تفاسير

أهناك عدل على الأرض؟ -2

القسم: عظات على سفر أيوب.

نظراً لأن بعض المستمعين الكرام لم يسمعوا العظات السابقة المبنية على سفر أيوب نعيد ذكر بعض الأمور الأساسية التي تساعدنا على فهم الفصل الخامس من هذا الكتاب. عاش أيوب في القسم الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية في أيام ما قبل الميلاد. وكان رجلاً ثرياً لأنعم الله عليه بسبع صبيان وثلاث بنات. وفي أحد الأيام انصبت عليه المصائب فخسر أولاً ثروته ثم بنيه وبناته وأخيراً خسر صحته الجسدية إذ ألمّ به داء يشبه مرض البرص. ولم يدر أيوب بأن الشيطان كان واقفاً له بالمرصاد وأنّ الله أذن له ليضرب أيوب بكل هذه المصائب.

جاء ثلاثة من أصحاب أيوب لتعزيته ولكنهم انقلبوا عليه مدّعين بأنه كان قد اقترف ذنباً معيّناً وإلا لما كنا قد وقفنا في الفصل الرابع على كلمات أليماز التيماني اللامعزّية. تابع هذا الصديق المشتكي واعظاً لأيوب المعذّب وقائلاً:

1[اُدْعُ الآنَ. فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ! وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ 2لأَنَّ الْغَيْظَ يَقْتُلُ الْغَبِيَّ وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَقَ. 3إِنِّي رَأَيْتُ الْغَبِيَّ يَتَأَصَّلُ وَبَغْتَةً لَعَنْتُ مَرْبِضَهُ. 4بَنُوهُ بَعِيدُونَ عَنِ الأَمْنِ وَقَدْ تَحَطَّمُوا فِي الْبَابِ وَلاَ مُنْقِذَ. 5الَّذِينَ يَأْكُلُ الْجَوْعَانُ حَصِيدَهُمْ وَيَأْخُذُهُ حَتَّى مِنَ الشَّوْكِ وَيَشْتَفُّ الظَّمْآنُ ثَرْوَتَهُمْ. 6إِنَّ الْبَلِيَّةَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ وَالشَّقَاوَةَ لاَ تَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ 7وَلَكِنَّ الإنسان  مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لاِرْتِفَاعِ الْجَنَاحِ.

ليست المشكلة في كلمات صاحب أيوب أنها لم تكن مبنية على الواقع المعاش أو أنها لم تأخذ التجارب الحياتية بعين الاعتبار. تفوّه أليفاز بجزء من الحقيقة لا الحقيقة بكاملها. من ينكر أنّ الغيرة تميت الأحمق؟ هذا صحيح لا جدل فيه. ولكنّ هذه الكلمات لم تنطبق على أيوب. عاش أيوب حياة متجانسة مع الوصية الإلهية ولم يشعر في قرارة نفسه بأنه ارتكب ذنباً معيّناً لتنهمر عليه كل هذه النوائب. لماذا كانت نقطة انطلاق أليفاز اعتقاده بأن أيوب كان مجرماً ولماذا قال لصاحبه المتألّم: ادع الآن، فهل لك من مجيب؟ لماذا وصف أيوب وكأنه كان بدون معين أو مجيب؟ احتاج أيوب إلى تعزية ولكنه لم ينل من صاحبه سوى اللوم!

وتابع أليفاز كلامه ممجداً عظمة الله القدير ومنتقداً ضمنياً صاحبه أيوب قائلاً:

[لَكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى اللهِ وَعَلَى اللهِ أَجْعَلُ أَمْرِي. 9الْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. 10الْمُنْزِلِ مَطَراً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَالْمُرْسِلِ الْمِيَاهَ عَلَى الْبَرَارِيِّ. 11الْجَاعِلِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي الْعُلَى فَيَرْتَفِعُ الْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ. 12الْمُبْطِلِ أَفْكَارَ الْمُحْتَالِينَ فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْداً. 13الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ. 14فِي النَّهَارِ يَصْدِمُونَ ظَلاَماً وَيَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّهِيرَةِ كَمَا فِي اللَّيْلِ. 15الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ. 16فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا.

لم يحتاج أيوب إلى ترداد هذه البديهيات. انحصرت مشكلته في عدم مقدرته على تفهّم ما حدث له وهو الذي كان يعبد الله عبادة صادقة ويسير على طريقه المستقيم. لماذا أساء أليفاز الظن في صاحبه أيوب؟ وعندما يتعذّب الأبرياء تزجّ حياتهم في خضمّ محيط الشكوك والتساؤلات. يحتاج المعذبون إلى تعزية شاملة مبنية على وحي الله بأسره، لا على كلمات اللوم والتجريح.

لم تكن كلمات أليفاز شاملة بل اكتظّت بأنصاف الحقيقة واعظاً:

17[هُوَذَا طُوبَى لِرَجُلٍ يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ. 18لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. 19فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. 20فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ. 21مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. 22تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَجَاعَةِ وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. 23لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. 24فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئاً. 25وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ. 26تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. 27هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ].

الأمر الذي لم يساعد أيوب في كلمات صاحبه هو أن أليفاز كان يعتقد كل الاعتقاد بأن الإنسان  يتألمّ ويتعذّب بالنسبة إلى الشرور والمعاصي التي يرتكبها. ولذلك أنهى خطابه بهذه الكلمات التي أظهرته وكأنه كان يتمتّع بسلطة فوقيّة بالنسبة إلى أيوب: ها ان ذا قد بحثنا عنه، كذا هو. فاسمعه واعلم أنت لنفسك.

وكما ذكرنا في كل عظة مبنية على كتب الوحي في أيام العهد القديم أي أيام ما قبل الميلاد، يتوجّب علينا نحن الذين نعيش نحو ألفي سنة بعد مجيء المسيح إلى العالم واكتمال الوحي الإلهي، يجدر بنا أن نأخذ تعاليم الإنجيل بعين الاعتبار لكي نفهم بصورة أكثر جلاء موضوع الآلام والنوائب التي تحدث لبني البشر بشكل عام وللمؤمنين والمؤمنات بشكل خاص.

نتعلم من الكتاب المقدّس أي من كتب العهد القديم والعهد الجديد، بأن المسيح يسوع جاء إلى عالمنا هذا للقضاء على الخطيئة والشر والشيطان. ولقد أتمّ له المجد برنامج الله الخلاصي والفدائي بموته على الصليب وبقيامته من بين الأموات. وصار كل من يلتجئ إليه مؤمناً ينال الخلاص مجاناً بما في ذلك الحياة الأبدية. لكن هذا لا يعني أن مشاكل الحياة تزول بالنسبة للمؤمنين بالمسيح. على العكس كثيراً ما يضطهد أتباع المسيح لا لسبب إلا لالتجائهم إليه والشهادة بعمله الخلاصي الذي تمّ في صميم حياتهم. لكن المؤمن يعلم كل العلم أن جميع صعوبات ومشقّات الحياة الدنيا تؤول في النهاية لخيره ولنموه في إيمانه القويم.

لا يمكن النظر إلى مشاكل الحياة من منظور ضيّق بل من وجهة نظر كتابية شاملة. ولذلك يشهد المؤمن مع الرسول بولس قائلاً:

"إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا! 32اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟ 33مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ! 34مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً الَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اللهِ الَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا! 35مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ 36كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». 37وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. 38فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً 39وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا."

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

شكرا لك إلهي

"أحمد الربّ بكل قلبي. أحدث بجميع عجائبك. أفرح وأبتهج بك. أرنم لاسمك أيها العليّ" (مزمور 9- 1-2). عجز لساني عن التعبير، وتوقّف قلبي عن التحرك، وتاهت مني أفكاري عندما بادرت لأشكر الرب، فوجدت نفسي لن أستطيع لا بالكلام ولا بالصمت أن أوفي يسوع بما فعله من أجلي. لهذا أريد فقط أن أقول "شكرا لك إلهي".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة