تفاسير

ليت الله يتكلم -2

القسم: عظات على سفر أيوب.

عاش أيوب الصديق في القسم الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية وكان الله قد أنعم عليه بخيرات عديدة لا تعد ولا تحصى. وكان أيوب يخاف الله ويتقيه ويعبده عبادة حقيقة صافية وخالية من النفاق. ولكن الشيطان الذي كان واقفا له بالمرصاد أدعى أمام حضرة الله بأن أيوب كان يتقي الله ويعبده بسبب كل ما كان الله قد أغدق عليه من بركات. فسمح الله للشيطان بأن يسلب كل ما كان الله قد أغدق عليه من بركات فسمح الله لشيطان بأن يسلب أيوب ثروته وأولاده وصحته ولم يدر أيوب بذلك بل أخذ يتساءل عن سبب كل ما حل به وهو الذي كان يخاف الله ويسير في طريقه المستقيم.

وعندما نأتي إلى الفصل الحادي العشر من سفر أيوب نقف على كلمات صوفر النعماتي الذي كان أشد صرامة مع أيوب ولذلك جاءت كلماته جارحة للغاية مؤنبا إياه:

[أَكَثْرَةُ الْكَلاَمِ لاَ يُجَاوَبُ أَمْ رَجُلٌ مِهْذَارٌ يَتَبَرَّرُ؟ 3أَصَلَفُكَ يُفْحِمُ النَّاسَ أَمْ تَلْغُو وَلَيْسَ مَنْ يُخْزِيكَ؟ 4إِذْ تَقُولُ: تَعْلِيمِي زَكِيٌّ وَأَنَا بَارٌّ فِي عَيْنَيْكَ. 5وَلَكِنْ يَا لَيْتَ اللهَ يَتَكَلَّمُ وَيَفْتَحُ شَفَتَيْهِ مَعَكَ 6وَيُعْلِنُ لَكَ خَفِيَّاتِ الْحِكْمَةِ! إِنَّهَا مُضَاعَفَةُ الْفَهْمِ فَتَعْلَمَ أَنَّ اللهَ يُغَرِّمُكَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِكَ.

ظن صوفر بأن كل إنسان  معذب هو مستحق لعذاباته لأن الله يعاقب كل بشري بالنسبة للأخطاء التي ارتكبها. على هذا الأساس أدان صوفر أيوب واتهمه بأن رجل مهذار يحاول أن يبرر نفسه بكثرة كلامه. وتظاهر صوفر بتقواه وتدينه متمنيا لو كان الله يتكلم في تلك اللحظة ويفحم أيوب ويعلمه الحكمة ليرى أنه كان يستحق عقابا أكبر من العقاب الذي حل به.

رغب صوفر بأن يعلن الله لأيوب خفيات الحكمة. ولكنه كان هو بحاجة ماسة إلى الحكمة الإلهية التي كانت ستمكنه من الابتعاد عن الحكم على رفيقه بأن قد نال جزاء أقل مما كان يستحقه. وتمادى هذا الرفيق المنتقد , تمادى في انتقاد أيوب عندما أخذ يلقي عليه محاضرة عن سمو الله على جميع مخلوقاته وعن حكمة القدير اللا محدودة قائلا:

7[أَإِلَى عُمْقِ اللهِ تَتَّصِلُ أَمْ إِلَى نِهَايَةِ الْقَدِيرِ تَنْتَهِي؟ 8هُوَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ فَمَاذَا عَسَاكَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَعْمَقُ مِنَ الْهَاوِيَةِ فَمَاذَا تَدْرِي؟ 9أَطْوَلُ مِنَ الأَرْضِ طُولُهُ وَأَعْرَضُ مِنَ الْبَحْرِ. 10إِنْ بَطَشَ أَوْ أَغْلَقَ أَوْ جَمَّعَ فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ 11لأَنَّهُ هُوَ يَعْلَمُ أُنَاسَ السُّوءِ وَيُبْصِرُ الإِثْمَ فَهَلْ لاَ يَنْتَبِهُ؟ 12أَمَّا الرَّجُلُ فَفَارِغٌ عَدِيمُ الْفَهْمِ وَكَجَحْشِ الْفَرَا يُولَدُ الإنسان .

لم ينكر أيوب صوابية هذه الكلمات التي تصف قدرة الله وحكمته الفائقة للعقل البشري. لكن أيوب وهو الذي كان يقر بها من أعماق قلبه والذي كان يشعر في نفس الوقت بأنه لم يرتكب ذنبا معينا ليستحق ما حل بها من كوارث , لم يفهم كيف صار له ما صار. كيف سمح الله وهو العادل والشفوق والمحب وهو على كل شيء قدير , كيف سمح لعبده بأن يسقط إلى هذا الحضيض؟ لم تساعده كلمات صوفر لأنها مع كونها واصفة لبعض أمور الله بصورة صحيحة إلا أنها لم تقترب من مشكلة أيوب ولم تساعد على حل الألغاز التي كانت تكتنفه.

وثابر صوفر على معتقده الخاطىء بأن أيوب كان مستحقا لكل ما حل به ولذلك ناشده في القسم الأخير من خطابه بأن يتوب عن غيه طالبا من ربه بأن يمن بالغفران فقال:

13[إِنْ أَعْدَدْتَ أَنْتَ قَلْبَكَ وَبَسَطْتَ إِلَيْهِ يَدَيْكَ. 14إِنْ أَبْعَدْتَ الإِثْمَ الَّذِي فِي يَدِكَ وَلاَ يَسْكُنُ الظُّلْمُ فِي خَيْمَتِكَ 15حِينَئِذٍ تَرْفَعُ وَجْهَكَ بِلاَ عَيْبٍ وَتَكُونُ ثَابِتاً وَلاَ تَخَافُ. 16لأَنَّكَ تَنْسَى الْمَشَقَّةَ. كَمِيَاهٍ عَبَرَتْ تَذْكُرُهَا. 17وَفَوْقَ الظَّهِيرَةِ يَقُومُ حَظُّكَ. الظَّلاَمُ يَتَحَوَّلُ صَبَاحاً. 18وَتَطْمَئِنُّ لأَنَّهُ يُوجَدُ رَجَاءٌ. تَتَجَسَّسُ حَوْلَكَ وَتَضْطَجِعُ آمِناً. 19وَتَرْبِضُ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُ وَيَتَضَرَّعُ إِلَى وَجْهِكَ كَثِيرُونَ. 20أَمَّا عُيُونُ الأَشْرَارِ فَتَتْلَفُ وَمَلْجَأُهُمْ يَبِيدُ وَرَجَاؤُهُمْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ].

مناشد صوفر له ( أي أيوب ) لم تكن في محلها وكانت عبارة عن محاضرة عامة في العلوم الدينية والأخلاقيات. وكان لسان أيوب الصديق كان: أنا أعلاف ما تقوله لي وأقر بصوابيته ولكن ما علاقة كلماتك هذه بحالتي الخاصة؟ ولماذا ألقيت علي يا صوفر أنت الذي كنت من أصحابي وخلاني الأوفياء , لماذا ألقيت علي هذه المحاضرة الدينية وأنت تظن بأني رجل خاطىء أثيم وأني قد أخفيت بناء على سابق تصميم خطاياي ومعاصي؟

وهكذا علينا أن نتعلم من مقدمة سفر أيوب ومن كلماته وأجوبة رفاقه الثلاثة أن معضلة أيوب الروحية كانت أعمق بكثير مما تعلمناه حتى الآن من الفصول الإحدى عشر الأولى. ذكرت مقدمة هذا الكتاب أن أيوب كان كاملا ومستقيما يتقى الله ويجيد عن الشر. شهد له الوحي الإلهي بأنه لم يكن من كاسر ي الشريعة الإلهية ولا من الذين كان قد نسوا الله أو عبادته عبادة صادقة وصافية. وكذلك أطلعنا الوحي عن التعامل الشيطاني في سيرة أيوب أي كون الشيطان قد أنزل به كل النوائب ولكن أيوب كان جاهلا لذلك فلم يأخذ هذا العامل بعين الاعتبار. وأما رفاق أيوب الذين وفدوا عليه لمؤاساته فإنهم صاروا من المشتكين عليه.

وعلينا نحن الذين نعيش في أيام اكتمال الوحي أي في العصر الميلادي , علينا أن نذكر بأن الأبرياء كثيرا ما يتعذبون في الدنيا وأن الأشرار لا يعاقبون توا لدى ارتكابهم للمعاصي والآثام. كانت مشكلة رفاق أيوب العقائدية أنهم نظروا إلى الحياة البشرية إنما كان اجتهادهم الخاص بكون كل متألم ومعذب في هذه الدنيا مستحقا لعذابه. لم يكن هذا الاجتهاد سليما لأنه تناسى أن الحياة البشرية كثيرا ما تكتنفها ألغاز وأسرار وأن عقلنا البشري لا يستطيع سبر غورها. وأقرارنا بوجود هذه الألغاز لا يعني بأننا قد نسينا أو تناسينا معتقدنا بكون الله قديرا ومهيمنا على كل ما يهتم ويجري في هذا العالم.

وقد ناشد كاتب الرسالة إلى العبرانيين المؤمنين والمؤمنات بالمخلص يسوع المسيح ناشدهم بأن يتشبثوا بمواعيد الله وسط العذابات التي يقاسونها ولا يخافوا بأن ما حل بهم إنما كان عقابا من الله , فقال:

5وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: «يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. 6لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». 7إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ 8وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ. 9ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدّاً لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ 10لأَنَّ أُولَئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّاماً قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هَذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ. 11وَلَكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيراً فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ. 12لِذَلِكَ قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ، 13وَاصْنَعُوا لأَرْجُلِكُمْ مَسَالِكَ مُسْتَقِيمَةً، لِكَيْ لاَ يَعْتَسِفَ الأَعْرَجُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يُشْفَى. 14اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

خطورة الخطية

عندما نفكر في أبوينا الأولين آدم وحواء كيف أغويا وكيف سقطا في شباك الحية القديمة إبليس وما كانت نتيجة الخطية ندرك تماما خطورة الخطية على الإنسان الذي خلقه الله على صورته كشبهه.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة