تفاسير

الفَصلُ السَّابِع مَسمُوعٌ منَ الله

القسم: قضاة، راعوث، وصموئيل الأول والثاني.

شَاوُل

بينما تُقدِّمُ لنا حياةُ صَمُوئيل أمثِلَةً إيجابِيَّةً لنقتَدِيَ بها، تضَعُنا حياةُ شاوُل أمامَ تحذيراتٍ خطيرة لنتفاداها. إن شاول هو شخصيةٌ مُثيرةٌ للجدل في الكتاب المقدس، بِسَبَبِ كونِ قصَّة حياتِهِ تُشكِّلُ مُعضِلَةً لاهُوتيَّة: هل يُمكِنُ لإنسانٍ أن يخلُصَ اليوم وأن يهلِكَ غداً؟ يَقُولُ البَعضُ أنَّهُ لا يُمكِنُ أن نخسَرَ خلاصَنا، ويقتَبِسُونَ أعداداً كتابِيَّةً تدعَمُ الموقِفَ القائِلَ أنَّ الضَّالِّينَ يرجِعُونَ دائماً. ولكن هُناكَ آخرُونَ يَقُولُونَ أنَّهُ يُمكِنُ للمُؤمِن أن يفقُدَ خلاصَهُ؛ ويستَخدِمُ هؤُلاء قصَّةَ حياة شاوُل، ومقاطِع أُخرى كثيرَة منَ الكتابِ المُقدَّس، ليَقُولُوا أنَّهُ بالإمكانِ أن تَفقُدَ خلاصَكَ. يبدُو أنَّ شاوُل قد إختَبَرَ التَّجديدَ الحقيقيَّ، ومن ثَمَّ يبدُو وكأنَّهُ فقد ذلكَ العمل العجائِبيّ للتجديد في حياتِهِ. أولئكَ الذين يأخُذُونَ هذا المَوقِف، يُؤمِنُونَ أنَّهُ يتوجَّبُ عليكَ أن تُولدَ من جَديدٍ بعدَ كُلِّ مرَّةٍ تُصبِحُ فيها ضالاً.

أنا أؤمِنُ أن الكتاب المقدس يُعلِّمُ عن سيادة الله وإختيارِه، أو أنَّ اللهَ يختارُنا ويُخَلِّصُنا فقط بنعمتِهِ وسيادَتِهِ. فأنا أُؤمِنُ أن الشخصَ الذي إختبرَ الخلاص الحقيقي والذي وُلِدَ ثانيةً، لا يُمكِنُ أن يخسرَ خلاصَه.

فشاوُل يبدو ذلكَ الإنسان الذي حصلَ على إختبارٍ روحي حقيقي وصارَ إنساناً روحيَّاً. وبعدَ أن مَسَحَهُ صَمُوئيلُ، أعطاهُ اللهُ قَلباً آخر (10: 9). وبسبب الإختبار الذي إجتازَهُ، أصبحَ شاوُل بين الأنبياء وصارَ يتنبَّأ، عندما حَلَّ عليهِ رُوحُ الرَّبِّ بِقُوَّةٍ (10: 10- 11). ومن ثم يتَّضِحُ تماماً، بينما نُتابِعُ دراسَةَ حياةِ شاوُل، أنهُ خسِرَ هذه الروحانيَّة.

ففي الإصحاح التاسِع من صموئيل الأول، تلتقي مع هذا الرجُل شاوُل. ونقرأُ أن شاوُل كان أطول من أيِّ شخصٍ في الأرض من كتفيهِ إلى فوق. وكان شاوُل أيضاً الرجُل الأكثرَ جَمَالاً في أرضِ إسرائيل (9: 2). ولكنَّ شكلَ الإنسانِ الجَسَدِيّ لا ينبَغي أن يُشَكِّلَ مِعياراً على أساسِهِ نحكُمُ ما إذا كانَ الشَّخصُ المَعنِيّ أهلاً للقِيادَة. على العَكس، فإنَّ الرَّبَّ أخبَرَ صَمُوئيل عندما ذهبَ ليمسَحَ داوُد: "لا تَنظُرْ إلى هيئتِهِ ولا إلى قامَتِهِ... فالرَّبُّ لا ينظُرُ إلى الأُمُور التي ينظُرُ إليها الإنسان. فالإنسانُ ينظُرُ إلى الشَّكلِ الخارِجيّ، أمَّا الرَّبُّ فإنَّهُ ينظرُُ إلى القَلب." (16: 7)

عندما تلتقي بهذا الرجُل شاوُل، تَجِدُهُ قد خرجَ هُوَ وصديقُهُ يبحثون عن أُتُنِ أبيهِ، ولكنَّهُم لم ينجحوا في إيجادها. وعندما أصبحوا على وشكِ قطعِ الأملِ من إيجادِها، قالَ صديقُ شاوُل، "أنا أعرفُ أنهُ يُوجدُ نبيٌّ (صَمُوئيل)، في مكانٍ ما هُنا ويُمكِنُهُ أن يُخبرَكَ بأيِّ شيءٍ تُريدُ أن تعرفَه. فلماذا لا نسألهُ عن الأُتُن؟" فذهبوا إلى حيثُ كان صموئيل. وأرادوا أن يسألوا صموئيل عن الاُتُن. وكانَ اللهُ قد حضَّرَ صَمُوئيل بطريقَةٍ عجائبيَّة لهذه الزِّيارَة (9: 3- 14؛ 18- 20).

يقولُ الكتابُ أن اللهَ تكلَّمَ إلى صموئيل في اليوم السابق وقال لهُ، "لأنَّ الرَّبَّ كانَ قد أخبَرَ صَمُوئيل قبلَ يومٍ أنَّهُ غداً نحو هذا الوقت سوفَ يأتي شابٌّ من سبطِ بنيامين لكي يراكَ. إمسحْهُ ملكاً على إسرائيل." (9: 15- 16). فعندما إلتَقى شاوُل بِصَمُوئيل، وجدَ نفسَهُ أمامَ مُفاجَئَةٍ كبيرة.

ودعا صموئيل شاوُل إلى وليمةٍ عظيمة، وأخبرَهُ أنَّ الأُتُنَ قد وُجِدَت، ثُمَّ أعلَمَهُ أنَّهُ هُوَ المَلِك المُنتَظَر لإسرائيل! (1صَمُوئيل 9: 19- 20). فعندما قال صموئيل هذا، قالَ شاول مُندَهِشاً، "أما أنا بَنيامِينيٌّ من أَصغَرِ أسباطِ إسرائيل، وعَشِيرَتي أصغَرُ كُلِّ عشائِرِ أسبَاطِ بِنيامِين." (1صَموئيل 9: 21).

وبذلكَ يَضُمُّ شاوُل صوتَهُ إلى الكثيرينَ من أولئكَ القادة في العهدِ القَديم، الذين عندما كُلِّفُوا بالقيادةِ شعروا بمثل هذا الشعور. فهذا ما قالَهُ جدعون، وهذا ما قالَهُ موسى، مُستَخدِماً الحُجَجَ ذاتِها عندما دعاهُ اللهُ ليَكُونَ المُنقِذَ العَظيم. هل تذكُرُ الحربَ الأهليَّةَ في نهايةِ سفرِ القُضاة؟ فسبطُ بنيامين حاربَ باقي الأسباط وتقريباً قضى عليهِ تماماً، وذلكَ نتيجَةً لِقِيامِ رجالِ جِبعة بنيامِين بإغتِصابِ سَرِيَّةِ رَجُلٍ من سِبطِ لاوِي، ممَّا أدَّى إلى كارِثَةٍ مَقيتَةٍ سَجَّلها الوَحي (أنظُر قُضاة 19- 20). ولقد بقي فقط ستّمائة رَجُلٍ بينامينيٍّ على قَيدِ الحياة، بعدها توقَّفَت باقي أسباط إسرائيل عن مُحارَبَتِهم، وتوجَّبَ إيجادَ زوجاتٍ لهُم لكَي لا ينقَرِضَ هذا السِّبطُ من على وجهِ الأرض (قُضاة 21).

هذه هي خلفيَّةُ شاوُل. فلا عجب أن شاول قال، "أنا من سبطٍ صغير، وعشيرتي هي الذُلَّى." لقد كانت وداعَتُهُ صادِقَةً وسَليمة. ولكنَّ صموئيل رُغمَ ذلكَ تناوَلَ الطَّعامَ معَهُ، ثُمَّ مسحَهُ في اليومِ التَّالِي ليكونَ الملكَ الأول على إسرائيل، بِحَسَبِ أمرِ الله. (1صَمُوئيل 9: 22- 10: 1).

رُغمَ أن شاوُل قد مُسِحَ ملِكاً، ولكنَّهُ لم يكُن ملكاً صالحاً. كان مُمكِناً أن يكون شاوُل مَلِكاً عَظيماً، وشخصاً روحيَّاً جداً. ولَرُبَّما كانَ اللهُ يُخَطِّطُ لجعلِ شاوُل وذُرِّيَّتَهُ مُلوكاً على إسرائيل إلى الأبد. ولكن بِسَببِ عدَم طاعَتِهِ للرَّبِّ نُزِعَ عنهُ المُلك. (1صَمُوئيل13: 13- 14).

فماذا حدَثَ لهذا الرَّجُل الذي غَيَّرَ اللهُ قَلبَهُ؟ فلقد كانَ مَرَّةً صَغيراً في عَينَي نفسِهِ (1صَمُوئيل 15: 17)، ولكنَّهُ أصبَحَ في تلكَ المرحلة يظُنُّ أنَّ أفكارَهُ كانت أكثَرَ أهمِّيَّةً من أفكارِ الله. لقد عصا اللهَ ليسَ مرَّةً واحدَةً، بل إثنَتَين. أوَّلاً في معرَكَةٍ معَ الفِلسطِينيِّين، خافَ عندما تأخَّرَ صمُوئيلُ بالمَجيء لتَقديمِ الذَّبيحَة، فإنتَهكَ شاوُلُ دَورَ الكَاهِنِ وقدَّمَ الذَّبيحَةَ بِنَفسِهِ. (إصحاح 13).

عندَما وَبَّخَ صَمُوئيلُ شاوُل، تَنبَّأَ أيضاً عن حُكمِ داوُد بأنَّهُ سيَكُونُ أعظَمَ نَبِيٍّ سيَمُرُّ في تاريخِ إسرائيل. لقد تنبَّأَ صَمُوئيلُ أنَّ اللهَ سيُعطِي المُلكَ من شاوُل إلى رَجُلٍ يكُونُ بِحَسَبِ قَلبِهِ، يُطيعُهُ ويعمَلُ مَشيئَتَهُ. (13: 14) هذه أوَّل مرَّة نسمَعُ فيها عن داوُد.

يبدو وكأنَّ اللهَ أعطى شاوُل فرصةً ثانية، لأن شاوُل عادَ وتمرَّدَ على الله ولم يُطِعْهُ ثانيةً بِعَدَمِ إبادَتِهِ لِعَمالِيق. (إصحاح 15). فلقد أمرَ اللهُ شاوُل أن يخوضَ حربَ إبادةٍ ضدَّ شعبِ عماليق الوثني. وأُمِرَ أن يفنيَ كُلَّ ما يخصُّ هذا الشعب، بما في ذلكَ قُطعانُ الماشية. ولكن عندما انتصرَ شاوُل وجيشُهُ على عماليق، إحتفظَ شاوُل ورجالُهُ لأنفُسِهم بأفضلِ الغنيمة، وحتَّى أنَّ شاوُل عَفَا عن مَلِكِ عمالِيق. فظهرَ اللهُ لصموئيل وقالَ له، "لقد ندِمتُ أني جعلتُ شاوُل ملِكاً. فهو لم يُطِعْني ثانيةً. عليكَ أن تعزِلَهُ." (15: 11).

في الصباح إنطلقَ صَمُوئيلُ حَزيناً ليُواجِهَ شاوُل، الذي إدَّعَى أنَّهُ أطاعَ الرَّبَّ تماماً، رُغمَ صَوتِ ثُغاءِ الماشِية الذي كانَ يسمَعُهُ صَمُوئيل. (13- 14). ثُمَّ قدَّمَ شاوُل حُجَّةَ كونِهِ هُوَ ورِجالُهُ قد عَفُوا عنِ الماشِيَةِ ليُقدِّمُوها ذَبيحَةً للرَّبّ. ولكنَّ صَمُوئيل لم يُصَدِّقْ شَيئاً من هذا. فقالَ صموئيلُ لشاول، "هل مسرَّةُ الربِّ بالمُحرَقاتِ والذبائح كما باستماعِ صوتِ الرب. هوذا الإستماعُ أفضلُ من الذبيحة والإصغاءُ أفضلُ من شحمِ الكِباش. لأن التمرُّدَ كخطيّةِ العرافة والعِنادُ كالوثنِ والترافيم... ودارَ صموئيلُ ليمضيَ فأمسكَ شاوُل بذيلِ جُبَّتِهِ فانمزق. فقالَ له صموئيل: يُمزِّقُ الربُّ ممكلةَ إسرائيل عنكَ اليوم ويُعطيها لصاحِبِكَ الذي هو خيرٌ منك والذي سيعملُ مشيئةَ الله." (1صَمُوئيل 15: 22- 29).

بعدَ هذا، نَرى أنَّ رُوحَ الرَّبِّ تركَ شاوُل (18: 17). كلمة "إيخابود" التي تُعَبِّرُ عن هذا الواقِع، تعني "زالَ المجدُ." يبدو أن روحَ اللهِ حلَّ على بعضِ الأشخاص في العهدِ القديم، وعندما كانوا لا يُطيعون روحَ الله، كان الروحُ يترُكُهم. اليوم لدينا وعد المسيحِ المُقام أنَّهُ عندما يَسكُنُ فينا، لن يَترُكَنا ولن يُهمِلَنا. (عبرانِيِّين 13: 5) ولكنَّ حياةَ شاوُل أصبَحَت تحذيراً رهيباً لي ولكَ. فُرغمَ أنَّ رُوحَ الرَّبِّ لن يَترُكَنا اليوم، ولكن بإمكانِنا نحنُ أن نترُكَهُ، وأن نُحزِنَهُ أو نُطفِئَهُ. يُمكِنُكَ القول أن حياةَ شاول هي تحذيرٌ ضدَّ العِصيان الممسوح – تحذيرٌ منَ الإستِهتارِ بنعمَةِ وبَرَكَةِ الله.

أضف تعليق


قرأت لك

لن يخيّب آمالك

"إنتظارا انتظرت الرب فمال اليّ وسمع صراخي. وأصعدني من جب الهلاك من طين الحمأة وأقام على صخرة رجلي. ثبّت خطواتي" (مزمور 1:40). دائما وفي الوقت المناسب، حيث تكون أنت في أحلك الظروف وأشدها، عندما ترفع رأسك إلى فوق ستجد من لن يخيب آمالك، بل ستجد محبة الله تفوق ادراكك للتفكير بطبيعتها، فرغم تمردك وعصيانك وهروبك ستجده دوما مستعدا لكي:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة