تفاسير

المأمُوريَّةُ العُظمَى في إنجيلِ يُوحَنَّا

القسم: إنجيل يوحنا آية آية الإصحاحات 17-21.

"ولمَّا كانت عَشِيَّةُ ذلكَ اليَوم وهُوَ أوَّلُ الأُسبُوع،" (أي مساء الأحد، أي أحدُ الفِصحِ الأوَّلُ)،  "وكانت الأبوابُ مُغَلَّقَةً حيثُ كانَ التلاميذُ مُجتَمِعينَ لسببِ الخَوفِ من اليَهُود، جاءَ يسُوعُ ووقفَ في الوسطِ وقالَ لهُم، سلامٌ لكُم. ولمَّا قالَ هذا أراهُم يَدَيهِ وجَنبَهُ. فَفَرِحَ التَّلامِيذُ إذ رأُوا الرَّبَّ.

"فَقَالَ لَهُم يسُوعُ أيضاً سلامٌ لكُم. كما أرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أنا. ولمَّا قالَ هذا نفخَ وقالَ لهُم إقبَلُوا الرُّوحَ القُدُس. من غَفَرتُم خطاياهُ تُغفَرُ لهُ. ومن أمسَكتُم خطاياهُ أُمسِكَت." (يُوحَنَّا 20: 19- 23)

إنَّ هذا لمَقطَعٌ رائِعٌ بالفعل. الأبوابُ مُغلَقَةٌ. والرُّسُل لا يزالُونَ خائِفينَ من أن يَكُونَ رِجالُ الدِّين اليَهودُ الفاسِدُونَ، الذي علَّقُوا رَبَّهُم على الصَّليب، يَسعُونَ وراءَهُم. فلهذا إختَبأَ التلاميذُ بِخوفٍ خلفَ أبوابٍ مُغلَقَةٍ. وبِدُونِ أن تُفتَحَ الأبوابُ، ظهرَ يسُوعُ في الوَسَطِ. وأعطاهُم تَحِيَّةَ السَّلامِ مرَّتَين. ثُمَّ أعطاهُم هذه المأمُوريَّة العُظمى، بِحَسَبِ إنجيلِ يُوحَنَّا. وكانَ يُمكِنُ ترجَمتُها كالتَّالِي: "بِنَفسِ الطريقة التي بها أرسَلني الآبُ إلى العالم، بِنفسِ هذه الطريقة أُرسِلُكُم أنا إلى العالم." (يُوحَنَّا 17: 18؛ 20: 21).

وبإعطائِهِ المأمُوريَّةَ العُظمى، نفخَ عليهِم وقالَ، "إقبَلُوا الرُّوحَ القُدُسَ." (22) من المُمكِنِ، من وُجهَةِ نظَرٍ تفسيريَّةٍ يُختَلَفُ عليها، أنَّهُ كانَ يَقُولُ لهُم مُجَرَّدَ أنَّهُم سيَقبَلُونَ الرُّوحَ القُدُس عندما سيأتِي يومُ الخَمسين. يقُولُ النَّصُّ اليُونانِيُّ ما معناهُ أنَّهُ تنفَّسَ شَهيقاً وزَفِيراً، وقالَ، "إقبَلُوا (أَو تنشَّقُوا) الرُّوحَ القُدُسَ. فيُمكِنُ أن يكُونَ قد قصدَ أنَّهُ عندما سيأتي الرُّوحُ القُدُس، سيكُونُ قُبُولُ الرُّوحِ القُدُس بَسيطاً بَساطَةَ التَّنشُّقِ كالشهيقِ والزفير.

وفيما يتعلَّقُ بالمَأمُوريَّةِ العُظمَى يَقُولُ، "مَن غَفرتُم خطاياهُ تُغفَرُ لهُ. ومن أمسَكتُم خطاياهُ أُمسِكَت." (23) قد يُفهَمُ هذا القَولُ بِعدَّةِ طُرُقٍ. فلقد فَهِمَ البَعضُ عبرَ تاريخِ الكنيسةِ أنَّ هذا القَولَ يَعني أنَّ خادِمَ الرَّبِّ الذي يُعلِنُ الإنجيل، لهُ السُّلطَةُ لِيَغفِرَ الخطايا. وهكذا تَعُودُ لهُ سُلطَةُ القَول، "أحُلُّكَ من خطاياك،" أو سيكُونُ لدى هذا الخادِم أو رَجُل الدِّين أيضاً سُلطَةَ القَول، "لا أَحُلُّكَ من خطاياك."

ولكنَّ ليسَ هذا ما يَقُولُهُ هذا المقطَع، لأنَّ اللهَ وحدَهُ يستَطيعُ أن يغفِرَ الخطايا. (لُوقا 5: 17- 25)؛ كُولُوسي 1: 13- 14) طَريقَةٌ أُخرى لِفهمِ هذا القَول هي أنَّكَ عندما تُعلِنُ الإنجيلَ لشخصٍ ما، إذا آمنَ بهِ، عندها يُمكِنُكَ أن تُؤكِّدَ لهُ أنَّ خطاياهُ غُفِرَتْ، بِسَبَبِ ما عَمِلَهُ المسيحُ من أجلهِ على الصَّليب. ولكن إذا رفضَ هذا الشخصُ الإيمانَ بالإنجيل، بسببِ الكِبرياء أو العِناد أو أيِّ سَبَبٍ آخر، أو لأنَّهُ لا يُريدُ أن  يتحمَّلَ النَّتائجَ الأدبيَّة لِلتَّوبَةِ ولِقُبُولِ المسيح، عندها يُمكِنُكَ أن تُعلِنَ لهذا الشخص أنَّ خطاياهُ لم تُغفَرْ. كَراعِي كَنيسة يُقَدِّمُ دَعوَةً للخُطاةِ ليَقبَلُوا غُفرانَ الله، قُمتُ بِهذا عدَّةَ مرَّاتٍ. وهكذا يَستطيعُ العَمَلُ كُلُّ واعِظٍ يكرِزُ بالإنجيل.

قبلَ أن يُعطِيَ يُوحَنَّا قصدَهُ من كتابَةِ هذا الإنجيلِ الرَّابِع، نجدُ التَّعليمَ الثَّالِث العظيم في هذا الإصحاح يبدَأُ في العدد 24. يُعطينا هذا التَّعليمُ جواباً عميقاً على السُّؤال، "ما هُوَ الإيمان؟" نقرَأُ أنَّ تُوما لم يكُنْ حاضِراً عندما ظهَرَ يسُوعُ للرُّسُل. "فقالَ لهُ التَّلاميذُ الآخرُونَ قد رَأَينا الرَّبَّ. فَقَالَ لهُم إن لم أُبصِرْ في يدَيهِ أثرَ المسامِير، وأضَعْ إصبَعِي في أثرِ المَسامِير وأضعْ يدي في جنبِهِ لا أُؤمِنْ."

"وبعدَ ثمانِيَةِ أيَّامٍ [أي ليلَةَ الأحد بعدَ أُسبُوع] كانَ تلاميذُهُ أيضاً داخِلاً وتُوما معَهُم. فجاءَ يسُوعُ والأبوابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ في الوَسَطِ وقالَ سلامٌ لكُم. ثُمَّ قالَ لِتُوما، (وهذا يُرينا أنَّ يسُوعَ كانَ عالِماً بما قالَهُ تُوما، ويُرينا أيضاً أنَّ يسُوعَ عالِمٌ بكُلِّ ما نَقُولُهُ نحنُ)، هاتِ إصبَعَكَ إلى هُنا وأبصِرْ يَدَيَّ، وهاتِ يَدَكَ وضَعْها في جَنبِي، ولا تَكُنْ غيرَ مُؤمِنٍ بل مُؤمِناً.

"أجابَ تُوما وقالَ لهُ رَبِّي وإلهِي. قالَ لهُ يسُوعُ لأنَّكَ رأيتَني يا تُوما آمنتَ. طوبى للَّذِينَ آمنُوا ولم يَرَوا." (يُوحَنَّا 20: 24- 29)

بإمكانِنا أن نُسمِّي قَولَ يسُوع هذا لتُوما بالتطويبَةِ التَّاسِعة. فبإمكانِنا أن نُضيفَ إلى المَواقِفِ الثَّمانِيَة الجميلة والمُبارَكة التي علَّمَها يسُوعُ على الجَبل (متَّى 5: 3- 11)، "طُوبَى للذينَ آمنُوا ولم يَرَوا." (يُوحَنَّا 20: 29) ولكن أرجُو أن لا نَقسُوا كَثيراً على تُوما. فبِسَبَبِ هذا المقطَع، نُسَمِّي تُوما بِتُوما المُشَكِّك. ولكن تَذَكَّرُوا أنَّ تُوما كانَ الشخصَ الذي قالَ في الإصحاح 11، عندما كانَ التَّلاميذُ خائِفينَ من الذَّهابِ إلى اليَهُوديَّةِ لِسببِ الخوفِ من تَفاقُمِ عداوَةِ رِجالِ الدِّين، والتي عرَّضَتِ المسيحَ للخَطَر، كانَ تُوما الشخصَ الذي قالَ، "فلنَذهَبْ نحنُ أيضاً ونمُوتَ معَهُ." (يُوحَنَّا 11: 16)

لقد كانَ لدى تُوما إيمانٌ. تأمَّلُوا بِهذه الكلمات لتُوما: "رَبِّي وإلهي!" (28) هذا الظُّهور العجائِبِيّ ليسُوع أمامَ تلاميذِهِ، هُوَ الآيَةُ الأخيرة التي يَذكُرُها يُوحَنَّا لنا، قبلَ أن يُخبِرَنا عن السَّبب الذي لأجلِهِ كتبَ هذا الإنجيل. فعبرَ الإصحاحاتِ العِشرين من الإنجيلِ الرَّابِع، قدَّمَ يُوحَنَّا براهينَ عجائِبيَّة ليُقنِعَنا أنَّ يسُوعَ هُوَ المسيح، إبن الله. كَلِمات تُوما هذه هي القصدُ الذي لأجلِهِ كتبَ يُوحَنَّا إنجيلَهُ. لقد كتبَهُ ليُقنِعَنا أنَّ يسُوعَ هُوَ المسيح إبن الله. هذا ما يعتَرِفُ بهِ تُوما عنِ المسيح. وتُوما لم يعتَرِفْ بالمسيحِ مُخَلِّصاً فحَسب، بل وإعتَرَفَ أيضاً بإيمانِهِ الشَّخصِيّ بيسُوع كرَبِّهِ وإلهِه.

بعدَ أن أعطَى يسُوعُ تقييمَهُ الواقِعيّ لإيمانِ تُوما، "لأنَّكَ رأَيتَني يا تُوما آمنتَ،" أعلنَ يسُوعُ هذه التَّطويبَة التَّاسِعة العَظيمة: "طُوبى للذِينَ آمنُوا وَلَمْ يَرَوا." (يُوحَنَّا 20: 29) وإذ ينبَغي علينا أن لا نَقسُوَ كثيراً على بُطرُس بِسَبَبِ إنكارِهِ ليسُوع، عندما تركَهُ كُلُّ رُسُلِهِ أيضاً (مرقُس 14: 50)، علينا أن لا نقسُوَ على تُوما لكَونِهِ آمنَ بما رأى، بعدَ أن تَبِعَ يسُوعَ لمدَّةِ ثلاثِ سنواتٍ. وكذلكَ فعلَ باقِي الرُّسُل. لقد آمنُوا لأنَّهُم رأُوا الماءَ يتحوَّلُ خمراً في قانا الجَليل. وآمنُوا لأنَّهُم رأُوا يسُوعَ يُهَدِّئُ العاصِفَة، ويشفِي المئات، ويُقيمُ لِعازارَ منَ المَوت. لهذا آمنُوا.فيسُوع لم يَكُنْ يُعَلِّمُ يسُوعَ فقط، بل باقي الرُّسُل، إذ علَّمَهُم الجوابَ على السُّؤالِ التَّالِي: "ما هُوَ الإيمان؟"

ولكن تأمَّلُوا بهذه التَّطويبَة التَّاسِعَة: "طُوبى للَّذِينَ آمنُوا ولَم يَرَوا." على منْ تنطَبِقُ بَرَكَهُ هذا الوعد؟ ليسَ على باقِي الرُّسُل، لأنَّهُم آمنُوا عندما رأَوا. لقد أعطَى يسُوعُ هذه التَّطويبَة التَّاسِعَة لتُوما والرُّسُل، لأجلِ بَرَكَةِ ومنفَعَةِ الملايين منَ المُؤمِنينَ الذين عرفَ أنَّهُم سيتبَعُوهُ عبرَ القُرونِ المُتَتابِعَة من تاريخِ الكنيسة، والذي كانُوا سيُؤمنُونَ بالمسيحِ الحَيِّ المُقام الذي ما كانُوا سيَرَونَهُ في حياتِهِم على الأرض.

هذا التَّعليمُ ليسُوع عنِ الإيمان، مُعَبَّرٌ عنهُ بفصاحَةٍ في كلمات بُطرُس المُوحاة التَّالِيَة: "الذي وإن لم تَروْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلكَ وإن كُنتُم لاترَونَهُ الآن لكن تُؤمِنُونَ بهِ. فتَبتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لا يُنطَقُ بهِ ومَجيد. نائِلينَ غايَةَ إيمانِكُم خلاص النُّفُوس." (1بُطرُس 1: 8، 9). هذا يعني أنَّ يسُوعَ قصدَ بهذه التَّطويبَة التَّاسِعة أن تَكُونَ إختِبارَ إيمانٍ لمُؤمِنينَ مثلكَ ومثلي. إنَّها مَوقِفٌ مَصحٌوبٌ بِبَرَكَة، مَوعُودٌ بها ومُعلَنة من قِبَلِ يسُوع لكُلِّ أُولئكَ الذين يُؤمِنُونَ بالمُخَلِّصِ المُقام منَ المَوت، حتَّى ولو لم يَرَوْهُ بأنفُسِهِم.

يختُمُ يُوحَنَّا هذا الإصحاحِ العشرين عندما يُعطِينا تَصريحَهُ العَظيم عن قَصدِهِ من كِتابَةِ إنجِيلِهِ. فبمعنَىً ما، وصلنا الآن إلى خاتِمَةِ هذه الدِّراسَة لإنجيلِ يُوحَنَّا عدداً بعدَ الآخر. يعتَقِدُ المُفَسِّرُونَ أنَّ الشَّهادَةَ المُنَظَّمَةَ عن يسُوع، والمُقدَّمَة من قِبَلِ يُوحَنَّا في هذا الإنجيل، تنتَهي بتصريحِهِ عن قصدِ كتابَةِ الإنجيل، والذي نَجِدُهُ في خاتِمَةِ الإصحاحِ العِشرين. أمَّا الإصحاحُ الأخيرُ فهُوَ بمثابَةِ مُلحَقٍ خِتامِيٍّ، الذي جاءَ بوحيِ الرُّوحِ القُدُس، في مكانِهِ ليُعَلِّمَنا حقيقَةً عميقَةً تتعلَّقُ بتطبيقِ المأمُوريَّةِ العُظمى التي أعطاها يسُوعُ للرُّسُل، كما سَجَّلَها يُوحَنَّا في الإصحاحِ العشرين.

هذا المَقطَعُ الختامِيُّ المُوحَى بهِ منَ الله، والذي يُعتَبَرُ بِمَثابَةِ مُلحَقٍ للسِّفر، هُوَ بالِغُ الأهمِّيَّة، كما سنرى في الفصلِ الأخير من هذا الكُتَيِّب. ولكنَّ خُلاصَةَ ما يُمكِنُ تسمِيَتُهُ المَوضُوع الرَّئيس لهذا الإنجيل، من الكلماتِ الأُولى التي دَوَّنَها يُوحَنَّا في الإصحاحِ الأَوَّل، وُصُولاً إلى العددِ التَّاسِع والعِشرين منَ الإصحاحِ العشرين، هي: "وآياتٌ أُخَر كثيرَة صَنعَ يسُوعُ قُدَّامَ تلامِيذِهِ لم تُكتَبْ في هذا الكِتاب. وأمَّا هذه فقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤمِنُوا أنَّ يَسُوعَ هُوَ المسيحُ إبنُ الله، وَلِكَي تَكُونَ لكُم إذا آمنتُم حياةٌ [أبديَّةٌ] بإسمِهِ." (يُوحَنَّا 20: 30، 31)

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

أهمية سوريا في التاريخ الديني

أولا - سوريا في الكتاب المقدس:

ُذكرت سوريا الكبرى والصغرى 300 مرة في الكتاب المقدس نقرأ في : ((لو2-20)) في تلك الأيام صدر امر من أوغسطس قيصر اذ كان كيرنييوس والي سوريا اي في عهد السيد المسيح و قيصر

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة