تفاسير

آخرة المؤمن -1

القسم: عظات على سفر أيوب.

النص الكتابي: أيوب 42

عندما نستعرض مجرى التاريخ بما في ذلك القديم والمعاصر, نلاحظ متناقضات عديدة قد لازمت حياة بني البشر. فكم من الأبرياء تعذبوا عذابات مرة واضطهدوا ولم يجدوا سبباً مقنعاً لما جرى لهم. وكم من الأشرار الذين نكلوا بالآخرين وعذبوهم ظهرت حياتهم وكأنها خالية من المشكلات والنوائب.

ومما يزيد من حدة المعضلة التي نجابهه هي أننا كمؤمنين بالله وبسلطانه على عالمه نجد صعوبة كبيرة في تفهم الأمور التي تجري في هذه الدنيا والتي تعارض مشيئة الله القدير. لماذا يسمح الله لها بان تتم؟ هذه أسئلة مصيرية واجهها الإنسان  منذ القديم وعمل جهده لتفهمها وبما أن قرننا هذا امتاز عن القرون الماضية بكثرة الفواجع التي ألمت بالبشرية وفي شتى أنحاء العالم , فان حدة مشكلتنا الفكرية تزداد وخاصة لأننا كنا نتوقع بزغ عصر جديد تنعم فيه البشرية بالسلام والوئام.

وكما ذكرنا في برامجنا الماضية موقفنا من المعضلات التاريخية مرتبط بنظرتنا الحياتية التي ندين بها. فان كنا نأخذ إيماننا بالله بصورة جدية فان بحثنا يتم ضمن محتويات الوحي الإلهي المدون في كتاب الله المقدس. ولكننا إن كنا قد اخترنا فلسفات بشرية معاصرة والتي هي في لبها منكرة لله ولعالم ما فوق الطبيعة , فإننا نجابه إشكالية ذات أبعاد هائلة. وقد تقودنا أفكارنا آنئذ إلى تبني نظريات حياتية طابعها انعدام الرجاء والإقرار بعدم وجود أي معنى أن هدف للوجود البشري. ونحن نشكر الله ونحمده لنه أعطانا كتابا ضمن أسفار الوحي وهو كتاب أيوب الصديق حيث عولجت فيه مشكلة الآلام والعذابات والنوائب التي تنهال على البشر وخاصة على المؤمنين والمؤمنات. وقد وصلنا اليوم إلى الفصل الثاني والأربعين وهو الفصل الأخير من سفر أيوب الصديق حيث نتعلم درسا هاما يتعلق بنهاية أو آخرة المؤمن الذي امتازت حياته بكثرة الكوارث. ونظرا لأن بعض مستمعينا الكرام لم يسمعوا هذه العظات المبنية على سفر أيوب من أولها فأنني أعيد بشكل مختصر الأمور المختصة بسيرة أيوب.

عاش أيوب في أيام ما قبل الميلاد في القسم الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية. وقد أنعم الله عليه ببركات عديدة وكان يعبد الله عبادة خالية من النفاق. ادعى الشيطان بأن تقوى أيوب كانت مبنية على أساس نفعي وأنه فيما إذا خسر أيوب ثروته وأولاده وصحته فانه كان سينكر الله ويموت بدون رجاء أي في بحر من اليأس المطلق. فسمح اله له بأن يضرب عبده بضربات قلمت نزلت ببشري. جاء رفاقه لتعزيته ولكنهم نظرا لتعلقهم بفلسفة تبسيطية بخصوص موضوع نوائب الحياة , لم ينجحوا في مهمتهم بل صاروا من منتقديه زاعمين بأنه كان قد ارتكب خطية معينة وقد سببت له كل تلك الكوارث.

احتوى سفر أيوب على المناظرات بين أيوب ورفاقه الثلاثة وكذلك على خطابات شاب اسمه اليهو والذي انتقد كلا من أيوب ورفاقه لأنهم حادوا عن جاد الصواب في معالجتهم لموضوع نوائب الحياة. وقرب نهاية الكتاب نسمع صوت الله ذاته وهو يتكلم مع أيوب معلما إياه ما كان يجهل. وإذ نأتي اليوم إلى الفصل الأخير نلاحظ أن صاحبنا أيوب اعترف بأنه لم يجابه موضوع عذاباته بصورة سليمة فتاب إلى ربه ونادما على تصرفاته السابقة.

1فَأَجَابَ أَيُّوبُ الرَّبَّ: 2[قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ وَلاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ. 3فَمَنْ ذَا الَّذِي يُخْفِي الْقَضَاءَ بِلاَ مَعْرِفَةٍ! وَلَكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا. 4اِسْمَعِ الآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي. 5بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. 6لِذَلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ].

بعد أن سمع أيوب كلمات الله التي أظهرت له أن القدير يسوس دنياه بطريقة سليمة وأنه لا يجوز لأي بشري بأن يتساءل عن عدل الله أو ينتقد الباري , أقر أيوب بأنه كان يتكلم إبان محنته كإنسان  وبعبارة أخرى , وصل أيوب إلى اليقين التام بأنه من المستحيل لأي بشري حتى ولو كان مؤمنا بالله. من المستحيل له أن يتفهم مواضيع الحياة البشرية أو مسيرة التاريخ. لا يعسر على الله أمر. يبقى الله على عرشه وسيادته على مجرى التاريخ تبقى مطلقة وأن ظهرت أحيانا للعين البشرية وكأنها متجاهلة لمتاعب وشؤون البشرية.

كان أيوب قبل انقضاض الكوارث عليه , كان إنسان ا مؤمنا وخائفا لله وسائر ا على طريقه المستقيم. لكن معرفته لله كانت جزئية أو كما وصفها: بسمع الأذن قد سمعت عنك. أي أن الكثير مما عرفه أيوب عن الله كان مما ورثه عن أسلافه. لكن حياته لم تكن قد امتحنت كما كانت ستمتحن في بحر الآلام التي انهمرت عليه بعد أن أذن الله للشيطان بأن يجربه. ظن أيوب في أوائل حياته أنه كان بمنأى عن المشكلات والمعضلات الحياتية لأنه كان مؤمنا ومطبقا إيمانه في معترك الحياة اليومية. لكنه تعلم من جراء ما حدث له من خسران ثروته وأولاده وصحته , تعلم أنه لا يجوز له أن يظن بأن الله صار له عدوا. فكثيرا ما سمح الله لنوائب الحياة بأن تنقض على خائفيه لا كقصاص بل كتأديب لهم ولتعليمهم بأنه مهما حدث وصار , يبقى الله أمينا على مواعيده وهو لن يتركنا فريسة للشيطان. أما وقد تعلم أيوب العبر الكثيرة من تجاربه الحياتية وبعد أن سمع كلمات الله الصريحة عن قوة الباري وحكمته وعدله ومودته لمخلوقاته , وصلت معرفته لله إلى درجة أعلى مما كانت عليه في الماضي. بسمع الأذن قد سمعت عنك , والآن أي بعد أن وصل أيوب إلى هذه المرحلة من حياته , والآن رأتك عيني. أي أن أيوب وصل إلى معرفة أعمق مما كانت عليه في الماضي لأنها معرفة اختبارية قلبية لموقف الله منه.

وبناء على هذا الواقع الجديد الذي وجد أيوب فيه نفسه , نظرا إلى تصرفاته وكلماته التي تفوه بها أمام رفاقه الثلاثة , أليفاز التيماني , وبلدد الشوحي وصوفر النعماتي , وكذلك الشاب أليهو , نظرا إلى كل ما صدر عنه منذ بدء محنته واعترف بخطأه وندم على ذلك وطرح نفسه أمام رحمة الله ومحبته قائلا: لذلك أرفض أي أرفض موقفي السابق،و أندم في التراب و الرماد.

7وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ مَعَ أَيُّوبَ بِهَذَا الْكَلاَمِ أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لأَلِيفَازَ التَّيْمَانِيِّ: [قَدِ احْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلاَ صَاحِبَيْكَ لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. 8وَالآنَ فَخُذُوا لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَاذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ لأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلاَّ أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ لأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ الصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ]. 9فَذَهَبَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ وَفَعَلُوا كَمَا قَالَ الرَّبُّ لَهُمْ. وَرَفَعَ الرَّبُّ وَجْهَ أَيُّوبَ. 10وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفاً. 11فَجَاءَ إِلَيْهِ كُلُّ إِخْوَتِهِ وَكُلُّ أَخَوَاتِهِ وَكُلُّ مَعَارِفِهِ مِنْ قَبْلُ وَأَكَلُوا مَعَهُ خُبْزاً فِي بَيْتِهِ وَرَثُوا لَهُ وَعَزُّوهُ عَنْ كُلِّ الشَّرِّ الَّذِي جَلَبَهُ الرَّبُّ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَسِيطَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ قُرْطاً مِنْ ذَهَبٍ. ....

 

12وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ. وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفاً مِنَ الْغَنَمِ وَسِتَّةُ آلاَفٍ مِنَ الإِبِلِ وَأَلْفُ زَوْجٍ مِنَ الْبَقَرِ وَأَلْفُ أَتَانٍ. 13وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. 14وَسَمَّى اسْمَ الأُولَى يَمِيمَةَ وَاسْمَ الثَّانِيَةِ قَصِيعَةَ وَاسْمَ الثَّالِثَةِ قَرْنَ هَفُّوكَ. 15وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ. وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثاً بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ. 16وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هَذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَالٍ. 17ثُمَّ مَاتَ أَيُّوبُ شَيْخاً وَشَبْعَانَ الأَيَّامِ.

ماذا تعلمنا في الأسابيع الأخيرة من متابعتنا لسيرة أيوب؟ أولاً: يبقى الله مسيطراً على عالمه وعلى ما يجري فيه مهما ظهرت سيطرة الله هذه وكأنها محجوبة عن أنظارنا وعن أذهاننا. ثانيا: هناك عامل شرير قوي في دنيانا ألا وهو الشيطان الذي يرغب في تدمير الإنسان  بإبعاده عن طرق الله المستقيمة. ثالثاً: كثيراً ما يسمح الله للشيطان بأن يجرب المؤمنين والمؤمنات لا ليوقعهم في دوامة اليأس القاتل بل لينقي إيمانهم ويجعلهم أكثر تعلقا بالله وأكثر التصاقا بمشيئته المقدسة. رابعا: عندما يتعذب المؤمن ويظهر وكأن العالم بأسره صار عدوا له يجدر به عدم الشك بمحبة الله له أو بمقدرة الله على جعل جميع أمور الحياة , بما فيها المزعجة منها , بأن تؤول في النهاية إلى خيره الزمني والأبدي. خامسا: لا يجوز للمؤمن بان يظن أن كوارث الحياة هي قصاص معين لخطية معينة كان قد اقترفها هو أو غيره من بني البشر. الحياة البشرية هي أكثر تعقيدا وتشابكا مما نخالها وعلينا أن ننبذ تلقائيا أية نظرية تبسيطية للحياة والتي تدعي بأن الإنسان  ينال في الحياة الدنيا عقابا معادلا للشر الذي ارتكبه. معاقبة الإنسان  تبقى في يد الله وهو تعالى اسمه لا يتسرع دوما في معاقبته للاثمة والخطاة بل يرغب في عودتهم إليه تائبين لينالوا الحياة.

وكما ذكرنا مراراً وتكراراً ونحن نبحث في سيرة أيوب, علينا نحن الذين نعيش في أيام اكتمال الوحي أي في أيام ما بعد الميلاد , علينا أن نسمح لنور الوحي الإلهي بأسره أن يسطع في سبيلنا ونحن نحاول تفهم موضوع آلام وكوارث الحياة. واذ استرد أيوب في آخرته ضعف ثروته واذ أنعم الله عليه بسبعة بنين وثلاث بنات كن من أجمل نساء تلك الأيام, كانت هذه البركات الزمنية رمزا لرضى الله عليه ولاعلان نصر أيوب على الشيطان.

أما الآن وقد أتم المسيح عمله الخلاصي بموته الكفاري على الصليب وبقيامته المجيدة من بين الموات وقد صعد إلى السماء ليجلس عن يمين عرش العظمة فان بركات الله على المؤمنين ولا سيما أولئك الذين في هذه الحياة , لا تتم على نفس المنوال التي انتهت عليه سيرة أيوب يعدنا الله في انجيله الطاهر بأن يكون معنا في جميع أمور وأحوال حياتنا وحتى في أحلك ساعات مسيرتنا وهو يقودنا إلى شاطىء الأبدية السعيد حيث ننعم بالسلام التام في حضرته مع ملائكته القديسين وسائر الخالصين والخالصات من شتى الشعوب والقوام , آمين.

أضف تعليق


قرأت لك

الوعد الصادق

"ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوّى بالإيمان معطيا مجدا لله. وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله ايضا" (رومية 20:4). من السهل جدا أن تطلق الوعود للغير ولكن من الصعب جدا أن تلتزم بهذه الوعود، لأن الثمن سيكون كبيرا ومكلفا جدا، فمهما بلغت أهمية الإنسان من حيث المركز أو المال أو السلطة هو دائما نجده يفشل في تتميم الوعود التي أطلقها من فمه، ولكن المسيح وحده إذا قال فعل فهو دوما ملتزم بكل ما يطرحه وكل وعوده صادقة وأمينة وثابتة عبر العصور التي دخلت ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ومن هذه الوعود التي لا تعد:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة