلها صورة العذراء وطفلها، مما حمل الكثيرين على توقير الطهارة وتمجيدها أكثر من كل ما كان يخطر بال أولئك القوم من قبل. ومع ذلك فحاشا لي أن أرى في هذا كله أكثر من تأثير سطحي. بل على العكس أن قلب الإنسان هكذا شرير حتى أنه استغل هذه الصورة فهوى إلى عبادة الوثنية في الأم على حساب ابن الله الجدير وحده بكل عبادة وإجلال.

غير أن هذا على كل حال كان مبلغ تأثير اسم الرب يسوع (ذلك التأثير القوي وإن كان سطحياً ) على أولئك الفنانين والشعراء الذين لم يتساموا قط فوق ما هو بشري ولم يكن لهم الإيمان الحقيقي بالآب والابن.

فلا يدهشنا الأمر كما قدمنا أن نرى الأشخاص الخادعين نفوسهم الذين دخلوا الكنيسة خلسة قد تأثروا تأثراً عميقاً بكل ما يحيط بهم وبما لذلك الاسم المبارك من تأثير روحي عظيم. ولكنها تأثيرات لم تتعد عقولهم. فالمسيح لم يكن حياتهم وإلا فما كانا ليتركوه، وما كان ليتركهم. "لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا".وما داموا لم يبقوا فماذا كان من أمرهم؟ أخذوا تدريجياً موقف المقاومة العلنية وبخاصة عندما رفض المسيحيون أن يخلعوا اسم المسيحية عليهم وعلى المرتدين أمثالهم. ولذلك "لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم". لقد أصبحوا جزءاً من ذلك العالم القاييني الذي بدأ بالادعاء الديني وانتهى بالقتل.

ولكن الرسول يفارق بين هذه الحالة وبين المسيحية الحقيقية فيقول "نحن نعلم إننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الاخوة". وهذه عبارة جديرة بكل تقدير واهتمام لأنها ترتبط مباشرة بأقوال أخرى خطيرة جاءت في الإنجيل. ففي (يو 5: 24) استخدم الرب نفسه الفقرة الأولى من العبارة مطبقاً إياها على المؤمن الفرد دون الجمع حيث يقول "الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة".

إذاً فنحن أمام مشابهة لفظية بين عددين مختلفين. ولكن المشابهة اللفظية ليست كل شيء، يقولون أن ما يميز الإنسان الذكي هو مقدرته على كشف المشابهة بين الأمور المتخالفة مما يثير دهشة الكثيرين وإعجابهم، ولكن هناك ما هو أفضل بكثير من الذكاء وهو الحكم الصحيح الذي يمتاز باكتشاف الفروق بين الأمور التي تبدو متشابهة وهو مع الأسف ما يفشل فيه الكثيرون.

فما الفرق بين العددين؟ في الإنجيل نرى الرب يوضح كيف يحصل الإنسان الآن على الحياة الأبدية بواسطة تصديق شهادة الله عن ابنه، حتى أنه بذلك لا يأتي إلى الدينونة التي هي مصير كل إنسان بعيد عن المسيح. هذا ما يقوله سيدنا والواقع أن كل من يأتي إلى الدينونة لن يستطيع الخروج منها. فالدينونة معناها احتمال الإنسان ما يستحقه. وما الذي استحقه أنا وأنت أيها القارئ؟ ألم نكن مجرمين فجاراً عديمي القوة على فعل الخير والصلاح إلى أن خلصنا بالنعمة؟ فلا تظن أن أي إنسان يستطيع أن يذهب إلى الدينونة كما هو ثم يخرج منها. كلا. فإن مآل الدينونة بحيرة النار التي لا مفر منها. ولكن ليس هكذا يعامل الله الذين يؤمنون. إن المؤمنين لهم حياة أبدية ولا يأتون إلى دينونة. هذا ما يقوله الرب بفمه الطاهر بكل صراحة ووضوح، وذلك لأنه له المجد احتمل في نفسه دينونة خطايانا على الصليب. إن فكرة الدينونة مع الحياة الأبدية فكرة شنيعة ولا معنى لها في الواقع. إذ كيف يتأتى أن يكون للإنسان حياة أبدية ثم يؤتى به إلى دينونة؟ ولتأييد هذه النعمة وتدعيمها أكثر يقول السيد "وقد انتقل من الموت إلى الحياة" إن الموت كان قبلاً حالته الهالكة بسبب الخطية أما الآن فهو حي بحياته (أي حياة المسيح). وهذا التغيير قد تم للنفس من الآن ولو أنه لم يتم للجسد بعد ولكنه مضمون له ومؤكد في قيامة الحياة كما نقرأ في (ع 29).

إذاً فالعدد 24 الوارد في الإصحاح الخامس من الإنجيل ينطوي على كلمة مباركة جداً للخاطئ المسكين الذي يريد أن يعرف كيف يحصل على الحياة الأبدية. ولكن هذه ليست على الإطلاق القضية التي تتناولها الرسالة فالموضوع هنا ليس الإيمان للحصول على البركة بل ما نعلمه "نحن" الإخوة المؤمنين فعلاً، وبرهانه العملي أننا نحب الاخوة. لا شك أننا لم نكن أكفاء لهذه المحبة بدون الحياة الأبدية باعتبارها الطبيعة الإلهية التي تحب بحسب الله. ومن هنا كان التحديد بضمير المتكلم "نحن" مشيراً إلى الاخوة المؤمنين فقط واضحة لا تقبل الشك ولذلك فالعدد 14 في الرسالة يختلف كل الاختلاف عن العدد 24 في الإنجيل. ولكن ليس معنى هذا الضمير "نحن" ينصرف إلى الاخوة المؤمنين في جميع الأحوال، فالقرينة هي التي تحدد معناه ومن الجهالة بالمكتوب الزعم بأنه متشابه في كل مكان. أما هنا فيقصد به جماعة المؤمنين على وجه التحديد إذ يقول "نحن نعلم (علماً باطنياً) إننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الاخوة". وما أعظمه من فارق!

فما الذي يعرفه غير المؤمن عن هذا التغيير؟ ومن أين له أن يعرفه؟ إن عديم الإيمان هو في الموت والخطايا، وإلى الدينونة يمضي. والإيمان وحده هو الذي يتناول البركة التي يقدمها المسيح هنا. أما الاخوة فيحبون بعضهم البعض كإخوة في عائلة واحدة هي عائلة الله وكمن قد آمنوا فعلاً. فالمفروض أننا نحن الذين آمنا للحصول على الحياة الأبدية نحب إخوتنا، وإذ قد انتقلنا من الموت إلى الحياة فإن محبتنا لهم هي البرهان على هذه الحقيقة. نحن لنا هذا العلم الشعوري، ويجب أن يكون لنا، بالمفارقة مع أولئك الذين اصطنعوا من أوهامهم وخيالاتهم علماً فارغاً مجرداً من كل عاطفة إلهية. فالمؤمنون وحدهم، الاخوة في الرب يستطيعون دون سائر الناس على وجه البسيطة أن يقولوا "نحن نعلم" إننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة. وهذه المحبة هي الشهادة على هذا الانتقال والبرهان العملي عليه، غير أن الإيمان وحده هو الذي أدخلنا بنعمة المسيح إلى دائرة هذه البركة، فنحن لم نحصل على الحياة الأبدية أو ننتقل من الموت إلى الحياة  بسبب محبتنا للاخوة، فإننا في ذلك الحين، قبل الإيمان، كنا نبغض الاخوة إذ كنا أمواتاً في الخطايا. لكننا إذ آمنا بالله، انتقلنا من الموت إلى الحياة الأبدية وعندئذ فقط عرفنا الاخوة لنحبهم من تلك اللحظة فصاعداً وإلى الأبد.

لذلك رأينا الرسول يضع هذه البديهية المسيحية "من لا يحب أخاه يبقى في الموت". يا لها من نتيجة خطيرة! فلا حياة، ولا انتقال من الموت، إن كان الإنسان لا يحب على هذا المنوال. ولكن لماذا يقول الرسول "أخاه"؟ إنه تعبير مطلق ينصرف إلى جميع المعترفين بالمسيحية. والرسول يتلذذ بمثل هذا النوع من التعبيرات التي يحرص مدعو المعرفة على تجنبها ولكن حاشا للرسول أن يتقيد بالحرف إنه يحاسب الإنسان على أساس اعترافه ويعلن أن "من لا يحب أخاه يبق في الموت" لأن مثل هذا الشخص يبرهن على أنه ليس أخاً حقيقياً بهذه الكراهية عينها ولاحظ دقة التعبير. فهو لا يقول فقط أن من لا يحب أخاه ميت بل يبق في الموت فمهما يكن اعترافه فإنه كان دائماً ميتاً روحياً ويبقى في الموت، وآية ذلك إنه لم يحب الذي دعي لأن يحبه باعتباره من عائلة الله. لم تكن عنده محبة في حين أنه كان لابد أن تكون عنده محبة لو إنه حصل على حياة المسيح في نفسه.

ثم يعود الرسول فيصيغ القضية في أسلوب أشد "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس". هذه عبارة شديدة الصرامة، لأننا هنا أمام شخص لا يكتفي بأن يقف الموقف السلبي فلا يحب بل يتجه إلى الناحية الإيجابية فيبغض. إن أقواله القاسية على "أخيه" وتصرفه الساخط يكشفان عن بغضائه وبذلك يسمى "قاتل نفس" والرسول هنا يتناول الأمور من أصلها وأساسها. فبما أن روح هذا الشخص تتميز بالبغضاء ساعة التجربة والامتحان فإنه قاتل نفس من حيث المبدأ. شأنه شأن الرجل الذي يصفه الرب بأنه زاني لتركه الشهوة تعمل في قلبه بدلاً من أن يدينها ويتذلل من أجلها. إن الله يتعامل في المسيحية مع القلب وليس مع الظواهر فقط.وكل معترف يحاسب على أساس حركاته الداخلية ونتائجها الخارجية مهما كان هذا مستحيلاً وغير معترف به في المحاكم العالمية. "أنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه". هذه صورة مناقضة كل التناقض للمسيح ومشابهة كل الشبه لإبليس. فأي شيء غير هذا يمكن أن يكون أكثر شبهاً بخصمنا الذي هو كذاب وقاتل منذ البدء؟

"بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك قد وضع نفسه لأجلنا". وهنا أيضاً نلاحظ الدقة في التعبير. فهو لا يقول "قد عرفنا محبة الله" بل يكتفي بالقول "قد عرفنا المحبة" ثم يتبعها بالقول "لأن ذاك قد وضع نفسه لأجلنا". لا شك أنها محبة الله أيضاً ولكن الرسول يخلط متعمداً بين الله والمسيح، ولو أن المسيح وحده هو الذي وضع نفسه لأجلنا. وهذا ما رأبناه مراراً وتكراراً قبل ذلك.فالله قد بين محبته في الصليب والصليب هو البرهان الأعظم الذي لا يدحض على المحبة اللانهائية، المحبة الغير المحدودة، المحبة التي من الله، ولو أن المسيح هو وحده الذي أظهرها وبينها إذ وضع نفسه لأجلنا.وإنه لمن الفضول القول، ومما يضعف قوة وجلال هذه العبارة، أن نقارن عمل سيدنا بما يفعله صديقه بدافع المحبة العظيمة أو يخاطر بحياته ليخلص شخصاً غريباً. أيها الأخ العزيز تأمل فقط في ذاك الذي صار إنساناً لكي يتمم العمل ويتجرع كأس الموت في أشنع الآلام وأرهبها! وذلك كله لأجلنا حينما كنا هالكين ولا نملك سوى خطايانا!

"فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الاخوة". لقد كانت محبة المسيح فريدة في نوعها، عميقة جداً لا يسبر غورها، ولا يمكن أن يعدلها شيء من أي وجه من الوجوه. ومع ذلك فقد صارت النموذج أمام الذين هم للمسيح. وهل للمحبة حدود؟ إن المقصود بالمحبة أن تتخطى كل الصعاب، ومن شأن محبة الله التي اتجهت إلينا ونحن بعد في خطايانا أن تخلق فينا محبة ليس فقط لله بل لأولاده الذين هم إخوتنا، "فنحن ينبغي أن نضع" ولا يقول "فنحن نضع...." ولو أنه وجد قديسون وضعوا حياتهم ليس فقط لأجل المسيح بل لأجل إخوتهم، لكنه يقنع بالقول إنه "ينبغي" وذلك لأن محبتنا باعتبارها من الله قادرة على هذا النوع من التضحية. فإذا كان في موتي فائدة لأخي، فينبغي أن أكون مستعداً للبذل.

على أن الرسول يعلمنا أنه بجانب هذا البرهان النادر، وبدون الحاجة إلى الذهاب في ميدان التضحية إلى هذا الحد الأقصى، هناك من الدواعي ما يمس قلوبنا عن قرب وفي متناولنا أن نستجيب لها يوماً فيوماً. فبالقرب منا، وعلى كلا الجانبين، مطالب تدعونا لممارسة المحبة التي في قلوبنا دون الذهاب بعيداً. قد لا يتوافر لنا في الحياة أن نبذل نفوسنا لأجل الاخوة ولكن هناك أعواز يعرفها كل منا في دائرته أخ أو أخت في حالة العوز الشديد فما هو تقديرك لهذه الحالة وما هو جواب محبتنا لآلام أخينا الفقير أو أختنا المحتاجة؟

"وأما من كان له مشيئة العالم" أي خيراته وموارده "ونظر أخاه محتاجاً" أي لم يره فقط مجرد الرؤية العابرة بل نظر وتأمل وأخذ فكرة صحيحة عن حاجة أخيه. ربما لم يظهر الأخ أية علامة لم يشك إطلاقاً ولم يذكر تجربته لآخر. فهل تقف المحبة مكتوفة اليدين؟ إن هذا الصمت من جانب أخينا المحتاج ينبغي أن يكون فيه أقوى صوت لقلوبنا وأكبر دعوة للعون والنجدة. فهو محتمل الضغط بلا تذمر، وهي تعاني وتحتمل الضيق دون أن تخبر به أحداً سوى الله، ومع ذلك فإننا ونحن ننظر حاجة أخينا وأختنا وعيوننا مفتوحة لمشاهدة ضيقته أو ضيقتها نقف جامدين مترددين. تتوفر لأحدنا وسائل المعونة والنجدة ولكن بدلاً من مد يد المساعدة "يغلق أحشاءه". "فكيف تثبت محبة الله فيه"؟ إن الرسول يعالج الأمر بحرص وهدوء ولكن بخطورة وعمق. "كيف تثبت محبة الله فيه"؟ إنه لا يطالبني بأن أموت لأجل أخي ولكنه يطالبني بأن تمتلئ يدا محبتي بالوسائل التي تزيد عن حاجتي الضرورية لقدمها للأخ المتألم من البرد أو المرض أو الجوع أو أي علة أخرى. فإذا كان في مقدور إنسان أن يمد يد العون ليخفف عن أخيه ولا يفعل "فكيف تثبت فيه محبة الله"؟

فكما أن المحبة هي نشاط طبيعة الله فهي كذلك بالنسبة لطبيعة أولاد الله الجديدة، ومقصود بها أن تكون في جريان مستديم نحو الآخرين، ليس فقط في المناسبات الكبيرة بل في أصغر أمور الحياة. ليتنا لا يفوتنا ما لغة الرسول من لياقة وجمال. فقد كفاه في عدد 16 أن يذكر المحبة بغير تحديد في حين جاءت الأقوال التي بعدها تبين جلياً أنها محبة ذاك الذي وضع نفسه لأجلنا. وفي الإصحاح الثاني لم تكن "المحبة" فقط بالمفارقة مع العالم ولا "محبة الله" بل "محبة الآب" أما في العدد الذي أمامنا فلم يكن من دقة القول أو المناسب أن يستخدم "محبة الآب" بل "محبة الله" التي تعني وتهتم بأصغر مخلوقاته والتي من شأنها أن توبخ كل ابن له يغلق أحشاءه عن أخيه المتضايق.

ختاماً أود أن نلاحظ كيف يتنوع تطبيق موت المسيح في هذا الإصحاح ففي العدد الخامس كان الباعث على الموت لكي يرفع خطايانا كفارياً، وفي العدد الثامن لكي ينقض أعمال إبليس، أما العدد 16 فنراه له المجد يضع حياته لأجلنا كنموذج المحبة لنا ولأجلنا كل ذلك اجتمع في موته كما نرى بأكثر إيضاح في (عب 2: 9، 10، 14، 17).

أضف تعليق


قرأت لك

نظرة المسيحية الى الآخرين

 نحن نعيش في مجتمع مليء بالمتناقضات الدينية والفكرية والفلسفية وبين هذه الأفكار تطرح المسيحية نفسها كحياة مليئة بالغفران فتشق البغض لتزرع المحبة، وتحارب الشر بالخير ودائما تنمي العلاقات الجيدة بين البشر لكي تبني جسور بين الإنسان وخالقه، فعلاقتها مع المجتمعات حيّرت كثيرين من الناحية الإيجابية وكل هذا يعود لأن طرحها نازل من فوق ومن فم الرب مباشرة.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة