تفاسير

الإعلان والسر

القسم: رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

عدد 3

3أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ.

(2)بولس تقلد هذا السر –عن طريق الإعلان: "إنه بإعلان عرفني بالسر".

الكلمتان الرئيسيتان في هذا العدد هما: "إعلان". و"سر". وحتى نعرف معنى أولاهما, ينبغي أن نعرف معنى ثانيتهما. لقد مرّت بنا هاتان الكلمتان في العدد التاسع من الأصحاح الأول, حيث قال الرسول عن الله: "إذا عرفنا بسر مشيئته". "فالمعرفة" و"الإعلان" هما من مصدر واحد. فليرجع القارئ إلى الصفحة 61 من هذا الكتاب, ليعرف المعنى الأساسي لهاتين الكلمتين.

"إنه بإعلان عرفني بالسر" –أراد الرسول, أن يُفهم المكتوب إليهم, أن وديعة إنجيل الأمم لم تنته إليه نتيجة بحث عقلي قام به, ولا هي من مبتكراته الخاصة التي أوحت إليه بها غيرة نفسانية, ولا هي نتيجة اكتشاف اجتهادي قام به هو من عنديّاته, ولا هي تقليد أو رسالة تقلدهما من سُلفائه أو رؤسائه, وإنما هي إعلان خارجي عنه, خصّه الله به, وافتقده به في مراحمه, في وقت كان بولس لاهياً عنه, بل معرضاً عنه, بل معارضاً له.

غالباً جداً أفضى الله إلى بولس بهذا "السر" مجملاً, حين عرَّفه بحقيقة ذاته وصفاته يوم تجديده (أعمال 26: 17و 18). ثم كشف له عن مخبئات هذا السر, الكامنة بين ثناياه فعرفه ببعض مشتملاته وتفصيلاته أثناء الثلاثة الأعوام التي قضاها بولس في العربية, باحثاً, دارساً, متفكراً, متعبداً, كما يقول هو في موضع آخر: "لما سُر الله الذي أفرزه لي من بطن أمي ودعاني بنعمته. أن يُعلن ابنه فيَّّ لأبشر به بين الأمم, للوقت لم أستشر لحماً ولا دماً. ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت أيضاً إلى أورشليم (غلاطية 1: 15- 18). هذا مطابق لاختبار نبي قديم: "قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبياً للشعوب" (إرميا 1: 5) فرسالة الإنجيل, وسلطة تقلدها, وطريقة المناداة بها, نزلت كلها على بولس عن طريق الإعلان المباشر.

إن طبيعة الرسالة بما فيها من جلال ممتاز, وطبيعة الرسول الذي كان زعيم شيعة اليهود الفريسيين المتعصبين فأصبح رسول الأمم, وطبيعة المرسل إليهم –الأمميين, كل هذا يجعل الإعلان الإلهي المباشر لازماً شديد اللزوم. لأن الأشياء العادية تتطلب وسائل عادية مثلها, لكن الأشياء الخارقة للطبيعة تتطلب وسائل من وراء الطبيعة نظيرها. وهل من المستبعد على الإله العلي الذي استخدم وسيلة ممتازة في إقناع بطرس بالإقلاع عن أفكاره الطبيعية المتمكنة منه والمتأصلة فيه (أعمال 10), أن يستخدم مثل هذه الوسيلة أو أبلغ منها, لانتزاع جذور التعصب الفكري من ذهن بولس نحو الأمم, وزرع أشجار المودة والصفاء والتسامح عوضاً عنها‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌!! أما عن كون الرسول بولس مستودعاً لسر الإعلان الإلهي, فهذا ظاهر من ترديده كلمة: "إعلان" بين ثنايا رسائله وكتاباته (رومية 16: 25, غلاطية 2: 2). وأما عن كونه مهبطاً لهذا الإعلان, فهذا واضح من (2كورنثوس 12: 1و 7, غلاطية 1: 16)

-أ-موجز هذا السر: "كما سبقتُ فكتبتُ بالإيجاز". يشير الرسول في هذه الكلمات إلى ما مرّ به, في الأصحاحين السابقين من هذه الرسالة. فالرسول لم يفصّل هذا السر تفصيلاً ولكنه ذكره موجزاً. وأتّى للغة البشر أن تحيط بما في هذا السر الجليل, من عرض, وطول, وعمق, وعلو!! فمهما أطال الرسول في شرحه وأطنب, لا يكون في إطنابه إلا موجزاً, ومهما أسهب في تفسيره, فلا يكن في إسهابه إلا قاصراً أو مقصراً.إن قوله: "كما سبقت فكتبت" مرادف لقولنا: "كما ذكرت آنفاً"

عدد 4 :

4الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ.

-ب-طبيعة كلام الرسول تشهد لسمو مصدره, وتؤيد رسالته: "الذي يحسبه حينما تقرأونه تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح". قال المسيح: "بكلامك تتبرر وبكلامك تُدان". وقال في موضع آخر: "...الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها. هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني... فتشوا الكتب... وهي التي تشهد لي". وقال أيضاً: "من ثمارهم تعرفونهم". على هذا المبدأ تُعتبر كلمات الرسول خير شاهد له أو عليه. ومع أنه لم يقدم للمكتوب إليهم شرحاً لبرنامج الفداء الذي أعده الله للمفديين بما فيهم الأمم, بل اجتزأ بخلاصة موجزة منه, إلا أن القليل ينمّ عن الكثير. فكما أن تحليل قطرة من مياه البحر يكشف عن ذات العناصر التي يتركب منها البحر كله, كذلك كلمات الرسول التي كتبها بالإيجاز, عن النصيب العظيم الذي جعله الله للأمم في برنامج الفداء, تتضمن جوهر الفداء بالذات. فيحق للمكتوب إليهم أن يجعلوا من هذا القليل الموجز خير دليل على المطول المعجز: " الذي منه تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح". إن الفهم المراد هنا, هو فهم التمييز."والسر" المقصود, هو الذي حدثنا عنه الرسول في العدد الثالث من هذا الأصحاح.

ولا يغرب عن بالنا, أن الرسول لم يرغب في الاستشهاد بأهل أفسس لدرايته بسر المسيح, حباً بهذه الشهادة في ذاتها, ولا طمعاً في المجد الذاتي الذي يناله من هذه الشهادة, لكنه كان ينبغي من وراء ذلك, إبلاغ رسالته إلى قلوبهم. فخيرهم هم لا خيره هو, كان مطلبه الأسمى. فهو لم يرغب إلى المكتوب إليهم, أن يشهدوا بمقدار ما أرادهم أن يحكموا لأنفسهم. ولم ينتظر منهم أن يؤخذوا بسمو مداركه, وإنما أرادهم أن يقتنعوا بصدق رسالته, وسلطانها الإلهي, ومبلغ فهمه لها –لأن رسالته لا تنفعهم إلا بمقدار إقناعهم بسمو مصدرها, وأنّى لهم أن يعرفوا "سر المسيح" إلا من شخص ذي خبرة ودراية؟ فالبصيرة الروحية النافذة –لا المعرفة العقلية المكتسبة- هي المقصودة بقوله: "درايتي بسر المسيح". فليس هذا كلام الفخور بنفسه ومؤهلاته, بل كلام الشاعر بضعفه وقدرة المسيح.

إن "سر المسيح" مرتبط تمام الارتباط بعمله (2: 14) وبمجده, (1: 10). فجوهر خلاصه هو: "المسيح فيكم رجاء المجد" (كولوسي 1: 27) وموضوعه هو: "المسيح المعلن". إن سراً عظيماً كهذا, لهو حقيق بأن يدعى "سر المسيح" أو "المسيح السر". فلا يمكن أن يكون من مبتكرات بولس, ولا من ثمرات خياله. لأن سمو السر شاهد لسمو مصدره. فكما أن قوة انحدار المياه تشهد لعلو منبعها, كذلك عمق هذا السر وسموه يشهدان له بأنه صادر من أعماق قلب الإله السامي بسلطانه, والسخي بنعمته, والغني بمحبته.

يقول بعض المفسرين: إن كلمة "تقرأونه" تعني التلاوة بصوت مسموع كما من منبر الكنيسة مثلاً. ولسنا نجد في القرينة ما يؤيد أو يفنّد هذا الرأي.

عدد 5 :

5الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ:

(3)وقت إعلان هذا السر. ووسيلة إعلانه

هذا العدد يقسم نفسه إلى قسمين متقابلين, تفصل بينهما كلمة "كما". فهما شبيهان كفتيّ الميزان, كلمة "كما" شبيهة "بقصبة الميزان":

-أ-الزمن: "في أجيال أخر" ... ... "الآن"

-ب-درجة الوحي } ..."قد أعلن بالروح"

والإعلان } "لم يعرّف به"

..."لرسله القديسين

-ج-مهبط الوحي: "بنو البشر".. ...وأنبيائه . . . ."

-أ-المقابلة الأولى تحدثنا عن الزمن الذي فيه أُعلن هذا السرّ. "الآن" مقابل "الأجيال الأخر" التي كان فيها هذا السر مكتوماً ومختوماً. وقد أراد ب"الأجيال الأخر" الأزمنة السابقة لعصر الإنجيل, حين كان اليهود يعتقدون أن "يهوه" هو إلههم هم دون سواهم, وأن لا نصيب للأمم معهم في التبني والعهود والمواعيد, لأن "سر" إنجيل الأمم كان مكتوماً عنهم.

-ب-المقابلة الثانية ترينا أن هذا "السر" قد "أعلن" لبولس ولغيره من الرسل "بالروح القدس", مع أن بني البشر لم "يُعرَّفوا به" في "الأجيال الأخر". فالبشر قديماً لم يستطيعوا بمقدرتهم الفكرية, ولا باستنتاجاتهم العقلية, ولا بتصوراتهم الخيالية, أن يكتشفوا هذا السر ولا أن يكشفوه. وأنّى للعقل البشري أن يصل إلى كنه معلنات "الروح"! وكما أنه يستحيل على الطفل الرضيع أن يفهم العلوم الجامعية العويصة, كذلك تعذرَ على العقول البشرية الغير الناضجة أن تفهم هذا السر, لا لأنها لم تقوَ على فهمه أو كشفه فحسب, بل لأن وقت إعلان هذا السر لم يكن قد حلّ بعد, لأن "ملء الزمان" لم يكن قد حان, ولأن "الروح لم يكن قد أعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد". ألا يستفاد من قوله: "كما قد أعلن" إن كلمة "كما" تشير إلى الدرجة الممتازة التي أعلن بها هذا "السر" في العهد الجديد مقابل تلك الدرجة الجزئية الضئيلة الشبيهة بالأشعة المتكسرة, التي أعلن بها هذا "السر" لفئة قليلة ضئيلة من أبطال العهد القديم, الذين كانوا بالنسبة للشعب, مثل قمم الجبال الشاهقة بالنسبة لحصباء الوادي؟ و"السر" ليس بجديد لكن إعلانه هو الأمر الجديد. كان في الماضي "مكنوناً" فأصبح الآن معلناً

-ج-المقابلة الثالثة تصف الفارق العظيم بين من خفي عنهم هذا السر: "بنو البشر" وبين من أعلن لهم بالروح: "رسله القديسين وأنبيائه بالروح". إن كلمة "بنو البشر" تضم بين دفتيها جميع أهل "الأجيال الأخر" من يهود وأمميين. ومن المحتمل أن بعضاً من المستنيرين أمثال إشعياء وسمعان الشيخ قد رأوا بصيصاً من ضوء هذه المعلنات (أعمال 13: 47, رومية 15: 8- 12, إشعياء 56: 6و 7). ولكن أنى لضوء الفجر أن يواجه ضياء الشمس!! (1بطرس 1: 10- 12).

أما الذين شرفهم الله بهذا الإعلان المجيد, فقد وصفهم الرسول بقوله: "رسله القديسين وأنبيائه بالروح". هذه العبارة تنم عن حقيقتين –

أولاهما: مهبط الوحي: "رسله القديسين وأنبيائه"-هؤلاء هم رسل العهد الجديد وأنبيائه (4: 11)- وبولس أحدهم بل على رأس القائمة مع أنه رضي تواضعاً منه أن يضع نفسه في ذيلها (1كورنثوس 15: 9). وإذا كان بولس أحد هؤلاء الرسل والأنبياء, أفلا يُلام على كونه تبرع لنفسه ولهم بكلمة: "قديسين" فكيف يتفق هذا مع ما هو مشهور عنه من الوداعة والتواضع؟ إن هذا اللبس لا يلبث أن يزول من أذهاننا متى ذكرنا المعنى الخاص الذي تنطوي عليه كلمة: "قديسين". فهي لا تصف حالة كمالية منزهة عن كل شر وشبه شر, ولكنها تعني التخصص والفرز, والتكريس. فهؤلاء الرسل والأنبياء هم قديسون لأنهم أفرزوا لله في الروح وبالروح. فهم إذاً مقدسون في مقامهم ووظيفتهم ودعوتهم. وفي الوقت نفسه هم مُقدسون بالدم الثمين, ومتقدسون في الروح القدس, وهم أنقياء بسبب كلام المسيح, الذي هو كلمة الله الحي الباقي إلى الأبد. ولا تنس أن أهل أفسس وصفوا بهذه الكلمة: "قديسين" نسبة لدعوتهم العليا في السماويات في المسيح يسوع. وأن اليهود سموا "شعباً مقدساً" نسبة لكونهم شعباً مقتني من الرب وللرب.

الحقيقة الثانية: واسطة الوحي: "بالروح" هذا هو الروح القدس الذي ألهم الأنبياء والرسل فيه هم مقدسون, وبه هم ملهمون. وكلمة: "بالروح" يجوز أن تترجم حرفياً إلى: "في الروح". لأن هذه المعلنات جاءتهم وهم "في دائرة الروح". قد تعتبر كلمة: "بالروح" وصفاً لكلمة: "أعلن" –أي أن الروح هو واسطة الإعلان. وأن نعتبرها وصفاً لقوله: "لرسله القديسين وأنبيائه" فتكون وصفاً لحالة الرسل القديسين والأنبياء حينما تلقوا المعلنات الإلهية, بخلاف بني البشر –أو بني آدم- الذين كانوا على حالتهم الطبيعية فخفيت عنهم هذه المعلنات العميقة السامية. قال بنغال تعليقاً على كلمة: "أعلن": أن الإذاعة بالإعلان هي سر الإذاعة بالكرازة".

عدد 6 :

6أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ.

ثانياً: موضوع هذا السر: "إن الأمم شركاء"

هذه هي خلاصة "السر" الذي أعلن لبولس, بل جوهر السرّ: إن الأمم شركاء اليهود في بركات الإنجيل. وقد أوضح الرسول في هذا العدد ثلاثة أمور:

-أ-بركات هذا السر –ب-العامل الأساسي فيها –ج-العلة الثانوية فيها

-أ-بركات هذا السر: "الميراث, والجسد, ونوال موعده" –هذه إذاً شركة مثلثة يتساوى فيها الأممي واليهودي على السواء (1)شركة في الميراث. "شركاء في الميراث". (2)شركة العضوية في الجسد الواحد: "والجسد". (3)شركة التمتع بروح الموعد المقدس: "ونوال موعده في المسيح بالإنجيل".

فالجانب الأول: "شركة الميراث" يعين نصيب الأمم مع اليهود في الله الآب (رؤ 2: 17, غل 2: 29, 4: 7). والجانب الثاني: " شركة العضوية في الجسد الواحد" يبين نصيب الأمم مع اليهود في الابن الذي هو رأس هذا الجسد الغير المنظور (2: 15- 22). والجانب الثالث: شركة التمتع "بنوال موعده" القدوس, يقرر نصيب الأمم مع اليهود في الروح القدس, الذي هو "روح الموعد المقدس" (أعمال 1: 14). فإذاً هذه الشركة المثلثة الجوانب تعيّن النصيب المشترك الذي للأمم واليهود على السواء في الإله الواحد المثلث الأقانيم. فهم شركاء في الميراث الواحد الذي لهم من الآب, وفي الجسد الواحد الذي رأسه المسيح, وفي شركة الروح القدس الواحد (1: 3, 2: 12, عب 6: 4).

فما أجل هذا السر وما أمجده! قبلاً كان اليهود ينظرون إلى الأمم –ويا ليتهم ينظرون بغير أنفة وترفع- نظرتهم إلى سقط المتاع, المزدري والغير الموجود. نظرة كلها زراية, فيحتقرونهم. وكانوا ينظرون إلى الله نظرة تنم عن قلوب ضيقة فيحتكرونه لأنفسهم –فيظنون أنهم هم وحدهم ورثة مجده, ومنهم وحدهم تتألف الأمة المختارة فلا يختلطون بأحد ولا يمتزجون ولهم وحدهم شركة موعده. كل هذا كان قبل إعلان هذا السر المجيد الذي به صار الأمم ورثة مع اليهود في الله, فأصبحوا وإياهم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع (غلاطية 3: 26, رومية 8: 17). وقد أضحوا وإياهم أعضاء متآلفين في جسد المسيح الذي هو كنيسته الغير منظورة (2: 16). فبالنسبة لهذا الجسد الواحد, هم مساهمون. وبالنسبة لبعضهم البعض هم متحدون متآلفون –هذا هو المعنى الحرفي لقوله: "شركاء في الجسد". وبالتالي صاروا وإياهم شركاء في نوال موعد الروح, الذي يأخذ مما للمسيح ويعطيهم سوية, "قاسماً لكل واحد بمفرده نصيباً كما يشاء" (1كورنثوس 12: 11). هذا حق في الحال لا في الاستقبال.

-ب-العامل الأساسي في نوالها: "في المسيح" –هذا هو العامل الأساسي في تمتع الأمم مع اليهود بهذه البركات المشتركة: اتحادهم وإياهم في المسيح. بل هذا مقامهم, وامتيازهم, ومجدهم. في المسيح صاروا أبناء الله فأضحوا شركاء مع بعضهم البعض في الميراث المقدس الذي لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل. في المسيح صاروا أغصاناً في الكرمة الواحدة وأعضاء أحياء في الجسد الواحد. في المسيح صار لهم حق نوال الروح والامتلاء بالروح, لأن الروح هو رسول المسيح إلى كنيسته بعد صعوده, وهو معزيها بعد افتراقه عنها بجسده المنظور.

-ج-الوسيلة الثانوية: "بالإنجيل". فالإنجيل هو الواسطة التي بها نُفذ التدبير الإلهي في فداء الأمم واليهود سواء بسواء, وبواسطته أظهر وأعلن بالكرازة والبشارة. بالإنجيل تسلم بولس هذا الإعلان, وبالإنجيل أعلن بولس هذا السر للأمم. وفي الإنجيل ولدهم (1كو 4: 15, رو 10: 8- 15, 16: 25).

هذا من جهة الله, وأما من جهة البشر, فما عليهم إلا قبول الإنجيل بالإيمان. وفي قبولهم إياه يقبلون كل البركات التي تصحبه.

يعتقد الدكتور موفات أن هذه الشركة المثلثة منحصرة كلها في الجانب الأخير –الموعد. فترجم هذا العدد على هذه الصورة: إن الأمم لهم شركة الميراث, وشركة الزمالة, وشركة المساهمة- في الموعد. أي أن الأمم وارثون مع اليهود, وشركاء لليهود, ومساهمون مع اليهود في الموعد الواحد. ولكننا لا نستطيع الأخذ بهذا الرأي لأن فيه إخفاء لكلمة "الجسد", وإنما أوردناه لمجرد تبيان الأشياء بأضدادها. ولعل هذا المترجم ارتأى هذا الرأي لأن الرسول خلق في هذا العدد كلمتين لم تستعملا قط من قبل. كأنه وجد أن بردة الكلمات اليونانية الموجودة في وقته ليست بكافية ليخلعها على هذا الحق خلعاً, فخلق له كلمتين خلقاً!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

وفي الختام

أذكر هذه القصة الرائعة "عندما انتشرت ضلالة أريوس، وعقد مجمع نيقية مكوناً من 318 عضواً للبحث في حقيقة تجسد المسيح، قام آريوس، وكان رجلاً لبقاً في حديثه ليقنع المجمع أن المسيح

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة