تفاسير

الفصلُ الثاني المحبَّة

القسم: قيم المسيح الجزء الأول.

عندما عرفَ يسُوعُ أنَّ ساعتَهُ جاءَت لِيُحاكمَ من قِبَلِ السُّلطاتِ المدنيَّة الرُّومانِيَّة والسلطات الدينيَّة اليَهُوديَّة، ولِيُصلَبَ، أمضَى ليلتَهُ الأخيرة معَ إثنَي عشرَ رجُلاً كلَّفَهُم بأن يكُونُوا رُسُلَهُ، أو "مُرسَليهِ." قدَّمَ يُوحنَّا لسَردِهِ لما قالَهُ يسُوعُ تِلكَ الليلة لهؤُلاء الرِّجال بالقَول: "أمَّا يسُوعُ قبلَ عِيدِ الفِصح وهُوَ عالِمٌ أنَّ ساعَتَهُ قد جاءَت لِيَنتَقِلَ من هذا العالم إلى الآب إذ كانَ قد أحَبَّ خاصَّتَهُ الذين في العالم أحبَّهُم إلى المُنتَهى." (يُوحنَّا 13: 1). فبما أنَّ يسُوعَ كانَ واعِياً بالتمام أنَّ حياتَهُ في هذا العالم قد أشرَفَت على نِهايَتِها، إلتَقَى يسُوعُ معَ هؤُلاء الرِّجال ليُظهِرَ لهُم مدى محبَّتِهِ لهُم."

لقد عرفَ التلاميذُ أنَّ يسُوعَ أحبَّهُم، حتَّى قبلَ هذه اللحظات النهائيَّة. فيسُوعُ كانَ قد أحبَّ هؤُلاء الرِّجال لمُدَّةِ ثلاثِ سنوات. ويبدُو أنَّ يُوحنَّا لم يكُفَّ عن التعجُّبِ من كونِ يسُوع قد أحبَّهُ. فعبرَ كامِلِ إنجيلِهِ، يُشيرُ إلى نفسِهِ بالتالي، "التلميذ الذي أحبَّهُ يسُوع." بعدَ سِتِّينَ عاماً، أهدَى يُوحنَّا السفرَ الأخير في العهدِ الجديد ليسُوع المسيح بالكلماتِ التالية، "...للَّذِي أحبَّنا."

جَميعُ الذين تمتَّعُوا بذلكَ الإختِبار المُبارَك إذ نظَرُوا وجهَ يسُوع، عرفُوا أنَّهُ أحبَّهُم. فكيفَ إختَلَفَت إذاً تِلكَ اللحظات الأخيرةُ في العُلِّيَّة عن أيِّ وقتٍ آخر قضوهُ معَهُ؟ ففي تِلكَ العُلِّيَّة، قامَ يسُوعُ بما يقُومُ بهِ أيُّ عبدٍ أو خادِمِ منزِلٍ. أخذَ وعاءً مملووءاً بالماء ومِنشَفَةً، وغسلَ أرجُلَهُم. لقد حيَّرَ هذا العملُ المُتواضِعُ التلاميذَ. يُخبِرُنا إنجيلُ لُوقا أنَّهُ على الطريقِ إلى الخُلوَةِ في تِلكَ العُلِّيَّة، كان التلاميذُ يتحاجَجُونَ فيما بينَهُم عمَّن سيكُونُ الأعظَمُ بينَهُم في الملكوتِ الذي كلَّمَهُم عنهُ يسُوع. لا بُدَّ أنَّهُم تأثَّرُوا كَثيراً بالطريقَةِ التي كلَّمَهُم بها يسُوعُ خلالَ الساعاتِ الأخيرة التي قضاها معَهُم (يُوحنَّا 13: 1- 17).

عندما إنتَهَى يسُوعُ من غسلِ أرجُلِهم، سألَهُم، "أتَفْهَمُونَ ما قد صَنَعتُ بِكُم؟" يبدُو وكأنَّ الجوابَ كانَ واضِحاً. لقد غَسلَ أرجُلَهُم. ولكنَّ الجوابَ الذي أرادَهُ يسُوعُ على سُؤالِهِ يُمكِنُ أن نجِدَهُ في العدد الإفتِتاحِيّ من القصَّةِ التي يسرُدُها يُوحنَّا: "إذ كانَ قد أحبَّ خاصَّتَهُ الذين في العالم أحَبَّهُم إلى المُنتَهَى." فعندَما غسلَ يسُوعُ أرجُلَهم، أحبَّهُم.

لقد أحَبَّ يسُوعُ هؤلاء الرِّجال، ولقد تجاوَبُوا معَ محبَّتِهِ لهُم بطُرُقٍ مشُوبَةٍ بالنَّقص. لقد أقامَ يسُوعُ عهداً معهُم: "هَلُمُّوا روائي فأجعَلَكُم صيَّادي ناس." (متَّى 4: 19) كانُوا في عهدٍ معَ يسُوع لمُدَّةِ ثلاثِ سنوات. خِلالَ هذه المرحلة، إكتَشَفُوا أنَّ المحبَّةَ كانت القُوَّةَ الدافِعة وراءَ هذا العهد. فلقد أحبَّهُم يسُوعُ بطُرُقٍ لم يُحِبُّهم بها أحدٌ من قَبل، وجعلَ منهُم أكثَر ممَّا كانُوا يعرِفُون أو يحلُمُونَ بأن يكُونُوا. ولكن، أنا أعتَقِدُ أنَّهُ لم تخطُرُ بِبَالِهم أبداً فكرَةُ أنَّهُ عليهم أن يُقيمُوا عهدَ محبَّةٍ معَ بعضِهم البعض.

وفي وسطِ هذه الفترة الأخيرة التي قضاها معهُم، وضعَ يسُوعُ أمامَهُم تحدِّي أن يُقيمُوا عهداً جديداً، عندما أعطاهُم وصيَّةً جديدة: "وَصِيَّةً جَديدَةً أنا أُعطِيكُم أن تُحِبُّوا بعضُكُم بعضاً. كما أحبَبتُكُم أنا تُحِبُّونَ أنتُم أيضاً بعضُكُم بعضاً." (يُوحنَّا 13: 34). عندما أعطَى يسُوعُ هذه الوَصيَّة الجديدة، عرَّفَ نوعَ المحبَّة التي بها ينبَغي أن يُحِبُّوا بعضُهُم بعضاً. كانَ عَلَيهِم أن يُحِبُّوا بعضُهم بعضاً كما أو بنفسِ الطريقة التي أحبَّهُم بها. كانَ عليهم أن يغسِلوا بعضُهم أرجُلَ بعض، كما غَسَلَ هُوَ أرجُلَهُم.

لطالَما تصوَّرتُ الرُّسُلَ ينظُرُونَ بعضُهم إلى البَعضِ الآخر، مُدرِكِينَ ماذا سيعني لهُم أن يُطيعوا هذه الوصيَّة الجديدة. أحدُ الرُّسُل كانَ عشَّاراً يجمَعُ الضرائِبَ لمصلَحَةِ الرُّومان من إخوتِهِ اليَهود. آخَرُ كانَ من الغَيُورين، الذي كانُوا من المُقاتِلينَ المُتَحَمِّسينَ الذين آمنُوا بالمُقاوَمةِ ضِدَّ الإحتِلالِ الرُّوماني لِفِلسطين. أتصوَّرُ أنَّ عُيُونَهُم إلتَقَت بِبَعضِها البعض على المائِدة، وأخذُوا يُفكِّرون، "أيجُوز أن أُحِبَّ أنا هذا الآخر؟" بالطبعِ كانَ الجوابُ، "نعم، عليكَ أن تُحِبَّهُ، وأن تغسِلَ رجلَيه. لأنَّهُ عندما سيسمَعُ العالَمُ أنَّ غَيُوراً يغسِلُ أرجُلَ عشَّار، سيعرِفُ العالَمُ أنَّكُم تلاميذي."

أكثَرُ طريقَةٍ فعَّالَةٍ لتعليمِ أطفالِنا المحبَّة، هي أن نُحِبَّهُم، وأن نُظهِرَ لهُم أنَّ أَباهُم وأُمَّهُم يُحِبَّانِ بعضُهما بعضاً. كانَ يسُوعُ يقُولُ للرُّسُل أنَّهُ كلَّفَهُم ودرَّبَهُم لمُدَّةِ ثلاثِ سنين ليُعلِنُوا إنجيلَ المحبَّةِ للعالَمِ أجمَع. عندما أعطاهُم وصيَّتَهُ الجديدة، كانَ يقُولُ لهُم بطريقَةٍ أو بِأُخرى، أنَّ أفضَلَ طَريقَةٍ لتَعليمِ المحبَّةِ لهذا العالم بأسرِهِ كانت بأن ننظُرَ إلى الطرفِ الآخر من المائِدة. ثُمَّ بأنَّ نلتَزِمَ بأن نُحِبَّ بعضُنا بعضاً كما هُوَ أحبَّنا.

لقد خلقت هذه الوصيَّةُ الجديدةُ مُجتَمَعاً جديداً، كانَ سيُسمَّى فيما بعد الكنيسة. فبِمَحَبَّتِهم لبَعضِهم البعض كما أحبَّهُم يسُوع، قالَ لهُم يسُوعُ أنَّ هذا سيُميِّزُهُم عن العالم: "بهذا يعرفُ الناسُ أنَّكُم تلاميذي، إن كانَ لكُم [هذا النَّوع] من المحبَّة لبَعضِكُم البعض." (يُوحنَّا 13: 35). وهذا ما حدَثَ بالضبط. فبعدَ أن صعِدَ المسيحُ إلى السماء، حلَّ الرُّوحُ القدُسُ على المُؤمنين، فوُلِدَِتِ الكنيسة.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

هل تشعر بالسلام القلبي؟

"لأنه يخبئني في مظلّته في يوم الشر. يسترني بستر خيمته .على صخرة يرفعني" (مزمور 5:27). الثقة التي يتحدّث عنها الكتاب المقدس تشير إلى الطمأنينة وراحة القلب التي يتمتع بها المؤمن في المسيح. فعلينا أن نكون كما سيدنا وهذا شرف لنا، فالمسيح كان دائما في سلام واطمئنان ولم يفقد سلامه وهدوءه ولا مرة واحدة. والسبب أن طمأنينته كانت نابعة من ثقته بالآب السماوي. 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة