تفاسير

الأصحاح الرابع

القسم: تفسير سفر صموئيل الأول.

لم يكن لصموئيل يد في الأعمال التي انتهت بضياع التابوت، لكن لا يسعنا أن نتجاوز الكارثة ونحن نتناول حياة النبي. في مطلع الأصحاح الرابع نقرأ "وكان كلام صموئيل إلى جميع إسرائيل" أي أن كلامه حدث بجملته. وهكذا نتعلم أن هزيمة الشعب وموت ابني عالي وضياع التابوت كانت كلها إتماماً للرسالة الحزينة التي كان الرب قد استودعها للصبي صموئيل في إعلان الليل.

أخطأ الشعب ضد الله، وكان شر قادتهم واضحاً، ومع ذلك فقدوا الإحساس بحالتهم حتى تجاسروا على الدخول في معركة مع الفلسطينيين. وقتل نحو أربعة آلاف رجل في موضع عُرف في أيام سعيدة باسم "حجر المعونة" والذي يذكرنا بالمقولة المأثورة "إلى هنا أعاننا الرب". إن إلهنا الأمين الرحيم على استعداد دائماً لمعونة من يدينون أنفسهم ثم يلتمسون رحمته باتضاع. ولا ينبغي أن ننسى أن إله إسرائيل هو إلهنا وأن كل ما سبق فكُتب كُتب لأجل تعليمنا.

حين عاد الجيش المهزوم إلى المحلة قال الشيوخ "لماذا كسرنا اليوم الرب أمام الفلسطينيين" أليس السبب واضحاً؟ هل الله القدوس يجيز الشر في شعبه ثم يخلصهم من اعدائهم؟ لقد اعترفوا بربوبيته "كسرنا... الرب" لكنهم فقدوا الإحساس أنهم أشرار وأنهم يتعاملون مع إله قدوس.

قال الرب لهم مرة "إِيَّاكُمْ فَقَطْ عَرَفْتُ مِنْ جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ لِذَلِكَ أُعَاقِبُكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذُنُوبِكُمْ" (عا 3: 2) هذا مبدأ في غاية الخطورة. فوجودنا في علاقة خاصة مع الله شيء مبارك وخطير في آن واحد.

عندما شرع الرب يدين شعبه قديماً قبل السبي البابلي قال لرسل القضاء "وابتدئوا من مقدسي" (حز 9: 6) كما هو مكتوب أيضاً "ابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ" (1 بط 4: 17) فإذا تعافى الشعب عما هو جدير بالرب فإنه له المجد لن يسكت ولن يفشل في إدانة الهوان الذي يلحق باسمه القدوس.

اقترح شيوخ إسرائيل علاجاً للموقف وقالوا "لنأخذ لأنفسنا من شيلوه تابوت عهد الرب فيدخل في وسطنا ويخصلنا من يد أعدائنا" هم ينسبون الخلاص إلى التابوت، صحيح أنه سار أمامهم يوم عبروا الأردن، ويوم أحاطوا بأسوار أريحا، ولكن هل كان التابوت هو العامل في تلك المناسبات أم الله؟ إذاً فهم ينسون الله ويملأون أذهانهم بمجرد رمز يأخذ مكانه. لقد استبدلوا بالله علاقة ظاهريو منظورة، وذلك هو جوهر الوثنية وحتى نور الإنجيل لم يستطع أن يقي المسيحية الاسمية من هذه الخطية وطالما رأينا أن المعمودية وعشاء الرب مع أنهما امتيازان من الرب ويوحيان بالشيء الكثير للذهن الروحي قد أصبحا معتمد الجماهير في يومنا، وليس ذلك فقط بل أدخلوا تماثيل وصوراً في أيام الكوارث واجتازوا بها في الشوارع لتقي الشعب مما يخافونه. ما أبشعه أمراً في عيني ذاك الذي أعلن ذاته في شخص ابنه، وأعطى الناس كلمته المكتوبة!

وضاعف إسرائيل الشر حينما استحضروا معهم حفنى وفينحاس. وكان هذان الشريران مسئولين عن التابوت، ويا لها من إساءة، لم يكن الله الغاضب بطيئاً في الانتقام منها.

وصياح الفرحة بين إسرائيل إثر وصول التابوت ورعب الفلسطينيين عندما سمعوا الخبر كان شهادة على كلا الطرفين لم يقدر حقيقة التعامل مع الله، فالفلسطينيون قالوا "قد جاء الله إلى المحلة" وأعادوا إلى ذكرياتهم كيف أن الله القدير إله إسرائيل حطّم قوة المصريين فتشددوا ليقاتلوا بأكثر قوة عرفوها لكنهم بأسلوبهم كانوا سيحاربون الله! وفي جهلهم أخطأوا بين الرمز وبين اللاهوت ذاته المرموز إليه، وإنما حالة لإسرائيل المنحطة هي التي جعلتهم ينتصرون للمرة الثانية حيث "كانت الضربة عظيمة جداً وسقط من إسرائيل ثلاثون ألف راجل" وقد كان من الممكن ان ينال التحدي الفلسطيني جزاءه المحق لولا أن الشعب كان بحاجة إلى درس يتلقنه. فالتابوت الذي وثقوا به أخذ منهم، "ومات ابنا عالي حفنى وفينحاس". يسجل آساف في مزمور 78: 61 أن الله "سلم للسبي عزه وجلاله ليد العدو" فقد كانت الكارثة كاسحة. هل كان يخطر ببال موسى وهرون أن تابوت عهد سيد كل الأرض يمكن أن يصبح غنيمة لعدو وثني؟

إن المُخبّر- رجل العيان- الذي أخبر عالي بالكارثة ذكر هروب إسرائيل وكسرتهم أمام الفلسطينيين في المقام الأول، وكأن ذلك في نظره هو الأكثر أهمية، وبعد ذلك ذكر موت حفنى وفينحاس، وأخيراً أخذ تابوت الله. ورغم قسوة كل هذه الأخبار لكن ما قضى على عالي التقى لم يكن إسرائيل ولا حتى أولاده بل لما ذكر تابوت الله أنه سقط عن الكرسي. لقد كان الضعف والتردد هما علة خراب الكاهن الشيخ. ليت الرب في رحمته يحمينا من هذا الفخ الذي يلائم طبيعتنا وهي في اليسر والراحة وليهبنا نعمة لكي تثبت أقدامنا حين تتعرض المصالح الإلهية للخطر.

وفي نفس روح التقوية لعالي الكاهن كانت امرأة فينحاس التي نلاحظ أن الوحي قبل أن ينسبها إلى فينحاس زوجها فقد نسبها إلى عالي إذ يقول "وكنته امرأة فينحاس.. عند احتضارها قالت لها الواقفات عندها لا تخافي لأنك قد ولدت ابناً" لقد أردن أن يقلن أن هذا الولد سيعوضك عن الرجل الذي مات لكن ما قيمة الرجل، لا سيما إذا كان مثل فينحاس، وما قيمة الولد بالمقابلة مع التابوت الذي أخذ.. لقد أضيف أحد الأولاد إلى إسرائيل ولكن في المقابل أخذ التابوت. صحيح كان الولد شيئاً عظيماً عند كل نساء العهد القديم بسبب الوعد الإلهي في تكوين 3: 16، أما التابوت فقد كان كل شيء عند أتقياء إسرائيل. لذلك "لم تجب ولم يبال قلبها" ولم تنطق سوى باسم الصبي "فدعت اسمه إيخابود قائلة قد زال المجد من إسرائيل".

والحديث عن المجد في إسرائيل ذو شجون. فأول ما ظهر مجد الرب لإسرائيل كان في ابتداء ظهورهم كأمة، وهم لا يزالون في أرض مصر (خر 13) وصار هذا المجد لخلاصهم إذ فصل بينهم وبين أعدائهم (خر 14)، ومرة ثالثة ظهر في خروج 16 وفي كل ذلك كانت معاملات الرب مع شعبه نعمة مطلقة.. لكن عند جبل سيناء وقد كان منظر الرب كمار آكلة فوق الجبل (خر 19، 24) فإن بني إسرائيل لم يحتملوا هذا المجد فقالوا لموسى "تكلم أنت معنا فنسمع ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت" (خر 20: 18، 19) لقد كان المشهد ناموساً مطلقاً بدون نعمة وكما فشل الشعب تحت النعمة إذ لم يقدرّها، فإنه فشل تحت الناموس إذ لم يحتمله. وبعد أن كسر موسى لوحي العهد فإنه صعد مرة أخرى فوق الجبل، وفي هذه المرة تقابل الله معه لا بنعمة خالصة ولا بناموس خالص بل بناموس ونعمة معاً (انظر خر 34: 5- 7) وفوق الجبل لم يأخذ موسى فقط مطاليب الله؛ الناموس بل أيضاً نموذج الخيمة، وفيها تابوت العهد حيث طلب الله من موسى أن يحفظ داخله الشهادة، كأن الله أعطاه السؤال وأعطاه أيضاً نموذج الإجابة أو الإجابة النموذجية، فتابوت العهد هو رمز لربنا يسوع المسيح الله الظاهر في الجسد، إنه الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يحفظ الناموس وينفذ كل مطاليب الله، ولذا فبمجرد أن صنع موسى أدوات الخيمة ثم أقام الخيمة ثم وضع الشهادة في التابوت فوضع التابوت في مكانه، وأتم موسى العمل فإن سحابة المجد استقرت على التابوت.

لقد كان عرش الله على الأرض هو تابوت العهد. فعلى الكروبين اللذين فوق الغطاء كان يجلس رب الجنود ولذا فقد دعي "كروبا المجد" ودعا داود التابوت نفسه "تابوت عز الرب" وأيضاً "مجد الرب" (مز 132: 8، 26: 8).

هل كان يخطر على بال موسى أو هرون أن هذا التابوت الذي يدعى عليه بالاسم، اسم رب الجنود سيؤُخذ إلى شعب الفلسطينيين؟ هل كان أمراً محتملاً على أي تقي أن يؤخذ التابوت؟ (انطر مز 78: 56- 64). أين إذاً سيستقر المجد؟ وماذا سيفعل رئيس الكهنة في يوم الكفارة؟ آه، إن من لهم قلب لأمور الرب فإن ما حدث كان بالتأكيد أكبر من طاقة احتمالهم، فلا عجب أن انقلب المخاض على هذه المرأة التقية وماتت.

إن كلمة إيخابود تعني "أين المجد"؟ أو "لا مجد" وهي كلمة دلت على فطنة روحية كبيرة اتصفت بها هذه المرأة. لقد ميزت مسبقاً الحالة التي سيدخل إليها الشعب، فقد كُتب ولفترة طويلة (نحو سبعين سنة) كلمة إيخابود على الأمة كلها إلا أن جاء داود وأعاد التابوت لكن مكان جديد وأعظم، وهو في هذا رمز لابن داود ربنا يسوع المسيح الذي سيعيد المجد في صورة أشمل وأروع. لقد أراد داود أن يبني بيتاً لهذا التابوت (2 صم: 7) لكن الرب قال له إن ابنه سليمان هو الذي سيبني البيت. وبعد أن بنى سليمان الهيكل العظيم، بيت سكن الرب وفي أورشليم، وعندما أدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه، ثم خرجوا من القدس, فقد ملأ السحاب بيت الرب ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب لأن مجد الرب ملأ البيت.

يا له من يوم عظيم في أمة إسرائيل.. لكن الرب شجّع وحذّر سليمان بالقول "قَدَّسْتُ هَذَا الْبَيْتَ الَّذِي بَنَيْتَهُ لأَجْلِ وَضْعِ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ.. إِنْ كُنْتُمْ تَنْقَلِبُونَ أَنْتُمْ أَوْ أَبْنَاؤُكُمْ مِنْ وَرَائِي.. فإِنِّي أَقْطَعُ إِسْرَائِيلَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ.. وَالْبَيْتُ الَّذِي قَدَّسْتُهُ لاِسْمِي أَنْفِيهِ مِنْ أَمَامِي" (1 مل 9: 3- 7).

ويا للأسف سليمان نفسه انقلب وعبد الأوثان، ومن وراءه أبناؤه واحتملهم الرب طويلاً حتى جاءت لحظة القضاء كما تنبأ حزقيال، وفارق المجد أورشليم (حز 10: 11) وتكررت من جديد كلمات هذه المرأة التقية "إيخابود" لكن بصورة أرهب، فقد سبُوا إلى بابل سبعين سنة ثم عادوا بعد ذلك بلا تابوت على الإطلاق، فقد جاء نبوخذ نصر وأحرق بيت الله وأهلك جميع آياته الثمينة وكان من ضمنها تابوت العهد، فتمت على أورشليم كلمات حزقيال النبي "هي رثاء وتكون لمرثاة" (حز 19: 14).

لكن الرب في رحمته أرجع بقية قليلة إلى أورشليم، وبنوا الهيكل بدون التابوت، لكن النبوات كلها كانت تشير إلى قرب حضور الرب بنفسه إليهم، المجد الحقيقي (حج 2: 9 وزك 6: 12 وملا 3: 1).

لقد قالت الواقفات "لا تخافي لأنك قد ولدت ابناً" لكن كيف لا تخف وقد زال المجد؟ لكن عندما حان موعد ظهور المجد الحقيقي ربما يسوع المسيح جاءت هذه الكلمة في وقتها بعد فترة صمت دامت نحو أربعمائة سنة "لا تخف يا زكريا" وبعدها بنحو ستة أشهر جاءت الرسالة الثانية للعذراء مريم "لا تخافي يا مريم" ثم بعد عدة أشهر أخرى ليوسف خطيب مريم "يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك" وأخيراً عندما وُلد الرب فعلاً وحضر المجد وظهر لجماعة الرعاة "مجد الرب أضاء حولهم" فقال لهم الملاك "لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب". لكن آه من غباء هذه الأمة، ففي هذه المرة لم يأخذ الغلف التابوت, بل هم أنفسهم سلموا الرب يسوع إلى الأمم.. فزال المجد من إسرائيل للمرة الثالثة. وكما لم تبال امرأة فينحاس بالولد فإن المجدلية لم تبال بالملاكين عند القبر الفارغ بعد القيامة لأنه "أين المجد؟" لكن الرب يسوع قام من الأموات وظهر لمريم المجدلية وكفكف دموعها. ثم ارتفع إلى السماء. والآن نحن بالإيمان نراه مكللاً بالمجد والكرامة. لكنه قريباً سيعود وستبصر كل عين مجده "لأن الأرض تمتلئ من معرفة مجد الرب كما تغطي المياه البحر" (حب 2: 14). ومن الجميل أن نلاحظ أن الهيكل الألفي كما تنبأ عنه حزقيال لم يكن فيه تابوت لأن الرب نفسه سيكون ظاهراً لكل عين (إش 33: 17)، وعلى الكل سيكون المجد غطاء (إش 4: 5).

هل لاحظنا نحن زوال المجد عن المسيحية في هذه الأيام؟ صحيح أن هيكل الرب أيام تلك المرأة التقية لم يكن قد نقض، لقد ظل باقياً في شيلوه وبقي فيه مذبح النحاس وبقيت المائدة والمنارة. ولكن أين التابوت؟ أين المجد؟ وهكذا الآن في المسيحية لا زال هناك من يخلصون على أساس عمل المسيح على الصليب ولا زال هناك من يشبعون بشخصه ومن يستنيرون بنوره لكن ما أقل من يقدّرون في مسيحية اليوم, التابوت الحقيقي أي شخصه هو له المجد, وحضوره المبارك مركز اجتماعات القديسين الذي يحضر وسط أي اثنين أو ثلاثة مجتمعين إلى اسمه على أساس مبدأ الجسد الواحد (مت 18: 20).

أخيراً نقول لماذا لم يذكر الكتاب المقدس اسم هذه المرأة؟ لعل السبب هو أنه في أزمنة طغيان الشر فإن الأتقياء يكونون مجهولين من العالم، لكن عين الله لا تخطئهم. وذكر الله الرجل الذي اقترنت به وعاشت معه ليصور لنا  في أي وسط عاشت هذه المرأة التقية بمستوى راقٍ جداً من الحساسية والفطنة الروحية حيث عاشت مع شخص مثل فينحاس واحتملت رغم شروره الفظيعة بل وأحبته حتى أنها عند سماعها خبر موته انقلب مخاضها وماتت، لكنها وضعت عالي قبل زوجها لأنه رئيس الكهنة القاضي التقى على أن ما وضعته في المقدمة كان هو تابوت الله. لقد نيتت كزهرة السوسن البيضاء وسط الطين، وهكذا كانت التقوى في أردأ الأوساط شراً ونجاسة.

 

قرأت لك

من وراء الغمام

ارحمني يا الله ارحمني لأنه بك احتمت نفسي وبظل جناحيك أحتمي إلى أن تعبر المصائب (مزمور 1:57)، هكذا صرخ داود من أعماق قلبه عندما كان تائها من وجه الملك شاول في المغارة،

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة