تفاسير

الفَصلُ الثالِث أنظُرْ فوقَكَ، داخِلَكَ، وحولَكَ

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الثاني.

(1كُورنثُوس 11: 17- 34)

التعليماتُ التي يُعطيها الرَّسُول بُولُس للكنيسةَ في كُورنثُوس الأُولى 11 حِيالَ مائِدَةِ الرَّبّ، تمَّت قراءَتُها لملايين المَرَّات في خدماتِ كسرِ الخُبز. أودُّ أن أُخَصِّصَ فصلاً إضافِيَّاً لهذا المَوضُوع، لأنَّهُ في غايَةِ الأهمِّيَّة. يُتابِعُ بُولُس تعليمَهُ في العدد 27 قائِلاً، "إذاً أَيُّ من أكلَ هذا الخُبز أو شَرِبَ كأسَ الرَّبِّ بِدُونِ إستحقاق يكُونُ مُجرِماً في جسدِ الرَّبِّ ودَمِهِ. ولكن لِيَمتَحِنِ الإنسانُ نفسَهُ وهكذا يأكُلُ من الخُبزِ ويشرَبُ من الكأس. لأنَّ الذي يأكُلُ ويشرَبُ بِدُونِ إستِحقاقٍ يأكُلُ ويشرَبُ دَينُونَةً لنَفسِهِ غيرَ مُمَيِّزٍ جسدَ الرَّب. من أجلِ هذا فيكُم كَثيرُونَ ضُعَفاء ومَرضَى وكَثِيرُونَ يرقُدُون. لأنَّنا لو كُنَّا حَكَمنا على أنفُسِنا لما حُكِمَ عَلينا. ولكن إذ قد حُكِمَ علينا  نُؤدَّبُ من الرَّبّ لكَي لا نُدانَ مع العالم. إذاً يا إخوتي حينَ تجتَمِعُونَ للأكلِ إنتَظِرُوا بعضُكُم بعضاً. إن كانَ أحدٌ يجُوعُ فَليأكُل في البَيت لكي لا تجتَمِعُوا للدَّينُونة." (1كُورنثُوس 11: 27- 34).

بينما يُتابِعُ بُولُس بِمُعالَجَةِ مُشكِلَةِ الإستهتار بمائِدَةِ الرَّبّ كما كانَ يجري في كنيسةِ كُورنثُوس، يُعطينا جوهَرَةً جديدَةً جميلَةٍ من تعاليمِهِ. أوَّلاً، يُقدِّمُ الملاحظةَ الواضِحَةَ أنَّ القصدَ من هذه الفَريضة التي أسَّسَها الرَّبُّ يسُوع المسيح، هُوَ أن نجتَمِعَ معاً وننظُرَ إلى فَوق. ويُسمِّيها البَعض "الإشتراك"، لأنَّ القَصدَ منها هُوَ المحافَظة على وحدَتِنا معَ المسيح.

يقُولُ بُولُس أنَّ الإقتِرابَ من هذه المائدة بدُونِ إستحقاق، أو "بِدُونِ لياقَة" هوَ خَطيَّةٌ خَطيرة. ويقُولُ في العدد 30، "من أجلِ هذا فيكُم كَثيرُونَ ضُعفاء ومرضَى وكَثيرُونَ يرقُدُون."

أوَّلاً، ينبَغي أن نأتِيَ ونحنُ ناظِرينَ إلى فَوق، مُؤمنينَ بما تُمَثِّلُهُ المائِدَة. هذه المائدَة تُمَثِّلُ الإنجيل الذي يُخلِّصُنا. وتُشيرُ أيضاً إلى الإتِّحاد الذي لدينا إيَّاهُ معَ المسيحِ المُقام الحَيّ. فبينما يتحوَّلُ الخُبزُ والخَمرُ، بالهضمِ والدَّورَةِ الدمَّوِيَّةِ، ليُشكِّلَ جزءاً من كَيانِنا الجسديّ، نحتَفِلُ بمُعجِزَةِ كونِنا واحِداً معَ المَسيح.

فيما بعد، تطلُبُ منَّا مائدَةُ الرَّبِّ أن ننظُرَ إلى داخِلِنا: "فليَمتَحِنِ الإنسانُ نفسَهُ." (1كُورنثُوس 11: 28). هذا يُذَكِّرُنا بالحقيقَةِ العُظمى التي علَّمها يسُوع: أنَّهُ علينا أن نحكُمَ على أنفُسِنا أوَّلاً، وعندها نُصبِحُ مُؤهَّلِينَ لنَحكُمَ على الآخَرين (متَّى 7: 1- 5). هذا مبدَأٌ هامٌّ ينبَغي أن نُطبِّقَهُ بينما نقتَرِبُ من مائِدَةِ الرَّبّ.

هُناكَ نظرَتانِ أُخريَانِ ينبَغي علينا أن ننظُرَ بِهما عندَ إقتِرابِنا من مائِدَةِ الرَّبّ. (1) علينا أن ننظُرَ إلى خَلف، إلى صليبِ يسُوع المسيح، (2) وعلينا أن ننظُرَ إلى الأمام إلى رُجُوعِ يسُوع المسيح ثانِيَةً. صَليبُ المسيح هُوَ المَوضُوعُ الأساسِيُّ في كلمةِ الله. يُرَكِّزُ العهدُ القَديمُ على معنى الصَّلِيب من خلالِ الذبائحِ الحَيَوانِيَّة، أمَّا العهدُ الجديدُ فينظُرُ إلى الوراء، إلى الصَّليب.

تذكَّرُوا أنَّ يسُوعَ كانَ يحتَفِلُ بالفصحِ اليَهُودِيِّ معَ رُسُلِهِ اليهود عندما حوَّلَ طقسَ العِبادَةِ اليَهُودِي الأساسِيّ هذا إلى الشكلِ الأساسِي في العبادَةِ المسيحيَّة. هذا هُوَ التعليمُ الوَحيدُ الذي أعطاهُ يسُوعُ لرُسُلِهِ عن كيفَ ينبَغي على كنيستِهِ أن تعبُدَهُ! كانت مائدَةُ الفِصحِ تحتَفِلُ بالتحريرِ العجائِبِيِّ لبَني إسرائيل من عبُودِيَّتِهم القاسِيَة في مصر. في تلكَ الأيَّام، ذبَحُوا حملاً، ورَشُّوا دَمَهُ على عتبَِةِ وقائِمَةِ بَيتِ كُلِّ مُؤمِنٍ. وعندما عبرَ ملاكُ الرَّب المُهلِك، ورأى الدمَ مرشُوشاً هُناك، عَبَرَ عن ذلكَ المنزِل، ونُجِّيَ بِكرُهُ من الموت (خُروج 12: 12- 13).

عندما إحتَفَلَ يسُوعُ بذلكَ الفصح معَ الرُّسُل، قالَ لهُم أنَّهُ لن يأكُلَ معَهُم هذا الفصح إلى أن يُكمَلَ الكُلُّ (لُوقا 22: 15، 16). كانَ يقُولُ لهُم أنَّهُ عندما ماتَ على الصَّليب، تحقَّقَ فيهِ شَخصيَّاً كُلّ ما كانَ مقصُوداً بهِ في حملِ الفِصح. علينا أن ننظُرَ إلى الوراء إلى الصَّليب، عندما نحتَفِلُ بمائِدَةِ الرَّبّ.

وفيما بعد، علينا أن ننظُرَ إلى الأمام إلى مائِدَةِ الرَّبِّ، لأنَّ يسُوعَ قال، "إصنَعُوا هذا لِذِكري إلى أن أجيءَ." (26). فعندما نجتَمِعُ معاً حولَ مائِدَةِ الرَّبِّ، ننظُرُ إلى الأمام إلى رجاءِ مجيءِ المسيح ثانِيَةً (تيطُس 2: 13).

وأخيراً، في هذه التعليماتِ التصحيحيَّة حِيالَ عشاءِ الرَّب، يُعَلِّمُ كُلٌّ من يسُوع وبُولُس أنَّهُ علينا أن ننطُرَ حَولَنا عندما نأتي إلى هذه المائِدة. فالعشاءُ الرَّبَّانِيُّ ليسَ عامُوديَّاً فقط. بل هُوَ أُفُقِيٌّ أيضاً. هُناكَ عدَّةُ أمكِنَةٍ حيثُ يُعلَّمُ هذا في العهدِ الجديد: "فإن كُنتَ تُقدِّمُ قُربَانَكَ إلى المذبَح، وعندها عَلمتَ أنَّ لأخيكَ شيئاً عليكَ، فاترُكْ هُناكَ قُربانكَ قُدَّامَ المَذبَح، واذهَبْ إصطَلِحْ معَ أخيكَ؛ ثمَّ تعالَ وقدِّمْ قُربانَكَ" (متَّى 5: 23). يُخبِرُنا الرَّسُولُ يُوحَنَّا بشكلٍ صريحٍ في نهايَةِ الإصحاحِ الرَّابِع من رسالتِهِ الأُولى، أنَّنا إذا قُلنا أنَّنا نُحِبُّ اللهَ ولكنَّنا لا نُحِبُّ أخانا، فنحنُ نكذِبُ لأنَّ العلاقَةَ العامُوديَّة معَ الله والعلاقَةَ الأُفُقِيَّة معَ  أخِينا لا ينفَصِلانِ.

وتُعَلِّمُنا أيضاً مائدَةُ العشاءِ الرُّبَّانِي الإنضباطَ الرُّوحي، عندما يطلُبُ منَّا بُولُس أن ننتَظِرَ الجميعَ حتى يحضُرُوا قبلَ أن نبدَأَ. إن لم تَكُنِ الأُمُورُ مُستَقيمَةً في علاقاتِكُم الأُفُقيَّة معَ إخوتِكُم وأخواتِكُم، وكُنتُم تعلَمُونَ أنَّكُم ستُِشارِكُونَ في مائدَةِ العشاءِ الرُّبَّانِي يومَ الأحد، إذهَبُوا وإصطَلِحُوا معَ إخوتِكُم وأخواتِكُم. تصالَحُوا في إشتراكِكُم أو علاقَتِكُم الأُفقيَّة، لأنَّكُم تعلَمُونَ أنَّكُم ستحتَفِلُونَ بعلاقتِكُم العامُوديَّة بالإشتراكِ معَ المسيحِ.

مُلَخَّص

إنَّ تعليمات بُولُس المُوحى بها من الله في هذا المقطَعِ العظيم، الذي يُظهِرُ لنا كيفَ نقتَرِبُ من مائِدَةِ الرَّبِّ، تأمُرُنا أن ننظُرَ فوقَنا، داخِلَنا، خَلفَنا، أمامَنا، وحَولَنا، عندما نقتَرِبُ للإشتراكِ بمائِدَةِ عشاءِ الرَّبّ.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

ارتفع لكي يرفعنا

"ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم" (أعمال الرسل 9:1). إن حدث صعود المسيح إلى السماء يوازي بأهميته حدث الصلب والقيامة، فبعد أن صرخ وبصوت كبير قد أكمل، أخذ بعد موته من قبل يوسف الرامي الذي التزم بإيمانه بالمسيح في تلك اللحظات، وألزم نفسه أن يضع جسد المسيح في قبره، وبعد ثلاث أيام قام المسيح منتصرا وظافرا على الموت.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة