تفاسير

الفَصلُ الثَّالِث "مبادِئُ بُولُس الرُّوحِيَّة الأربَعة"

القسم: رسالة رومية آية آية الجزء الثاني.

المبدأ الرُّوحِيُّ الأوَّل: نامُوسُ الله

يبنِي بُولُس الآن على ما كتبَهُ في هذا التَّقديم المُوحَى، المَنطِقِي والشامِل للتَّبريرِ بالإيمان. فلقد كَتَبَ أنَّنا جَميعاً تحت الخَطيَّة، لأنَّنا جميعاً تحتَ نامُوسِ الله، الذي يُغلِقُ أَفواهَنا ويُرينا أنَّنا خُطاة.

لاحِظُوا أنَّنا قَبلَ أن يُشارِكَ بُولُس بهذه الإستِعارَة المجازِيَّة التي بها يبدَأُ هذا الإصحاح، يعتَرِفُ أنَّهُ يعرِفُ أنَّهُ يكتُبُ لأُولئكَ الذين يعرِفُونَ النَّامُوس. هذا يعني أنَّنا، كما رأينا في الإصحاحِ الثَّانِي، وعبرَ هذه الرِّسالَة بكامِلِها، أنَّهُ يُخاطِبُ اليَهُود. فهُوَ لا يَزالُ يُفَكِّرُ بأُولئكَ اليَهُود الذين إلتَقَى معَهُم عندَ وُصُولِهِ إلى رُوما (أعمال 28: 17- 29). عندما نقرأُ الأَعدادَ الأُولى منَ الإصحاحِ التَّاسِع من هذه الرِّسالة، سنفهَمُ لماذا يُفَكِّرُ هذا الرَّسُولُ دائماً باليَهُودِ أوَّلاً، ثُمَّ باليُونان، في كتاباتِهِ وعِظاتِهِ وتعليمِه.

وها هوَ الآن يُخاطِبُ أشخاصاً يُشبِهُونَ حالَتَهُ كما كانَ عندما كانَ لا يزالُ إسمُهُ شاوُل الطَّرسُوسِيّ. كَفَرِّيسيٍّ منَ الفَرِّيسيِّين، كرَّسَ شاوُل الطَّرسُوسِيُّ كُلَّ ذَرَّةٍ من من كيانِهِ ليحفَظَ نامُوسَ الله. والفَرِّيسيُّونَ أمثال شاوُل الطَّرسُوسيّ كانُوا سَيئي الذِّكر في الأناجيل. ولكن علينا أن نُدرِكَ أنَّهُ كانَ يُوجَدُ وجهٌ إيجابِيٌّ صالِحٌ في الفَرِّيسيّ. مثلاً، تشكَّلَت هذه الجماعَة للحفاظِ على إستِقامَةِ الإيمانِ اليَهُودِيّ. لقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ أُصُولِيِّي اليَهُود في فترَةِ العهدِ الجديد منَ التَّاريخِ العِبري. وكانَ الفَرِّيسيُّونَ أمثال شاوُل الطَّرسُوسِيّ يحفَظُونَ عن ظهرِ قَلبٍ نامُوسَ مُوسى، أو الأسفار الخمسة الأُولى منَ العهدِ القَديم. مُعظَمُ المسيحيِّينَ اليَوم لم يَقرَأُوا أسفارَ الكتاب المُقدَّس الخَمسة الأُولى بكامِلِها.

لقد كانُوا أشخاصاً أبراراً بِشَكلٍ لا يُصَدَّق. وكانَ بِرُّهُم نامُوسيَّاً، أي ذلكَ النَّوع منَ البِرِّ الذَّاتِيّ المُتَعَلِّق بِحَرفِ النَّامُوس، الأمرُ الذي قاوَمَهُ وواجَهَهُ يسُوعُ ورُسُلُهُ. ولقد أطاعُوا نامُوسَ اللهِ بِغَيرَةٍ لأنَّهُم آمنُوا بأنَّ خلاصَهُم يعتَمِدُ على النَّامُوس. ولكنَّهُم كانُوا صاحِبِي بِرٍّ ذاتِيّ، وكثيرُونَ منهُم كانُوا رِجالاً مُستَقيمِين.

بينما تقرأُونَ الأناجيل الأربَعة، لاحِظُوا محبَّةَ وصَبرَ يسُوع خلالَ مُحاوَلتِهِ الوُصُولِ للفَرِّيسيِّين أمثال نيقُوديمُوس، يُوسُف الرَّامِي، وأُولئكَ الذين تورَّطَ في حوارٍ معهُم، حتَّى ولو أصبحَ هذا الحوارُ عَدَائِيَّاً. أَعظَمُ مِثَالٍ عن محبَّةِ يسُوع للفَرِّيسيِّين، هُوَ توبَةُ وتجديدُ هذا الرَّسُول على طريقِ دِمَشق. عندما إختارَ المسيحُ المُقامُ أعظَمَ مُرسَلٍ عرفَتْهُ كنيسَةُ المسيحِ على الإطلاق، إختارَ فَرِّيسيَّاً منَ الفَرِّيسيِّين.

في مقطَعٍ يتكلَّمُ فيهِ عن سِيرَةِ حياتِهِ الذَّاتِيَّة، والذي كتبَهُ للفِيلبِّيِّين، أخبَرَهُم أنَّهُ إعتَبَرَ إلتزامَهُ بِحفظِ النَّامُوسِ نفايَةً، لأنَّهُ كَفَرِّيسيٍّ، آمنَ بأنَّ حِفظَ النَّامُوسِ سوفَ يُؤتِي لهُ الخلاص. وبينما كانَ يكتُبُ لكنيسةِ فيلبِّي، أنكَرَ ضَرُورَةِ الإلتِزامِ بالنَّامُوس قَسرِيَّاً. رُغمَ ذلكَ كانَ لدَيهِ عَطفٌ كَبيرٌ على اليَهُودِ ذَوِي البِرِّ الذَّاتِيّ، الذين كانُوا غَيُورِينَ في محبَّتِهِم لنامُوسِ الله. في رسالَتِهِ إلى أهلِ رُومية، ها هُوَ الآن يُخاطِبُ أُولئكَ الذينَ كانَ لديهم المُستَوى ذاته في الإلتِزامِ بِنامُوسِ الله.

فما هِيَ علاقَتُهُم بنامُوسِ الله، إذا أدركُوا أنَّهُ ليسَ بإمكانِهِم أن يتبرَّرُوا بحفظِ النَّامُوس؟ الجوابُ على هذا السُّؤال يُوجَدُ في الإستِعارَةِ التي بها بدأَ بُولُس هذا الإصحاح.

عندما وصفَ داوُد الصِّدِّيق، أو الإنسانَ المُبارَك في مزامِيرِهِ، كتبَ يَقُولُ أنَّ الإنسانَ المُبارَك يفرَحُ بنامُوسِ اللهِ، أو يُحِبُّ نامُوسَ الله (مَزمُور 1: 2). أطوَلُ مَزمُورٍ وأطوَلُ إصحاحٍ في الكتابِ المُقدَّس، منَ الواضِحِ أنَّهُ كُتِبَ من قِبَلِ شَخصٍ مثل عزرا، الذي كانَ لهُ محبَّةٌ جَمَّة لنامُوسِ الله (المزمُور 119).

عندما أدركَ اليَهُودُ الأتقياءُ الذين أحَبُّوا شَريعَةَ الله، عندما أدرَكُوا أنَّ هذا النَّامُوس لا يُخَلِّصُهُم، ناحُوا وتألَّمُوا كأرمَلَةٍ تنُوحُ على شريكِ حياتِها. لهذا يُقدِّمُ بُولُس هذه الإستِعارَة المُوحاة الرَّائِعة، التي تُذَكِّرُهُم بأنَّهُ عندما يفقُدُ الإنسانُ شَريكَ حياتِهِ، يُصبِحُ حُرَّاً بأن يتزوَّجَ ثانِيَةً. الآن وقد فقَدُوا "زَوجَهُم" (أي النَّامُوس)، أصبَحُوا أحراراً "ليَتزوَّجُوا" بِمَن يُريدُون. يكتُبُ بُولُس أنَّهُم إذا كانُوا يُؤمِنُونَ بما يُقدِّمُهُ لهُم، عليهِم الآنَ أن "يتزوَّجُوا" برَبِّهِم ومُخَلِّصِهِم المُقام، يسُوع المسيح!

أضف تعليق


قرأت لك

هل الملائكة هم وكلاء الله السريون؟

وُلدت زوجتي وتربّت في الصين، وهي ما تزال تذكر أن النمور الشرسة كانت تعيش في جبال الصين في تلك السنين.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة