تفاسير

الأصحاح 16

القسم: تفسير سفر العدد.

يعود الوحي الآن إلى سرد تاريخ الشعب المحزن في البرية حيث يصل تاريخهم إلى قمة الشر الأمر النابع من عدم الإيمان، ونقرأ في رسالة يهوذا عن أن هذا الشر مظاهره في ثلاثة عوامل:

(1) سلكوا طريق قايين، (2) انصبوا إلى ضلالة بلعام، (3) اهلكوا في مشاجرة قورح- إنها صورة الأيام الأخيرة. في أيام كتابة رسالة يهوذا كان الشر في المسيحية قد بدأ، وتطور الآن إلى قمته في أيامنا الأخيرة هذه حيث أصبحت فيها المسيحية في مضادة مع المسيح وسوف يستمر انحدار المسيحية إلى ما بعد اختطاف الكنيسة حتى يظهر بتمامه في الارتداد العام في المسيحية الاسمية وإنسان الخطية، الأمر الذي سوف يدينه الرب عند ظهوره، وسوف يظل المؤمنون محفوظين ليسوع المسيح رغم تعاظم الشر، لقد وصل الشر إلى قمته أيام موسى حيث ثار شخص قهاتي له مكان مميز في إسرائيل، واشترك معه في هذا العصيان بني رأوبين واستطاعت هذه الجماعة أن تجذب وراءهما 250 رجلاً من رؤساء الجماعة- "ذوي اسم"، وهذا يذكرنا بما قاله بولس لشيوخ كنيسة أفسس "ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" ( أع 20: 30).

اجتمعت هذه الجماعة على "موسى وهرون" وكان هناك استعداد لدى هؤلاء الناس للثورة ضد موسى وهرون، ووجد قورح وجماعته الأمر مهيأً ليس لدى هؤلاء الرؤساء بل فقط لدى كل جماعة بني إسرائيل. بدأ هذا العصيان من قورح الذي كان له امتياز حمل أمتعة القدس على كتفه ومعنى كلمة قورح "السماء أمطرت برداً" ويرينا اسمه عدم الإيمان الذي كان في قلبه. والعصيان يبدأ دائماً بكلمات عظيمة بينما القلب لا يعرف نعمة الله. هكذا بدأ العصيان في إسرائيل وهو صورة للعصيان والتمرد على السلطان الذي أعطاه الآب للرب يسوع المسيح، جعله الله رباً ومسيحاً من امتيازنا أن نكون في حالة الخضوع له، ولنا الشعور العميق بحاجتنا إلى قيادته، ولذلك ينبغي أن نكون في حالة السهر ضد أي تأثير يبعدنا عنه لأنه هو مصدر قوتنا في الأيام الأخيرة المظلمة التي يجتاز فيها، هو ينبوع قوتنا في اتباع البر والإيمان والمحبة والسلام، فنقوى بالنعمة التي لنا فيه وهذه هي معونتنا التي لنا فيه كرئيس الكهنة العظيم، والذين مثل قورح في أيامنا الحاضرة هم ليسوا فقط في حالة التمرد والعصيان عليه بل أيضاً يفتقرون إلى معونته.

كان من العجيب أن توجه تهمة حب الزعامة من جماعة الرب إلى موسى وهو المكتوب عنه أنه أحلم إنسان على وجه الأرض. وحين كلف الرب موسى بهذه الخدمة أراد أن يتخلى عنها لعدم رغبته في الرئاسة، والذين اتهموا موسى برغبته في الرئاسة كانوا يجهلون ما حدث بين يشوع وموسى حين قال موسى ليشوع- "هل تغار أنت لي يا ليت كل الشعب كانوا أنبياء" وحين يكلف الرب شخصاً بخدمة فلا بد أن يؤهله لها، وفي الحقيقة كانت مشاجرة قورح ليست مع موسى وهرون ولكن مع الله، وقورح وجماعته لهم مثيل في وقتنا الحاضر، أولئك في حالة العصيان، والعصيان في الدائرة الروحية التي يشرق فيها النور الإلهي يلبس نفسه صورة التقوى والإشفاق لأن قورح وجماعته اعتبروا أنفسهم واقفين ولهم الصفة المقدسة ولكل الجماعة وقالوا لموسى وهرون "كَفَاكُمَا إِنَّ كُلَّ الْجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ" (ع 3)، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ (ع 4)، ونجد موسى في هذا الوضع ثلاث مرات، ومع أعظم الفرق بين قورح وجسارته وموسى وهو ساقط على وجهه، ومعنى سقوطه على وجهه أنه ترك كل شيء في يد الله لأنه يقول "يعلن الرب"، "الذي يختاره الرب" (ع 5، 7) أي أن الموضوع كله يتوقف على الرب واختياره وإعلانه، وموسى بذلك أتى بالعصاة جميعاً في مواجهة الله نفسه، دعاهم للخضوع أمامه لكي يتم فحص موضوع من كل وجوهه ويأخذوا الحكم من المحكمة العليا. لم يكن من اليسير لموسى وهرون أن يحكما فيه لأنهما كانا طرفاً في المشاجرة وهذه هي المحكمة والتواضع في معناهما الصحيح. وكان لدى موسى الاعتقاد الراسخ أن الرب لا بد أن يحسم هذا الأمر، ولذلك لم يكن في عجلة، كان يستطيع أن ينتظر إلى الغد، وبالمثل فإن أناة الرب في أيامنا الحاضرة تعطى الناس فرصة الإقبال إليه والاعتراف له بالخطأ (2 تي 2: 25، 29).

كان لموسى فكر الله واستطاع أن يميز حقيقة ما يعمله، وكان يعرف أنه تحت مظهر الغيرة والقداسة الخاصة بالجماعة، أرادوا أن يرتفعوا فوق جماعة الرب، اتهموا موسى وهرون بهذا، ومع ذلك كان هذا هو هدفهم، وكشف موسى كنبي الله أسرار قلوب هؤلاء الناس (ع 8- 11).

كانت خطية قورح وجماعته انهم أرادوا الكهنوت، لم يريدوا الخدمة لأن قورح كان خادماً، كانت أقوالهم تبدو جميلة ولكن في حقيقتها كان يقصد منها إزالة صفة الكهنوت عن هرون وأخذها لأنفسهم، وهذه هي رغبة الجسد- محاولة أخذ صفة الكرامة عن الآخرين المعينة لهم من الله. كان فكر الله أن يكون هرون هو الكاهن، هو في هذا رمز للمسيح والذين يدعون الآن أنهم كهنة لتمثيل الشعب أمام الله يختلسون مركز المسيح، وذلك لأن الكهنوت الآن في العهد الجديد هو لجميع المؤمنين الحقيقيين بالمسيح "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 5)، كما أننا جعلنا "بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 5)، ولكن هذا الكهنوت الذي أصبح لكل مؤمني العهد الجديد لم يكن هو الكهنوت الذي اشتهاه قورح لأنه لا يعطي مكاناً مميزاً لصاحبه ولا يعظمه على إخوته، لأن كل مؤمن الآن يسكن فيه الروح القدس يستطيع أن يخدم ككاهن. يريد القورحيون الآن كهنوتاً يميزهم عن بقية إخوتهم ويسبغ عليهم نوعاً خاصاً من القداسة في أعين إخوتهم وهذا مكروه عند الله لأنه يضع جانباً الوضع المميز للمسيح.

أراد قورح وجماعته أن يضعوا جانباً كهنوت موسى وهرون، وكانت خطيتهم خطية عظيمة تستحق الدينونة أمام الله لأنه يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة. وتركز الرسالة إلى العبرانيين على الوظيفة الكهنوتية التي للمسيح كالكاهن العظيم، وكأن الروح القدس كان يتطلع إلى الأمام حيث يرى قورحيين كثيرين. "فَأَرْسَلَ مُوسَى لِيَدْعُوَ دَاثَانَ وَأَبِيرَامَ ابْنَيْ أَلِيآبَ. فَقَالاَ لاَ نَصْعَدُ. أَقَلِيلٌ أَنَّكَ أَصْعَدْتَنَا مِنْ أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً لِتُمِيتَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ حَتَّى تَتَرَأَسَ عَلَيْنَا تَرَّؤُسًا" (ع 12، 13).

قال يهوذا في رسالته عن البعض أنهم "يتهاونون بالسيادة ويفتون على ذوي الأمجاد" وهذه الروح هي التي سوف تكون موجودة في الأثيم (2 تس 2: 4، 8) وتعني رفض السلطان الإلهي الذي فوض موسى وهرون في تمثيله، ومكتوب في مر 13: 34 "كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله"، وكلمة عبيده ترينا الخضوع، والسلطان يعطي للخاضعين له، وويل لأولئك الذين لا يعترفون بهذا السلطان ويحتقرونه، ويقترن هذا السلطان بالوداعة واللطف، وهذا مما يزيد شر هؤلاء الذين يحتقرونه، وهكذا نرى نوعين من المضادة يسيران في اتفاق- الإمساك بالقوة الدينية كما ترى في قورح، واحتقار السلطان الإلهي كما يرى في داثان وأبيرام، الأول طقسي يستحضر كل شيء تحت دعوى الكهنوت، والثاني عقلي يعظم الفكر الإنساني ولا يخضع لسلطان الرب المعطي لعبيده، ويشكل الاثنان معاً عصياناً ضد المسيح، يلجأ الأول إلى الناحية الدينية في الإنسان والآخر إلى العقل، ويهلك الاثنان معاً.

طلب موسى من قورح والمائتين والخمسين رجلاً أن يستحضروا مجامر ويجعلوا فيها بخوراً أمام الرب، وهذا يرينا أن كل الادعاءات الدينية يجب فحصها أمام الرب. وكان لموسى وهرون أيضاً كل واحد مجمرته. ووضع البخور على المجامر، "وَجَمَعَ عَلَيْهِمَا قُورَحُ كُلَّ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ" (ع 19). استمر العصاة في جسارتهم حتى النهاية، وتراءى مجد الرب وقتئذ لكل الجماعة. وحين يكتمل الشر لا بد أن يظهر مجد الرب ليدين الشر. كانت الجماعة في ذلك الوقت متأثرة بقورح وفي اتحاد معه في مقاومة لموسى وهرون، ولذلك عند ظهور مجد الرب كان الكل معرضين للدينونة.

"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلا افْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هذِهِ الْجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لَحْظَةٍ" (ع 20، 21)- استحقت كل الجماعة الفناء في لحظة، ولكن أظهر موسى وهرون شيئاً مختلفاً بعيداً عن الدينونة، كانت نعمة الله الكهنوتية ظاهرة فيهما وهي التي حفظت الجماعة كلها من الفناء، وهذا ما نراه في العدد التالي "فَخَرَّا (موسى وهرون) عَلَى وَجْهَيْهِمَا وَقَالاَ اللّهُمَّ إِلهَ أَرْوَاحِ جَمِيعِ الْبَشَرِ هَلْ يُخْطِئُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَتَسْخَطَ عَلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ" (ع 22).

نرى في وجود موسى وهرون على وجهيهما في وساطة من أجل الشعب أنهما قد شربا من الروح الحقيقية للكهنوت كما هي مقامة من الله لأجل أناس مخطئين. كانت وظيفة هرون تقديم ذبائح من أجل الخطية، وكان مكتوباً على الصفيحة الذهبية التي كانت على جبهة هرون "قدس للرب" كان هرون بوجود هذه الصفيحة على جبهته يحمل إثم الأقداس، أي الأشياء التي يقدسها بنو إسرائيل للرب، وكانت لا تخلو من الإثم، كان يحملها على جبهته لكي تقبل لدى الرب (خر 28: 38)، كان في فكر الله أن يتعامل مع شعبه ليس كما يستحقون بمقتضيات عدله، بل بمقتضى النعمة، كان الله يحسب الخطية فيهم، ويقابلها بالنعمة.

كان الله في اقتراح فناء الشعب يضع موسى وهرون أمام اختبار- هل هما في روح النعمة التي ينبغي أن يكون الكهنوت شاهداً لها؟ وكان جوابهما جميلاً، وكان الرب يعرف أنهما سيجيبان هذا الجواب، وتمجد بجوابهما هذا أكثر من قتل الشعب في لحظة، وضعهما في جوابهما هذا في المكان الذي كان لهما. ولكن النعمة لم تكن متعاملة مع موسى وهرون فقط ولكن أيضاً مع المخطئين لأن حكومة الله البارة تقضي بضرورة إدانة هؤلاء المخطئين الذين يقفون موقف العداوة لله.

كان موسى وهرون قريبين من الله، ولذلك عرفا أن وقت دينونة قورح وعصيانه قد حان، ولذلك طلبا من كل الشعب أن يعتزلوا عنهم. كانت خطية قورح للموت ولذلك لم يصل موسى لأجله، كما لم يصل بولس من أجل اسكندر النحاس، وكان الرب عتيداً أن يجازيه حسب أعماله (2 تي 4: 14). طلب موسى من الشعب أن يعتزا عنهم رغم أن حالة الشعب كانت منحدرة، ولكن كانت طرق الرب لا تزال طرق الرحمة، وعلى نفس هذا الأساس يوجد اليوم حفظ للمسيحية الاسمية رغم شرها، ولذلك ينبغي أن نتجنب اثمها، وننفصل تماماً عن أواني الهوان (2 تي 2: 19).

كان على كل الجماعة في ص 15 في هذا السفر أن ترجم كاسر السبت، ولكن في ص 16 كان على هؤلاء الذين يريدون تجنب الدينونة أو يفترزوا بعيداً عن الأشرار، وهذا يرينا الفرق بين 1 كورنثوس 5، 2 تيموثاوس 2، في الأولى نجد عزل الخبيث من بين الجماعة، تنقية الشر الذي كان فيها، وعندئذ تصبح الجماعة فطيراً خالياً من الخمير، لكن في الثانية كان على هؤلاء الذين يدعون باسم الرب أن ينفصلوا هم عن أواني الهوان لكي يتجنبوا دينونة المسيحية الاسمية (انظر رؤ 18: 4)، لأن الوقت الآن أصبح متأخراً لتصحيح أخطائها، والاثم الذي كان في قورح وعصابته نبوة عما هو حادث اليوم إذ أقامت المسيحية الاسمية لنفسها كهنوتاً، ولهذا الكهنوت تأثير كبير على عامة الشعب، وبذلك وضع تأثير موسى الحقيقي أي المسيح في أدنى مستوى حيث لا نرى خضوعاً له الأمر الذي نراه في داثان وأبيرام إذ رفضا أن يصعدا طاعة لأمر موسى، ورفض الناس الآن طاعة المسيح يتمثل في رفضهم طاعة كلمته تحت تأثير الكهنوت القورحي.

نتيجة لهذه الحالة الخطيرة عمل الرب شيئاً جديداً "ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ" (ع 30) وكلمة "ابتدع" جاءت في الأصل "خلق خليقة" كان الأمر شيئاً جديداً كلياً لك يسبق له مثيل، وهبط قورح وداثان وأبيرام. وكل ما لهم إلى الهاوية، وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمِئَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ رَجُلاً الَّذِينَ قَرَّبُوا الْبَخُورَ (ع 32، 33، 35)، وهذا يشير إلى المصير البئس الذي ينتظر العصاة الذين لا يخضعون لسلطان الرب يسوع، ويرينا كم هو مخيف الوقوع في يدي الله الحي لأنه "إله مهوب جداً في جميع مؤامرة القديسين ومخوف عند جميع الذين حوله" (مز 89: 8)، "إلهنا نار أكلة" (عب 12: 29).

"ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً قُلْ لأَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنِ أَنْ يَرْفَعَ الْمَجَامِرَ مِنَ الْحَرِيقِ، مَجَامِرَ هؤُلاَءِ الْمُخْطِئِينَ ضِدَّ نُفُوسِهِمْ، فَلْيَعْمَلُوهَا صَفَائِحَ مَطْرُوقَةً غِشَاءً لِلْمَذْبَحِ لأَنَّهُمْ قَدْ قَدَّمُوهَا أَمَامَ الرَّبِّ فَتَقَدَّسَتْ" (ع 36- 38).

كان الرب يريد أن يحمل المذبح شهادة عن هذه الدينونة. لم يكن يرغب في أن يتقدم أحد إليه دون أن يتذكر ما حدث، وأن محاولة الاقتراب إليه بالجسد شيء مرعب لا بد أن يصل بصاحبه إلى الخراب.

ولقد حفظ بنو قورح بالنعمة فلم يموتوا (عد 26: 22)، ويبدوا أنهم تعلموا قداسة الله من دينونة والدهم الرهيبة، وإذا أردنا أن نعرف حقيقة خدمتهم التي حفظت لهم فينبغي أن نقرأ الفصول التالية (1 أخ 9: 19- 32، 26: 1- 19، 2 أخ 31: 14- 18) كما أنهم كانوا حراس مدن الملجأ، وحراس أبواب خيمة الاجتماع، وحراس خزائن بيت الله، كانوا جبابرة بأس، واستخدمهم الوحي في كتابة المزامير الجميلة لا سيما مزمور الأقداس (مزمور 84)، كانوا أمناء مكرسين للرب.

نرى في هذا الأصحاح يوماً من أيام العصيان الوقح، كما نرى تزكية لموسى وهرون في دينونة هؤلاء العصاة وذلك في اليوم التالي، أما في اليوم الثالث فقد تَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْغَدِ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلِينَ أَنْتُمَا قَدْ قَتَلْتُمَا شَعْبَ الرَّبِّ (ع 41) وواضح من هذا أن فكر الجسد لا يتغير حتى بواسطة الدينونة، يبقى كما هو "عداوة لله" (رو 8: 7).

كان الله يريد أن يعرف هذا الشعب بوضوح أنه لولا وساطة موسى وهرون لأفناهم في لحظة، كرر الرب هذا الأمر مرتين، وكان موسى وهرون هناك ليمثلا ما كانه الله بالفداء والكفارة التي قابل بها شرور الإنسان وهو يريد بذلك أن يعلمنا أنه بعيداً عن وساطة المسيح وكهنوته لا يوجد شيء للإنسان العاصي سوى القتل، ولذلك نقرأ "فَجَاءَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً اِطْلَعَا مِنْ وَسَطِ هذِهِ الْجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ بِلَحْظَةٍ فَخَرَّا عَلَى وَجْهَيْهِمَا" (ع 43- 45)- خرَّا على وجهيهما في معرفة لعدالة الدينونة المعلنة، ولكن في روح الوساطة للناي العصاة. وموسى وهو متعلم تعليماً إلهياً- فكر في الحال في كفارة بدون وصية, لأنه لم يكن هناك في الناموس كفارة لمثل هذا العصيان، ولذلك قال لهرون " خُذِ الْمِجْمَرَةَ وَاجْعَلْ فِيهَا نَارًا مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَضَعْ بَخُورًا، وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعًا إِلَى الْجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ، لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الْوَبَأُ" (ع 46), وكان لا بد لهرون أن يأخذ النار من على المذبح التي لو أتت في تماس مع الجسد العاصي لقتلته. ولكن حين يأتي في تماس مع كمالات المسيح لاستحضرت رائحة زكية وهذا ما كان يقصده موسى أن تصعد في البخور رائحة المسيح الذكية فتكفر عن الشعب. وهذا الفصل هو الوحيد الذي فيه ترتبط الكفارة بالبخور. وحين نرجع إلى لاويين 16: 12، 13 نجد أنه كان على هرون أن يجعل البخور على النار أمام الرب لتغطي سحابة البخور كرسي الرحمة الذي على تابوت الشهادة لكي لا يموت هرون. كان يوم الكفارة في فكر موسى حين قال لهرون أن يعمل هذا الأمر، كان عليه أن يأخذ المجمرة الذهبية الوحيدة التي استخدمت في يوم الكفارة (عب 9: 4). وكان هذا جديراً أن يتكلم إلى الله عما حدث في ذلك اليوم إذ أخذ دم ذبيحة الخطية إلى دار الأقداس وبعد ذلك أخذ المجمرة ممتلئة بالفحم المتوهج من على المذبح وهكذا كانت يداه ممتلئتان بالرائحة الزكية، حمل هذا البخور على أساس أن الكفارة صنعت بموت ذبيحة الخطية، ولم يكن المسيح عظيماً ليكفر عن الخطية فقط، بل صعدت رائحته الذكية لله، عن هذا يتكلم البخور ليس فقط أن الله تمجد في مطاليبه المقدسة بالنسبة لما أهين به، بل كانت كفارته لها الرائحة الذكية، الخطية أزيلت رمزياً بحرق ذبيحة الخطية خارج المحلة، لكن كانت الرائحة الذكية هي الجواب الكامل الذي أعطاه المسيح لله في مكان الكفارة في الأقداس.

"وَقَفَ (هرون) بَيْنَ الْمَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الْوَبَأُ" (ع 48).

لم يكن هرون هذا سوى رمزاً للمسيح الوسيط بين الله والناس. إن العصيان في المسيحية الاسمية يستحق الموت، ولكن المسيح لا يزال عاملاً تجاه الإنسان الخاطئ في نعمة غير محدودة وهو يقف بمجمرته الذهبية ورائحته الذكية بين الموتى والأحياء، داعياً الإنسان الميت لكي يقبل إليه فينال الحياة، ومانعاً قتل المسيحية الاسمية بسبب شرورها وعصيانها، لقد احتملها خلال الألفين سنة الماضية، ولكن سوف تأتي دينونتها المحتمة في الوقت المعين، تأسست وساطته على ذبيحته الكاملة وكماله الشخصي، والكمال الذي يرى في وساطته الكهنوتية يرى أيضاً في خادمه المحبوب استفانوس الذي قال للرب في مواجهة الذين كانوا يرجمونه "لا تقم لهم هذه الخطية" (أع 7: 60)، وترى أيضاً في بولس الذي قال "احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني لا يحسب عليهم" (2 تي 4: 16).

إن واسطة المسيح هي التي تحفظ المسيحية الآن من الدينونة، وأعطى للمؤمنين أيضاً امتياز الاشتراك في هذه الخدمة. إن الدينونة حاضرة بسبب ضلالات وخرافات المسيحية الاسمية ولكن الصلوات الكهنوتية تنشر رائحة المسيح الزكية بين الموتى والأحياء وتمنع وقوع تلك الدينونة.

قرأت لك

وعلمه فوقي محبة

"... طلعته كلبنان. فتى كالأرز. حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبي وهذا خليلي يا بنات أورشليم" (نشيد الأنشاد 15:5). ما أجمل أن تحمل علم المسيح في كل ظروف حياتك، فعلمه يرفرف في القلوب العطشانة إلى البر وفي عقول الباحثين عن الحق، فلتفتخر أيها الإنسان المؤمن بالمسيح إذا كان علمه عاليا على بيتك وفي وفكرك وقلبك. فالكتاب المقدس يصف هذا العلم بأنه:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة