تفاسير

شكوى المؤمن -2

القسم: عظات على سفر أيوب.

إن كان الله قديراً ومهيمناً على مقدرات دنياه , لماذا يسمح للكوارث بأن تحدث؟ أليس بوسع القدير أن يمنع الحروب والمجاعات التي تنهك جسم البشرية في هذه السنين الأخيرة من القرن العشرين.

وكما ذكرت في أكثر من مناسبة في هذه السلسة الجديدة من عظات ساعة الإصلاح و لن أسعى للوصول إلى حل مشكلة الفكرية والروحية اتكالا على آراء بشرية محضة بل أبني أفكاري على الوحي الإلهي ولاسيما على ذلك الجزء الذي نتأمل فيه في المدة الأخيرة أي سفر أيوب الصديق.

عاش هذا الرجل المؤمن في أيام المؤمن في أيا ما قبل الميلاد وكان غنيا جدا وكان له سبعة بنين وثلاث بنات. وكان الشيطان واقفا له بالمرصاد فسمح اله له بان يسلب أيوب ماله وأولاده وصحته. لم يرتد أيوب عن إيمانه بالله ولكنه جاهد بكل قواه الفكرية والروحية ليعلم لماذا صار له ما صار. عبر أيوب في الفصل العاشر عن أفكاره المتشبعة قائلا:

1[قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي 2قَائِلاً لِلَّهِ: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! 3أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ أَنْ تَرْذُلَ عَمَلَ يَدَيْكَ وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ؟ 4أَلَكَ عَيْنَا بَشَرٍ أَمْ كَنَظَرِ الإنسان  تَنْظُرُ؟ 5أَأَيَّامُكَ كَأَيَّامِ الإنسان  أَمْ سِنُوكَ كَأَيَّامِ الرَّجُلِ 6حَتَّى تَبْحَثَ عَنْ إِثْمِي وَتُفَتِّشَ عَلَى خَطِيَّتِي؟ 7فِي عِلْمِكَ أَنِّي لَسْتُ مُذْنِباً وَلاَ مُنْقِذَ مِنْ يَدِكَ.

نظر أيوب إلى حالته من وجه نظر تبسيطي أحادية بمعنى انه تأمل فقط بقدرة الله اللامحدودة. طبعا الله على كل شيء قدير ولكن قدرة الله تصف كل صفاته , فهة عادل ومحب ورحيم.

انتقال أيوب بعد كلماته هذه انتقل إلى التأمل في عمل الله الخالق والمحب لمخلوقاته إلى الله قائلا:

[يَدَاكَ كَوَّنَتَانِي وَصَنَعَتَانِي كُلِّي جَمِيعاً. أَفَتَبْتَلِعُنِي؟ 9اُذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ. أَفَتُعِيدُنِي إِلَى التُّرَابِ؟ 10أَلَمْ تَصُبَّنِي كَاللَّبَنِ وَخَثَّرْتَنِي كَالْجُبْنِ؟ 11كَسَوْتَنِي جِلْداً وَلَحْماً فَنَسَجْتَنِي بِعِظَامٍ وَعَصَبٍ. 12مَنَحْتَنِي حَيَاةً وَرَحْمَةً وَحَفِظَتْ عِنَايَتُكَ رُوحِي. 13لَكِنَّكَ كَتَمْتَ هَذِهِ فِي قَلْبِكَ. عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عِنْدَكَ. 14إِنْ أَخْطَأْتُ تُلاَحِظُنِي وَلاَ تُبْرِئُنِي مِنْ إِثْمِي. 15إِنْ أَذْنَبْتُ فَوَيْلٌ لِي. وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أَرْفَعُ رَأْسِي. إِنِّي شَبْعَانُ هَوَاناً وَنَاظِرٌ مَذَلَّتِي. 16وَإِنِ ارْتَفَعَ رَأْسِي تَصْطَادُنِي كَأَسَدٍ ثُمَّ تَعُودُ وَتَتَجَبَّرُ عَلَيَّ! 17تُجَدِّدُ شُهُودَكَ تُجَاهِي وَتَزِيدُ غَضَبَكَ عَلَيَّ. مَصَائِبُ وَجَيْشٌ ضِدِّي.

لم يسر أيوب وهو يواجه حالته اليائسة , لم ير على طريق الالاد المعاصر المنكر لله في أيامنا هذه. تابع أيوب مسيرته الإيمانية بالرغم من كل الظلمات المحيطة به موجها تساؤلاته إلى خالقه. اعترف أيوب بأن الله هو باريه وصانعه. لماذا ظهر القدير وكأنه على وشك بأن يبتلعه وأن يعيده إلى التراب؟ قال أيوب لله: منحتني حياة ورحمة وحفظت عنايتك روحي. يقر هذا الإنسان  المعذب , يقر بصلاح الله ورحمته وعنايته التي تشمل كل أيام حياته , ولكنه لا يفهم لماذا ظهر الله وكأنه قد انقلب عليه وصار ضدا له , وكأن القدير لا يسر إلا بإشباع عبده مذلة وهوانا. !

الله هو الخالق والمعتني بمخلوقاته العاقلة والغير عاقلة. هذا هو أساس الإيمان السليم وهذا كان معتقد أيوب. وما أن شهد بهذه الحقيقة الجوهرية حتى عاد إلى التأمل في حالته التي يرثى لها فأفلتت من فمه هذه الكلمات الشديدة اللهجة. قال أيوب المتوجع والغارق في بحر الألغاز.

18[فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنِي مِنَ الرَّحِمِ؟ كُنْتُ قَدْ أَسْلَمْتُ الرُّوحَ وَلَمْ تَرَنِي عَيْنٌ! 19فَكُنْتُ كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ فَأُقَادَ مِنَ الرَّحِمِ إِلَى الْقَبْرِ. 20أَلَيْسَتْ أَيَّامِي قَلِيلَةً؟ اتْرُكْ! كُفَّ عَنِّي فَأَبْتَسِمُ قَلِيلاً 21قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ 22أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ وَبِلاَ تَرْتِيبٍ وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى].

قد نتعجب من كلمات أيوب الصديق قائلين: كيف يتفوه مؤمن بهكذا كلمات و كيف يرجو له لو مات منذ ولادته؟نحن لا نستطيع أن نسبر غور و آلام وعذابات أيوب أو أي إنسان  أخر إن عاش في العصور السالفة أو إن كان من معاصرينا أو من معارفنا.فعندما تشتد آلام الإنسان ،نعم حتى آلام الإنسان  المؤمن بالله،فإنه يفكر بهكذا أفكار سوداء لا لأنه يكره الحياة،بل لأنه لا يرغب في استمرارية حياة هي أقرب من الموت منها من حياة صحيحة.وكما ذكرنا في الماضي، لم يكن الوحي الإلهي قد أعطي بشكل تام في أيام ما قبل الميلاد و خاصة تلك المواضيع المتعلقة بالحياة بعد الموت. انحصرت تصورات أيوب و معاصريه في كون مصير الإنسان  بعد الموت مصير مظلماً.

وعلينا أن نذكر أننا لازلنا بعد في القسم الأول من هذا السفر الإلهي ولذلك يجدر بنا أن نتحلى لا بصبر منتظرين العظات المقبلة التي سترينا أن الله أعاد لأيوب صحته وكل ما كان قد خسره معلما إياه وإيانا أهمية الصبر والاتكال التام والمطلق على الله. وكذلك يجدر بنا أن نذكر أن الله أكمل وحيه في أيام المسيح وأعطانا صورة أكمل عن الحياة الدنيا وما ينتظرنا وما ينتظرنا في المستقبل بعد انتقالنا من هذه ديار النعيم على شرط أن تكون من المؤمنين.

ومما ورد في الإنجيل المقدس بخصوص موضوعنا هذه الكلمات التي تفوه بها المسيح عندما توفي لعازا ر أخ مريم ومرتا:

17فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْرِ. 18وَكَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشْرَةَ غَلْوَةً. 19وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ جَاءُوا إِلَى مَرْثَا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُمَا عَنْ أَخِيهِمَا. 20فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْثَا أَنَّ يَسُوعَ آتٍ لاَقَتْهُ وَأَمَّا مَرْيَمُ فَاسْتَمَرَّتْ جَالِسَةً فِي الْبَيْتِ. 21فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدُ لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي. 22لَكِنِّي الآنَ أَيْضاً أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ يُعْطِيكَ اللَّهُ إِيَّاهُ». 23قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «سَيَقُومُ أَخُوكِ». 24قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». 25قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا 26وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟» 27قَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ».

إن نور الوحي الكامل الذي أشع على عالمنا بمجيء المسيح إلى العالم يعطينا فكرة واضحة عن المستقبل الباهر الذي ينتظر كل مؤمن العذابات في هذه الدنيا , على العكس , كثيرا ما يتألمون وخاصة من أجل إيمانهم ولشهادتهم أمام الملأ أنمه اختبروا خلاص الله. لكنهم يتتابعون مسيرتهم الإيمانية متحلين بالصبر ومتيقنين بأن النصر حليفهم مهم تلبدت سماؤهم بالغيوم الحالكة.

ساعدنا الله لنضع ثقتنا التامة بالمخلص المسيح الذي يمسك بيدنا وسط هذه الأيام العصيبة التي نعيشها قائدا إيانا إلى شاطىء الأمان في نعيم الله. ومن آمن بالمسيح وإن مات فسبحيا , آمين.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

هيبة الله

"الإبن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فإن كنت أنا أبا فأين كرامتي وإن كنت سيدا فأين هيبتي قال لكم ربّ الجنود..." ( ملاخي 6:1 ). كم مرة تصرفنا كما يحلوا لنا، وكم مرة اتخذنا قرارات مصيرية جعلتنا نقف بوجه حائط مسدود، وكم مرّة تجاهلنا هيبة الله واحترامه في قلوبنا وفي أذهاننا وكانت النتيجة مدمّرة لحياتنا الفردية والجماعية، فكم علينا أن نتعلم يوم بعد الآخر أن ندرب نفوسنا لكي تكون هيبة الله فوق جباهنا وكرامته هي التي تسيّر طموحاتنا.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة