تفاسير

صلاة بولس الثانية لأجل المكتوب إليهم

القسم: رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

حلول المسيح في القلب وبعض نتائجه: القوة والإدراك وكمال الملء

(3: 14-21)

مرتين في هذه الرسالة رأينا بولس الرسول مصلّياً لأجل المكتوب إليهم: المرة الأولى في 1: 16-23، والثانية في ختام هذا الأصحاح، وبها يبلغ الرسول ذروة هذه الرسالة فيختتم القسم التعليميّ منها، ليستهلّ القسم العمليّ، بقوله "فأطلب إليكم أنا الأسير". في الصلاة الأولى يطلب بولس لأجل المكتوب إليهم أن يُعطوا معرفةً وحكمةً. وفي الصلاة الثانية طلب لأجلهم قوةً وإدراكاً وملئاً كاملاً. في قلب كلّ صلاةٍ منهما، طلبٌ رئيسيّ: - في الأولى "روح الحكمة" (1: 17)، وفي الثانية "قوّة الروح" (3: 16): في الأولى طلب الرسول لأجلهم "معرفة الله"، وفي الثانية طلب "معرفة المسيح". الفكرة الرئيسية في الصلاة الأولى هي: "نحن في المسيح"، وفي الصلاة الثانية: "المسيح فينا". قياس الطلبات التي طلبها بولس في الصلاة الأولى هو: "حسب عمل شدّة قوّة الله" (1: 12)، وقياس الطلبات المتضمّنة في الصلاة الثانية هو: "بحسب غنى مجد الله"... "أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر بحسب القوة التي تعمل فينا" (3: 16و20).

يجمل بنا في المقابلة بين هاتين الطلبتين، أن نذكر أوجه الشبه الرباعية في كلّ منهما:

(1) الصلاة في كلّ منهما موجّهة إلى الله الآب: "أبو المجد" (1: 17)، "أبي ربّنا يسوع المسيح" (3: 14). (ب) تتضمن كلّ منهما طلبة بنوال عطيّة الروح القدس: "......كي يعطيكم... روح الحكمة والإعلان في معرفته" (1: 17)، "لكي يعطيكم أن تتأيّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن" (3: 17). (ج) دائرة عمل الروح في كلّ منهما واحدة: فهي في الصلاة: الأولى "عيون الأذهان" (1: 18) وفي الصلاة الثانية: "الإنسان الباطن" (3: 16). (د) الغاية القصوى في كلّ منهما تكاد تكون متشابهة: فهي في الصلاة الأولى: "لتعملوا ما هو رجاء دعوته" (1: 18)، وفي الصلاة الثانية: "حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين... وتعرفوا" (3: 18).

فالمعرفة والقوة مرتبطتان تمام الارتباط في هاتين الطلبتين فالصلاة لأجل "معرفة القوة المقتدرة" (1: 19) تتطوّر فتصبح صلاةً لأجل "نوال القوة المقتدرة" (3: 16)، فتُمسي وسيلة يصبح الإنسان بها قادراً على أن يعرف (3: 19). فالمعرفة تساعد على القوة والقوة تعين على المعرفة.

تتضمّن رسائل بولس التي كتبت أثناء سجنه في رومه: فيلبي وكولوسي، وأفسس، أربع صلوات رئيسية رفعها الرسول لأجل المكتوب إليهم: الصلاة الأولى نجدها في الأصحاح الأول عن رسالة فيلبي، والصلاة الثانية في الأصحاح الأول من رسالة كولوسي، والصلاة الثالثة في الأصحاح الأول من رسالة أفسس، والصلاة الأخيرة هي التي نحن بصددها الآن.

موضوع الصلاة الأولى (فيلبي1: 9-11): المحبة الفطنة المميزة.

وموضوع الصلاة الثانية (كولوسي1 :9-12): السلوك النيّر.

وموضوع الصلاة الثالثة (أفسس1: 15-23): الإنارة الروحية.

وموضوع الصلاة التي نحن بصددها (أفسس3: 14-21): الملء الإلهي.

حسناً قال الدكتور الكساندر مكلارن في هذا الصدد: لم يرتقِ بولس في كتاباته إلى الذروة التي بلغها في صلواته. وهو لم يبلغ في كلّ صلواته تلك الذروة التي بلغها في هذه الصلاة المؤلّفة من طلبات متدرّجة.

فلا جدال في أن هذه الصلوات الأربع، من أهم الصلوات التي رفعت إلى عرش النعمة على ممر الدهور. وإذا جازت المفاضلة بينها، فإن أعظمهنّ هي الأخيرة، لأنها تتضمن الشيء الكثير من محتويات سابقاتها. ولأنّ موضوعها هو الذروة العليا التي يمكن أن يبلغها أفضل مصلّ. أفليس بكافٍ للمصلّي أن يبلغ إلى قياس ملء الله. وحلول المسيح في قلبه، وتأييد قوّة الروح القدس له في الإنسان الباطن؟! إنّ مقام هذه الصلاة بالقياس إلى رسائل بولس، كمقام صلاة المسيح المدوّنة في يوحنّا 17، بالقياس إلى البشائر الأربع.

تنقسم هذه الصلاة في مبناها ـ أما معناها فلا يقبل التقسيم والتجزئة إلى ثلاث أقسام رئيسية:

أولاً: مقدمة الصلاة (3: 14و15):

14بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 15الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ.

(1) موقف المصلّي ـ نفسياً: "بسبب هذا" (3: 14أ).

(2) موقف المصلّي ـ جسدياً: "أحني ركبتيّ" (3: 14ب).

(3) المصلّى إليه في نسبته إلى المسيح: (3: 14ج).

(4) المصلّى إليه في نسبته إلى عشائر السموات والأرض: (3: 15).

ثانياً: غرض الصلاة: "لكي يمتلئوا إلى كلّ ملء الله" (3: 16-19).

(1) طلبات إعدادية لهذا الغرض (3: 16-19 أ):

ـ أ ـ القوة الإعدادية لهذا الغرض (3: 16و17):

16لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، 17لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،

(1) تأييدهم بالقوة روحه في الإنسان الباطن (3: 16).

(2) حلول المسيح بالإيمان في قلوبهم (3: 17).

ـ ب ـ المعرفة الإعدادية لهذا الغرض: (3: 18و19 أ):

18وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، 19وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ.

(1) "حتى تستطيعوا أن تدركوا ... ما هو الغر ض..." (3: 18).

(2) "وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة" : (3: 19 أ).

(3) تحقيق هذا الغرض: (3: 19 ب و ج):

(أ) حقيقة هذا الغرض: "...لكي تمتلئوا" (3: 19ب).

(ب) قياس هذا الغرض: "... إلى كلّ ملء الله" (3: 19ج).

ثالثاً: نشيد التجميد: (3: 20و21):

20وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا، 21لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.

(أ) موضوع تجميدنا ـ "المسيح.." (3: 20).

(ب) أساس ثقتنا في تمجيدنا ـ "هو القادر" (3: 20).

(ج) علّة تمجيدنا: الله ـ إظهار مجده في كنيسته، وفي رأسها الأعلى.

(د) مدى تمجيدنا له "إلى جميع أجيال دهر الدهور" (3: 21).

أولاً: مقدمة الصلاة:

14بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ

عدد 14 ـ (1) موقف المصلي ـ نفسياً: "بسبب هذا" (عدد 14 أ) .

"بسبب هذا": تعرّفنا هاتان الكلمتان عن موقف بولس الرسول إزاء المكتوب إليهم. وهما ترجعان بنا إلى كلمتين مثلهما وردتا في غرة هذا الأصحاح: "بسبب هذا". فما هو هذا الشيء الذي أشار إليه بولس بقوله: "هذا"؟ يتّضح لنا "هذا" الأمر، متى رجعنا إلى الأصحاح السابق، وذكرنا الموضوع الذي كان يشغل ذهن الرسول هنالك ـ ألا وهو نعمة الله المتفاضلة على الأمم، "الذين كانوا قبلاً أجنبيين عن رعوية إسرائيل، وغرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لهم، وبلا إله في العالم. ولكن الآن في المسيح يسوع، صاروا قريبين بدمه الثمين".

"فبسبب هذه" النعمة التي أجزلها الله على الأمم، جاعلاً بولس أداةً صالحةً لإبلاغها إليهم عن طريق الكرازة بالإنجيل للأمم ـ أو بإنجيل الأمم، صار لزاماً على بولس أن يحني ركبتيه أمام الله، طالباً منه أن يملأ الأمم بمعرفة هذا السرّ الذي كان مخفياً فأعلن، وأن يتأيّدوا بالقوة بالروح في الإنسان الباطن، حتى يمتلئوا إلى كلّ ملء الله.

(2) موقف المصلّي ـ جسدياً: "أحني ركبتيّ" (عدد 14ب).

يمكننا أن نقدّر رهبة هذه العبارة وجلالها، متى ذكرنا أنها نادرة الورود في العهد الجديد. فالظاهر أن القيام للصلاة كان "الموقف" المألوف في ذلك العصر، بدليل قول المسيح: "ومتى صلّيت فلا تكن كالمرائين. فإنهم يحبّون أن يصلّوا قائمين في المجامع" (متى6: 5)، وقول البشير "أما الفريسيّ فوقف".. "وأما العشّار فوقف" (لوقا18: 11و13). ولكن الركوع كان يُلجأ إليه للتعبير عن التأثّر العميق في مواقف دقيقة خطيرة، كما فعل مخلّصنا في بستان جسثيماني حيث "انفصل عن التلاميذ نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلّى". وكذلك فعل بولس عند توديعه قسوس الكنيسة التي وجّهت إليها هذه الرسالة، حين "جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلّى" (أعمال20: 36). وبمقابلة ما جاء في لوقا22: 41 "جثا على ركبتيه وصلّى" بما جاء في مرقس14: 35 "وخرّ على الأرض وكان يصلّي" وبما جاء في متى 26: 39 "ثم تقدّم قليلاً وخرّ على وجهه وكان يصلّي"، جاز لنا أن نستنتج أن جبهة الساجد كانت تلامس الأرض في الصلاة، دليلاًَ على التخشّع التام. ويقول المؤرّخون إنّ الكنيسة الأولى منعت السجود على هذه الصورة في يوم الربّ بحجّة أن يوم الربّ يوم فرحٍ وبهجة، فمن المناسب أن يُمتنع فيه التذلل.

ويلوح لنا، أن بولس اختار السجود "موقفاً" له في صلاته هنا، لخطورة الموضوع الذي جعله هدفاً لصلاته. ولعلّه تحصّن بما جاء في إشعياء45: 23، فاقتبسه في رومية14: 11، وفيلبي2: 10، وعمل بموجبه هنا، :"بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع. إنه لي تجثو كلّ ركبةٍ ويحلف كلّ لسانٍ".

ومع أن حالة المصلّي الجسدية لا تدلّ بالضرورة على حالته الروحية، إلاّ أن الجسد والروح ليسا عدوّين متنازعين، لكنّهما صديقان متلازمان وأخوان متآخيان، فما يؤثّر في أحدهما يكون له أكبر الأثر في أخيه.

(3) المصلّى إليه في نسبته إلى المسيح: "لدى أبي ربّنا يسوع المسيح" ـ هذا تعبير يُراد به إظهار صلة الله الآب بالمسيح في عهد الفداء، وبالتالي صلته بنا نحن المؤمنين في هذا العهد المقدّس. فالمسيح موصوف هنا، باعتبار كونه وسيطنا وشفيعنا.

عدد:15 :

15الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ.

ـ (4) المصلّى إليه في نسبته إلى كلّ عشيرةٍ في السموات وعلى الأرض: (3: 15).

الكلمة اليونانية المترجمة "عشيرة" (باتريا) في هذا العدد، هي من ذات الأصل المشتقّة منه كلمة "اب" (باتر) الواردة في العدد السابق، وهي مجانسة لها في اللّفظ، ويجوز أن تترجم كلّ العبارة حرفياً إلى: "لدى الآب الذي منه تسمى كلّ أبوّة في السموات وعلى الأرض". فالمستفاد من هذا، أنّ الأبوّة الإلهية هي النموذج الأساسي والمثل الأعلى لكلّ أبوّة في السموات وعلى الأرض. فليس بكافٍ أن الأبوّة الإلهيّة اتّحدت كلّ المؤمنين معاً وصاغت منها أخوّة واحدة، لكنّها اتّحدت عشائر السموات بعشائر الأرض وصاغت منهم عشيرةً واحدة. كلّ هذا تمّ في المسيح، كما قال بولس في موضع سابق "لتدبير الأزمنة ليجمع كلّ شيءٍ في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذاك ـ المسيح" (1: 10، كولوسي1: 20).

ويجمل بنا هنا أن نذكر المواضيع التي ذكر فيها الرسول "أبوّة الله" في رسالة أفسس. فقد أشار بولس إلى أبوّة الله سبع مرات أخر في هذه الرسالة: "سلام من الله أبينا وربّنا يسوع المسيح" (1: 2)، مباركٌ الله أبو ربّنا يسوع المسيح" (1: 3)، "أبو المجد" (1: 17)، "في روح واحدٍ إلى الآب" (2: 8)، "إلهٌ وآبٌ واحد" (4: 6)، "في اسم ربّنا يسوع المسيح لله الآب" (5: 20)، "محبة بإيمان من الله الآب" (6: 23).

لا أبوّة حقيقية خارج المسيحية، لأنّ المسيحية هي الديانة الوحيدة التي أعلنت للبشر أبوّة الله بصورة قاطعة صريحة: فلا غرابة إذا كانت أجلّ صلاةٍ في المسيحية، هي تلك التي مطلعها: "أبانا الذي في السموات".

ثانياً: غرض الصلاة (3: 16-19) ... "لكي تمتلئوا"

عدد 16:

16لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ،

ـ (1) طلبات إعدادية لهذا الغرض (3: 16-19).

ـ أ ـ القوة الإعدادية لهذا الغرض (3: 16و17):

(1) تأييدهم بالقوة روحه في الإنسان الباطن (3: 16):

يحدّثنا الرسول في هذا العدد عن خمس حقائق:

ـ أ ـ مصدر القوّة : "لكي يعطيكم"، ـ ب ـ قياس القوة: "بحسب غنى مجده"، ـ ج ـ عمل القوة: "أن تتأيّدوا"، ـ د ـ معدن القوة: "بالقوة روحه"، ـ هـ ـ دائرة فعل القوة: "في الإنسان الباطن".

أ ـ مصدر القوّة: "لكي يعطيكم" ـ يستفاد من هذه العبارة، أنّ القوة الروحية صادرة "من فوق من عند أبي الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظلّ دوران". فهي ليست نتيجة انفعال بشري، ولا هي وليدة إيحاء نفسانيّ ذاتيّ. وإنما هي هبة من الله وعطيّة جزيلة منه تعالى. حقاً قال المسيح في هذا الصدد: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه".

ب ـ قياس القوّة: "بحسب غنى مجده" ـ إن "مجد الله" هو مظهر جلال ذاته وكمالاته، و"غنى مجده" هو ذلك المجد في أكمل صوره وأجمل مظاهره، وأجلّها، وأرفعها، وقد أشار بولس إلى "غنى" هذا المجد في رسالةٍ أخرى معاصرة لهذه، حين قال: "فيملأ إلهي كلّ احتياجكم بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع" (فيلبي4: 19).

قد يُتاح لنا أن نعرف شيئاً عن معنى "المجد" متى قابلناه بالنعمة. فالنعمة هي المجد في البزرة، والمجد هو النعمة في البلوغ. فالله الذي هو غنيّ في النعمة، غنيّ أيضاً في المجد. وإذا كنّا غير قادرين على أن نحيط علماً بغنى نعمته، فكم بالحريّ يكون إعجابنا بغنى المجد!! هذا هو قياس العطايا التي طلبها بولس لأجل المكتوب إليهم. فما أحكمه حين يكتب. وما أحكمه حين يصلّي. فقد بلغ في طلبته هذه أقصى المراد من قول الكتاب: "فغر فاك فأملأه". لأنه لم يطلب لهم مجرّد ملء، بل طلبه لهم في أعلى قياس "حسب غنى مجد الله".

ج ـ عمل القوّة: "أن تتأيّدوا" ـ الكلمة اليونانية المترجمة "تتأيّدوا" تعني القوة والنشاط والثبات (لوقا1: 80، 2: 40، 1كو16: 13) فقد طلب بولس لأجل المكتوب إليهم أن يمتلئوا قوةً وشجاعة كيلا يخافوا ولا يتهيّبوا الاختبارات الروحية الراقية التي تتهيّبها الطبيعة البشرية عادةً، سيّما عند حلول الإله القدّوس في القلب، وسكنه فيه على الدوام، وتسلّطه على جميع حواسّ الإنسان.

د ـ معدن القوّة: "بالقوّة بروحه" . إن القوة المقصودة هنا، هي القوة الروحية التي هي وليدة حلول روح الله القدوس في القلب: "ولكنكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم" (أعمال 1: 8). إنّ للروح القدس مقاماً فريداً في هذه الرسالة. فتأييده لنا في الإنسان الباطن يجعل حلول المسيح في قلوبنا مستديماً. فهو "قائمقام" المسيح في القلب. ففي رسالة رومية8: 9 يقول بولس: "إن كان روح الله ساكناً فيكم"، بينما نسمعه يقول في العدد التالي: "إن كان المسيح فيكم"! فالروح (عدد9) حالّ محلّ المسيح (عدد10) (راجع أقوال المسيح في يوحنا14: 16و18و21و23، 16: 7، 17: 11). فمع أنّ المسيح يقول لتلاميذه إنه "ليس بعد معهم في العالم"، وأنه "خير لهم أن ينطلق" إلاّ أنه قال في موضعٍ آخر "إنه يأتي إليهم" في شخص روحه القدّوس الذي سيحلّ في قلوبهم، ويأخذ مما له ويخبرهم. وفي الرسائل السبع التي يستهلّ بها سفر الرؤيا، نسمع صوت المسيح في نبرات الروح للكنائس.

هـ ـ دائرة فعل القوّة: "في الإنسان الباطن" ـ الكلمة المترجمة "في" تعني: "في أعماق" كأن فعل الروح يتخلّل كلّ الأركان في أعماق الإنسان الباطن. ويُراد بـ"الإنسان الباطن"، الطبيعة الإلهية الجديدة التي تخلق في المؤمن بعد التجديد (رومية7: 22، 2كو4: 16)، ومع أنّ المراد "بالإنسان الباطن" بوجهٍ عام، الإنسان الروحيّ الغير المنظور، إلاّ أنها تعني ـ في رسائل بولس بنوعٍ خاص ـ الإنسان الجديد.

عدد 17:

17لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،

ـ (2): حلول المسيح بالإيمان في قلوبهم (3: 17):

الطلبة السابقة ممهّدة لهذه الطلبة، كما أن هذه الطلبة ممهّدة للطلبة التالية. فتأييد المؤمنين بالروح القدس في إنسانهم الباطن، ممهّد لحلول المسيح بالإيمان في قلوبهم.

في هذا العدد تتجلّى أمامنا ثلاث حقائق: (أ) حلول المسيح، (ب) موطن حلول المسيح، (ج) وسيلة المتمتّع بحلول المسيح.

(أ) الحقيقة الأولى: "حلول المسيح في القلب": من المهمّ أن نذكر أن المكتوب إليهم ـ وبالتالي المصلّى لأجلهم ـ أمميون. وقد ينفعنا أن نذكر أن الرسول حدّثهم فيما سبق من هذه الرسالة (1: 13، 2: 10) عن حقيقة كونهم "في المسيح"، فمن الطبيعي أن يريهم في هذه الآية، الحقيقة الأخرى المكمّلة لها: وهي ـ حلول "المسيح فيهم".

لقد قرر الرسول في رسالته إلى كولوسي (1: 27)، أنّ حلول المسيح في قلوب الأمميين هو منتهى العجب في قصد الله الأزليّ: "الذين أراد الله أن يعرّفهم ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم الذي هو المسيح فيكم رجاء المحبّة". فحلول المسيح في قلب المؤمن، في هذه الحياة، هو رجاء المجد في الخلود.

وردت كلمة: "المسيح" ـ في الأصل ـ معرّفة بأداة التعريف، كعادة الرسول في هذه الرسالة، فلعلّه أراد "مسيا" النبيّ، والكاهن، والملك (1: 10و12و20، 2: 5و13، 3: 4و18و19، 4: 7و12و13و20، 5: 2و5و14و23و25، 6: 5). إنّ الروح القدس الحالّ في قلب المؤمن يشهد له باستمرار، بحلول المسيح الدائم فيه، فيمتلئ المؤمن شجاعةً وثباتاً وإقداماً لعلمه أن المسيح حيّ في كلّ حين، "فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام".

إن كلمة "يحلّ" تعني الاستقرار المتسمرّ، والسكن الدائم. فهي مجانسة للكلمة التي ترجمت إلى "مسكن" في 2: 22 من هذه الرسالة. وقد وردت في 2بطرس 3: 13 بهذا المعنى عينه: "ولكننا بحسب وعده ننتظر سمواتٍ جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البرّ".

(ب) الحقيقة الثانية: موطن حلول المسيح: "في قلوبكم". هذه العبارة مجانسة لقوله: "الإنسان الباطن" في العدد السابق. وإن شئتَ قلْ، إن القلب هو مركز الدائرة في الإنسان الباطن، وهو عرشه الأعلى، الذي يتبوّأه المسيح نبياً، وكاهناً، وملكاً. وبما أنّ القلب، في لغة الكتاب، هو مركز الفهم، والشعور، والعزيمة، والوجدان، فمن الواجب إذاً أن نحبّ المسيح بالعقل، والعاطفة، والإرادة، والضمير (تكوين20:5، تثنية4: 39 وإشعياء6: 10، مرقس11: 23، لوقا21: 14، أعمال11: 23، رومية5: 3، 1كو2: 9، يعقوب1: 26، 1يوحنا3: 20، أفسس1: 18). لا يكفي أن يكون المسيح في عقولنا، بل يجب أن يكون في قلوبنا. ولا يكفي أن يكون في أيّ مكانٍ من قلوبنا، بل على عرشها.

(ج) وسيلة التمتّع بحلول المسيح: "بالإيمان". هذا هو الإيمان الحيّ، المتجدّد كلّ يوم، الذي هو وسيلة تبريرنا، وتقديسنا، وتمجيدنا. ليس هذا إيمان من يرى المسيح مرة فيكتفي بهذه اللّمحة كمن يلقي نظرةً على صورةٍ جميلة ثم يتحوّل عنها، وإنما هو إيمان النظر المستديم، والتملّي المستمر بطلعته البهيّة، فلا تتحوّل عنه عين الإيمان لحظةً. وبقدر ما يكون إيماننا بالمسيح مستمراً، يكون حلوله في قلوبنا مستديماً. هنا ينطبق القول الجليل: "بحسب إيمانك يكون لك". إن هذا الإيمان هو الثقة التي بها نقبل المسيح، وندخله إلى قلوبنا بالطاعة والولاء له (يوحنا14: 21و23 ورؤيا3: 14). هذا هو الإيمان الشخصيّ، العملي، الفعّال.

يميل بعض المفسّرين إلى اعتبار كلمة: "في المحبة" التي في العدد الآتي جزءاً من هذا العدد. ونميل نحن إلى إبقائها في موضعها.

عدد 18:

18وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ،

ـ ب ـ المعرفة الإعدادية لهذا الغرض (3: 18و19 أ):

(أ): إدراك العرض والطول والعمق والعلوّ (3: 18):

قرّر الرسول في هذه الآية ثلاث حقائق متعلّقة بالمؤمنين: الحقيقة الأولى: مؤهّلاتنا: "وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبة". الحقيقة الثانية: معيّتنا: "مع جميع القديسين". الحقيقة الثالثة: دراستنا: "حتى تستطيعوا أن تدركوا ما هو الطول...".

الحقيقة الأولى ـ مؤهّلاتنا: "وأنتم متأصّلون ومتأسّسون في المحبة". لا يمكننا أن ندرك شيئاً عن المحبة إلاّ إذا كنّا متأصّلين ومتأسسين في المحبة. فالمحبة درس عمليّ لن يقوى على تفهّمه إلاّ من يمارسه عملياً. وهي سلّم رفيعة لن يبلغ الإنسان منها درجةً عليا إلاّ بعد اجتيازه الدرجة التي تحتها. وهي مدرسة راقية لن يفهم الإنسان درساً منها إلاّ بعد تمكّنه من الدروس السابقة. وقد استعمل الرسول كلمتين للتعبير عن هذا التمكّن: "متأصّلون" "ومتأسّسون". الكلمة الأولى مستعارة من النبات، والثانية مستعارة من البناء. فالمستفاد من الكلمة الأولى، هو: أنّ المؤمنين أشجار حية. والمستنتج من الكلمة الثانية: أنهم "هيكل حيّ" (2: 22). الاستعارة الأولى: "متأصّلون" يدعمها ما جاء في مزمور1: 3، 92: 12، 13 وأرميا17: 8 عن المؤمن: "يكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه" "الصديق كالنخلة يزهو كالأرز في لبنان ينمو مغروسين في بيت الربّ في ديار إلهنا يزهرون" "يكون كشجرةٍ مغروسة على مياه وعلى نهر تمدّ أصولها ولا ترى إذا جاء الحرّ ويكون ورقها أخضر وفي سنة القحط لا تخاف ولا تكفّ عن الإثمار". والاستعارة الثانية: "متأسّسون" يدعمها ما جاء في كولوسي2: 7 "متأصّلين ومبنيين فيه وموطّدين في الإيمان"، وكولوسي1: 23 "إن ثبتم على الإيمان متأسّسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل".

أما التربة التي فيها يتأصّلون وعليها يتأسّسون، فظاهرة في قوله "في المحبة". ولقد تساءل الأسقف موليه عمّا إذا كانت هذه محبة الله للناس أم محبة الناس لله؟ فالتمس الجواب من ألفورد الذي قال: "هي المحبة بوجهٍ عام". فهي دائرة واحدة: نصفها الأول محبّة الله للناس، ونصفها الثاني محبة الناس لله. أو هما دائرتان متراكزتان، الدائرة الداخلية هي محبة الله للناس، والدائرة الخارجية هي محبة الناس لله، فالأولى أساس الثانية وعلّتها، والثانية مظهر الأولى وثمرتها. غير أن المحبة الأولى هي أقرب إلى قصد الرسول من الثانية (1: 4)، فهي غذاء الحياة الروحية، وقوامها، وتاج مجدها، وإكليل عمادها.

إذا كنا متأصّلين ومتأسسين في المحبة، فنحن متأصّلون ومتأسسون في المسيح لأن "محبة الله" أُعلنت لنا "في المسيح يسوع ربّنا" (رومية8: 39).

هذه هي المؤهّلات التي على المؤمن أن يكون حاصلاً عليها إذا أراد أن يدرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو. ولن يحصل على هذه المؤهّلات إلاّ بالإيمان بالمسيح (عدد 17). فالاختبار المتضمّن في غرّة هذا العدد (عدد 18)، مؤسس على الاختبار الموصوف في العدد السابق (عدد 17)، وممهّد للاختبار المذكور في نهاية هذا العدد (عدد18).

(ب) الحقيقة الثانية: معيّتنا: "مع جميع القديسين". في هذا العدد، ينظر الرسول إلى المؤمن، لا كأنه فرد مستقلّ بذاته، بل باعتبار كونه عضواً في جسم حيّ، بل جزءاً لا يتجزّأ من جسد المسيح الحيّ، الذي هو الكنيسة (رو12: 5). فمع أن كلّ عضو في الجسم، يقوم بنصيبه في إدراك شيء من العرض والطول والعمق والعلوّ، إلاّ أن نصيبه وحده من هذا الإدراك محدود غاية المحدودية، فلا يُتاح له أن يرى غير جزءٍ يسير من كلّ جانب. فلن يمكنه أن يدرك كلّ "الحقّ" من جميع نواحيه إلاّ إذا ضمّ ما عرفه هو، إلى ما عرفه سائر القديسين، سواء أكانوا عائشين على هذه الدنيا ـ فيتّصل بأشخاصهم، أم مستريحين في عالم الخلود فسجّلوا اختباراتهم في بطون الكتب والأسفار. إنّ "الحقّ" السماوي كقطعة من "الماس" لها أوجه كثيرة ولكلّ وجهٍ جمال خاص، وإشعاع ممتاز، فلا يمكن أن يلمّ المرء بجمال الماسة الكامل، إلاّ إذا نظر إليها من جميع وجوهها. وبما أن "الحقّ الإلهيّ" أوسع من أن يحيط به إنسان فرد، مهما يكن فذاً، فمن الضروري له أن يغني موسوعة معلوماته، بمعلومات الآخرين، وأن يخصب تربة اختباراته بخلاصة اختبارات "جميع القديسين".

قصد الرسول بكلمة "قديسين" ما أراده بها في غرّة هذه الرسالة، فأطلب تفسيرها هناك.

من هذا يتبيّن لنا أن معرفة المقاصد الإلهية، حقٌّ يملكه جميع المؤمنين معاً (كولوسي1: 26)، وأن جميع القديسين كتلة واحدة، حية، لا تتجزّأ.

(ج) الحقيقة الثالثة: دراستنا: "حتى تستطيعوا أن تدركوا... ما هو العرض والطول والعمق والعلوّ". الكلمة المترجمة "يدرك" تعني في اللغة الأصلية الفهم العقليّ المبنيّ على التحقيق والتمييز بالبصيرة. وقد وردت في أعمال4: 13، 10: 34، 25: 15. إنّ هذا الإدراك يستلزم قوة خاصة ممهّدة له، كما يتبيّن من القول "حتى تستطيعوا"، وكما جاء في العدد السابق "أن تتأيّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن". هذا إدراك روحيّ لا يقوى عليه إلاّ الروحيّون المستنيرة عيون أذهانهم.

أما موضوع هذه الدراسة التي على المؤمنين أن يدركوها، فظاهر في قوله: "ما هو العرض والطول والعمق والعلو". فما هو هذا الأمر الذي على المؤمنين أن يدركوا عرضه، وطوله، وعمقه، وعلوّه؟ يعتقد الدكتور أرمتاج روبنسون أن موضوع هذه المعرفة هو تدبير الفداء الذي سبق الرسول فذكره في الأصحاح الأول من هذه الرسالة: "لتعلموا ما هو رجاء دعوته، وما هو غنى مجد ميراثه في القديسين، وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين". فقوله: "ما هو رجاء دعوته" يعين الطول. وقوله: "غنى ميراثه" يعين العرض. والعبارة: "نحونا نحن المؤمنين" تفيد العمق. وقوله: "ما هي عظمة قدرته" يُرينا العلو. ولكننا نعتقد مع غالبية المفسّرين. أن موضوع هذه المعرفة، هو ما ذكره بولس في العدد التالي: أعني المحبة الإلهية التي عبر عنها الرسول بقوله : "محبة المسيح الفائقة المعرفة". هذه هي المحبة التي سبقت هذا القول، ولحقته، فلا غرابة إذا كان الرسول لم يُعد ذكرها بعد قوله: "أن تدركوا مع جميع القديسين"، لا تغافلاً ولا تجاهلاًَ، بل لأن حذف المعلوم جائز.

ويقول الدكتور جراهام سكروجي متسائلاً: "هل يقصد الرسول كنيسة المسيح ـ التي هي هيكل الله؟ إن كان الأمر كذلك، فإن عرضها هو جميع الأمم التي تنضوي تحت لوائها، وطولها هو قصد الله السرمديّ من جهتها، وعمقها هو مهاوي الشرّ والرذيلة التي منها اختيرت وأخذت، وعلوّها هو الأمجاد السماوية التي رتّبها الله لها. أم هل يعني بولس تدبير الله الفدائي، باعتبار كونه قصداً شاملاً، وأزليّاً، مغيّراً، وفعّالاً؟ غالباً جداً يقصد الرسول "محبة الله الفائقة المعرفة". وعلى هذا الاعتبار نحسب أن عرض المحبة هو سعتها ورحابتها حتى ضمّت العالم بين ذراعيها: "هكذا أحبّ الله العالم". وطولها، هو مدى صبرها وطول أناتها على الخطاة حتى يبرّروا، ويتقدّسوا، ويتمجّدوا. فهي محبة ممتدّة من الأزل إلى الأبد: "محبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة". وعمقها هو مقدار تنازلها إلى مهاوي الأرض السفلى، حيث طوّحت الخطيّة بالناس في ظلمات الشرّ واليأس. وليس في إمكان أحدٍ أن يقدّر عمق اتّضاع محبة المسيح إلاّ إذا استطاع ـ وهيهات ـ أن يقيس المسافة الشاسعة الممتدّة بين العرش... والمذود، بل بين العرش... والصليب. وقد يُقاس عمق محبة الله بمقدار البذل الذي تكبّدته: " هكذا أحبّ الله... حتى بذل". وأما علوّها فهو ذات عمقها من حيث القياس ـ إذا صحّ أن لهذه المحبة قياساًَ. فمن المعلوم أن عمق الشيء هو علوّه، إلاّ أن العمق ينظر إليه من أعلى إلى أسفل، وأما العلو فينظر إليه من أسفل إلى أعلى. فعلوّ المحبة الإلهية يُقاس بمقدار الفارق العظيم بين الحالة التعيسة التي كان عليها الخطاة قبل أن تدركهم المحبة، وبين الحالة المجيدة السامية التي رُفعوا إليها بعد أن انتشلتهم المحبة من وهدة الشرّ والرّذيلة والهلاك.

اهتمّ كثير من المفسّرين الأقدمين بالتعليق على هذه الآية: فسفريانوس (في القرن الرابع) رأى صورة الصليب مرتسمةً عليها ـ لاهوت المسيح هو العلو، وناسوته هو العمق، وخدمة الكنيسة التبشيرية في اتّساعها وطولها تُشير إلى العرض والطول. وإيرونيموس (في القرن الخامس) حسب أن العلوّ يعني الملائكة الأطهار. والعمق يعني الملائكة الساقطين، والطول يعني جمي البشر الصاعدين على درجات التقدّم إلى الكمال، والعرض يعني جميع البشر الهابطين إلى دركات الشرّ والضّلال، بانياً هذه العبارة الأخيرة على قول المسيح: "واسعٌ هو الباب ورحبٌ الطريق الذي يؤدّي إلى الهلاك كثيرون هم الذين يدخلونه" (متى7: 13). وفوتيوس (في القرن التاسع) يعتقد أن الرسول يقصد "سرّ الخلاص المجانيّ بالمسيح للأمم، ولسائر الجبس البشريّ. فهو طويلٌ لأنه مقضيّ به منذ الأزل، وعريضٌ لأنه يضمّ الجميع، وعميقٌ لأنّ المسيح نزل بسببه إلى أقسام الأرض السفلى، وعالٍ لأن المسيح صعد بعد إتمامه إلى السموات العليا.

أضف تعليق


قرأت لك

لا تهمل تحذير الله ولا تؤجّل

قرر الأعداء اغتيال أحد ملوك اليونان القدماء، فأرسل له صديقه تحذيراً، طلب فيه منه أن يقرأه فوراً، لأن الأمر خطير. فقال الملك "الأمور الخطيرة تستطيع أن تنتظر إلى الغد". واستمرّ الملك في لهوه ومجونه. وفي تلك الليلة اغتيل الملك ولم يكن له غد!. "لا يتباطىء الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ لكنه يتأنى علينا وهو لا يشاء أن يهلك أناس بل أن يقبل الجميع إلى التوبة" (2 بطرس 9:3). الله قدّم الكثير من التحذيرات في عدة مراحل من التاريخ وعبر كثير من الأجيال وهو دائما جدي وتصريحاته مسؤولة، لهذا أدعوك أن تأخذ تحذيرات الكتاب المقدس على محمل الجد ودون أن تؤجل بل:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة