تفاسير

الفَصلُ الأوَّل محبَّةُ الأعداء

القسم: قيم المسيح الجزء الثاني.

سوفَ يبقَى الحادي عشَر من أيلول عام 2001، صَفحَةً مُؤلمَة في ذاكِرة أمِيركا. فلقد هزَّت أحداثُ ذلكَ اليوم أميركا والعالم، ليسَ فقط بسبب الموتِ المأساوِيّ للآلاف. فقِيَمُ المَلايين من الناس تأثَّرت في ذلكَ اليوم. ولقد ذكَرَ يسُوعُ الكَثيرَ عن القِيَم في تعلِيمِهِ. علَّمَ أنَّ قِيَمَنا تُظهِرُ لنا أينَ هِي قُلُوبُنا، وشدَّدَ على الحقيقَة أنَّ قُلُوبَنا لا ينبَغي أن تنشَغِلَ "بكُنُوزِ الأرض،" بل "بِكُنُوزِ السماء." وأعطى سببَين هامَّين لهذا: الكُنُوز الأرضيَّة تفقُدُ قيمتَها، ويمُكنُ أن تُسرَقَ منَّا. لهذا، علينا أن نصنعَ لنا في السماءِ كُنُوزاً لا تفنَى ولا تُنزَعُ منَّا، كما قالَ يسُوع (متَّى 6: 19- 34).

بِحَسَبِ القامُوس، القِيمَةُ هي "نَوعِيَّةُ  أمرٍ مُعَيَّن، التي بها نُحدِّدُ ما إذا كانَ هذا الأمرُ أكثَرَ أو أقلَّ منفَعَةً وفائِدةً، وبالتالي مقدارَ الرغبَة بهذا الأمر." وكما تعلَّمنا في الجزءِ الأوَّل من هذه السلسِلة حولَ قيم المسيح، كانَ ليسُوع نِظام قِيَمٍ وعلينا أن نعتَرِفَ بقيم يسُوع المسيح هذه.

في اللغةِ اليُونانِيَّة التي كُتِبَ بها العهدُ الجديد، نجدُ أنَّ كلمة "إعتِراف" هي كلمةٌ مُركَّبَة من كَلِمَتَين هُما: "قولُ المِثل." فالإعتِرافُ يعني حرفِيَّاً، "أن نَقُولَ المِثل، أو أن نقُولَ الشيءَ نفسَهُ،" أو "المُوافَقة." أن نعتَرِفَ بيسُوع المسيح يعني أن نقولَ الشيءَ نفسَهُ الذي يقُولُهُ يسُوع عندما يُعرِّفُ قيمَةً.

لقد أحَبَّ يسُوعُ الكَثيرَ من النَّاس عندما كانَ في هذا العالم. في هذه الدِّراسَة، أُريدُ أن أتأمَّلَ بمحبَّةِ يسُوع لأعدائِنا. لقد كانَ يسُوعُ فريداً بينَ غيرِهِ من الشخصِيَّات العالَميَّة، بكونِهِ أحبَّ أعداءَهُ. عندما كانَ مُعلَّقَاً على الصَّلِيب صلَّى تلكَ الصلاة غير الإعتِيادِيَّة لأولئكَ الذين صلَبُوهُ قائِلاً، "إغفِرْ لهُم يا أبَتاهُ لأنَّهُم لا يعلَمُونَ ماذا يفعَلُون." يا لِهذهِ اللحظة الحاسِمة اللافِتة، أنَّهُ عندما كانَ يمُوتُ عن الخُطاةِ في هذا العالم، ومن أجلِ الناس أنفُسِهم الذين كانُوا يصلُبُونَهُ، كانَ قادِراً أن يُصَلِّيَ صلاتَهُ العَظيمة: "إغفِرْ لهُم يا أبتاهُ." (لُوقا 23: 34)

كتَبَ بُولُس يقُولُ أنَّهُ عندما أحبَّ يسُوعُ أعداءَهُ، كانَ يُحِبُّنا جميعاً:

"لأنَّ المسيح إذْ كُنَّا بعدُ ضُعَفاء ماتَ في الوَقتِ المُعَيَّن لأجلِ الفُجَّار. ولكنَّ اللهَ بَيَّنَ محبَّتَهُ لنا لأنَّهُ ونَحنُ بعدُ خُطاةٌ ماتَ المَسيح لأجلِنا. لأنَّهُ إن كُنَّا ونَحنُ أعداءٌ قد صُولِحنا معَ اللهِ بِمَوتِ إبنهِ، فَبِالأَولى كثيراً ونحنُ مُصالَحُون نخلُصُ بِحَياتِهِ."(رُومية 5: 6، 8، 10)

في هذا المَقطَع، يُخبِرُنا بُولُس أنَّ محبَّةَ المسيح فَريدَةٌ، لأنَّها غيرُ مشرُوطة. فهُوَ لا يُحِبُّنا فقط عندما نُحسِنُ التصرُّف، بل يُحِبُّنا أيضاً عندما نُخطِئُ، رُغمَ أنَّ هذا يُحزِنُهُ. ولقد برهَنَ هذه المحبَّة لأنَّهُ ماتَ لأجلِنا ونحنُ لا نزالُ خُطاةً آثمين- أي عندما كُنَّا لا نزالُ أعداءَهُ. فلو لم يُحِبّ يسُوعُ أعداءَهُ، لما كانَ هُناكَ خلاصٌ مُتوفِّرٌ لأيٍّ منَّا.

لقد كانَ لدى يسُوع ذلكَ النَّوع من المحبَّة، الذي نجدُ وصفاً لهُ في إصحاحِ المحبَّةِ العظيم لبُولُس الرسُول، ذلكَ النوع من المحبَّة التي لا تسقطُ لأنَّها غيرُ مشرُوطة، وغيرُ مَبنِيَّة على حُسنِ الأداء (1كُورنثُوس 13: 4- 7)

فالآن، يسُوع لم يُحِبّ أعداءَهُ بالمِثال، بل علَّمَ أيضاً أنَّهُ علينا أن نُحِبَّ أعداءَنا. لقد علَّمَ يسُوعُ أعظَمِ أخلاقٍ أدَبيَّةٍ سمِعَها العالَمُ، عندما أعطى عظتَهُ على الجَبَل:

"سَمِعتُم أنَّهُ قِيل تُحِبُّ قَريبَكَ وتُبغِضُ عَدُوَّك. وأمَّا أنا فأقُولُ لكُم أحِبُّوا أعداءَكُم. بارِكُوا لاعِنيكُم. أحسِنُوا إلى مُبغِضِيكُم. وصَلُّوا لأجلِ الذينَ يُسيئُونَ إليكُم ويطرُدُونَكُم. لِكَي تكُونُوا أبناءَ أبيكُم الذي في السماوات. فإنَّهُ يُشرِقُ شمسَهُ على الأشرارِ والصالِحين ويمطُرُ على الأبرارِ والظَّالِمين. لأنَّهُ إن أحبَبْتُم الذين يُحِبُّونَكُم فأيُّ أجرٍ لكُم. ألَيسَ العَشَّارُونَ أيضاً يفعَلُونَ ذلكَ. وإن سلَّمتُم على إخوتِكُم فقط فأيَّ فضلٍ تصنَعُون. ألَيسَ العَشَّارُونَ أيضاً يفعَلُونَ هذا. فكُونُوا أنتُم كامِلينَ كما أنَّ أباكُم الذي في السماوات هُوَ كامِل." (متَّى 5: 43- 48).

عندما أعطَى يسُوعُ هذا التَّعليم العَظيم، كانَ يقصُدُ أن يقُول: "عَلَيكُم أن تعتَرِفُوا بالقِيمَةِ التي وضعتُها على المحبَّة، ليسَ فقط بمحبَّةِ بعضِكُم البعض، بَل بمحبَّةِ أعدائِكُم الذين لا يُحَبُّون." ثُمَّ ختمَ هذا التعليم المَليء بالتحدِّي، بطرحِ سُؤال: "إن أحبَبتُم الذين يُحِبُّونَكُم، فأيُّ أجرٍ لكُم؟" يقُولُ الأصلُ اليونانِيُّ الحَرفِ، "إن كُنتُم تُحِبُّونَ فقط الذين يُحِبُّونَكُم، فأيَّةَ نِعمَةً تصنَعُون؟ فأن تُحِبُّوا الذين يُحِبُّونَكُم لا يتطلَّبُ أيَّةَ نعمة." لقد كانت ستراتيجيَّةُ يسُوع، ولا تزال، أن يُؤثِّرَ على هذا العالم بإظهارِهِ لهذا العالم ما لا يراهُ العالَمُ كُلَّ يوم: أشخاصاً يُحبِّونَ أعداءَهُم الذي لا يُحَبُّون.

خلالَ الحُرُوبِ الصَّليبيَّة، كانَ فرنسيس الأسيزِيّ يرعَى جُنديَّاً عدُوَّاً مجرُوحاً. فصرخَ أحدُ المُحارِبينَ الصَّليبيِّين من أعلى جوادهِ قائِلاً لِفرنسيس، "عندما يطيبُ جُرحُ هذا العَدُوُّ، سوفَ يقتُلُكَ يا فرنسيس." فأجابَهُ فرنسيس، "ولكنَّهُ سيفهَمُ معنى المحبَّةِ الإلهيَّة قبلَ أن يفعَلَ ذلكَ!"

لقد تحدَّى يسُوعُ الرُّسُلَ بالعرضِ التالي: "إن كُنتُم تعتَرِفُونَ بالقيمةِ التي أضعُها على محبَّةِ الذين لا يُمكِنُ محبَّتُهم، فسوفَ تُؤثِّرُونَ على العالم!" فإن كُنتُم ستُحِبُّون الذين يُحِبُّونَكُم، فأنتُم لا تختَلِفُونَ عن أهلِ هذا العالم. فالجميعُ يُحبُّونَ الذين يُحِبُّونَهُم. هذه هي المحبَّةُ الإنسانيَّةُ المَشرُوطة.

يا لِهذا التحدِّي أن نُحِبَّ الذي لا يُحَبّ، بطريقَةٍ غيرِ مشرُوطة، كما فعلَ يسُوع! فعندما قالَ يسُوعُ أنَّ محبَّةَ الذين يُحِبُّونَنا لا تتطلَّبُ أيَّةَ نِعمة، كانَ يقصُدُ القَول أنَّ المحبَّة غير المشرُوطة تتطلَّبُ الكَثيرَ من النعمة، كما أحَبَّ المسيحُ أعداءَهُ. إنَّ أكثَرَ تعليمٍ ديناميكيٍّ في العهدِ الجديد هُوَ أنَّ المسيحَ الحَيَّ المُقامَ يحيا فِيَّ وفِيكَ. هذا يعني أنَّهُ يقدِرُ أن يُحِبَّ أعداءَنا الذين لا يُحَبُّونَ، من خِلالِي ومن خِلالِك! (أنظُر يُوحنَّا 4: 7- 21؛ كُولوسي 1: 27)

الجزءُ الأخيرُ من هذا التعليم هُوَ: "لهذا كُونُوا كامِلينَ كما أنَّ أباكُم الذي في السماواتِ هُوَ كامِل." ولكنَّ هذه الكلمة "كامِل" تُزعِجُ النَّاس. فهي تعني بالحقيقَة "تامّ أو ناضِج." فإن كانت كلمة "كامِل" تُزعِجُكَ، إقرَأ متَّى 5: 48 واترُكْ كلمة "كامِل." "فَكُونُوا كامِلينَ كما أنَّ أباكُم الذي في السماواتِ هُوَ كامِلٌ." يُوصِي بُولُس الرسُول الأزواجَ بأن يُحِبُّوا زوجاتِهم كما أحبَّ المسيحُ الكَنيسة. وينبَغي أن يبذُلوا ذواتهم لزوجاتِهم، تماماً كما بذلَ المسيحُ نفسَهُ من أجلِ الكَنيسة (أفسُس 5: 25). عليهِم أن يُحِبُّوا ويبذُلُوا كما أحَبَّ المسيحُ وبذلَ نفسَهُ من أجلِ الكنيسة. فهل هذا مُمكن؟ نعم. فإن كانَ المسيحُ يحيا فينا، لن يكُونَ هذا مُمكِناً فقط، بل وسيكُونُ طبيعيَّاً أيضاً.

ينبَغي علينا أن نكُونَ محبَّةَ المسيح في هذا العالم. علينا أن نكُونَ مُحِبِّين، وينبَغي أن نُحِبَّ بدُونِ شُرُوط، لأنَّ المسيحَ يحيا فينا ومن خِلالِنا. كُلُّ تلميذٍ ليسُوع المسيح ينبَغي أن يقُولَ ما قالَهُ فرنسيس الأسيزيّ للخاطِئِ في هذا العالم، وحتَّى لأعداءِ يسُوع المسيح والله الآب. يا لهذا التحدِّي! هل تعتَرِفُ بالقيمةِ التي أولاها يسُوعُ لِمحبَّةِ أعدائِكَ؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

طيور لا تطير

"وأما منتظروا الرب فيجدّدون قوّة يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون يمشون ولا يعيون" (أشعياء 31:40). مع أن أول شيء يفكر فيه الناس لدى سماع كلمة طائر هو أنه يطير في الجو إلا انهم سيتفاجأون لمعرفة أن عددا كبيرا من الطيور لا تطير، وهناك النوع الآخر من الطيور الذي يحلق بجناحيه عاليا فوق الجبال والبحار دون ملل أو تعب، والله يريد منا أن نكون:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة