تفاسير

الفَصلُ الأوَّل الكِتابُ المُقدَّسُ وتَنظِيمُهُ

القسم: تكوين، خروج.

تَنظِيمُهُ

بعدَ أن رأينا ما هُوَ الكتابُ المُقدَّس، دَعْنا ننظُرُ الآن إلى كيفيَّةِ تنظِيمِهِ. على خِلافِ ما يُمكِنُ أن تتوقَّعَهُ، لا تأتي الأسفارُ بالتَّرتيبِ التَّاريخيّ، ولا تأتي كذلكَ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ كاتِبها. ولكنَّ هذه الأسفار مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ نَوعِها ومُحتوى رِسالَتِها. المَجمُوعَتانِ الأساسِيَّتانِ التي تنقَسِمُ الأسفارُ بِحَسَبِهما، هُما العهدُ القَديمُ والعَهدُ الجَديد. ولكن لم تَكُنْ هذه هي الحالُ دائماً، لأسبابٍ واضِحَةٍ جَلِيَّة. ففي أيَّامِ يسُوع، على سَبيلِ المِثال، لم يَكُنْ هُناكَ ما يُسمَّى بالعَهدِ القديمِ والعَهدِ الجَديد. فالعَهدُ الجَديدُ لم يَكُنْ قَد كُتِبَ بَعدُ، وكذلكَ فإنَّ الأسفارَ التي وُجِدَت في أيَّامِ يسُوع كانت تُسَمَّى بِكُلِّ بَساطَةٍ "كلمة الله،" أو "الأسفار" أو "الكُتُب." ولكن بعدَ أن كُتِبَ العهدُ الجَديدُ وجُمِعَت أسفارُهُ معاً في مجمُوعَةٍ واحدة، عندها فقط ظهرَ التَّمييزُ بينَ العهدِ القديمِ والعهدِ الجَديد.

إنَّ رِسالَةَ العهدِ القَديم الجوهَرِيَّة هي التَّالِيَة: "يسُوعُ آتٍ." في البَدءِ، بِحَسَبِ تعليمِ الكتابِ المُقدَّس، كانَ اللهُ والإنسانُ في إنسِجامٍ معَ بعضِهما البَعض. ولكنَّ اللهَ خلقَ الإنسانَ صاحِبَ خَيارٍ، فإختارَ الإنسانُ الإبتِعادَ عنِ الله. وبما أنَّ اللهَ لا يستَطيعُ أن يتحمَّلَ العِصيان (الخَطيَّة)، حَوَّلَ اللهُ وجهَهُ عنِ الإنسان. وحدَثَ "طلاقٌ" بَينَ اللهِ والإنسان. هذا الطَّلاقُ بينَ اللهِ والإنسان هُو َالمُشكِلَةُ الأساسيَّةُ التي تتَعامَلُ معَها الأسفارُ المُقدَّسة.

يُخبِرُنا اللهُ في العهدِ القَديمِ قائِلاً، "هل ستُصَدِّقُونَني عندما أقُولُ لكُم أنَّني سأعمَلُ شَيئاً حِيالَ هذا الطَّلاق؟" أمَّا في العهدِ الجديد، فيَقُولُ لنا اللهُ، "هل ستُصَدِّقُونَني عندما أقُولُ لكُم أنَّني عمِلتُ شَيئاً حِيالَ هذا الطَّلاق؟" فكما ترَون، تقُولُ لنا أسفارُ العهدِ القديم، "يسُوعُ آتٍ، وهُوَ الذي سَيُصالِحُ هذا الطَّلاق بينَ اللهِ وبينَ مخلُوقاتِهِ." والعهدُ الجديدُ يُخبِرنا بالأخبارِ السَّارَّةِ التَّالِيَة: "يسُوعُ جاءَ، وعندها صالَحَ الطلاقَ بينَ اللهِ والإنسان."

إلى جانِبِ التَّقسيمِ الأساسيّ بينَ العهدين القَديم والجَديد، تُوجَدٌ تقسيماتٌ أُخرى في كُلِّ عهدٍ على حِدَة. فأسفارُ العهدِ القديم يمكِنُ تصنيفها تحتَ خمسَةِ عناوِين.

أوَّلاً، نَجِدُ أسفارَ النَّامُوسِ الخَمسة. في هذه الأسفار، يُخبِرنا اللهُ بما هُوَ صوابٌ وبما هُوَ خطأٌ، مُعطِياً إيَّانا مِعيارَهُ لِلبِرّ.

ثُمَّ تأتي الأسفارُ التَّاريخيَّةُ العَشرة، التي تُخبِرنا بِشكلٍ أساسيٍّ أنَّ شعبَ اللهِ أطاعَ أحياناً أسفارَ النَّامُوسِ هذه، وأحياناً أُخرى لم يُطِعْها. وتُوَفِّرُ لنا قِصَصُ شَعبِ اللهِ نماذِجَ تُحتَذى وتحذيراتٍ تُتَفادَى. العَدَدُ المِفتاحِيُّ لِكُلِّ التَّاريخِ المُدَوَّنِ في الكتابِ المُقدَّس، نَجِدُهُ في العهدِ الجديد. حيثُ يُخبِرُنا بُولُس أنَّ كُلَّ شَيءٍ حدثَ للشَّعبِ الذي نقرأُ عنهُ في الكتابِ المُقدَّس، لِيكَونَ نماذِجَ وتحذيراتٍ. فعندما أطاعَ هذا الشَّعبُ كلمةَ اللهِ لهُم، كانُوا مِثالاً أو نمُوذجاًَ لنحتذيَهُ. وعندما عمِلُوا ما أرادُوا وعَصُوا اللهَ، كانُوا ولا يزالُونَ تحذيراً لنا.

ثُمَّ تَتبعُ الأسفارُ الشَّعريَّةُ الأسفارَ التَّاريخيَّة. في هذه الأسفارِ الشِّعريَّة، يُخاطِبُ اللهُ قُلُوبَ شَعبِهِ، بَينما يُحاوِلُونَ أن يَعيشُوا كَلِمَتَهُ في هذا العالم. مَثَلاً، يُخاطِبُ سِفرُ أيُّوب قُلُوبَ شَعبِ اللهِ عندما يتألَّمُون. ويُخاطِبُ سفرُ المَزامير قُلوبَ شَعبِهِ عندما يعبُدُون. ويُخاطِبُ سفرُ الأمثالِ قُلوبَ شَعبِهِ عندما يحتاجُونَ إلى ذلكَ النَّوع منَ الحكمة التي تُؤَهِّلُهُم للقِيامِ بأعمالِهِم وللتَّعاطِي معَ النَّاس.  ويُخاطِبُ سفرُ نَشيدِ الأنشاد قُلُوبَ شَعبِ اللهِ عندما يُفَكِّرُونَ بالحُبِّ. كُلُّ سِفرٍ من هذه الأسفار يحتَوي على مُساعَدَةٍ عمَلِيَّة وتشجيعٍ للمُؤمنين.

القِسمُ التَّالي منَ العهدِ القَديم هُوَ القِسمُ الأكبَر، ويُسمَّى بالأنبياء. ويأتي هذا القسمُ في جُزئَين: الأنبياء الكِبار والأنبِياء الصِّغار – ليسَ بِسَبَبِ أهمِّيَّةِ رِسالَتِهِم، بل بِسَبَبِ طُولِ أسفارِهِم. فلقد تطلَّبَ الأمرُ الأنبياءَ الكِبارَ أسفارَاً أطولَ ليُعَبِّرُوا عمَّا أرادُوا قولَهُ.

في العهدِ الجَديد، لَدَينا خمسَةٌ أنواعٍ منَ الأسفارِ كذلكَ. أوَّلاً، نَجِدُ سِيَرَ حياة يسُوع الأربَع (والتي تُسَمَّى بالأناجيل)، وكُتَّابُها هُم متَّى، مرقُس، لُوقا ويُوحَنَّا. ثُمَّ يأتي سِفرٌ تاريخيٌّ واحِدٌ، هُوَ سِفرُ أعمالِ الرَّسُل. ثُمَّ تأتي الرَّسائِل، التي تقَعُ في جُزئَين: رَسائِلُ بُولُس، والرَّسائلُ العامَّة. يتألَّفُ نصفُ العهدِ الجديد من رسائِلَ كَتَبَها بُولُس الرَّسُول إلى كنائِسَ حَديثَةِ العَهد تأسَّسَت بعدَ القِيامَة. الرَّسائِلُ الأُخرى كُتِبَت من قِبَلِ مجمُوعَةٍ منَ النَّاس. وأخيراً نَجِدُ سفراً نَبَويَّاً، هُوَ سِفرُ الرُّؤيا.

بينما ندرُسُ الكتابَ المُقدَّسَ معاً، إقتَرِبْ من العهدِ القَديمِ مُدرِكاً ما هي رِسالَتُهُ الأساسيَّة: يسُوعُ آتٍ. هذا هُوَ كُلُّ ما يتمَحوَرُ حولَهُ العهدُ القَديم. وإقتَرِبْ منَ العهدِ الجَديدِ باحِثاً عن هذه الرِّسالَة: يسُوعُ أتَى. فهذا هُوَ كُلُّ ما يتمَحوَرُ حولَهُ العهدُ الجديد.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

ضرورة العماد بالتغطيس

هل العماد بالرش أم بالتغطيس، ليس شك في أن العماد بالتغطيس وليس في الكتاب دليل واحد يؤيد العماد بالرش، فكل الحقائق التي سجلها الوحي عن المعمودية تؤكد لنا ضرورة العماد

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة