تفاسير

الفَصلُ الرَّابِع "البِرُّ العلاقاتِيّ"

القسم: الموعظة على الجبل.

عَدُوُّكَ

"سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ تُحِبُّ قَريبَكَ وتُبغِضُ عَدُوَّك. وأمَّا أنا فأقُولُ لكُم أحِبُّوا أعداءَكُم. بارِكُوا لاعِنيكُم. أحسِنُوا إلى مُبغِضِيكُم. وصَلُّوا لأجلِ الذينَ يُسيئُونَ إليكُم ويطرُدُونَكُم. لِكَي تَكُونُوا أبناءَ أبيكُم الذي في السَّماوات. فإنَّهُ يُشرِقُ شَمسَهُ على الأشرارِ والصَّالِحين، ويمطُرُ على الأبرارِ والظَّالِمين. لأنَّهُ إن أحبَبتُم الذين يُحِبُّونَكُم فأيُّ أجرٍ لكُم. أليسَ العَشَّارُونَ أيضاً يفعَلُونَ ذلكَ. وإن سَلَّمتُم على إخوتِكُم فقط فأيَّ فضلٍ تصنَعُون. أليسَ العَشَّارُونَ أيضاً يفعَلُونَ هكذا. فكُونُوا أنتُم كامِلين كما أنَّ أباكُم الذي في السَّماواتِ هُوَ كامِل." (متَّى 5: 43- 48).

أعتَقِدُ أنَّ هذه الأعداد السِّتَّة هي الأعدادُ الأكثَرُ صُعُوبَةً في تعاليمِ يسُوع تفسيراً وتطبيقاً. فالكَنيسةُ لم تتَّفقْ يوماً على ما تعنيهِ هذه الأعداد، أو كيفَ يُمكِنُ تطبيقُها. فهِيَ تُعلِّمُ بمُستَوىً أخلاقِيٍّ رَفيعٍ جِدَّاً لم يَسبُقْ لهذا العالم أن يَعرِفَهُ.

لِلمَرَّةِ السَّادِسَة في هذا الإصحاح، يبدَأُ يسُوعُ تعليماً بالإشارَةِ إلى ما كانَ يُعَلِّمُ بهِ رجالُ الدِّين اليَهُود. هذه المَرَّة، علَّمَ يسُوعُ قائِلاً: "سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ، تُحِبُّ قَريبكَ وتُبغِضُ عَدُوَّك." نِصفُ هذا كانَ من مُوسى، والنِّصفُ الآخَرُ من تقليدِ اليَهُود. مُوسى أمرَ قائِلاً، "تُحِبُّ قَريبَكَ" (لاوِيِّين 19: 18)، ولكنَّهُ لم يأمُرْ أبداً، "تُبغِضُ عَدُوَّكَ." في سفرِ المزامير، نَجِدُ داوُد، الذي كانَ رَجُلاً بِحَسَبِ قَلبِ الله، يُخبِرُنا أنَّهُ أبغضَ أعداءَ الله. ولكنَّنا لا نرى وَصِيَّةً في كَلِمَةِ اللهِ بأن نُبغِضَ أعداءَنا.

خلالَ قِراءَتِنا للأعدادِ الأحد عشَر الأخيرة من هذا الإصحاح، منَ المُهمِّ جداً لنا أن نتذكَّرَ أنَّ هذا التَّعليم في "الخُلوة المَسيحيَّة الأُولى" لم يُعطَ لأُولئكَ الذين كانُوا قابِعينَ عندَ سَفحِ الجَبل. بل أعطى يسُوعُ هذا التَّعليم لأُولئكَ الذين كانُوا يَقُولُون بِحُضُورِهِم هُناكَ على الجَبَل، أنَّهُم كانُوا تلاميذَ ليَسُوع المسيح. حقيقَةُ كَونِهم مَدعُوِّين "تلاميذ" تعني أنَّهُ كانَ لدَيهم مُستَوَىً عالٍ منَ الإلتِزام بِيَسُوع، عندما أظهَرُوا ذلكَ في تلكَ الخُلوَة.

هذا هُوَ جَوهَرُ الإلتِزامِ الكامِل الذي طالَبَ بهِ يسُوعُ تلاميذَهُ: "إذا أردتُم أن تَتبَعُوني، ولكن لم تَكُونُوا مُستَعِدِّينَ أن تحمِلُوا صَليبَكُم وتَمُوتُوا لأجلِي، لا تَقدِرُونَ أن تَكُونوا لي تلاميذ. وإن لمَ تُريدُوا أن تَضَعُوني أوَّلاً، قبلَ كُلِّ النَّاسِ الآخرينَ في حياتِكُم – قبلَ الزَّوج، الزَّوجَة، الأبَ، الأُمّ، الأولاد، الوالِدَين – لا تَقدِرُونَ أن تَكُونُوا لي تلاميذ. وإن لم تَكُونُ راغَبينَ بأن تَتخَلُّوا عن كُلِّ مُلكِيَّة، لن يُمكِنَكُم أن تَكُونُوا تلاميذِي." (لُوقا 14: 25- 35).

أُولئِكَ الذين حَضَرُوا هذه الخُلوَة إتَّخَذُوا هذه الإلتِزاماتِ تجاهَ يسُوع. فلقد أخبَرُوا يسُوعَ أنَّهُم مُستَعِدُّونَ أن يحمِلُوا صَليبَهُم وأن يتبَعُوا يسُوع. ولَرُبَّما كانُوا قد رأوا الضَّحَايا المساكين للصَّلب الرُّومانِيّ، وهُم يحمِلُونَ صلبانَهُم إلى مكانِ صَلبِهِم. وعرَفُوا معنى هذه الإستِعارَة الرَّهيبَة. عندما أعطَى يسُوعُ التَّعليمَ في هذه الأعداد السِّتَّة، كانَ يُخبِرُهُم بِبساطَة لماذا، أينَ وكيفَ ينبَغي أن يحمِلُوا هذا الصَّليب خلالَ إتِّباعِهِم لهُ.

تعليمُ يسُوع هذا يُقَدِّمُ التَّحدِّي للطَّريقَة التي تعاطَى بها هؤُلاء القادَة الدِّينيُّون في تفسيرِهِم وتطبيقِهِم لنامُوسِ مُوسى. هل تَذكُرُونَ السُّؤال الذي طُرِحَ من قِبَلِ تلميذٍ للنَّامُوس، الأمرُ الذي أدَّى إلى إعطاءِ يسُوع لمَثَل السَّامِري الصَّالِح؟ كانَ ذلكَ السُّؤال، "من هُوَ قَريبِي؟" (لُوقا 10: 29) كانَ هذا سُؤالاً عميقاً جدَّاً لأنَّ الأخلاقَ التَّقليديَّة، التي علَّمَها الكَتَبَةُ والفَرِّيسيُّون، كانَت أنَّ قريبَكَ هُوَ أخُوكَ اليَهُودِيّ، أمَّا كُلُّ شَخصٍ غير يَهُودِيّ في العالم، فكانَ عَدُوَّك. ومن ثَمَّ أُعطِيَ هذا التَّطبيق: أحبِبْ قَريبَكَ اليَهُودِيّ، ولكن أَبْغِضْ كُلَّ الباقِين.

تأكَّدُوا من أن تُلاحِظُوا أنَّ الدِّافِعَ لمَحَبَّةِ أعدائِنا هُو: "لِكَي تَكُونُوا أبناءَ أبيكُم الذي في السَّماوات." هذه هي البَرَكَة التي وعدَ بها يسُوعُ أُولئِكَ الذين عاشُوا تطويبَتيهِ السَّابِعَة والثَّامِنَة كصانِعي سلامٍ مُضطَّهَدِين.

هُناكَ على الأقَل مبدَأٌ آخر عَنِ الإلتِزام الذي ينبَغي أن يَكُونَ في مَوقِعِهِ الصَّحيح، إذا أردنا أن نأخُذَ تعليمَ يسُوع هذا على محمَلِ الجَدّ. إذا قَرأنا هذه الأعداد وقُلنا، "إذا فَعَلنا هذا، سَنَخسَرُ كُلَّ شَيء،" عندَها لن يَعنيَ هذا التَّعليمُ شَيئاً بالنِّسبَةِ لنا. علينا أن نُدرِكَ أنَّ المُحافَظَة على بَقائِنا ليسَ قِمَّةَ الأخلاقِ لدَى تلميذِ يسُوع المسيح.

لقد فَهِمَ الرَّسُولُ بُولُس إلتِزامَ التَّلامِيذ عندَما كتبَ يَقُولُ، "معَ المَسيحِ صُلِبتُ فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ؛ فما أحياهُ الآنَ في الجَسد فإنَّما أحياهُ في الإيمان، إيمانِ إبنِ الله الذي أحَبَّني وأسلَمَ نفسَهُ لأجلِي." (غلاطية 2: 20).

ماذا يعني أن نُصلَبَ معَ المسيح؟ يعني أن نَكُونَ راغبينَ بأن نحملَ صَليبَنا ونتبَعَهُ. عندما واجَهَ يسُوعُ صَليبَهُ الخاصّ بهِ، قالَ: "إن لم تقَعْ حبَّةُ الحِنطَةِ في الأرضِ وتَمُت فهي تبقَى وحدَها، ولكن إن ماتَت تأتي بِثَمَرٍ كَثير." ثُمَّ صَلَّى قائِلاً: "أيُّها الآب، الآن نفسي قدِ إضطَّرَبَت. وماذا أقُول؟ أيُّها الآب نَجِّني من هذه السَّاعَة؟ ولكن لأجلِ هذا أتيتُ إلى هذه السَّاعَة." ولقد صَلَّى أيضاً، "أيُّها الآبُ، مَجِّد إسمَكَ." فأجابَهُ صَوتٌ منَ السَّماءِ بما مَعناهُ،: "لقد فعلتُ هذا سابِقاً، وسأفعَلُهُ مُجَدَّداً." (يُوحَنَّا 12: 23- 28) في إطارِ أزَمَتِهِ، أمرَ يسُوعُ تلاميذَهُ أن يَنضَمُّوا معَهُ في قُبُولِهِم للإلتِزامِ الكامِل الذي قدَّمَ لهُم مِثالاً عنهُ عندما واجَهَ صَليبَهُ (يُوحنَّا 12: 25، 26).

حَضَّ أحدُ الرُّعاةِ الأتقِياء كُلَّ تلميذٍ ليَسُوع المسيح أن يُصَلِّيَ هذه الصَّلاة: "أيُّها الآبُ، مَجِّد نفسَكَ وأرسِلْ لي الفاتُورَة. فأنا مُستَعِدٌّ لأيِّ شَيءٍ تُريدُهُ يا رَبّ. فقط مَجِّدْ نفسَكَ!" فقط عندَما نلتَقي بِرَبِّنا في الصَّلاةِ التي صلاها تحتَ ظِلالِ صليبِهِ، فقط عندَها سنفهَمُ ونقبَلُ ونُطَبِّقُ أعلى مُستَوىً حضارِي سبقَ لهذا العالم وسَمِعَ بهِ.

خِلالَ الحُرُوب المُقدَّسة، كانَ فرنسيس الأسيزي يُداوِي عَدُوَّاً مُحارِباً تُركِيَّاً جُرِحَ في المَعرَكَة. فقالَ لهُ أحدُ المُحارِبينَ الصَّليبيِّين الذي كانَ مُجتازاً بِقُربِهِ، "إذا تعافَى هذا التُّركِيُّ يا فرنسيس، سوفَ يقتُلُكَ!" فأجابَ فرنسيس، "حسناً، ولكنَّهُ سيكُونُ قد عرفَ ما هي المحبَّةُ الإلهيَّة، قبلَ أن يقتُلَني!"

لاحِظُوا كيفَ ختمَ يسُوعُ تعليمَهُ: "فَكُونُوا أنتُم كامِلينَ كما أنَّ أباكُم الذي في السَّماواتِ هُوَ كامِل." (متَّى 5: 48) كَلِمَة "كامِل" لا تَعني الكمال المُنَزَّه عنِ الخَطيَّة. بل تعني، "كُونُوا ناضجين، تامِّينَ، كما خلقَكُم اللهُ لِتَكُونُوا." إن كانَت كَلِمَة "كامِل" تُزعِجُكُم، أنسُوا كَلِمَة "كامِل" وإحذِفُوها من بدايَةِ ونهايَةِ هذا العدد. كتَلخِيصٍ لِكُلِّ تعليمِهِ عن رُوحِ النَّامُوس، يُعَلِّمُ يسُوعُ أنَّهُ علينا أن نَكُونَ مثلَ أبينا السَّماوِي." يُعَلِّمُ يسُوعُ أنَّنا كأولادِ اللهِ علينا أن نَكُونَ مثل اللهِ أبينا. فكيفَ هُوَ أبُونا السَّماوِي؟

يُعَلِّمُ الرَّسُول بُولُس الأزواجَ أن يُحِبُّوا زوجاتِهِم، كما أحَبَّ المسيحُ الكنيسةَ وأسلَمَ نفسَهُ لأَجلِها." (أفسُس 5: 25) عندما عَلَّمَ بُولُس هؤُلاء الأزواج ليُحِبُّوا، كما أحَبَّ المسيحُ الكَنيسَةَ، وأن يُعطُوا كما أعطَى ويُعطي، كانَ بُولُس يُعَلِّمُ بالفِعل الشَّيءَ نفسَهُ الذي كانَ يسُوعُ يُعَلِّمُ بهِ هُنا: علَينا أن نَكُونَ كما هُوَ المسيح. فهل هذا مُمكِنٌ؟

ما هُوَ التَّعليمُ الأكثَر ديناميكيَّة في العهدِ الجديد؟ بالنِّسبَةِ لي، إنَّهُ التَّالي: "المسيحُ فيكُم رجاءُ المَجد." كتبَ بُولُس ما معناهُ: "لقد أُقِمتُ من اللهِ لأُشارِكَ سِرَّاً معَ الكنيسة. وهذا السِّرّ هُوَ بِبٍَساطَة التَّالِي، أنَّ المسيحَ فيكُم هُوَ رَجاؤُكُم الوحيد. (كُولوسي 1: 27).

هذا التَّعليمُ الأخلاقِيُّ ليَسُوع المسيح هُوَ مُستَحيلٌ تماماً – لا بَل هُوَ مدعاةٌ للسُّخرِيَة – إلا إذا كانت هذه المُعجِزة العظيمة في مَوقِعها الصَّحيح: "المسيحُ فيكُم، وأنتُم في المسيح،" و، "معاً معَهُ." ولكنَّ التَّعليمَ الأكثَر ديناميكيَّةً في العهدِ الجديد هُوَ في مكانِهِ الصَّحيح! فبإمكانِنا أخذ هذ التَّعليم على محمَلِ الجَدّ، لنتجرَّأَ ونُجيبَ على هذه الأسئِلَة: "ماذا قالَ يسُوع؟ وماذا قصدَ يسُوع؟ وماذا يعني هذا لنا؟"

العددُ الأعمَقُ في هذا المقطَعِ المَهُوب من كَلِمَةِ الله، يُناسِبُ ستراتيجيَّة وهدف مُهِمَّة يسُوع، بينما كانَ يعقُدُ هذه الخُلوة. طرحَ يسُوعُ السُّؤالَ التَّالِي: "ماذا تعمَلُونَ أكثَرَ منَ الآخرين؟"

كما أشَرتُ سابِقاً، ينبَغي أن يَكُونَ المِلحُ مُختَلِفاً عنِ اللحم الذي سيُفرَكُ بهِ، إن كانَ سيحفَظُ هذا اللحم منَ الفَساد. تقُولُ إحدَى التَّرجَمات: "إذا أحبَبتُم فقط الذين يُحِبُّونَكُم، فايُّ فضلٍ تصنَعُون؟" (متَّى 5: 46) المعنى المقصُود هُوَ أنَّهُ لا يتطلَّبُ الأمرُ نعمَةً لنُحِبَّ أُولئِكَ الذين يُحِبُّونَنا، ولكن محبَّةَ أعدائِنا تتطلَّبُ نعمَةً خارِقَةً للطَّبيعَة.

المقطَعُ الصَّعبُ – وهُوَ بالحقيقَة هذا الإصحاح بكامِلهِ – يتحدَّانا بالسُّؤال التَّالِي: "هل يُوجَدُ شَيءٌ في حياتِنا الذي يُمكِنُ أن يُفَسَّرَ فقط بالسِّرِّ الرُّوحي أنَّ رَبَّنا المُقام يسُوع المسيح يحيا في قُلُوبِنا؟"

أضف تعليق


قرأت لك

وحده تحمّل كل شيء

يا له من إله ويا له من خالق، هو صاحب الطبيعة التجاوزية الذي خلق الكون من العدم، بكلمة منه كوّن ذرّات تنسجم مع بعضها البعض لتتحول إلى شكل جسم رائع، وبكلمة منه جعل الشمس تنير علينا وتبهرنا من روعتها فتقلب الظلمة نور. وبكلمة منه إذ نفخ في التراب فحوله إلى كائن بشري يتكلم ويفكر فكان الإنسان، هو الخالق وهو مصدر كل شيء، هو بنفسه تحمل آلام الصليب وحده ومنفردا حمل كل شيء وتحمّل كل شيء.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة