تفاسير

المسيحي والوحدانية المقدّسة

القسم: رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس.

وحدانية في تنوّع

(4: 6-1).

بعد أن علّم الرسول المكتوب إليهم وأرشدهم. شرع في أن يستحثّهم ويناشدهم. ولا يغرب عن أذهاننا، إنه وإن يكن القسم الأول من هذه الرسالة خاصاً بالإعلان والإرشاد، والقسم الثاني مفعماً بالحضّ على حسن السلوك وحياة الجهاد، إلاّ أن القسم الأول لا يخلو من الحثّ والتحريض، كما أن القسم الثاني لا يخلو من التعليم والإلهام.

(عدد1) :

1فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا.

(1) نقطة الارتكاز في هذا الفصل (4: 1)

يعتبر هذا العدد نقطة الارتكاز في هذا القسم العملي من الرسالة، وهو ينجلي عن ثلاثة أمور مهمة:

أولها: الطالب: "فأطلب إليكم....". الكلمة الأصلية المترجمة "أطلب" تنمّ عن الحثّ المصحوب بشيء من الاستعطاف. ويمكننا أن نقدر هذا الاستعطاف متى ذكرنا ذلك الشخص العظيم، الذي تقدّم إلى المكتوب إليهم بهذا الطلب، وهو الذي ضحّى براحته وحريته في سبيل إنجيل خلاصهم. وفوق ذلك، فهو يطلب منهم بوجه حقّ، لأنه إنما يطلب حقاً مرتكزاً على ما أعطاهم إياه من المعلنات الإلهية الجليلة. على أن نقطة الارتكاز ليست منبثة في العدد كلّه، بل مرتكزة في حرف "الفاء" (انظر رومية 12: 1، كولوسي3: 1).

ثانيها: موقف الطالب: "أنا الأسير في الربّ". أضحى بولس أسيراً مكبّلاً بالسلاسل، مقيّداً بالأغلال، بسبب اتحاده بالربّ يسوع المسيح وحمله إنجيل كرازته للأمم. فهو إذاً أسير حبّ الفادي، بل أسير إنجيل فدائهم، فهو بالتالي أسير المسيح لأجلهم (3: 1). غير أنّه لم يذكر هذه العبارة ليستدرّ عطفهم عليه، فقد كان محتملاً كلّ آلامه شاكراً مسروراً. لكنّه أراد أن يستمدّ من أسره، حجة قوية تحملهم على إجابة رجائه وتلبية ندائه. لأنّ الإنسان يتسلّط على الآخرين بمقدار حبّه لهم وتضحيته لأجلهم "فطالما استعبد الإنسان إحسان".

ومن المشجّع لنا أن نذكر أن بولس لم يخجل قطّ من قيوده، بل كان يفخر بها. فلا الأساور المرصّعة التي تزيّن معاصم العرائس، ولا "النجوم" اللّوامع التي تزيّن كتف البطل المغوار الذي خرج من المعركة مكللاًَ الغار ـ لا هذه ولا تلك ـ بمساوية للسلاسل الحديدية التي كانت تطوّق إحدى قدمي بولس وإحدى يديه. ومن الجائز، أن الحجّة التي أراد الرسول أن يستمدّها من قيوده، تسير على هذا النسق: "يا أبنائي الأعزاء! ها أنا الآن أسير، فلا أملك حرية الانتقال الانتقال إليكم. ولكن يمكنني أن أتّصل بكم عن طريق الكتابة بقلمي، وعن طريق الصلاة بروحي. ومع ذلك فإني واثقٌ من أنّكم تقدّرون طلبي إليكم وأنا غائب عنكم بسبب أسري، بأكثر مما تقدّرونه لو كنت حاضراً معكم بالجسد. سيّما وأنني لست أسير خطأ ارتكبته إلاّ إذا كان هذا الخطأ هو كرازتي لكم وحملي بشرى إنجيلكم".

رأى بعض المفسّرين الأوّلين مثل يوحنا فم الذهب، وسملر، أن يصلوا قول الرسول: "في الربّ" بقوله: "أطلب إليكم" ـ أي أنه ناشدهم باسم الربّ ولأجل الربّ. لكن وضع الجملة في اللغة الأصلية يجعل قول الرّسول "في الربّ" وصفاً لقوله: "أنا الأسير"، أي أنه أسير بسبب اتّحاده بالربّ، وهو في أسره متقوٍّ وغالب، لأنه "في الربّ" الظافر على جميع القوات بما فيها السجون والظلمات.

ثالثها: ماهية الطلب: "أن تسلكوا كما يحقّ للدعوة التي دُعيتم بها". لم يطلب الرسول منهم تقدمة مالية، ولا رغب إليهم أن يفوهوا بمواعظ بليغة بل طلب منهم تقديم أنفسهم على مذابح الحياة اليومية، في السلوك القويم. هذا أصعب طلب، وأيسر طلب. فهو أصعب طلب لأنه يكلّف أعزّ تضحية ـ الذات والإرادة، لله. وهو أيسر طلب لأنّ كلّ إنسان يقوى عليه، فلا حقّ لفقير أن يعتذر بعدم وفرة موارده، ولا لعييّ أن يستعفي بسبب عقدة في لسانه، أو افتقاره إلى عوزٍ في حدّة جنانه، لأن كلّ إنسان يقدر أن يسلك ـ سيّما متى ترك دور الطفولة.

"أن تسلكوا كما يحقّ للدّعوة التي دُعيتم بها: ـ هذا يُماثل قول الرسول في مواضع أخرى "أن تسلكوا كما يحقّ لإنجيل المسيح" (فيلبي1: 27)، "أن تسلكوا كما يحقّ للربّ" (كولوسي1: 10)، "أن تسلكوا كما يحقّ لله" (1تس2: 12). أما "الدعوة" التي تدعو بها، فهي دعوتهم للخلاص بالمسيح يسوع، حين سمعوا كلمة الإنجيل وقبلوها (انظر1: 18).

لا يغرب عن بالنا، أنّ كلّ سلوك، وإن سما وارتقى، لا يمكن أن يكون لائقاً بالدعوى التي دُعينا بها. فالرسول هنا، يتكلّم عن حالة كمالية، يجب أن نسعى إليها وأن نضعها نصب أعيننا، ولكن إن خبنا عنها بسبب قصور أو تقصير، فلا نفشل، لأنّ لنا عند الآب "شفيعاً هو يسوع المسيح البار".

إن بداية الحياة المسيحية سامية راقية، لأنها متّصلة بالدعوة الإلهية السماوية، لذلك يجب أن تكون سامية راقية في طرفها الآخر الذي هو الحياة العملية. فإذا كان على الماء أن ترتقي إلى المستوي الذي منه نبعت، فمن أوجب واجباتنا أن نرقى بحياتنا العملية، إلى مستوى دعوتنا الإلهية هذا يعلّل قول الرسول مرات عديدة في رسائله: "لا يليق","يليق"، "يحقّ", "يوافق", "لا يوافق". لأنه وضع نصب عينيه مثلاً أعلى، من واجب الإنسان أن ينسج عليه، وأن يسعى دائماً إليه. فالمثل الأعلى يضبط الحياة العملية، والحياة العملية تترجم عن حقيقة المثل الأعلى.

إن الوحدة البشرية الجامعة، التي يراها بولس متوّجة القصد الإلهي، قد تمّت في المسيح، وهي به قائمة. فمن أوجب الواجبات أن تتحقق على الأرض بواسطة كنيسته التي هي جسده على الأرض. فعلى أعضاء كنيسة المسيح أن يحتفظوا بهذه الوحدانية، وأن يحرصوا عليها، مخافة أن يذهب شيء بجمالها: أو أن يعبث بها عابث. فيما أن أعضاء كنيسة أفسس، وسائر المؤمنين، قد اختيروا لهذه الوحدة المشتركة، وصاروا فيها أحجاراً حية في هيكل المسيحية، وأعضاء في جسد المسيح على الأرض، فمن واجبهم أن يكيّفوا سلوكهم وفق هذه الدعوة، وأن يرتقوا إلى مستواها العالي الرفيع.

عدد3 ـ (2) النية التي يجب أن يتسلّحوا بها (4: 2):

2بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي الْمَحَبَّةِ. 3مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.

كنا ننتظر أن الامتيازات الجليلة السامية التي نادى بها الرسول في الأصحاحات السابقة، تبعث في المؤمنين روح التعظّم والكبرياء، ولكن الأمر عكس ذلك على خطّ مستقيم. فهي تثمر تواضعاً ووداعةً، لأنها ليست امتيازات كسبناها بأعمالنا واستحقاقنا، وإنّما هي امتيازات أغدقتها علينا النعمة عفواً وفضلاً، فهي إذاً ديون وفيرة، ثقّلت بها النعمة كواهلنا، فصرنا بها مضطرّين إلى أن نسير منحنين متواضعين، لا متعالين متشامخين. ويجمل بنا أن نذكر أن بولس نطق عن يقين، لأنه إنما يتكلّم عن اختبار شخصيّ. فهو لا يحمّل المكتوب إليهم أحمالاً ثقيلةً، لا يستطيع هو أن يحرّكها بأصبعه، بل يكلّفهم بما قام به هو فيما بينهم، عفواً وعن طيب خاطر. فلنذكر قوله لقسوس كنيسة أفسس في خطابه الوداعيّ: "أنتم تعلمون من أول يوم دخلتُ آسيا كيف كنت معكم كلّ الزمان أخدم الربّ بكلّ تواضع..".

في هذا العدد، أوضح الرسول: أ ـ النية الصالحة التي يجب أن يتسلّح بها جميع المؤمنين: "بكل تواضع ووداعة وطول أناة" .

ب ـ واجب المؤمنين نحو بعضهم بعضاً: "محتملين بعضكم بعضاً.

ج ـ الجوّ الروحيّ الذي يجب أن يسود جميع المؤمنين: "في المحبة".

أ ـ النيّة الصالحة التي يجب على المؤمنين أن يتسلّحوا بها:

تواضع، وداعة، طول أناة ـ ثلاث صفات جميلة يجب أن يتحلّى بها كلّ مؤمن، فتتجلّى في كلّ حركاته وسكناته. وتكون هي الطابع الخاص الذي به يتميّز سلوكه.

فالتواضع هو معرفة الإنسان نفسه وشعوره بعجزه وعدم استحقاقه نعمَ الله ومراحمه. والوداعة هي تنازل الإنسان عن حقوقه. وطول الأناة هو تذرّعه بالصبر تجاه المكاره. فالتواضع يعيّن موقف الإنسان تجاه الله وبركاته. والوداعة تعين موقف الإنسان إزاء نفسه وحقوقها. وطول الأناة يعين موقف الإنسان تجاه الآخرين وأثقالهم. وجديرٌ بالملاحظة أن المسيح قال عن نفسه: "لأني وديعٌ ومتواضع القلب.. لأن نيري هيّن".

"التواضع": الكلمة اليونانية المترجمة "تواضع" تعني تقديراً ثابتاً للنفس في حقيقتها ـ كدت أقول في حقارتها ـ فهي حالة نفسية يجب أن تكون مستمرّة ومستقرّة. فلئن كان اليونان قد نادوا بالتحلّي بالتواضع، على اعتبار أنه صفة ممتازة يجمل المرء أن يتحلّى بها عند الضرورة، إلاّ أنها ليست كذلك في كلّ الحالات. لكن بولس يعلّمنا أن التواضع صفة مسيحية يجب أن يتحلّى بها المؤمن في كلّ زمان ومكان. وهي تعني اعتمادنا الكليّ على الله، وتعلّقنا الدائم به كأولاد لا غنى لهم عن أبيهم الذي هو مصدر حياتهم.

"الوداعة": والكلمة المترجمة "وداعة" تعني التسليم لله في الضيقات، والخشوع لمشيئته في الملمّات. ويقول ترنتش إن الوداعة ترتكز على الأسس والأصول التي تهيّئها لها صفة التواضع. فهي صفة، إلى حدّ ما، أرقى من صفة التواضع أو هي بناء مقام أساسها.

"طول الأناة": ربط الرسول هذه الصفة بالوداعة في هذه الرسالة كما في غلاطية5: 22 وكولوسي3: 12. إنّ طول الأناة يحفظنا من التعجّل في الكم، فلا نحكم في شيء قبل الوقت، بل نقدّر النتائج قبل وقوعها. فيسهل على المرء أن يسلّم لله الذي يقضي بعدل. وجدير بالملاحظة أن الشخص الطويل الأناة، يحسب حساباً للأبدية، ويجعلها عنصراً مهماً في تفكيره وتصرّفاته. وإذا جازت المقارنة بين الصفات، فإنّ هذه الصفة أرقى من سابقتها بقدر ارتقاء سابقتها عن الصفة الأولى. فكأن الرسول وضع هذه الصفات الثلاث على نسق تدرّجيّ متصاعد: تواضع، وداعة، طول أناة. فهو كشخص دخل إلى الهيكل المقدّس، فمرّ أولاً بالدار، ثمّ بالقدس، حتى وصل إلى قدس الأقداس. ومن دلائل تسامي هذه الصفة على سابقتيها، كونها استعملت في أكثر المرات كصفة للذات العليّة، ونسبتها إلى الله أكثر من نسبتها إلى الإنسان (رومية2: 4و 9: 22، 1تي1: 16، بط3: 20، 2بط3: 15).

ب ـ واجب المؤمنين نحو بعضهم بعضاً: "محتملين بعضكم بعضاً". إن الصفات الثلاث التي مرّت بنا، ممهّدة لهذا الواجب المطلوب منا. فهي له بمثابة الأساس للبناء، والبزرة للشجرة. فبالتواضع، والوداعة، وطول الأناة يمكننا أن نحتمل بعضنا بعضاً. هذا واجب متبادل "محتملين بعضكم بعضاً"، لأن أوجه الضعف متبادلة، فمن الواجب أن يكون الاحتمال متبادلاً. فما من مؤمن حقيقي يكون على الدوام مسيئاً، أو يكون مساءً إليه باستمرار من غير أن يُسيء هو إلى أحد. بل المسيء اليوم قد يكون مُساء إليه غداً. فكما أنه ينتظر من الآخرين أن يحتملوه إذا هو أساء، كذلك من واجبه هو أن يحتمل الآخرين إذا هم أساؤوا إليه.

فالمؤمنون بالنسبة لبعضهم لبعض، كأحجار متماسكة في بنيان مرصوص يشدّ بعضها بعضاً، وهم أيضاً أعضاء في جسدٍ واحد، فعليهم أن يتعاونوا. ومن أقوى البواعث على هذا الاحتمال المتبادل، أن يذكر كلّ مؤمن أنه هو ثقل عظيم على النعمة، ولو أنّ النعمة، ولو أن النعمة لا تشكو قطّ من هذا الثقل! وأكبر الظنّ، أنها لا تشعر به، فهي شبيهة بمخلوق عجيب، له ألف عين، وألف يد، وألف قدم، ولسان واحد ـ فهو يخدم باستمرار، ليل نهار، وفي نهاية اليوم يقول: "ما عملت شيئاً"!.

فلنحتمل بعضنا بعضاً، لأننا في احتمال الآخرين نحمل أنفسنا ونحن لا ندري. فالناظر إلى الكتل الحديدية التي يتركّب منها "الجسر المعلّق" قد يعجب إذ يرى كأن هذه الكتل الحديدية معلّقة في الفضاء، لكنّ عجبه يزول، متى عرف أنها بضغطها على بعضها البعض، واحتمال بعضها البعض، تحمل نفسها وهي لا تدري.

ج ـ الجوّ الروحيّ الذي يجب أن يسود جميع المؤمنين: "في المحبة" هذا هو الجوّ المقدّس الذي يجب أن يسود كلّ العلائق التي بين المؤمنين: "في المحبة". بهذا يسهل كلّ عسير، ويُحتمل ما لا يُحتمل، ومن لا يحتمل. في هذا يختلف الاحتمال الناشئ عن الضعف والخنوع وعدم القدرة على المقاومة، عن الاحتمال الذي تُنشئه المحبة، وتغذّيه، وتُنضجه، وتتوّجه.

عدد3 ـ (3) وحدانية الروح، وواجب المؤمنين إزاءها (4: 3):

هذه أول إشارة صريحة في هذه الرسالة إلى وحدانية الروح، وفيها تكلّم الرسول عن: (أ) طبيعة هذه الوحدانية: "وحدانية الروح"، (ب) واجبنا إزاء هذه الوحدانية: "مجتهدين أن تحفظوا... برباط السلام".

أ ـ طبيعة هذه الوحدانية: "وحدانية الروح". هذه هي الوحدانية المقدّسة التي ينشئها الروح ويقوّيها، ويغذّيها، ويجعل كلّ المؤمنين واحداً في المسيح، وإيجاد اتّحاد حيّ مكين بين المؤمنين وبعضهم البعض، فهي ليست مجرّد وحدانية جغرافية، مكانية، كوجود جثتين جنباً إلى جنب في قبر واحد. بل هي وحدانية حياة، لأنّ الروح القدس هو روح الحياة. ولا هي مجرّد وحدانية التساند والتعاضد، كوجود حجرين جامدين جنباً إلى جنب إلى جدار واحد مثلما يتعاضد اللصوص على عمل غير شريف، بل هي وحدانية الرابطة الحية الشريفة، الكائنة بين أعضاء حية في جسم حيّ، يتوّجها جميعاً رأس واحد حيّ، ولا هي وحدانية التشابه والتجانس في كلّ شيء، كارتباط حلقات متشابهة في سلسلة واحدة، وإنما هي تآلف العناصر المنوّعة التي يؤلّف بينها قصد إلهيّ واحد، مثلما تجتمع الأصوات الموسيقية المتباينة لتؤلّف نغمةً واحدة، أو كما تأتلف ألوان قوس السحاب المتباينة لتكوّن نوراً واحداً، أو كما تتّحد الأعضاء المتباينة ـ ولكلّ عضو مكانته ـ في جسدٍ حيّ واحد. فقد يختلف أعضاء الكنيسة الواحدة في الرأي من جهة أمر ما، لكنّ الروح القدس يوحّد ما بينهم، متى كانت قلوبهم متآلفةً في الجوهر. ولا هي مجرّد وحدانية عقلية نفسية، وإنما هي الوحدانية يُنشئها الروح القدس بالذات، فهي وحدانية مؤسسة على شركة الروح.

ب ـ واجبنا إزاء هذه الوحدانية: "مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام". النقطة المركزية في هذا الواجب، هي قوله: "أن تحفظوا". وأما كلمة "مجتهدين" السابقة لهذا القول، فهي تعني الروح الذي به نؤدي هذا الواجب المقدّس على أتمّ وجه. والعبارة "رباط السلام" التي بها يُختتم العدد، ترينا الوسيلة التي بها نؤدي هذا الواجب.

أولاً: واجبنا "أن تحفظوا". إننا نحمد الله لأن هذه الوحدانية موجودة حقاً وفعلاً. فليس من واجبنا أن نخلقها خلقاً، ولا أن نوجدها من العدم لأنّ كلّ واحدانية يوجدها البشر مهما سمت مراكزهم، إنما هي وحدانية ميتة، عاطلة، زائفة. ما أشبهها بالجسم الميكانيكي الذي يصنعه مهندس بشريّ، أو بالزهور الصناعية التي تحيكها يد إنسان ماهر أو آلة ميكانيكية صمّاء. لكن هذه الوحدانية المقدّسة هي من عمل ربّ الحياة والقوة، وما علينا نحن البشر إلاّ أن نحافظ عليها. فهي تُكشف ولا تُخترع. وطوبى لمن يستطيع أن يراها بعين الإخلاص، ويغذّيها بقلب المحبة، وينهضها بروح التضحية وإنكار الذات. فعلى المؤمنين أن يحفظوا هذه الوحدانية من كلّ تحزّب، وشقاق، ومن روح الأنانية، وحبّ السيادة.


[1] - تحدّث معلّمو اليهود قديماً في تلمودهم عن سمائين، وسبع سموات. وحدّثنا بولس نفسه عن ثلاث سموات (2كو12: 2)، إشارةً إلى محضر الله. والمراد بقوله جميع السموات" أن المسيح استوى على العرش فوق كلّ الكائنات.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

تصالحوا مع الله

رفض الشاب ان يصالح اباه رغم توسّلات أمّه ودموعها. وفي احد الايام مرضت الام واشتدّ المرض .. فأتى الشاب والاب ليروا الام وهي تمسك يد الاب بيدها اليمنى ويد الابن باليد الاخرى ثم لفظت أنفاسها الأخيرة وماتت. وقف الاثنان لحظات ثم انفجر الشاب بالبكاء وعانق أباه. كان موت الام سبب مصالحة وسلام بين الأب وابنه، هكذا موت المسيح صالحنا مع الله.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة