تفاسير

الفَصلُ العاشِر سمِفُونِيَّةُ المحبَّة

القسم: دراسة لرسالة كورنثوس الأولى الجزء الثاني.

(1كُورنثُوس 13)

يُعتَبَرُ الإصحاحُ الثالِث عشر من هذه الرِّسالة إصحاحَ المَحَبَّةِ في الكتابِ المُقدَّس. وعلينا أن نُدرِكَ، على أيَّةِ حال، أنَّهُ مهما كانَ إصحاحُ المحبَّةِ عظيماً، ولكنَّ المحبَّةَ ليست المَوضُوع الرَّئيس هُنا؛ لأنَّ الموضُوعَ الرَّئيس هُوَ موضوع المواهِب الرُّوحيَّة. قبلَ أن نتأمَّلَ بهذا الإصحاح عدداً بعدَ الآخَر، سوفَ نأخُذُ فكرَةً عن هذا الإصحاح العَظيم إذا نَظَرنا إلى الإطار الذي كتبَ فيهِ هذه الكلمات المُوحى بها عن المحبَّة. إنَّ هذا التصريح العميق عن المحبَّة يتبَعُ تعليماً رائعاً عن المواهِبِ الرُّوحيَّة، وهذا التَّعليمِ العَميق إنتَهى عندما كتبَ بُولُس: "ولكن جِدُّوا لِلمَواهِبِ الحُسنى. وأيضاً أُريكُم طَريقاً أفضَل." (12: 31).

بهذه الكلمات كمُقدِّمة، كتبَ بُولُس فيما بعد أعظَمَ إصحاحٍ في الكتاب المُقدَّس عنِ المحبَّة. إنَّ خاتِمَةَ الإصحاح الثالِث عشرَ هي بالواقِع العدد الأوَّل من الإصحاح الرَّابِع عشر: "إتبَعُوا المَحَبَّة ولَكِن جِدُّوا لِلمَواهِبِ الرُّوحيَّة." نُخبَرُ في بدايَةِ هذه الأُطرُوحة الرائِعة عن المحبَّة أن نَجِدَّ للمواهِبِ الرُّوحيَّة الحُسنَى، ويُقالُ لنا في خاتِمَةِ هذا الإصحاح أيضاً أن نَجِدَّ لِلمَواهِبِ الرُّوحيَّة (1كُورنثُوس 12: 31؛ 14: 1).

في هذا الإصحاح، يُقارِنُ بُولُس بينَ المحبَّةِ وبينَ باقي المواهِبِ الرُّوحيَّة التي كانَ يُوليها الكُورنثُوسيُّونَ قيمَةً كبيرة. أحياناً، يستَخدِمُ صانِعُ الجواهِرِ خَلفِيَّةً مخمَليَّةً سَوداء ليَعرُضَ عليها ماساتِهِ. هُنا يتكلَّمُ بُولُس عن موضُوعِ المحبَّة كخَلفِيَّةٍ أو إطارٍ، لكي يكُونَ لديهِ وُجهَةُ نظَرٍ أفضَل عنِ المواهِبِ الرُّوحية. نعرِفُ هذا لأنَّهُ يُعَلِّمُنا عن المواهِبِ الرُّوحيَّة في الإصحاح 12، ويرجِعُ إلى موضُوعِ المواهِبِ الرُّوحيَّة في الإصحاح 14.

يُبرِزُ الإصحاح 13 بُرهانَ العمل الرَّائِع الذي يعمَلُهُ الرُّوحُ القدُسُ فينا. هذا الإصحاحُ هُوَ مِثل "سِمفُونِيَّة محبَّة" في ثلاثِ حَرَكات. الحركَةُ الأُولى هي الأعدادُ الثلاثَةُ الأُولى. وأنا أُسمِّي هذه الحركة الأُولى "المحبَّة المُقارنة."

في هذه الأعداد الثلاث الإفتِتاحِيَّة، يُقارِنُ الرِّسُولُ بُولُس المَحَبَّةَ معَ أشياءَ كانَ لها قِيمَةٌ كَبيرَةٌ بنَظَرِ الكُورنثِيِّين، كونهم مُؤمِنين وقد تربُّوا على الحضارَةِ اليونانِيَّة. مثلاً، كمُؤمنين، كانُوا يُولُونَ قيمَةً كُبرى لمَوهِبَةِ الألسِنة، وكَيُونانِيِّين كانُوا يُولُونَ قيمَةً كُبرى للفَصاحة. لهذا بدأَ بالقَول: "إن كُنتُ أتكلَّمُ بألسِنَةِ الناس والملائكة ولكن ليسَ لي محبَّة، فقد صِرتُ نُحاساً يَطِنُّ أو صَنجاً يَرِنُّ." (1كُورنثُوس 13: 1). بكلماتٍ أُخرى، أنا لستُ سوى ضجَّةً عارِمَة إن كُنتُ أتكلَّمُ بألسِنَةٍ، أو بِفَصاحَةٍ يُونانيَّة، بدُونِ محبَّة.

ثُمَّ يُقارِنُ بُولُس المحبَّةَ معَ مَوهِبَةِ النُّبُوَّة، وفَهمِ كُلِّ الأسرار، وحيازَةِ كُلِّ معرِفَةٍ وكُلِّ إيمانٍ لنقلِ الجبال. ويُعلِنُ أنَّهُ حتَّى ولو حصلَ على كُلِّ هذه الأُمور، بدون المحبَّة، فليسَ شَيئاً. ثُمَّ يُتابِعُ قائِلاً أنَّهُ ولو أعطى كُلَّ أموالِهِ للفُقَراء، ولو سلَّمَ جسدَهُ حَتَّى يحتَرِقَ كَشَهيدٍ، ولكن إن فعلَ هذا بِدُونِ مَحَبَّة، فلا ينتَفِعُ شَيئاً." (3) يُقدِّمُ بُولُس تصريحاً، بينما يُقارِنُ المحبَّة معَ الأُمُورِ التي كانَ الكُورنثُوسيُّون يُولُونَها قيمَةً كُبرى، فيقُول ما معناهُ، "ليسَ هُناكَ أيُّ شَيءٍ أكُونُهُ أو أحُوزُهُ أو أفعَلُهُ يُمكِنُ أن يَحُلَّ مَحَلَّ المحبَّةِ في حَياتي."

أمَّا الحَرَكَةُ الثَّانِيَة من سمفُونِيَّةِ المحبَّة هذه فأدعُوها، "المحبَّة المُعَنقَدَة" (4- 7). في هذه التُّحفَة التعبُّدِيَّة الكلاسيكيَّة من هذه الإصحاح، والمُعَنوَنَة، "أعظَمُ شَيءٍ في العالم،" كتبَ Henry Drummond يَقُولُ عن هذه الأعداد: "إنَّ مفهُومَ المحبَّةِ يُمَرَّرُ عبرَ عدَسَةِ ذهنِ بُولُس المملووء بالرُّوحِ القُدُس، ويخرُجُ من الطرفِ الآخر كَعُنقُودٍ من الفضائِل." ولقد سَمَّى هذه الحركة الثَّانَِية "المحبَة المُتَحلِّلَة."

هُناكَ كلماتٌ يُونانِيَّةٌ مُختَلِفة في كلمةِ اللهِ عن المحبَّة. فكلمة Eros تعني المحبَّة الشَّهوانِيَّة. وكلمة Phileo تَعني المحبَّة الأخَويَّة. ولكنَّ مَفهُومَ المحبَّةِ المُعبَّرُ عنهُ بالكلمةِ اليُونانِيَّة Agape هُوَ ذلكَ النَّوع من المحبَّة المُمَرَّرَة من عدَسَةِ ذهنِ بُولُس المملووء من الرُّوحِ القُدُس، كما نرى في هذه الأعداد. فمَحَبَّةُ آغابِّي غير الأنانِيَّة، يُمكِنُ أن تُفهَمَ فقط بمعنى عُنقُود فضاِئِل. يُقدِّمُ بُولُس خمسَ عشرَةَ فَضِيلَةً في الأعداد 4 إلى 7 ويُخبِرُنا أنَّنا إذا كانَت محبَّةُ آغابِّي بِحَوزَتِنا، سوفَ نجدُ أنفُسَنا نتصرَّفُ بهذه الطَّريقَة.

الحَركَةُ الثالِثَة لسيمفُونِيَّةِ المحبَّةِ هذه هي في الأعداد 8 إلى 13. أُسمِّي هذه الحركة الثَّالِثَة: "المحبَّة المُوصَى بها." في الحركَةِ النِّهائِيَّة لسمفُونِيَّةِ المحَبَّةِ الرَّائِعَةِ هذه، يُظهِرُ لنا بُولُس لماذا ليسَ للمحبَّةِ نَظير. ويُظهِرُ لنا لماذا كُلٌّ من هذه الميزات التي قارَن معها المحبَّة في الحركةِ الأُولى، لا يُمِكُنها أن تَحُلَّ محَلَّ المحبَّة. وتُختَتَمُ الحَرَكَةُ النِّهائِيَّةُ بالكلماتِ التاليَة: "في هذه الحياة، هُناكَ ثلاثَةُ ميزاتٍ باقِية – الإيمان، الرَّجاءُ، والمحبَّة. هذه الثلاثة ولكن أعظَمَهُنَّ المحبَّة." (13). وبينما يُقارِنُ هذه المحبَّة ويُوصِي بها في هذه الحركة الثالِثة، يُظهِرُ لنا بُولس لماذا المحبَّة هي أعظَمُ شَيءٍ في العالم.

لماذا الإيمان، الرَّجاءُ، والمحبَّة هي القِيمَةُ الأبديَّةُ الثلاث؟ الإيمانُ هُوَ قيمَةٌ أبديَّة لأنَّ كَلِمَةَ اللهِ تُعلِّمُنا أنَّهُ بِدُونِ إيمانٍ لا يُمكِنُ الإقتِرابُ من اللهِ ولا إرضاؤُهُ (عبرانِيِّين 11: 6). وماذا عنِ الرَّجاء؟ الرَّجاءُ هُوَ الإقتناعُ في قَلبِ الكائِنِ البَشَريّ أنَّهُ يُوجدُ شيءٌ صالِحٌ في هذه الحياة، وسوفَ يحصَلُ لهُ. نقرَأُ أيضاً في الرِّسالَةِ إلى العِبرانِيِّين: "الإيمانُ هُوَ الثِّقَةُ بما يُرجَى والإيقانُ بِأُمُورٍ لا تُرَى." بِكَلماتٍ أُخرى، الإيمانُ يُعطي المادَّةَ لِرَجائِنا. فالرَّجاءُ مُهِمٌّ لأنَّهُ يَقُودُنا إلى الإيمان. والإيمانُ مُهِمٌّ لأنَّهُ يقُودُنا إلى الله.

يَقُولُ بُولُس أنَّ المحبَّةَ هي أعظَم من الرَّجاء والإيمان، لأنَّها ليست شيئاً يَقُودُنا إلى شَيءٍ آخر، الذي يَقُودُنا بدَورِهِ إلى الله. فمحبَّةُ آغابِّي التي يُبرِزُها هُنا هي الله. (1يُوحَنَّا 4: 8، 16) عندما تكتَشِفُ محبَّةَ آغابِّي هذه، تكُونُ قدِ إكتَشَفتَ الله. وتكُونُ قدِ إكتَشَفتَ حُضُور الله السماوِي، لأنَّ هذه المحبَّة هي جوهَرُ كَيانِهِ. لهذا يختُمُ بُولُس بالقَولِ أنَّ المحبَّةَ هي أعظَمُ شَيءٍ في العالم.

لا عجبَ أنَّ بُولُس بدأَ إصحاحَهُ بالقَول، "وأيضاً أُريكُم طَريقاً أفضَل من المواهِبِ الرُّوحيَّة. ولا عَجَبَ أنَّهُ يَقُولُ لنا أنَّ المحبَّةَ لا تُقارَنُ، وأنَّها أعظَمُ شيءٍ في العالم. ويمكِنُنا أن نفهَمَ لماذا، بعدَ أن أخبَرَنا عن محبَّة آغابِّي، كتبَ يقُول، "إتبَعُوا المَحَبَّةَ، ولكن جِدُّوا لِلمَواهِبِ الرُّوحيَّة." فالمواهِبُ الرُّوحِيَّةُ هامّةٌ. جِدُّوا وراءَها. ولكن إجعلُوا من المحبَّةِ هدفَكُم الأعظَم، لأنَّ اللهَ مَحَبَّة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الفصل الخامس: عقيدة الثالوث الأقدس

يُقرّ المسيحيون بأنّ للذّات الإلهية أسرارها، كما يسلّمون بعجز عقولهم عن إدراك إعلانات الله عن ذاته وثالوثه إدراكا كاملاً، لأنه إن جاز لهم ذلك يكون الخالق الغير محدود قد حدّ بالعقل المحدود. لذا فهم يحنون تلك العقول خضوعاً "لسرّ الله الآب والمسيح المذّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كولوسي 2: 2و3).

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة